أَخي المسلمَ اللَّبيب!
اعلمْ - رزقكَ اللهُ علمًا نافعًا وفهمًا راسخًا - أَنَّهُ ليسَ منَ العلْمِ أَن يكونَ للإنسانِ رأْيٌ معلَنٌ في كلِّ مسأَلَةٍ، ولا منَ العقْلِ أَن يحكمَ في واقعَةٍ لم يستكمِلْ تصوُّرَها، ولم يُحِطْ بأَدلَّتِها وملابساتِها، ولم يمتلِكْ أَدواتِ النَّظرِ فيها.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
فلكلِّ علْمٍ أَهلُهُ، ولكلِّ ميدانٍ أَدواتُهُ ومُصطلحاتُهُ ومُناهجُهُ؛ وليسَ التَّمكُّنُ في فنٍّ دليلًا على التَّمكُّنِ في سائِرِ الفنونِ، ولا الشُّهرَةُ في مجالٍ شهادَةً بالأَهليَّةِ في كلِّ مجالٍ.
ومَن اقْتَحَمَ ما لا يُحسِنُهُ، ربَّما أَخطأَ في تصوُّرِ المسأَلَةِ قبْلَ أَن يخطئَ في حكمِها، وقالَ العجيبَ وهو يظنُّهُ تحقيقًا، وجزًمَ بالظَّنِّ وهو يحسبُهُ يقينًا؛ لأَنَّ الحكمَ على الشَّيْءِ فرعٌ عن تصوُّرِهِ، وسلامَةَ النَّتيجَةِ تفتقِرُ إلى سلامَةِ المقدِّماتِ.
والمسائِلُ المركَّبةُ - ولا سيَّما النَّوازلَ الطبيَّةَ والاقتصاديَّةَ والسِّياسيَّةَ والتَّقنيَّةَ - قدْ لا يستقِلُّ بتصوُّرِها علْمٌ واحِدٌ؛ بلْ تحتاجُ إلى تكامِلِ الخبراتِ: فيُصوِّرُ الخبيرُ حقيقتَها وآثارَها، ويُكيِّفُ الفقيهُ صورتَها، وينظرُ في أَدلَّتِها ومناطِ حكمِها ومآلاتِها؛ فلا يستقِلُّ الخبيرُ الفنِّيُّ بالحكمِ الشَّرعيِّ لمجرَّدِ خبرتِهِ، ولا يستغْني الفقيهُ عن أَهلِ الخبرَةِ في معرفَةِ واقعٍ لا يُحسِنُ تفاصيلَهُ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ورُبَّ كلمَةٍ قالَها صاحبُها بثقَةٍ، ثمَّ انْكَشَفَ لهُ مِن حقائِقِ المسأَلَةِ وملابساتِها ما لم يكنْ يعلمُهُ؛ فليتَهُ تثبَّتَ قبْلَ أَن يتكلَّمَ، وسأَلَ قبْلَ أَن يحكمَ، وميَّزَ بينَ ما يعلمُهُ، وما يظنُّهُ، وما يحتاجُ فيهِ إلى أَهلِ الاخْتِصاصِ.
• فمِن رُسوخِ العالِمِ أَن يعرِفَ ما يُحسِنُهُ وما لا يُحسِنُهُ، ومِن أَمانتِهِ أَن يتكلَّمَ بعلْمٍ، ويتوقَّفَ عندَ الاشتباهِ، ويُحيلَ إلى أَهلِ الفنِّ فيما خفيَ عليهِ، ويرجعَ إلى الحقِّ إذا ظهرَ لهُ خطؤُهُ.
• وليسَ قولُ «لا أَعلْمُ!» نقصًا في العالِمِ، ولا إحالتُهُ إلى المتخصِّصِ عجزًا؛ وإنَّما النَّقْصُ أَن يتكلَّمَ فيما لا يعلْمُ، ثمَّ يمنعَهُ الكِبرُ مِنَ التَّوقُّفِ، أَو يحولَ بينَهُ وبينَ الرُّجوعِ إلى الحقِّ.
اللَّهُمَّ! ارزقْنا علمًا نافعًا، وفهمًا صحيحًا، وبصير!ةً بحدودِ علمِنا، وورعًا يمنعُنا مِنَ القولِ عليكَ بغيرِ علْمٍ، وتواضعًا يردُّنا إلى الحقِّ متَى ظهرَ لنا.. آمين!

