رسالَةٌ علميَّةٌ إلى الشَّيخِ حاتمِ بنِ عارفٍ العونيِّ
في أَدَبِ الحوارِ العلميِّ، وحدودِ التَّعاملِ مع الرأْيِ المخالفِ
الحمدُ $ِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسُّلامُ على› رَسُولِ ا$ِ، وعلى› آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ والاهُ.
أَمَّا بعدُ :فهذِهِ رسالَةُ بيانٍ ونصيحَةٍ؛ لا أُريدُ بها انتقاصَ شخصٍ، ولا الطَّعنَ في نيَّةٍ، ولا الانتصارَ للنَّفسِ؛ وإنَّما أُريدُ تقريرَ أَصْلٍ منهجيٍّ يحتاجُ إليهِ طُلابُ العلْمِ، وهو:
أَنَّ الأَقوالَ العلميَّة تُناقَشُ بالحجَّةِ، وأَنَّ النَّقدَ المؤدَّبَ لا يُواجَهُ بالإقصاءِ والحذْفِ؛ ما دامَ ملتزمًا بحدودِ الشَّرعِ والأَدَبِ والموضوعيَّةِ.
والنَّصيحَةُ من أُصولِ هذا الدِّينِ العظيمِ:
قالَ النَّبيُّ» :# الدِّينُ النَّصيحَةُ« قُلنا: لِمَنْ؟ قالَ $» ولكتابِهِ، ولرَسُولِهِ، ولأَئِمَّةِ المُسْلِمينَ وعامَّتِهِمْ«. رواه مسلم.
نشرَ الشَّيخُ حاتمُ بنُ عارفٍ العونيُّ - غفرَ ا$ُ له ولنا - كلامًا ينتقِدُ فيهِ ما سمَّاهُ:
»السَّلفيَّةَ المعاصرَةَ« فقالَ:
)إدخالُ العوامِّ - من غير أهل التخصُّص في العلوم الشرعيَّة - في خلافات المتخصِّصين، كما تفعله السلفيَّة المعاصرة في كثيرٍ من مسائل الخلاف العقديَّة والفقهيَّة؛ خيانةٌ للدين، ونوعٌ من الغوغائيَّة و»البلطجة« من خلال الاستقواء بالعوام؛ فهم يعلمون أنَّ السطحيَّة وعدم التعمُّق سمةُ العوام، فيستغلُّون هذا فيهم، وينشرون الفهوم السطحيَّة بينهم، التي تغرُّهم بظواهرها غير المرادة، وينفِّرونهم من الفقه والعمق، بحجَّة أنَّه تفلسفٌ وتمعقلٌ على الوحي، وتقديمٌ للعقل على النقل .ويستكثرون من هذا الصنف من الناس، ويستقوون بهم على أهل العلم؛ فيفسد الدين بذلك، بعد أن أفسدوا العلم! فأيُّ خيانةٍ أعظم من ذلك؟!).
فرأَيتُ أَنَّ في أَصلِ هذا الكلامِ جانبًا منَ الحقِّ ينبغي قبولُهُ.
وفيهِ - في الوقتِ نفسِهِ - قدَرٌ ظاهرٌ منَ التَّعميمِ والمجازفَةِ، وأَلفاظٌ شديدَةٌ تحتاجُ إلى بيِّنَةٍ وتحريرٍ.
فكتبْتُ في» صفحتِهِ « ردًّا علميًّا هادئًا؛ لم يتضمَّنْ سبًّا، ولا تجريحًا، ولا سخريَةً، ولا خروجًا عن موضوعِ المنشورِ، وإنَّما ناقشَ الفكرَةَ من جهَةِ الدَّليلِ والعَدْلِ والمنهجِ.
