أخي الداعيةَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للهُدى والبصيرَةِ - أَنَّ مِن دقيقِ فقهِ السِّياسَةِ الشَّرعيَّةِ:
- أَن يُحْسِنَ الدَّاعيَةُ والمصلِحُ التَّفريقَ؛ بينَ مُداراةِ الواقعِ لتقليلِ شرِّهِ، ودفعِ مفسدتِهِ، وفتحِ أَبوابِ الإصلاحِ فيهِ.
- وبينَ مُداهنتِهِ بالتَّنازُلِ عنَ الحقِّ، أَو تبريرِ باطلِهِ، أَو إضفاءِ المشروعيَّةِ على ظلمِهِ.
فالأُولى قدْ تكونُ حكمةً شرعيَّةً يقتضيها فقهُ القُدْرَةِ والمآلاتِ.
وأَمَّا الثَّانيَةُ فتفريطٌ في الدِّينِ، وتلبيسٌ للباطِلِ باسمِ المصلحَةِ والحكمَةِ.
- وليسَ العالِمُ الرَّاشِدُ؛ مَن يصطدِمُ بكلِّ واقعٍ دونَ فقهٍ ولا بصيرَةٍ، ولا مَن يستسلمُ لكلِّ واقعٍ ويُبرِّرُهُ باسمِ الواقعيَّةِ.
- وإنَّما الرَّاشِدُ؛ مَن يزنُ المواقِفَ بميزانِ الشَّرعِ، ويُراعي القُدْرَةَ والمصلحَةَ والمآلَ، من غيرِ أَن يُضيِّعَ أَصلًا، أَو يُقرَّ باطلًا، أَو يبيعَ الحقَّ تحتَ ضغْطِ الواقِعِ.
أخي الداعيةَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لكلِّ خيرٍ - أَنَّ الدَّعوةَ لا يُباركُ اللهُ فيها بمجرَّدِ فصاحَةِ اللِّسانِ، ولا بكثرَةِ المتابعينَ، ولا بحُسنِ ترتيبِ العباراتِ؛ وإنَّما تُبارَكُ بصدْقِ القلبِ، وطهارَةِ القصْدِ، وصلاحِ السَّريرَةِ، ومراقبَةِ اللهِ حيثُ لا يراكَ النَّاس.
فكم من كلمَةٍ قليلةٍ خرجتْ من قلبٍ صادقٍ فبلغتِ الآفاق، وكم من خطبَةٍ بليغَةٍ خرجتْ من قلبٍ غافلٍ فماتتْ عندَ الآذان.
فالقبولُ من اللهِ ، والبركةُ من اللهِ، ومفاتيحُ القلوبِ بيدِ اللهِ؛ ومَن أرادَ أَن يفتحَ اللهُ بكلامِهِ القلوبَ؛ فليفتحْ أَوَّلًا قلبَهُ للخوفِ من اللهِ، والإخلاصِ لهُ، ولا سيَّما في الخلواتِ.
واحذرْ أَن يكونَ همُّكَ أَوَّلَ الطريقِ دونَ آخرِهِ؛ فإنَّ العبرَةَ ليسَتْ بحُسنِ البداياتِ فحسب، بلْ بصدْقِ العبدِ مع اللهِ إلى الخواتيمِ.
فكم من عاملٍ أَحسنَ في أوَّلِ أَمرِهِ ثمَّ تغيَّر، وكم من عبدٍ لازمَ الصدْقَ والإخلاصَ؛ حتَّى ختمَ اللهُ لهُ بخيرٍ.
فاسأَلِ اللهَ دائمًا الثَّبات، واصدقْ معهُ في السِّرِّ والعلنِ؛ يفتحْ لكَ من أَبوابِ التَّوفيقِ والقبولِ ما لا تبلغَهُ الأَسبابُ وحدَها.
أخي الداعيةَ اللَّبيبَ!
اعلمْ — وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لصلاحِ السَّريرةِ وصدقِ النِّيَّة — أَنَّ من أَخطرِ آفاتِ الدعاةِ؛ أَن يشتغلَ الداعيَةُ بتزويقِ صورتِهِ أَمامَ الخَلْق، ويغفلَ عن إصلاحِ حقيقتِهِ بينَه وبينَ الخالقِ؛ فيُحكِمُ صناعَةَ المظهرِ، ويُهملُ عمارَةَ المخبَرِ، ويظهرُ للنَّاسِ بلباسِ النَّاصحِ الأَمينِ، ثم يخلو بما لا يُرضي ربَّ العالمين.
وهذِهِ آفةٌ دقيقةٌ مهلكةٌ؛ لأَنَّ صاحبَها قدْ ينجو من عيونِ النَّاسِ، لكنَّهُ لا ينجو من نظرِ اللهِ تعالى، وقدْ يُحسِنُ خطابَ الوعظِ في العلنِ، ثم تهدمُهُ خيانَةُ الخلوَةِ في السِّرِّ.
