أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

تعالَ نتأَمَّلْ بصدْقٍ في معضلَةٍ تُرهِقُ واقعَنا:

إذا صارَ جوابُ الإساءَةِ إساءَةً، ورَدُّ الجرحِ جرحًا، وثمرَةُ الغضَبِ انتقامًا؛ فمتى تنطفئُ نارُ الخصومَةِ؟ ومتى ينقطِعُ ميراثُ العداوَةِ والبغضاءِ؟!

إنَّ الشَّرَّ لا يُطفئُهُ شرٌّ مثلُهُ، ولا تُشفى القلوبُ المجروحَةُ بمزيدٍ من الجراحِ؛ فكثيرًا ما يبدأُ الخلافُ بكلمَةٍ عابرَةٍ، ثم يتحوَّلُ معَ الأَيامِ إلى أَحقادٍ متوارثَةٍ، وخصوماتٍ متراكمَةٍ؛ حتَّى يضيعَ الحقُّ بينَ حظوظِ النُّفوسِ وثاراتِها.

ولذلكَ جاءَ القرآنُ الكريمُ بمنهجٍ ربَّانيٍّ عظيمٍ؛ يرفعُ العبدَ من ردَّةِ الفعْلِ إلى مقامِ الإصلاحِ، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.

فتأَمَّلْ! كيفَ قرنَ اللهُ العفوَ بالإصلاحِ؛ لأَنَّ العفوَ المحمودَ ليسَ ضعفًا، ولا تضييعًا للحقوقِ، ولا تسليمًا للظُّالمِ في ظلمِهِ؛ بلْ هو عفوٌ يقصِدُ بهِ صاحبُهُ إصلاحَ القلوبِ، وقطعَ مادَّةِ الشَّرِّ، وفتحَ بابِ الرُّجوعِ إلى الحقِّ.

فليسَ المقصودُ؛ أَن يُتركَ الباطلُ بِلا بيانٍ، ولا أَن يُسكَتَ عن الظُّلمِ إذا تمدَّد، ولكنَّ المقصودَ أن لا تتحوَّلَ نفوسُنا إلى ميدانٍ للثأر، ولا دعوتُنا إلى ردودِ أفعال، ولا خلافاتُنا إلى نارٍ تأكلُ الأخوَّةَ والدينَ والمروءة.

فالنُّفوسُ الكبيرَةُ لا تعجزُ عن الانتصارِ، ولكنَّها تختارُ العفوَ حينَ يكونُ العفوُ أَصلحُ، وتكظِمُ الغيظَ حينَ يكونُ الكظْمُ أَهدى، وتقدِّمُ مرضاةَ اللهِ على لذَّةِ الانتصارِ للنُّفسِ.

اللَّهُمَّ! طهِّرْ قلوبَنا من الغِلِّ، وأَلسنتَنا من الفحْشِ، وأَعمالَنا من حظوظِ النَّفسِ، واجعلنا من أَهلِ العفوِ والإصلاحِ والإنصافِ.. آمين!

Previous
Previous

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

Next
Next

أَخي الدَّاعيَةَ اللَّبيبَ!