وكانَ نصُّ تعليقي، المنشورِ في تمامِ السَّاعَةِ التَّاسعَةِ مساءً، بتاريخ ٢٠٢٦/٧/١٣م:
)هذا الكلامُ منَ الشَّيخِ - غفرَ ا$ُ لهُ - فيهِ شيءٌ منَ الحقِّ، وفيهِ قدرٌ كبيرٌ منَ التَّعميمِ والمجازفَةِ؛ ولذلكَ لا يصحُّ إطلاقُهُ بهذهِ الصِّيغَةِ. ويمكنُ التَّفريقُ بينَ أُمورٍ:
إنَّ إشغالَ العوامِّ بالخلافاتِ العلميَّةِ الدَّقيقَةِ في أَبوابِ العقيدَةِ والفقهِ والأُصولِ، وإقحامَهم في منازعاتِ المتخصِّصينَ؛ خطأٌ تربويٌّ ومنهجيٌّ، وقدْ نبَّهَ عليهِ العلماءُ قديمًا وحديثًا؛ فليسَ كلُّ ما يبحثُ في مجالسِ التَّحقيقِ العلميِّ يصلحُ أَنْ يطرحَ لعامَّةِ النَّاسِ؛ لأَنَّ المقصودَ هدايتُهم، وتعليمُهم ما يحتاجونَ إليهِ، لا إدخالُهم في جدالاتٍ تشتِّتُ قلوبَهم، وتربكُ تصوُّرَهم للدِّينِ.
قالَ عليٌّ رضيَ ا$ُ عنهُ: (حدِّثوا النَّاسَ بما يعرفونَ؛ أَتحبُّونَ أَنْ يُكذَّبَ ا$ُ ورسولُهُ؟( رواهُ البخاريُّ.
وقالَ عبدُ ا$ِ بنُ مسعودٍ رضيَ ا$ُ عنهُ: (ما أَنتَ بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغُهُ عقولُهم إلَّا كانَ لبعضِهم فتنَةً) رواهُ مسلمٌ في مقدِّمةِ صحيحِهِ.
نسبةُ هذا المسلكِ إلى »السَّلفيَّةِ المعاصرَةِ« بإطلاقٍ ليستْ منصفَةً؛ لأَنَّ المنتسبينَ إلى السَّلفيَّةِ ليسوا مدرسَةً واحدَةً في واقعِهم ومناهجِهم وخطابِهم؛ ففيهم علماءُ ودعاةٌ ينهونَ عن إشغالِ العامَّةِ بدقائقِ الخلافِ، ويفرِّقونَ بينَ خطابِ العامَّةِ، وخطابِ طلَّابِ العلمِ، وخطابِ أَهلِ التَّخصُّصِ.
وفي المقابلِ؛ قدْ يوجدُ أَفرادٌ أَو تيَّاراتٌ ينتسبونَ إلى السَّلفيَّةِ، يغلبُ على خطابِهم تحويلُ بعضِ المسائلِ العلميَّةِ إلى معاركَ جماهيريَّةٍ؛ لكنَّ هذا المسلكَ لا يختصُّ بمنتسبينَ إلى اتِّجاهٍ واحدٍ، بلْ قدْ يوجدُ عندَ سلفيٍّ، أَو أَشعريٍّ، أَو صوفيٍّ، أَو مذهبيٍّ، أَو حركيٍّ، أَو غيرِهم.
والعَدْلُ يقتضي أَنْ ينسَبَ الخطأُ إلى منْ وقعَ فيهِ، وأَنْ يوصفَ بقدرِهِ، منْ غيرِ تعميمٍ على طوائِفَ واسعَةٍ؛ قالَ تعالى: ﴿ولا يجرمنَّكم شنآنُ قومٍ على ألَّا تعدلوا اعدلوا هوَ أقربُ للتَّقوى﴾ [المائدة: ٨].
وصفُ هذا المسلكِ بأَنَّهُ» خيانَةٌ للدِّينِ«! و»بلطجَةٌ!«؛ فهوَ وصفٌ شديدٌ لا ينبغي إطلاقُهُ على طائفَةٍ واسعَةٍ بسببِ أَخطاءِ بعضِ أَفرادِها أَو اتِّجاهاتِها؛ فإنَّ الأَحكامَ العامَّةَ يجبُ أَنْ تُبنى على الاستقراءِ والبيِّنَةِ والعدْلِ، لا على الغضَبِ والانفعالِ.
