قسم المقالات موقع الشيخ عبدالله الأثري
جميع المقالات مقال اليوم بصائر في المنهج والواقع معالم الحب الصادق خصائص أهل السنة والجماعة وصفاتهم العلماء والسياسة الشرعية شرح قاعدة اللهم ادفع الظالمين بالظالمين رمضان ليس شهرا في العام بل حياة كاملة في شهر صفات لا تليق بمؤمن؛ يجب أن نحذرها تنبيهات إيمانية في إيقاظ القلوب أصول محكمة في ضوابط الدعوة ومناهجها أصول محكمة في ضوابط طلب العلم ومناهجه نحو مؤسسات ربانية قائمة على الشورى والعدل والأمانة عبق العلماء في خواطر الشيخ مقالات منوعة
guraba yayinlari guraba yayinlari

»حينَ يحجِبُ العالِمُ الخيرَ؛ بدَلَ أَن يدلَّ عليهِ«:

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للعلْمِ النَّافعِ والعملِ الصَّالحِ - أَنَّ مِن أَعظَمِ الفتنِ في بابِ العلْمِ: أَن يحمِلَ المرءُ حظًّا منهُ، ثمَّ لا يهتديَ بهِ، ولا يدلَّ النَّاسَ على الحقِّ؛ بلْ يجعلَ ما عندَهُ مِن علْمٍ حجابًا بينهم وبينَ الهدى؛ بكتمانِ الحقِّ الواجبِ بيانُهُ، أَو تلبيسِ الباطلِ، أَو تحريفِ دلالاتِ النُّصوصِ، أَو تنزيلِها في غيرِ مواضعِها خدمَةً لهوًى أَو سلطانٍ أَو جماعَةٍ.

فمثلُهُ كمثلِ صخرَةٍ اعترضَتْ مجرى الماءِ: لم تنتفعْ بهِ، ولم تتركْهُ يبلغُ مَن يحتاجُ إليهِ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].

فالعالِمُ الرَّبَّانيُّ وظيفتُهُ الدَّلالَةُ على اللهِ تعالى، وبيانُ الحقِّ بالعلْمِ والعدْلِ والأَمانَةِ، وتقريبُ سبيلِ فهمِهِ إلى النَّاسِ؛ فلا يجعلُ علمَهُ سُلَّمًا إلى سلطانٍ، ولا متراسًا لجماعَةٍ، ولا غطاءً لهوًى أَو مصلحَةٍ عارضَةٍ.

أَمَّا عالِمُ السُّوءِ؛ فيكتمُ الحقَّ حيثُ يتعيَّنُ بيانُهُ، أَو يخلطُهُ بالباطلِ، أَو يُضخِّمُ الجزئيَّاتِ ليحجبَ بها الكلِّيَّاتِ، أَو ينتقي مِنَ النُّصوصِ ما يخدمُ غرضَهُ، ثمَّ يُسقطُها على الوقائعِ بغيرِ تصوُّرٍ صحيحٍ ولا تحقيقٍ للمناطِ.

وليسَ كلُّ سكوتٍ كتمانًا مذمومًا؛ فقدْ يكونُ السُّكوتُ ورعًا عندَ عدَمِ العلْمِ، أَو حكمَةً عندَ خشيَةِ مفسدَةٍ أَرجحَ، أَو عجزًا معتبرًا. وإنَّما المذمومُ أَن يتعيَّنَ البيانُ، ويتبيَّنَ الحقُّ، ويقدرَ العالِمُ على إظهارِهِ، ثمَّ يكتمَهُ طلبًا لمصلحَةٍ أَو خوفًا على منزلَةٍ.

كما ينبغي أَن يُنقَدَ القولُ والفعلُ بالدَّليلِ، مِن غيرِ اقتحامٍ للنِّيَّاتِ؛ فقد يخطئُ العالِمُ في اجتهادٍ أَو تنزيلٍ، ولا يكونُ خطؤُهُ خيانَةً متعمَّدَةً.

أَمَّا مَن ثبتَ أَنَّهُ عرَفَ الحقَّ ثمَّ حرَّفَهُ أَو كتمَهُ خدمَةً للباطلِ؛ فقد خانَ مِن أَمانَةِ العلْمِ بقدَرِ ما حرَّفَ وكتمَ.

فخطرُ الجاهلِ أَنَّهُ لا يعلمُ، وخطرُ مَن يعلمُ ثمَّ يلبِّسُ أَو يكتمُ أَنَّ النَّاسَ قد يغترُّون بعلمِهِ؛ فيتَّبعون خطأَهُ وهم يحسبونَهُ هُدًى.

ولا تستعجَلْ انكشافَ الباطلِ؛ فقدْ يطولُ أَمدُهُ، ولكنَّ الزَّيفَ لا يصيرُ حقًّا بطولِ بقائِهِ، ولا تتحوَّلُ الخيانَةُ أَمانَةً بكثرَةِ المصفِّقينَ لها.

فأَمانَةُ العالِمِ أَن يكونَ جسرًا إلى الحقِّ لا حاجزًا عنهُ، ودليلًا إلى الهدى لا ساترًا لهُ؛ وأَن يجعلَ العلمَ حاكمًا على مواقفِهِ، لا أَن يجعلَ مواقفَهُ حاكمةً على العلْمِ.

اللَّهُمَّ! ارزقْنا علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا صادقًا، وشجاعَةً في بيانِ الحقِّ، وورعًا عن القولِ عليكَ بغيرِ علْمٍ؛ واجعلْ علمَنا هاديًا لنا ولعبادِكَ، وحُجَّةً لنا لا علينا.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Read More