ومَن لم يتَّقِ اللهَ في سرِّهِ؛ خِيفَ عليهِ أَن يرفعَ اللهُ عنهُ سترَهُ، وأَن يفضحَهُ في عُقرِ دارِهِ، وبينَ أَقربِ النَّاسِ إليهِ؛ لأَنَّ اللهَ يُمهلُ ولا يُهمل، ويسترُ على العبدِ ليتوبَ، لا ليغترَّ بالسِّترِّ، ويفتحُ لهُ بابَ الرُّجوعِ، لا بابَ التَّمادي.
فالسَّعيدُ مَن جعلَ خلواتِهِ ميدانًا للمراقبَةِ والتَّوبَةِ، لا ميدانًا للجرأَةِ على المعصيَةِ؛ ومَن أَصلحَ ما بينَهُ وبينَ اللهِ؛ أَصلحَ اللهُ أَثرَهُ بينَ النَّاسِ، وباركَ في قولِهِ وعملِهِ ودعوتِهِ.
أَخي المسلمَ الصَّادِقَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لطيبِ القولِ وحُسْنِ العمَلِ - أَنَّ من تمامِ نعيمِ الجنَّةِ؛ أَن يَسلَمَ أَهلُها من كلِّ ما يُؤذي القُلوبَ أَو يُكدِّرُ النُّفوسَ؛ فلا لغوَ فيها، ولا خصامَ، ولا غيبَةَ، ولا كلماتٍ جارحَةٍ، ولا حديثًا يُحزنُ أَو يُفسِدُ صفاءَ الأَرواحً.
قال تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١].
فالمؤْمنُ العاقِلُ؛ يُربِّي نفسَهُ في الدُّنيا على طِيبِ الكلامِ، وحُسْنِ الخُلُقِ، وسلامَةِ الصَّدرِ؛ رجاءَ أَن يكونَ من أَهلِ ذلكَ النَّعيمِ المقيمِ، حيثُ لا يُسمَعُ إلَّا سلامٌ، ولا يُقالُ إلَّا حقٌّ وخيرٌ.
اللَّهُمَّ! ارزقنا طِيبَ القولِ في الدُّنيا، وسلامَةَ الصَّدْرِ، وحُسْنَ الخُلُقِ ومعاليَ الأَخلاقِ؛ واجعَلْ ذلكَ سببًا لرضاكَ، وبفضلِكَ ورحمتِكَ ارزقنا نعيمَ جنَّةِ الخُلْدِ في الآخرَةِ.
أَخي المسلمَ الحبيب!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ - أَنَّ سرَّ القَبولِ العجيبِ، والمحبَّةِ الصَّادقَةِ التي يُودِعها اللهُ في قلوبِ النَّاسِ لعبْدٍ من عبادِهِ؛ ليسَ في كثرَةِ ظهورِهِ، ولا في حُسْنِ تكلُّفِهِ، ولا في صناعَةِ صورتِهِ بينَ الخلْقِ؛ بلْ أَصلُ ذلكَ في صدقِهِ معَ ربِّهِ، وصلاحِ باطنِهِ وظاهرِهِ.
وحينَ نتساءَلُ عن سبَبِ هذِهِ المودَّةِ الربَّانيَّةِ؛ نجدُ الجوابَ بيِّنًا في قولِهِ تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمٰنُ وُدًّا﴾.
فالقبولُ ليسَ بصناعَةِ المظاهِرِ، ولا بكثرَةِ الحضورِ، ولا بحُسْنِ التَّكلُّفِ؛ وإنَّما هو أَثرٌ من آثارِ الإيمانِ والعمَلِ الصَّالحِ، ونورٌ يقذفُهُ اللهُ في القلوبِ لمَنْ صَدَقَ معَ ربِّهِ، وأَصلَحَ ما بينَهُ وبينَ خالقِهِ.
ولذلكَ؛ لا يُقاسُ حبُّ الأَشخاصِ بكثرَةِ رؤُيتِهم، ولا بطولِ مجالستِهم؛ فكمْ من أُناسٍ قلَّ لقاؤُهم، وعظُمَ أَثرُهم، وسكنوا القلوبَ بِلا استئذانٍ؛ لأَنَّ لهمْ عندَ اللهِ سِرًّا من صدْقٍ، أَو إخلاصٍ، أَو حُسْنِ خُلُقٍ.فمَن أَرادَ وُدَّ الخلْقِ؛ فليطلبْهُ من خالِقِ الخلْقِ؛ فإنَّ القُلوبَ بينَ يدي الرَّحمَنِ، لا تُفتحُ بالمظاهِرِ، وإنَّما تُفتحُ بالصِّدْقِ والإيمانِ.
