أَخي المسلمَ اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لنورِ الوحْي وسلامَةِ العقْلِ - أَنَّ التَّفكيرَ نعمَةٌ عظيمَةٌ من نعمِ اللهِ تعالى، وأَنَّ الإسلامَ لم يأْتِ ليعطِّلَ العقْلَ؛ بلْ جاءَ ليهديَهُ، ويزكِّيَهُ، ويحفظَهُ من عبَثِ الهوى، وشُبَهِ الشَّيطانِ، وظُلُماتِ الكِبرِ والاستكبارِ.
لكنَّ الخطرَ كلَّ الخطَرِ في الدَّعوَةِ إلى »حريَّةٍ مطلقَةٍ في التَّفكيرِ« لا يضبطُها وحيٌ، ولا يحكمُها علمٌ، ولا يقودُها تسليمٌ للهِ تعالى؛ فإنَّ العقْلَ إذا انفصلَ عن الهدايَةِ صارَ أَسيرًا للهوى، وإذا تمرَّدَ على الوحي انقلَبَ من أَداةِ بصيرَةٍ إلى سبَبِ فتنَةٍ وحجابٍ.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فليسَ الممنوعُ أَن يفكِّرَ الإنسانُ، ولا أَن يسأَلَ طلبًا للحقِّ، ولا أَن يبحثَ عن الدَّليلِ بإنصافٍ؛ وإنَّما الممنوعُ أَن يجعَلَ عقلَهُ حاكِمًا على الوحي، أَو يجعَلَ ذوقَهُ ميزانًا للحقِّ، أَو يدخِلَ أَبوابَ الشُّبهاتِ بِلا علمٍ راسخٍ، ثم يزعمَ أَنَّ ذلكَ من حريَةِ الفِكْرِ!
وقدْ قصَّ اللهُ علينا مثالَ مَن استعملَ عقلَهُ في مكابرَةِ الحقِّ لا في طلبِهِ، فقال تعالى:
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١٨-٢٦].
فتأَمَّلْ يا رعاكَ الله: لم يُذَمَّ لمجرَّدِ التَّفكيرِ، وإنَّما ذُمَّ لأَنَّهُ فكَّرَ تفكيرَ مكابرَةٍ، وقدَّرَ تقديرَ هوى، ونظرَ نظرَ عِنادٍ، ثم أَدبرَ واستكبرَ؛ فجعَلَ عقلَهُ خادمًا للكُفْرِ لا طالبًا للهدايَةِ.
فالعقلُ المباركُ؛ هو الذي يقودُ صاحبَهُ إلى التَّسليمِ للهِ، وتعظيمِ الوحي، وطلَبِ الحقِّ بالدَّليلِ والعَدْلِ والإنصافِ.
أَمَّا العقْلُ المتكبِّرُ؛ فهو الذي يتزيَّنُ باسمِ الحريَةِ، ثم ينتهي بصاحبِهِ إلى ردِّ الحقِّ، واتباعِ الهوى، والجرأَةِ على حدودِ اللهِ تعالى.
فاحفظْ عقلَكَ بالوحي، واضبطْ تفكيرَكَ بالعلْمِ، واجعلْ سؤَالَكَ طلبًا للهدايَةِ لا بابًا للمكابرَةِ؛ فإنَّ العقْلَ إذا اهتدَى بنورِ الشَّريعَةِ صارَ بصيرَةً، وإذا استغنى عنها صارَ فتنَةً.