ولا شكَّ أَنَّ استغلالَ العامَّةِ، وتعبئتَهم للانتصارِ لمذهبٍ، أَو جماعَةٍ، أَو شخصٍ؛ مسلكٌ مذمومٌ متى وقع، أَيًّا كانَ فاعلُهُ؛ لأَنَّ الحقَّ أَبلجُ، ولا يُعرَفُ بكثرَةِ الأَتباع، ولا بارتفاعِ أَصواتِ الجماهيرِ، وإنَّما يُعرَفُ بالدَّليلِ والبرهانِ، ويُقامُ بالعدْلِ والإنصافِ.
والإشكالُ الحقيقيُّ ليسَ في تعليمِ العامَّةِ ما يحتاجونَ إليهِ منْ أُصولِ العقيدَةِ وأَحكامِ الفقهِ؛ فإنَّ هذا منْ واجبِ العلماءِ والدُّعاةِ، وإنَّما الإشكالُ في:
١- نقلِ الخلافاتِ العلميَّةِ الدَّقيقةِ إليهم؛ منْ غيرِ حاجَةٍ.
٢- تصويرِ المسائلِ الاجتهاديَّةِ؛ كأَنَّها منْ أُصولِ الإيمانِ والكفرِ.
٣- تعبئَةِ الجماهيرِ ضدَّ العلماءِ المخالفينَ.
٤- تحويلِ البحثِ العلميِّ؛ إلى صراعٍ جماهيريٍّ وعصبيَّةٍ مذهبيَّةٍ أَو جماعيَّةٍ.
= فالواجبُ نقدُ هذا المسلكِ حيثما وجدَ، منْ غيرِ ظلمٍ، ولا تعميمٍ، ولا استعمالِ أَلفاظٍ تتجاوزُ قدرَ الخطأِ(.
حذفُ التَّعليقُ الأَوَّلِ!
وبحسبِ ما وقعَ معي، لم يلبثْ هذا التَّعليقُ طويلًا؛ بلْ حُذفَ بعدَ مدَّةٍ وجيزَةٍ، ثم حُظرَ حسابي من المشاركَةِ في »الصَّفحَةِ« ! معَ أَنَّ التَّعليقَ - كما يظهرُ من نصِّهِ - لم يتضمَّنَ إساءَةً شخصيَّةً، ولا تجريحًا، وإنَّما اشتمِلَ على موافقَةٍ في موضعٍ، ومخالفَةٍ علميَّةٍ مؤَدَّبَةٍ في موضعٍ آخرَ.
وفي اليومِ التَّالي؛ كتبتُ من حسابٍ آخرَ لي تعليقًا مؤَدَّبًا، نُشِر في تمامِ السَّاعَةِ الثَّانيَةَ عشرَةَ والنُّصفِ ظهرًا، بتاريخ ٢٠٢٦/٧/١٤م، وكان نصُّهُ:
)السَّلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.. كتبتُ بالأَمسِ عندَكمْ تعليقًا معتَدِلًا، لم يتضمَّنْ إساءَةً ولا تجريحًا، ثمَّ فوجئْتُ بحذفِهِ، معَ حظرِ حسابي منَ المشاركَةِ في »الصَّفحَةِ«!
وأَرى أَنَّ هذا لا ينسجمُ معَ مقتضى البحثِ العلميِّ؛ فإنَّ الحوارَ يقومُ على سماعِ الرأْيِ، ومناقشَةِ الدَّليلِ بالدَّليلِ، لا على إبقاءِ ما يوافقُ صاحبَ الصَّفحَةِ، وإخفاءِ كلِّ ما يخالفُهُ.