جعلني اللهُ وإيَّاكم من أَهلِ الصِّدْقِ والقبولِ، وممَّن كُتبتْ لهم المحبَّةُ في السَّماءِ، والوُدُّ في الأَرضِ؛ إنَّهُ سميعٌ قريبٌ!
سألَ رجلٌ عارفًا باللهِ..
سألَ رجلٌ عارفًا باللهِ:
ما أعظمُ ما في جنَّةِ الخُلدِ من نعيم؟
فأطرقَ العارفُ، وبلَّلتِ العَبْرةُ صوتَهُ، ثم قال:
يا هذا! حَسْبُكَ من نعيمِها أن تدخلَها…
وفيها سيِّدُ ولدِ آدم؛ رسولُ اللهِ ﷺ.
أَخي المسلمَ الصَّادِقَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لصالحِ الأَقوالِ والأَعمالِ - أَنَّ الاعتذارَ ليسَ علامَةَ ضُعْفٍ، ولا دليلَ انكسارٍ؛ بلْ هو خُلُقُ الكِبارِ، وشيمَةُ الأَوفياءِ، وبُرهانُ القُلوبِ النَّقيَّةِ التي تُؤثِرُ صفاءَ المودَّةِ على كبرياءِ النَّفسِ، وتُقدِّمُ بقاءَ الأُخوَّةِ على لذَّةِ الانتصارِ للنَّفسِ.
فما اعتذرَ كريمٌ؛ إلَّا ازدادَ باعتذارِهِ قدرًا.
وما أَبى الاعتذارَ؛ إلَّا مَن غلبتْهُ نفسُهُ، وفارقَهُ توفيقُ التَّواضُعِ، واستحوذَ عليهِ كِبرُهُ، وحُرِمَ بركةَ الرُّجوعِ إلى الحقِّ.
فاللَّهُمَّ! اجعلنا من أَهلِ الوفاءِ والإنصافِ، وممَّن إذا أَخطأَ رجعَ، وإذا اعتذرَ صدقَ، وإذا عفا أَكرمَ، وإذا خاصمَ لم يفجرْ؛ يا ربَّ العالمين!
أَخي المسلمَ الصَّادق!
اعلمْ - أَيُّها اللَّبيبُ الأَديبُ - أَنَّ بصمَةَ إصبعِكَ إذا كانَتْ تُميِّزُ هويَّتَكَ بينَ النَّاسِ؛ فإنَّ بصمَةَ لسانِكَ تُحدِّدُ منزلتَكَ في قلوبِهم، وتكشِفُ عن أَدبِكَ، ورُقيِّ نفسِكَ، ونقاءِ سريرتِكَ.
فاجعلْ لكَ من كلماتِكَ أَثرًا جميلًا، ومن خطابِكَ جسرًا للمودَّةِ لا بابًا للجفاءِ، وارتقِ بلسانِكَ عن الجرحِ والغلظَةِ، ولا ترفعْ صوتَكَ إلَّا بحقٍّ تُقيمُهُ، أَو نصيحَةٍ تُحسنُها، أَو كلمَةٍ طيِّبَةٍ تُؤلِّفُ بها قلبًا.
فليسَتِ القُلوبُ تُسقَى بضجيجِ الأَصواتِ، وإنَّما تُروى بلُطفِ الكلماتِ؛ فالمطرُ الهادئُ هو الذي يُنبتُ الزُّهورَ، لا صَخَبُ الرَّعدِ.
اللَّهُمَّ! اجعلْ أَلسنتَنا رطبَةً بالحقِّ، نديَّةً بالرَّحمَةِ، طيِّبَةَ الأَثرِ في قلوبِ عبادِكَ.
أَخي المسلمَ الصَّادقَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للبصيرَةِ والثَّباتِ - أَنَّ معرفَةَ حقيقَةِ الشَّيْءِ، والإحاطَةَ بأَبعادِهِ ومآلاتِهِ؛ منْ أَعظمِ زادِ الصَّبرِ عليهِ، ومفاتيحِ الرُّشْدِ في التَّعاملِ معهُ.
قالَ تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾.
فكيفَ يثبتُ العبدُ أَمامَ أَمرٍ لم يفهمْ حقيقتَهُ، ولم يتبيَّنْ وجهَهُ، ولم يُدركْ موضعَهُ من سُننِ اللهِ في خلقِهِ؟!
- فمَن جهِلَ حقيقَةَ ما يواجهُهُ؛ اضطربَ حُكمُهُ، وضعفَ صبرُهُ، وتفرَّقتْ بهِ الظُّنونُ.
- ومَن أَبصرَ الأَمرَ على وجهِهِ؛ هانَ عليهِ احتمالُهُ، وحَسُنَ تدبيرُهُ، وثبتَ قلبُهُ عندَ البلاءِ.
