أَخي الدَّاعيَةَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لصلاحِ النِّيَّةِ وصدْقِ السَّريرَةِ - أَنَّ من أَدقِّ أَبوابِ تزكيَةِ النَّفسِ: التَّفريقَ بينَ «الإخلاصِ» و«الصِّدْقِ»؛ فكلاهما أَصلٌ عظيمٌ من أُصولِ السَّيرِ إلى اللهِ، ولا يستقيمُ عملُ العبدِ إلَّا بهما.

- فالإخلاصُ يتعلَّقُ بالمقصودِ والغايَةِ: لِمَنْ تعمَل؟ ولِمَن تتكلَّم؟ ومَن تريدُ بعملِكَ؟فالمخلِصُ هو الذي يريدُ بعملِهِ وجهَ اللهِ تعالى، لا رياءَ النَّاسِ، ولا مدحَهم، ولا جاهًا، ولا منزلَةً في القلوبِ.

قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

- وأَمَّا الصِّدْقُ؛ فيتعلَّقُ بحقيقَةِ الدَّعوى وموافقَةِ الباطنِ للظَّاهرِ: هلْ أَنتَ صادقٌ فيما تزعم؟ وهل تثبتُ عندَ الامتحانِ؟ وهلْ تشهدُ أَعمالُكَ لما يقولُهُ لسانُكَ؟

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

فقدْ يعمَلُ الإنسانُ عملًا ظاهرُهُ الخيرُ؛ لكنَّهُ يريدُ بهِ ثناءَ النَّاسِ؛ فهذا خللٌ في الإخلاصِ.

وقدْ يقولُ الإنسانُ: أَريدُ نصرَةَ الحقِّ وخدمَةَ الدِّينِ؛ فإذا جاءَ البلاءُ، أَو النَّقدُ، أَو فواتُ الحظوظِ؛ ضعُفَ وتراجعَ؛ فهذا خللٌ في الصِّدْقِ.

- فالإخلاصُ جوابُ سؤالِ: لِمَنْ؟

- والصِّدْقُ جوابُ سؤَالِ: هلْ أَنْتَ حقًّا كما تقول؟

ولهذا؛ فالدَّاعيَةُ لا يكفيهِ أَن يقولَ: أَعمَلُ للهِ؛ حتَّى يُفتِّشَ قلبَهُ: هلْ يريدُ اللهَ حقًّا؟

ولا يكفيهِ أَن يرفعَ شعارَ الحقِّ؛ حتَّى يثبتَ عليهِ إذا خالفَ هواهُ، أَو خسرَ بعضَ مكانتِهِ، أَو غضبَ منهُ النَّاسُ.

فالإخلاصُ يُطهِّرُ النِّيَّةِ، والصِّدْقُ يُثبتُ القلبَ عندَ الفتنَةِ.

والإخلاصُ يحفظُ العمَلَ من الرِّياءِ، والصِّدْقُ يحفظُ صاحبَهُ من التَّلوُّنِ والانكسارِ أَمامَ حظوظِ النَّفسِ.

فاللَّهُمَّ! ارزقنا إخلاصًا يُطهِّرُ مقاصدَنا، وصدْقًا يُقوِّمُ أَعمالَنا، واجعلْ سرائرَنا خيرًا من علانيتِنا، وعلانيَتَنا صالحةً، ولا تجعلْ في أَعمالِنا حظًّا لغيرِ وجهِكَ الكريمِ.

Previous
Previous

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

Next
Next

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!