أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للرُّشدِ والعدْلِ - أَنَّ مِن علاماتِ نُضجِ الجماعَةِ أَو المؤَسَّسَةِ: أَن ترَى تعدُّدَ الآراءِ الاجتهاديَّةِ المنضبطَةِ أَقلَّ خطَرًا مِن توافِقٍ ظاهريٍّ على خطأٍ يُمنَعُ نقدُهُ أَو مراجعتُهُ.
وليسَ كلُّ اختلافٍ دليلَ نُضجٍ؛ فالاختلافُ المحمودُ ما كانَ في محلٍّ يسوغُ فيهِ الاجتهادُ، وصدَرَ عن علمٍ أَو خبرَةٍ معتبرَةٍ بحسَبِ موضوعِهِ، وقصدَ الوصولَ إلى الحقِّ والمصلحَةِ، والتزمَ أُصُولَ الشَّرعِ وأَدَبَ الحوارِ.
كما أَنَّ الاجتماعَ محمودٌ إذا كانَ على حقٍّ، لا إذا تحوَّلَ إلى توافقٍ صامتٍ يحمي الخطأَ مِنَ المراجعَةِ.
فالجماعَةُ الرَّاشدَةُ؛ تفتَحُ بابَ الشُّورى قبلَ اتِّخاذِ القرارِ، وتستمَعُ إلى الرأْي المخالفِ، وتتيحُ عرضَ الحججِ والاعتراضاتِ، وتزنُ الآراءَ بأَدلَّتِها، وسلامَةِ تصوُّرِها، ومصالحِها ومآلاتِها؛ لا بمواقعِ أَصحابِها، ولا بقربِهم مِنَ القيادَةِ أَو بُعدِهم عنها.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
فإذا استُوفيتِ الشُّورى، وصدَرَ القرارُ في نطاقِ الصلاحيَّةِ المؤَسَّسيَّةِ، عن الجهَةِ المخوَّلَةِ، ووفقَ آليَّاتٍ معلومَةٍ مشروعَةٍ، ولم يتضمَّنْ معصيَةً أَو مخالفَةً بيِّنةً لميثاقِ المؤَسَّسَةِ؛ كانَ مِن مقتضى الأَمانَةِ والانضباطِ أَن يلتزمَ الأَعضاءُ تنفيذَهُ في نطاقِ العمَلِ المشتركِ، وإن بقيَ لبعضِهم اجتهادٌ مخالفٌ.
ولا يعني الالتزامُ بالتنفيذِ منحَ القرارِ عصمَةً، أَو إغلاقَ بابِ تقويمِهِ؛ بلْ يبقَى حقُّ مراجعتِهِ قائمًا بالوسائلِ المؤَسَّسيَّةِ المشروعَةِ، وبالوقتِ والطريقَةِ اللَّذينِ يحفظانِ وحدَةَ العمَلِ، ويمنعانِ الفوضى، ويتيحانِ تصحيحَ الخطأِ.
أَمَّا الجماعةُ التي لا تحتملُ إلَّا رأْيَ قيادتِها، وتجعلُ الولاءَ مرادفًا للموافقَةِ الدَّائمَةِ، والنقْدَ المؤَدَّبَ تمرُّدًا، والمراجعَةَ تهديدًا لهيبتِها؛ فإنَّها تُضعِفُ في أَفرادِها روحَ المسؤَوليَّةِ، وتدفعُهم إلى تكرارِ رأْيِ القيادَةِ أَكثرَ ممَّا تُدرِّبُهم على النُّصحِ لها وتقويمِ مسارِها.
فالنُّضجُ المؤَسَّسيُّ ليسَ في كثرَةِ المخالفاتِ، ولا في فرضِ التَّوافقِ؛ وإنَّما في حُسنِ إدارَةِ الاختلافِ، والتَّمييزِ بينَ وحدَةِ العمَلِ وإلغاءِ الرأّي، وبينَ الشُّورى والفوضَى، وبينَ الالتزامِ بالقرارِ المشروعِ وادِّعاءِ عصمتِهِ؛ ليبقَى الشَّرعُ حاكمًا، والحقُّ مقصدًا، والشُّورى طريقًا، وتصحيحُ الخطأِ مقدَّمًا على حمايَةِ الصُّورَةِ.
اللَّهُمَّ! ارزقْ جماعاتِ المسلمينَ ومؤَسَّساتِهم شورى راشدَةً، ونصيحَةً صادقةً، وقياداتٍ عادلَةً، وأعضاءَ أَمناءَ؛ واجمعْهم على الحقِّ، وجنِّبْهم الاستبدادَ والفوضَى والتَّعصُّبَ للأَشخاصِ.. آمين!