وليسَ معنى ذلكَ أَنَّ العبدَ يُحيطُ بكلِّ حكمَةٍ للهِ في أَقدارِهِ؛ فإنَّ للهِ حكمًا تخفى على العقولِ، ولكنَّهُ كلَّما ازدادَ بصيرَةً بسننِ اللهِ، وفقهًا للواقعِ، وفهمًا للمآلاتِ؛ كانَ أَقربَ إلى السَّكينَةِ، وأَبعدَ عن الاضطرابِ.
اللَّهُمَّ! ارزقنا بصيرَةً تُورثُ صبرًا، ويقينًا يُثمرُ رضا، وقلبًا يثبتُ عندَ البلاءِ.
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للتجرُّدِ للحقِّ - أَنَّ خدمَةَ الإسلامِ لا ينهضُ بها مَن كانَ أَسيرًا لسلطانٍ يُوجِّهُهُ، أَو حزبٍ يحتكرُ ولاءَهُ، أَو نفسٍ تستعبدُ قصدَهُ.
فثلاثَةٌ لا يُنتظرُ منهم نهوضٌ حقيقيٌّ بدينِ اللهِ:
- رجلٌ جعلَ الحقَّ تابعًا لمصلحَةِ كرسيِّهِ وسلطانِهِ.
- رجلٌ جعلَ الدِّينَ خادمًا لحزبِهِ وجماعتِهِ.
- رجلٌ جعلَ الدَّعوَةَ سلَّمًا لحظوظِ نفسِهِ ومكانتِهِ.
فالإسلامُ لا يُخدَمُ بقلوبٍ مأْسورَةٍ للمناصبِ، ولا بعقولٍ مغلقَةٍ بالعصبيَّاتِ، ولا بنفوسٍ طالبَةٍ للظُّهورِ؛ وإنَّما يُخدَمُ برجالٍ صدقوا اللهَ، وتجرَّدوا للحقِّ، وقدَّموا مرضاةَ ربِّهم على هوى السُّلطانِ، وضغطِ الجماعَةِ، وشهوَةِ النَّفسِ.
فاللَّهُمَّ! حرِّرْ قلوبَنا من أَسرِ الهوى، وأَلسنتَنا من مداهنَةِ الباطلِ، وأَعمالَنا من طلبِ الخلْقِ، واجعلنا من خُدَّامِ دينِكَ المخلصينَ.. آمين!
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
تعالَ نتأَمَّلْ بصدْقٍ في معضلَةٍ تُرهِقُ واقعَنا:
إذا صارَ جوابُ الإساءَةِ إساءَةً، ورَدُّ الجرحِ جرحًا، وثمرَةُ الغضَبِ انتقامًا؛ فمتى تنطفئُ نارُ الخصومَةِ؟ ومتى ينقطِعُ ميراثُ العداوَةِ والبغضاءِ؟!
إنَّ الشَّرَّ لا يُطفئُهُ شرٌّ مثلُهُ، ولا تُشفى القلوبُ المجروحَةُ بمزيدٍ من الجراحِ؛ فكثيرًا ما يبدأُ الخلافُ بكلمَةٍ عابرَةٍ، ثم يتحوَّلُ معَ الأَيامِ إلى أَحقادٍ متوارثَةٍ، وخصوماتٍ متراكمَةٍ؛ حتَّى يضيعَ الحقُّ بينَ حظوظِ النُّفوسِ وثاراتِها.
ولذلكَ جاءَ القرآنُ الكريمُ بمنهجٍ ربَّانيٍّ عظيمٍ؛ يرفعُ العبدَ من ردَّةِ الفعْلِ إلى مقامِ الإصلاحِ، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
فتأَمَّلْ! كيفَ قرنَ اللهُ العفوَ بالإصلاحِ؛ لأَنَّ العفوَ المحمودَ ليسَ ضعفًا، ولا تضييعًا للحقوقِ، ولا تسليمًا للظُّالمِ في ظلمِهِ؛ بلْ هو عفوٌ يقصِدُ بهِ صاحبُهُ إصلاحَ القلوبِ، وقطعَ مادَّةِ الشَّرِّ، وفتحَ بابِ الرُّجوعِ إلى الحقِّ.
فليسَ المقصودُ؛ أَن يُتركَ الباطلُ بِلا بيانٍ، ولا أَن يُسكَتَ عن الظُّلمِ إذا تمدَّد، ولكنَّ المقصودَ أن لا تتحوَّلَ نفوسُنا إلى ميدانٍ للثأر، ولا دعوتُنا إلى ردودِ أفعال، ولا خلافاتُنا إلى نارٍ تأكلُ الأخوَّةَ والدينَ والمروءة.