فإنْ كانَ ما كتبتُهُ خطأً؛ فبيِّنوا خطأَه بالحجَّةِ، وإنْ كانَ صوابًا أَو محتملًا للنِّقاشِ؛ فالأُولى أَنْ يتركَ ليطَّلعَ القرَّاءُ على وجهاتِ النَّظرِ، ويكونَ الفيصلُ هوَ الدَّليلُ.
أَمَّا فتحُ البابِ للرأْيِ الموافقِ، وإغلاقُهُ أَمامَ النَّقدِ العلميِّ المؤَدَّبِ؛ فليسَ منْ أَدبِ البحثِ، ولا ممَّا يعينُ على الوصولِ إلى الحقِّ.
ولذلكَ أَقولُ بكلِّ صراحَةٍ واحترامٍ: لقدْ غيَّرَ هذا التَّصرُّفُ انطباعي عنْ طريقَةِ إدارَةِ الحوارِ في الصَّفحَةِ؛ إذْ أَوحى بأَنَّ العنايَةَ بإبقاءِ الأَصواتِ المؤيِّدَةِ مقدَّمَةٌ على فتحِ بابِ النِّقاشِ العلميِّ.
وطالبُ الحقِّ لا يضيقُ بالنَّقدِ المؤدَّبِ، بلْ ينتفعُ بهِ؛ فإنْ كانَ الحقُّ معَهُ ظهرَ دليلُهُ، وإنْ كانَ قدْ أَخطأَ انتفعَ بمنْ نبَّهَهُ إلى خطئِهِ.
أَسأَلُ اللهَ أَنْ يرزقَني وإيَّاكمُ الإخلاصَ والإنصافَ، وأَنْ يجعلَ غايتَنا الوصولَ إلى الحقِّ واتِّباعَهُ(.
ثمَّ لَمْ تمضِ - بحسبِ ما ظهرَ لي - إلَّا دقائِقُ معدودَةٌ؛ حتَّى حُذِفَ التَّعليقُ الثَّاني، وحظرَ الحسابُ الآخرُ منَ المشاركَةِ في الصَّفحَةِ!!
وقفاتٌ منهجيَّةٌ وفقهيَّةٌ؛ معَ هذِهِ الحادثَةِ المؤلمَةِ:
ولستُ أَذكرُ هذِهِ الواقعَةَ للتَّشهيرِ بشخصٍ، ولا للحكمِ على باطنِهِ؛ فإنَّ النِّيَّاتِ مردُّها إلى اللهِ تعالى، ولا يجوزُ لنا أَن نجزمَ بأَنَّ فلانًا لا يريدُ الحقَّ، أَو لا يطلبُهُ؛ لمجرَّدِ تصرُّفٍ أَخطأَ فيهِ.
ولكنَّ الفعلَ الظَّاهرَ يجوزُ وصفُهُ ونقدُهُ بقدرِهِ؛ فالواجبُ التَّفريقُ بينَ نقدِ التَّصرُّفِ الظَّاهرِ، والحكمِ على النِّيَّةِ والقصْدِ؛ فالأَوَّلُ مبناهُ على البيِّنَةِ والمشاهدَةِ، وأَمَّا الثَّاني فمردُّهُ إلى اللهِ تعالى، العليمِ بما تُخفي الصُّدور.
أَوَّلًا- حقُّ صاحبِ »الصَّفحَةِ« في إدارتِها لا يمنعُ من نقدِ منهجِهِ في إدارَةِ الحوارِ:
لا شكَّ أَنَّ لصاحبِ الصَّفحَةِ الحقَّ في إدارتِها، وحذفِ السَّبِّ والشَّتمِ، والطَّعنِ في الأَعراضِ، والتَّكرارِ المزعجِ، والدِّعاياتِ، والكلامِ الخارجِ عن الموضوعِ، والجدالِ العقيمِ؛ بلْ قدْ يكون حذفُ ذلك من حُسنِ الإدارَةِ، وصيانَةِ النِّقاشِ، وحفظِهِ من الفوضى والإساءَةِ.
