تأَمُّلٌ أَثريٌّ في حقيقَةِ البقاءِ:

أَخيَ المسلمَ اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للبصيرَةِ في حقيقَةِ الدُّنيا - أَنَّ العاقِلَ إذا رأَى النَّاسَ يحرصونَ على حفْظِ نفائسِ أَموالِهم، وصيانَةِ ما غَلا من ممتلكاتِهم؛ علِمَ أَنَّ النَّفيسَ لا يُتركُ للضَّياعِ، وأَنَّ الغاليَ لا يُهمَلُ بِلا حفْظٍ ورعايَةٍ.

لكنَّ المؤْمنَ أَبصَرُ من غيرِهِ؛ لأَنَّهُ لا ينظرُ إلى قيمَةِ الشَّيْءِ في يدِهِ فحَسبُ، بلْ ينظرُ إلى بقائِهِ عندَ رَبِّهِ جلَّ في عُلاهُ.

قال اللهُ تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].

فهذِهِ الآيَةُ ميزانٌ عظيمٌ في فقهِ الدُّنيا والآخرَةِ؛ فما كانَ عندَ العبدِ فهوَ عرضَةٌ للنَّفادِ والزَّوالِ، وما قدِّمَ للهِ تعالى بإخلاصٍ واتِّباعٍ؛ فهوَ الباقي المحفوظُ، لا يضيعُ عندَ الكريمِ سبحانَهُ.

ولهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ: (يقولُ ابنُ آدمَ: مالي مالي، وهلْ لكَ يا ابنَ آدمَ منْ مالِكَ؛ إلَّا ما أَكلتَ فأَفنيتَ، أَو لبَسْتَ فأَبليتَ، أَو تصدَّقتَ فأَمضيتَ؟) رواهُ مسلمٌ.

فتأَمَّلْ يا رعاكَ اللهُ:

- ما أَمسكتَهُ لنفسِكَ؛ قدْ يَفنَى، أَو يذهَبُ، أَو يُورَثُ عنكَ!

- وما قدَّمتَهُ للهِ بإخلاصٍ؛ فهو الباقي لكَ حقيقَةً، المحفوظُ عندَ رَبٍّ لا تضيعُ عندَهُ الودائِعَ.

فكلَّما وقعَ في يدِكَ شَيْءٌ ذو قيمَةٍ؛ مالٌ، أَو جاهٌ، أَو علمٌ، أَو وقتٌ، أَو قدرَةٌ على نفعِ النَّاس؛ فاجعلْ للهِ منهُ نصيبًا، وقدِّمْهُ بينَ يديكَ عملًا صالحًا؛ فإنَّ أَصدَقَ الحفظِ أَن تُودِعَهُ عندَ اللهِ، وأَعظمَ الرِّبحِ أَن تلقاهُ يومَ القيامَةِ في ميزانِ حسناتِكَ.

فاللَّهمَّ! لا تجعلِ الدُّنيا أَكبرَ همِّنا، ولا مبلَغَ علمِنا، واجعلْ ما رزقتَنا عونًا لنا على طاعتِكَ، وذخرًا نلقاكَ بهِ يومَ لا ينفَعُ مالٌ ولا بنونَ؛ إلَّا مَنْ أَتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ.

Next
Next

العلم من الكتاب والسنة