فالنُّفوسُ الكبيرَةُ لا تعجزُ عن الانتصارِ، ولكنَّها تختارُ العفوَ حينَ يكونُ العفوُ أَصلحُ، وتكظِمُ الغيظَ حينَ يكونُ الكظْمُ أَهدى، وتقدِّمُ مرضاةَ اللهِ على لذَّةِ الانتصارِ للنُّفسِ.
اللَّهُمَّ! طهِّرْ قلوبَنا من الغِلِّ، وأَلسنتَنا من الفحْشِ، وأَعمالَنا من حظوظِ النَّفسِ، واجعلنا من أَهلِ العفوِ والإصلاحِ والإنصافِ.. آمين!
أَخي الدَّاعيَةَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لصلاحِ النِّيَّةِ وصدْقِ السَّريرَةِ - أَنَّ من أَدقِّ أَبوابِ تزكيَةِ النَّفسِ: التَّفريقَ بينَ «الإخلاصِ» و«الصِّدْقِ»؛ فكلاهما أَصلٌ عظيمٌ من أُصولِ السَّيرِ إلى اللهِ، ولا يستقيمُ عملُ العبدِ إلَّا بهما.
- فالإخلاصُ يتعلَّقُ بالمقصودِ والغايَةِ: لِمَنْ تعمَل؟ ولِمَن تتكلَّم؟ ومَن تريدُ بعملِكَ؟فالمخلِصُ هو الذي يريدُ بعملِهِ وجهَ اللهِ تعالى، لا رياءَ النَّاسِ، ولا مدحَهم، ولا جاهًا، ولا منزلَةً في القلوبِ.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
- وأَمَّا الصِّدْقُ؛ فيتعلَّقُ بحقيقَةِ الدَّعوى وموافقَةِ الباطنِ للظَّاهرِ: هلْ أَنتَ صادقٌ فيما تزعم؟ وهل تثبتُ عندَ الامتحانِ؟ وهلْ تشهدُ أَعمالُكَ لما يقولُهُ لسانُكَ؟
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
فقدْ يعمَلُ الإنسانُ عملًا ظاهرُهُ الخيرُ؛ لكنَّهُ يريدُ بهِ ثناءَ النَّاسِ؛ فهذا خللٌ في الإخلاصِ.
وقدْ يقولُ الإنسانُ: أَريدُ نصرَةَ الحقِّ وخدمَةَ الدِّينِ؛ فإذا جاءَ البلاءُ، أَو النَّقدُ، أَو فواتُ الحظوظِ؛ ضعُفَ وتراجعَ؛ فهذا خللٌ في الصِّدْقِ.
- فالإخلاصُ جوابُ سؤالِ: لِمَنْ؟
- والصِّدْقُ جوابُ سؤَالِ: هلْ أَنْتَ حقًّا كما تقول؟
ولهذا؛ فالدَّاعيَةُ لا يكفيهِ أَن يقولَ: أَعمَلُ للهِ؛ حتَّى يُفتِّشَ قلبَهُ: هلْ يريدُ اللهَ حقًّا؟
ولا يكفيهِ أَن يرفعَ شعارَ الحقِّ؛ حتَّى يثبتَ عليهِ إذا خالفَ هواهُ، أَو خسرَ بعضَ مكانتِهِ، أَو غضبَ منهُ النَّاسُ.
فالإخلاصُ يُطهِّرُ النِّيَّةِ، والصِّدْقُ يُثبتُ القلبَ عندَ الفتنَةِ.
والإخلاصُ يحفظُ العمَلَ من الرِّياءِ، والصِّدْقُ يحفظُ صاحبَهُ من التَّلوُّنِ والانكسارِ أَمامَ حظوظِ النَّفسِ.
فاللَّهُمَّ! ارزقنا إخلاصًا يُطهِّرُ مقاصدَنا، وصدْقًا يُقوِّمُ أَعمالَنا، واجعلْ سرائرَنا خيرًا من علانيتِنا، وعلانيَتَنا صالحةً، ولا تجعلْ في أَعمالِنا حظًّا لغيرِ وجهِكَ الكريمِ.
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للبصيرَةِ والرُّشدِ - أَنَّ للإنسانِ أَن يعتقِدَ، ويكتبَ، ويتكلَّمَ، ويعملَ بما يختارُ؛ لكنَّهُ لنْ يخرجَ بذلكَ عن سلطانِ العبوديَّةِ، ولا عن ميزانِ المسؤُوليَّةِ بينَ يدي اللهِ تعالى.
فليسْتِ الحريَّةُ انفلاتًا من الحسابِ، ولا سَعَةُ البيانِ إذنًا في الباطلِ، ولا قدرَةُ الإنسانِ على الفعْلِ دليلًا على سلامَةِ العاقبَةِ.