كما أَنَّهُ ليسَ مُلزمًا شرعًا ولا عقلًا بإبقاءِ كلِّ تعليقٍ يُكتب في صفحتِهِ، ولا بتحويلِها إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لكلِّ خصومَةٍ أَو منازعَةٍ.
لكنْ إذا نشرَ طالبُ العلمِ قولًا عامًّا في مسأَلةٍ علميَّةٍ، وفتحَ بابَ التَّعليقاتِ، وأَبقى كلماتِ المدحِ والموافقَةِ، ثمَّ حذفَ اعتراضًا علميًّا مؤدَّبًا متعلِّقًا بعينِ كلامِهِ؛ فإنَّ منْ حقِّ المتابعينَ أَنْ يتساءلوا عنْ معيارِ إدارةِ الحوارِ، وَأنْ ينقدوا هذا المسلكَ منَ النَّاحيَةِ المنهجيَّةِ، ما دامَ نقدُهم منضبطًا بالعدْلِ والأَدبِ.
فالمشكلَةُ ليسَتْ في مجرَّدِ استعمالِ خاصيَّةِ الحذفِ؛ وإنَّما في أَنْ تتحوَّلَ هذِهِ الخاصيَّةُ إلى وسيلَةٍ لإقصاءِ الرأيِ المخالفِ، أَو لإظهارِ القولِ وكأَنَّهُ محلُّ قبولٍ واتِّفاقٍ، بعدَ إزالةِ الردودِ العلميَّةِ الَّتي تناقشُهُ أَو تعترضُ عليهِ.
ثانيًا- حذفُ الاعتراضِ؛ لا يُعَدُّ جوابًا عنهُ:
إنَّ حذفَ الكلامِ المخالفِ لا يُبطلُ حجَّتَهُ، كما أَنَّ منعَ صاحبِهِ من التَّعليقِ لا يُثبتُ خطأَهُ؛ فالحجَّةُ لا تسقطُ إلَّا بحجَّةِ، والخطأُ لا يتبيَّنُ إلَّا بالدَّليلِ والبرهانِ.
وطالبُ العلمِ إذا رأَى في كلامِ مخالفِهِ خطأً؛ فبينَ يديهِ مسالكُ علميَّةٌ واضحة:
- إمَّا أَن يُجيبَ عنهُ، أَو يبيِّنَ موضعَ الخللِ فيهِ، أَو يعتذرَ عن الدُّخولِ في النِّقاشِ، أَو يوضِّحَ أَنَّ صفحتَهُ ليسَتْ مخصَّصَةً للمناظراتِ والمجادلاتِ المطوَّلَةِ.
- أَمَّا حذفُ النَّقدِ العلميِّ الهادئ، مع إبقاءِ كلماتِ التَّأْييدِ والثَّناءِ؛ فإنَّهُ لا يحسمُ المسأَلَةَ العلميَّةَ، ولا يُغني عن الجوابِ؛ بلْ قدْ يُورثُ لدى القارئِ انطباعًا بأَنَّ صاحبَ الرأْي يضيقُ بالمناقشَةِ المخالفَةِ، أَو لا يرغَبُ في إبقاءِ ما يعترضُ على قولِهِ، وإن لم يكنْ هذا هو قصدَهُ في حقيقَةِ الأَمرِ.
ثالثًا- منْ ينتقدُ الاستقواءَ بالجمهورِ أَولى باحتمالِ النَّقدِ العلميِّ:
كانَ أَصلُ كلامِ الشَّيخِ نقدَ منْ يستقوي بالعوامِّ، ويحوِّلُ المسائلَ العلميَّةَ إلى تعبئَةٍ جماهيريَّةٍ؛ وهذا المعنى - منْ حيثُ الأَصلِ - صحيحٌ وجديرٌ بالتَّأْكيدِ.
غيرَ أَنَّ مقتضى هذا الأَصلِ أَنْ يفسحَ المجالُ للنَّقدِ العلميِّ المتخصِّصِ، وأَنْ تقابلَ الحجَّةُ بالحجَّةِ؛ حتَّى لا يتحوَّلَ المنشورُ نفسُهُ إلى خطابٍ أُحاديٍّ، يسمعُ فيهِ الجمهورُ دعوى الاتِّهامِ، ثمَّ لا يطَّلعونَ على الرَّدِّ العلميِّ عليها.
فلا يستقيمُ منهجيًّا أَنْ نذمَّ بعضَ النَّاسِ لاستقوائِهم بالجماهيرِ، ثمَّ نعرضَ على الجمهورِ كلامًا شديدًا في طائفَةٍ واسعَةٍ، ونحذفَ منْ يطلبُ التَّقييدَ، والعدْلَ، والتَّحريرَ، وإقامَةَ الدَّعوى على البيِّنةِ والبرهانِ.
رابعًا -العدْلُ معَ المخالفِ؛ عبادَةٌ لا مجاملَةٌ:
ليسَ العدْلُ أَن نُنصِفَ الموافقَ وحدَهُ، وإنَّما حقيقةُ العدْلِ أَن نُنصِفَ مَن نُخالفُهُ، وأَلَّا يحملَنا الغضبُ منهُ، أَو النُّفورُ من طائفتِهِ، على ظلمِهِ، أَو التَّعميمِ عليهِ، أَو تحميلِهِ ما لم يقلْهُ ولم يفعلْهُ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
وقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].
فالعدْلُ واجبٌ في الحكمِ على الأَشخاصِ والطوائفِ والأَقوالِ والأَخطاء، كما هو واجبٌ في نقلِ كلامِ المخالفِ وتوصيفِهِ والردِّ عليهِ؛ فلا يجوزُ أَن نستعمَلَ معَ مخالِفينا من الأَلفاظِ والأَحكامِ ما نستنكرُهُ إذا استُعملَ معنا، ولا أَن نجعلَ موافقتَنا أَو مخالفتَنا سببًا لتغييرِ ميزانِ الحقِّ والإنصافِ.
خامسًا -الحوارُ العلميُّ؛ ليسَ انتصارًا للنَّفسِ:
الحوارُ العلميُّ الرَّاشدُ ليسَ ميدانًا لإثباتِ الغلبَةِ، ولا لتكثيرِ المؤيِّدينَ، ولا لحمايَةِ الصُّورَةِ الشَّخصيَّةِ، وإنَّما هوَ سبيلٌ للتَّعاونِ على معرفَةِ الحقِّ، وتمييزِ الصَّوابِ منَ الخطإِ، وردِّ الأَقوالِ إلى ميزانِ الدَّليلِ والبرهانِ.
وقدْ أَثنى اللهُ تعالى على الَّذينَ يستمعونَ الأَقوالَ، ثمَّ يميِّزونَ بينها؛ فيتَّبعونَ أحسنَها، فقالَ تعالى:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨].
كما أَمرَ سبحانهُ؛ أَنْ يكونَ الجدالُ قائمًا على الحكمةِ، والحُسنى، وحسنِ البيانِ، فقالَ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النَّحل: ١٢٥].
وليسَ المقصودُ منْ ذلكَ فتحَ أَبوابِ الجدَلِ الَّذي لا ينتهي، ولا إضاعَةَ الأَوقاتِ في الخصوماتِ العقيمَةِ؛ وإنَّما المقصودُ التَّمييزُ بينَ المهاترَةِ والنَّقدِ، وبينَ الإساءَةِ والمناقشَةِ، وبينَ منْ يريدُ التَّشويشَ وإثارَةَ الخصومَةِ، ومنْ يطلبُ تحريرَ المسأَلَةِ، وبيانَ الحقِّ فيها بالدَّليلِ والأَدبِ.