فقلْ ما شِئْتَ، واكتبْ ما شئتَ، واعملْ ما شئتَ؛ ولكنْ تذكَّرْ أَنَّ كلَّ كلمَةٍ محفوظَةٍ، وكلَّ نيَّةٍ مكشوفَةٍ، وكلَّ عملٍ معروضٍ، وأَنَّ العبدَ موقوفٌ بينَ يدي ربِّهِ سبحانهُ، مسؤُولٌ عن قولِهِ وفعلِهِ ومقصدِهِ.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصَّافات: 24].
أَخي المسلمَ اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لحُسنِ الظَّنِّ بهِ - أَنَّ بلاءَكَ؛ قدْ يكونُ بابَ نجاتِكَ وتوفيقِكَ وسعدتِكَ، وأَنَّ ما تراهُ اليومَ سببًا لحُزنِكَ؛ قدْ يجعلُهُ اللهُ غدًا سببًا لفرحِكَ ورفعَتِكَ وخلاصِكَ؛ فدعِ الأَمرَ للهِ تعالى، فإنَّ الأَمرَ كلَّهُ بيدِهِ، وهو أَعلمُ بالغيبِ، وأَحكمُ بالعواقبِ.
وتأَمَّلْ «قميصَ يوسفَ» عليهِ السَّلامُ؛ فقدْ ذُكِرَ في السُّورَةِ ثلاثَ مرَّاتٍ:
- مرَّةً كانَ عنوانًا للحُزنِ؛ حينَ جاءوا عليهِ بدمٍ كذبٍ.
- ومرَّةً كانَ دليلًا على البراءَةِ؛ حينَ شَهِدَ بصدقِ يوسفَ وطهارتِهِ.
- ومرَّةً كانَ بشارةً للفرحِ؛ حينَ أُلقيَ على وجهِ يعقوبَ عليهِ السلامُ فارتدَّ بصيرًا.
فلا تَحكُم على ابتلائِكَ من أَوَّلِ مشهدٍ؛ فإنَّ اللهَ يُدبِّرُ الأَمرَ بلطفِهِ، ويُقلِّبُ الأَحوالَ بحكمتِهِ، ولعلَّ ما أَبكاكَ اليومَ؛ يكونُ غدًا شاهدَ براءتِكَ، وبابَ فرحِكَ، وبشارَةَ جبرِكَ..
فاصبرْ، وأَحسنِ الظَّنَّ بربِّكَ؛ فإنَّ العاقبَةَ بيدِ اللهِ لا بيدِ الأَلَمِ.
أَخيَ المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - رزقكَ اللهُ فهمًا وبصيرةً - أَنَّهُ ليسَ من العلْمِ أَنْ يتكلَّمَ الإنسانُ في كلِّ بابٍ، ولا من العقْلِ أَنْ يحكمَ فيما لم يحطْ بهِ خبرَةً وفهمًا.
فلكلِّ علمٍ أَهلُهُ، ولكلِّ ميدانٍ رجالُهُ، ومَن دخلَ غيرَ بابِهِ؛ أَتى بالعجائبِ، وهو يظنُّها حقائِقَ.
ورُبَّ كلمَةٍ قالَها صاحبُها واثقًا، ثمَّ انكشَفَ لهُ ما غابَ عنهُ؛ فاستحيا ممَّا قالَ، وندمَ حيثُ لا ينفَعُ النَّدَمُ.
فالعاقلُ يعرِفُ قدْرَ نفسِهِ، ويتكلَّمُ بعلْمٍ، ويسكْتُ بحكمَةٍ.
أَخي المسلمَ الصَّادقَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للحقِّ والثَّباتِ عليهِ - أَنَّ لصاحبِ الحقِّ قوَّةً في القلبِ، وطمأْنينَةً في النَّفسِ، وثباتًا في البيانِ؛ لأَنَّهُ لا يتكلَّمُ من فراغِ الهوى، ولا يخاصِمُ لحظِّ النَّفسِ، وإنَّما يستنِدُ إلى نورِ الحقِّ وقوَّةِ الحُجَّةِ.
فإذا اجتمعَ الحقُّ معَ العلمِ والعدْلِ والإخلاصِ؛ شرحَ اللهُ صدَرَ صاحبِهِ، وقوَّى قلبَهُ، وفتحَ لسانَهُ، وأَلبسَ كلامَهُ مهابَةَ الصِّدْقِ وبركَةَ البيانِ.
ولكنْ ليُعلَم أَنَّ صولَةَ الحقِّ ليسَتْ غِلظَةً، وقوَّةَ الحُجَّةِ ليسَتْ فُحشًا، وثباتَ صاحبِ الحقِّ لا يعني الظُّلمَ ولا التَّعدِّي؛ فالحقُّ إنَّما يَجمُلُ إذا حَمَلَهُ صاحبُهُ بعلْمٍ وحكمَةٍ وأَدَبٍ.
قال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مقالًا» متفقٌ عليهِ.
فاللَّهُمَّ! اجعلنا من أَهلِ الحقِّ الذينَ ينطقونَ بهِ صدْقًا، ويحملونَهُ عدْلًا، ويدعونَ إليهِ حكمَةً ورحمَةً.
أَخي السَّلفيَّ اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للعَدْلِ والبصيرَةِ - أَنَّ من أَعظمِ أُصولِ الدَّعوَةِ السَّلفيَّةِ: أَنْ لا قداسَةَ إلَّا للوحي، ولا عصمَةَ لأَحدٍ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ؛ وأَنَّ من صدْقِ الوفاءِ للمنهجِ السَّلفيِّ الحقِّ: أَلَّا تُنزَّلَ التَّطبيقاتُ البشريَّةُ منزلَةَ المنهجِ المعصومِ، وأَلَّا يُخلَطَ بينَ صفاءِ الوحيِ واجتهاداتِ الرِّجالِ والمدارسِ والبيئاتِ.
فالسَّلفيَّةُ الحقَّةُ؛ ليسَتْ اسمًا يُحتكَرُ، ولا جماعَةً تُقدَّسُ، ولا مدرسَةً تُنَزَّلُ منزلَةَ الدَّليلِ؛ إنَّما هيَ لزومُ الكتابِ والسُّنَّةِ بفهمِ سلفِ الأُمَّةِ، وردُّ النَّاسِ والأَقوالِ والتَّجاربِ إلى ميزانِ الحقِّ، لا ردُّ الحقِّ إلى أَهواءِ العبادِ أَو مكانَةِ الأَشخاصِ.
ومِن الخطأِ الكبيرِ؛ أَنْ تتحوَّلَ بعضُ التَّجاربِ الدَّعويَّةِ إلى ميزانٍ يُحاكَمُ بهِ النَّاسُ، أَو أَنْ يُجعَلَ نقدُها طعنًا في السُّنَّةِ، ومراجعتُها خروجًا عن المنهجِ؛ فإنَّ الوحيَ وحدَهُ هو المعصومُ، وأَمَّا اجتهاداتُ البَشرِ فتصيبُ وتخطئُ، وتقوى وتضعفُ، وتتأَثَّرُ بزمانِها ومكانِها وظروفِها.
فمَن كانَ صادِقًا في اتِّباعِ السَّلفِ؛ فليكنْ أَوَّلَ العبادِ تواضعًا للدَّليلِ، وأَعدلَهم معَ المخالفِ، وأَبعدَهم عن تقديسِ الرِّجالِ، وأَحرصَهم على مراجعَةِ النَّفسِ والمدرسَةِ والجماعَةِ؛ لأَنَّ المراجعَةَ الصَّادقَةَ ليسَتْ هدْمًا للمنهجِ، بلْ هيَ حمايَةٌ لهُ من التَّعصُّبِ والغُلُوِّ والجمودِ.
فالحقُّ لا يَضعِفُ بالنَّقدِ المنضبطِ، وإنَّما يَضعفُ حينَ تُغلَقُ أَبوابُ المراجعَةِ، وتُحاطُ التَّجاربُ البشريَةُ بسياجٍ من القداسَةِ، ويُعامَلُ اجتهادُ الرِّجالِ كأَنَّهُ وحيٌ لا يُراجَعُ!
والسَّلفيُّ الحقُّ؛ هو مَن يعظِّمُ الوحيَ، وينصفُ الخلقَ، ويرحمُ المخالفَ، ويقبلُ النَّصيحَةَ، ويقولُ لكلِّ مدرسَةٍ وكلِّ شيخٍ وكلِّ جماعَةٍ: كلٌّ يُؤخذُ من قولِهِ ويُتركُ؛ إلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ.
اللَّهُمَّ! ارزقنا اتِّباعَ الحقِّ بِلا تعصُّبٍ، وتعظيمَ الوحي بِلا غلوٍّ في الرِّجالِ، واجعلنا من أَهلِ العَدْلِ والإنصافِ والبصيرَةِ.. آمين!
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للحقِّ والبصيرَةِ - أَنَّ الإسلامَ دينُ اللهِ تعالى، وحقيقتُهُ لا تُعرَفُ من أَذواقِ النَّاسِ، ولا من انطباعاتِهم العاطفيَّةِ، ولا من أَخطاءِ المنتسبينَ إليهِ في كلِّ زمانٍ؛ وإنَّما تُعرَفُ من كتابِ اللهِ، وسُنَّةِ رسولِهِ ﷺ، وما كانَ عليهِ الصَّحابَةُ الكرامُ، والتَّابعونَ العظامُ، وأَتباعُهم بإحسانٍ، وفي مقدِّمتِهم الأَئمَّةُ الأَربعَةُ وسائرُ أَئمَّةِ الهدى.