سادسًا -الأَلقابُ والأَنسابُ؛ لا تمنَحُ الأَقوالَ عصمَةً:
الأَلقابُ العلميَّةُ، والمكانَةُ الاجتماعيَّةُ، وشرفُ النَّسبِ؛ أُمورٌ لها حقوقُها، ويجبُ أَنْ تراعى فيها حرمَةُ المسلمِ وأَدَبُ الخطابِ؛ فلا يجوزُ أَنْ تكونَ محلَّ سخريَةٍ أَو انتقاصٍ.
لكنَّها لا تمنَحُ صاحبَها عصمَةً منَ الخطإِ، ولا تجعَلُ أَقوالَهُ فوقَ النَّقدِ العلميِّ؛ فميزانُ الأَقوالِ هوَ الدَّليلُ، وكلُّ أَحدٍ يؤْخَذُ منْ قولِهِ ويردُّ عليهِ؛ سوى رَسُولِ اللهِ #.
وقدْ جعَلَ اللهُ تعالى ميزانَ الكرامةَِ الحقيقيَّةِ في التَّقوى، فقالَ سبحانَهُ:
﴿إنَّ أَكرمَكمْ عندَ اللهِ أَتقاكمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
فشرَفُ النَّسبِ فضيلةٌ؛ إذا اقترنَ بالإيمانِ والتَّقوى والعمَلِ الصَّالحِ، وليسَ حجَّةً على صحَّةِ الأَقوالِ، ولا مانعًا منْ مناقشتِها ونقدِها بالعلمِ والعدْلِ والأَدبِ.
كما أَنَّ حجَّةَ المخالفِ لا تسقطُ لقلَّةِ أَتباعِهِ، ولا تقوى حجَّةُ الإنسانِ بكثرَةِ منْ يصفِّقُ لَهُ أَو يؤيِّدُهُ؛ فإنَّ الحقَّ أَبلجُ، وقوَّتُهُ في دليلِهِ وبرهانِهِ، لا في اسمِ قائلِهِ، ولا في لقبِهِ أَو نسبِهِ، ولا في كثرَةِ مؤَيِّديهِ.
كلمَةٌ مباشرَةٌ إلى الشَّيخِ:
فضيلةَ الشَّيخِ حاتمَ بنَ عارفٍ العونيِّ!
لقدْ وافقتُكمْ على أَصلٍ مهمٍّ، وهوَ خطأُ إقحامِ العامَّةِ في دقائقِ خلافاتِ المتخصِّصينَ، واعترضتُ عليكمْ في مواضعَ محدَّدةٍ: في التَّعميمِ، وفي شدَّةِ بعضِ الأَلفاظِ، وفي نسبَةِ مسلكٍ مذمومٍ إلى طائفَةٍ واسعَةٍ منْ غيرِ تفصيلٍ ولا تقييدٍ.
وكانَ المنتظرُ منكمْ أَحدَ أُمورٍ ثلاثَةٍ:
- إمَّا أَنْ تبيِّنوا خطأَ كلامي بالدَّليلِ.
- وإمَّا أَنْ تقبلوا ما فيهِ منْ صوابٍ.
- وإمَّا أَنْ تتركوهُ للقرَّاءِ؛ ليزنوا القولينِ بميزانِ العلمِ والعدْلِ والبرهانِ.
أَمَّا حذفُ الردَّينِ، ثمَّ حظرُ الحسابينِ، منْ غيرِ بيانِ خطأٍ علميٍّ، ولا إثباتِ إساءَةٍ أَدبيَّةٍ.
فليسَ حلًّا للمسأَلةِ، ولا جوابًا عنِ الاعتراضِ، ولا ينسجمُ - في نظري - معَ مقتضى الحوارِ العلميِّ الَّذي ينبغي أَنْ يتَّسعَ لهُ صدرُ طالبِ العلمِ.
وأَنا لا أَزعمُ أَنَّكمْ لا تريدونَ الحقَّ، ولا أَحكمُ على نيَّتِكمْ؛ فذلكَ ممَّا استأْثرَ اللهُ تعالى بعلمِهِ، ولكنِّي أَقولُ: إنَّ هذا التَّصرُّفَ الظَّاهرَ لا يخدمُ منهجَ الباحثِ عنِ الحقِّ، ولا يعزِّزُ الثِّقَةَ في عدالَةِ إدارَةِ النِّقاشِ، ولا يبعثُ رسالَةً مطمئنَّةً إلى المخالفِ المؤدَّبِ.
والرُّجوعُ عنِ الخطإِ فضيلَةٌ، وتوضيحُ سببِ الحذفِ يرفعُ الإشكالَ، والجوابُ عنِ النَّقدِ بالحجَّةِ أَجدرُ بمقامِ أَهلِ العلمِ منْ إغلاقِ بابِ الحوارِ؛ فإنَّ الحقَّ لا يضرُّهُ السُّؤالُ، ولا تضعفُهُ المناقشَةُ، وإنَّما يزدادُ ظهورًا بالدَّليلِ والبيانِ.
خلاصَةُ الرِّسالَةِ:
إنَّ إدارَ ةَ»الصَّفحاتِ«؛ ليسَتْ إدارَةً للحقائقِ.
وحذفَ الرَّأْيِ المخالفِ؛ لا يعني سقوطَ حجَّتِهِ.
كما أَنَّ كثرةَ المؤيِّدينَ؛ لا تدلُّ بذاتِها على صحَّةِ القولِ!
فالحقُّ لا يعرفُ بالأَشخاصِ، ولا بكثرَةِ الأَتباعِ، وإنَّما يعرفُ بالدَّليلِ والبرهانِ.
والباحِثُ الصَّادقُ عنِ الحقِّ لا يشترطُ على النَّاسِ أَنْ يوافقوهُ في كلِّ ما يقولُ، ولا يضيقُ بكلِّ اعتراضٍ على رأْيهِ؛ وإنَّما يعرضُ حجَّتَهُ، ويسمَعُ حجَّةَ مخالفِهِ، ثمَّ يردُّ الجميعُ ما تنازعوا فيهِ إلى الوحيِ الصَّحيحِ، والدَّليلِ الصَّريحِ، وميزانِ العدْلِ والإنصافِ.
- فما كانَ منَ التَّعليقاتِ سبًّا، أَو تجريحًا، أَو طعنًا في الأَعراضِ، أَو تشويشًا متعمَّدًا؛ فحذفُهُ حقٌّ، وقدْ يكونُ منَ الحكمَةِ وحسنِ الإدارَةِ.
- أَمَّا ما كانَ نقدًا علميًّا مؤدَّبًا، متعلِّقًا بعينِ الكلامِ، ملتزمًا بالعدْلِ والأَدبِ؛ فالأَصلُ أَنْ يقابلَ بالحجَّةِ والبيانِ، لا بالإقصاءِ والكتمانِ.
فإنَّ الأَقوالَ لا تصانُ منَ الخطإِ بالحذفِ، وإنَّما تمحَّصُ بالنَّقدِ؛ والحقائقَ لا يحرسُها المنعُ، وإنَّما يحرسُها الدَّليلُ والبرهانُ.
اللَّهُمَّ ! ارزقْنا الإخلاصَ في القصْدِ، والعدْلَ في الحكمِ، والإنصافَ معَ الموافقِ والمخالفِ، واجعلِ الحقَّ أَحبَّ إلينا منْ أَنفسِنا، وأَقوالِنا، وأَتباعِنا، ولا تجعلْ حظوظَ النَّفسِ حجابًا بينَنا وبينَ قبولِ الصَّوابِ، واهدِنا لما اختلفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ؛ إنَّكَ تهدي منْ تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ.
واللهُ أَعلمُ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِه وصحبَِه أَجمعينَ.
والحمدُ $ِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ.
كتبهُ: عبد الله بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
٢٨ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/١٤م
***
ألقِ نظرة على مقالاتٍ مميّزة بقلم الشيخ عبدالله الأثري
انتقِ مقالًا نافعًا، وواصل القراءة في موضوعات مختارة بعناية.