فهؤلاءِ هم مرجعُ الفهمِ والاقتداءِ، لا الأَسماءُ المعاصرَةُ مهما علتْ شهرتُها، ولا المحبوباتُ الشَّخصيَّةُ، ولا الانفعالاتُ العابرَةُ؛ فمَن أَرادَ أَن يعرِفَ الإسلامَ على حقيقتِهِ، فليردَّهُ إلى الوحيِ وفهمِ أَهلِ العلمِ والهدى، لا إلى تقصيرِ المقصِّرينَ، ولا زلَّاتِ المنتسبينَ، ولا صورِ الأَشخاصِ في أَذهانِ النَّاسِ.
أَخي المسلمَ الصَّادِقَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للثَّباتِ على الحقِّ - أَنَّ التَّضييقَ على دعاةِ الحقِّ، والكيدَ لأَهلِ الإصلاحِ، ومواجهَةَ دعوَةِ التَّوحيدِ والطَّهارَةِ والعفافِ؛ ليسَتْ حادثَةً جديدَةً في تاريخِ البَشَرِ، ولا أَمرًا طارِئًا على طريقِ الدَّعوَةِ؛ بلْ هيَ «سُنَّةٌ ماضيَةٌ» من سُننِ الابتلاءِ والتَّدافعِ بينَ الحقِّ والباطِلِ.
فمُنْذُ أَوَّلِ الصِّراعِ بينَ آدمَ - عليهِ السَّلامُ - وإبليسَ، والباطِلُ لا يرضى للحقِّ أَن ينتشرَ، ولا للطَّهارَةِ أَن تعلُو، ولا للدَّعوَةِ أَن تتحرَّرَ من ضغْطِ الشَّهواتِ والشُّبهاتِ والمصالِحِ الفاسدَةِ.
وقدْ قصَّ اللهُ علينا أَنَّ كثيرًا من أَقوامِ الأَنبياءِ لم يواجهوا حججَ الرُّسلِ بالحجَّةِ، ولا دعوتَهم بالبيانِ؛ بلْ قابلوهم بالتَّشويهِ، والطَّرْدِ، والتَّهديدِ، والقتْلِ، والتَّحريقِ.
قالَ تعالى عن قومِ لوطٍ؛ عليهِ السَّلامُ:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
وقالَ تعالى عن قومِ إبراهيمَ؛ عليهِ السَّلامُ:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
فتأَمَّلْ: كيفَ صارَتِ الطَّهارَةُ عندَ أَهلِ الفسادِ تُهمَةً، وكيفَ صارَ الإصلاحُ عندَ أَهلِ الباطلِ جريمَةً، وكيفَ لم يجدوا جوابًا على نورِ الوحّيِ إلَّا الطَّردَ، أَو القتْلَ، أَو التَّحريقَ!
لكنَّ المؤْمنَ اللَّبيبَ؛ لا يجزعُ من طولِ الطَّريقِ، ولا يغتَرُّ بكثرَةِ المخالفينَ، ولا يظنُّ أَنَّ الأَذى دليلُ خذلانِ؛ فإنَّ طريقَ الأَنبياءِ محفوفٌ بالابتلاءِ، ولكنَّهُ مختومٌ بالعاقبَةِ لأَهلِ الإيمانِ والصَّبْرِ والتَّقوى.
ومعَ ذلكَ؛ فليسَ كلُّ مَن ادَّعى الحقَّ كانَ من أَهلِهِ، ولا كلُّ معارضَةٍ تُسمَّى مؤامرَةً؛ بلِ الميزانُ هو الوحْيُ، والصِّدْقُ، والعَدْلُ، والحكمَةُ، وحُسْنُ الاتباعِ.
فمَن كانَ على بيِّنَةٍ من ربِّهِ جلَّ في عُلاهُ، مستمسكًا بالكتابِ والسُّنَّةِ، سائرًا على فهمِ سلفِ الأُمَّةِ وأَئمَّةِ الهُدى، وفي مقدِّمتِهم الأَئمَّةُ الأَربعَةُ؛ صادِقَ النُّصحِ للأُمَّةِ، رحيمًا بالخلْقِ، ثابتًا على الحقِّ، صابرًا على الأَذى؛ فليَمضِ في طريقِهِ مطمئِنًّا، ولا يلتفِتْ إلى تشويهِ المشوِّهينَ، ولا إلى كيدِ الكائدينَ؛ فإنَّ العاقبَةَ للتَّقوى، والنَّصرَ معَ الصَّبرِ، والفرجَ معَ الكربِ.
فاثبِتْ على الحقِّ بِلا غُرورٍ، واصبرْ بِلا يأْسٍ، وادْعُ إلى اللهِ بِلا انتقامٍ؛ فإنَّ الباطِلَ قدْ يعْلُو ضجيجُهُ، ولكنَّ الحقَّ يبقَى نورُهُ، والعاقبَةُ للمتقينَ.

