»استبدادُ المؤَسَّساتِ« حينَ تُشْبِهُ عمليًّا ما تُنكِرُ نظريًّا:

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لبصيرَةٍ نافذَةٍ بالواقعِ، وفقهٍ دقيقٍ في مداخلِ الشَّيطانِ وخُطواتِهِ - أَنَّ من أَعجبِ المفارقاتِ في واقعِ بعضِ »المؤسَّساتِ الإسلاميَّةِ والدَّعويَّةِ«: أَنَّها تُنكرُ على الأَنظمَةِ الحاكمَةِ استبدادَها، وتُدينُ تعطيلَها للشُّورى، وتستنكرُ تحايلَها على القوانين، وتعيبُ عليها احتكارَ القرار؛ ثم إذا تأَمَّلتَ واقعَها الدَّاخليَّ، وجدتَها تمارسُ - بصورَةٍ مصغَّرَةٍ - كثيرًا ممَّا تُنكرُهُ على غيرِها!

- تنتقِدُ الدِّكتاتوريَّةَ في الدُّولَةِ، ثم تمارسُ دكتاتوريَّةً ناعمَةً في المؤسَّسَةِ.

- تنتقِدُ تزويرَ الإرادَةِ العامَّةِ، ثم تُعطِّلُ الجمعيَّاتِ العموميَّةِ، أَو تُفرغُها من معناها.

- تنتقِدُ احتكارَ الكرسي، ثم تُحكمُ قبضتَها على المواقعِ واللِّجانِ والمفاصلِ.

- تنتقِدُ تكميمَ الأَفواهِ، ثم تُضيِّقُ على النَّاصحينَ، وتحاصِرُ المخالفينَ، وتُسقِطُ كلَّ صوتٍ لا يدورُ في فلَكِ المجموعَةِ المتحكِّمَةِ.

وهُنا يظهرُ الخللُ الكبيرُ: أَنَّ بعضَ القائمينَ على العملِ الإسلاميِّ لم يتحرَّروا من منطقِ الاستبدادِ، وإن غيَّروا أَسماءَهُ وشعاراتِهِ؛ فالاستبدادُ ليسَ شرطًا أَن يلبسَ بَزَّةَ حاكمٍ، أَو شرطيٍّ، أَو وزيرٍ؛ فقدْ يلبسُ - أَحيانًا - عباءَةَ مؤَسَّسَةِ، أَو عنوانَ دعوَةٍ، أَو شعارَ مصلحَةٍ، أَو لائحَةً تُستعمَلُ عندَ الحاجَةِ وتُعطَّلُ عندَ المحاسبَةِ.

ومن عللِ هذا الاستبدادِ المؤَسَّسيِّ: تحويلُ اللَّوائحِ من وسيلَةٍ للعَدْلِ إلى أَداةٍ للهيمنَةِ؛ فإذا وافقَتِ اللائحَةُ هوى المتنفِّذينَ قالوا: هذا هو النِّظامُ! وإذا طالبتْهم اللائحَةُ بالمحاسبَةِ أَو التَّجديدِ، أَو الانتخاباتِ، أَو الشَّفافيَّةِ؛ قالوا: الوقتُ غيرِ مناسِبٍ، والظُّرفُ حساسٌ، والمصلحَةُ تقتضي التَّأْجيلَ!!

ومِن عللِهِ كذلكَ: احتكارُ القرارِ باسم الخبرَةِ، وإقصاءُ الأَكفاءِ باسمِ الحفاظِ على وحدَةِ الصَّفِ، وإسقاطُ مَنْ ليسَ قريبًا من الدَّائرَةِ الضَّيِّقةِ، ولو كانَ أَصلحَ وأَقدَرَ وأَنفعَ؛ فإذا كانَ الرَّجلُ من جماعَتِهم قُدِّمَتْ أَعذارُهُ، وغُفرَتْ أَخطاؤَهُ، وفُتحتْ لهُ الأَبوابَ. 

وإذا كانَ ناصحًا مستقلًّا، أَو صاحبَ رأَيٍ لا يُجاملُ؛ ضُخِّمَتْ عبارتَهُ، وحوسبَتْ نيَّتَهُ، وصُوِّرَ كأَنَّهُ متهوِّرٌ، أَو مفرِّقٌ للجماعَةِ.

ومن أَخطرِ عللِهِ: تحويلُ النَّصيحَةِ إلى تهمَةِ؛ فبدلَ أَن يُجابَ النَّاصِحُ بالحجَّةِ، يُحاصَرُ بوصفِهِ سيِّئَ الظَّنِّ، أَو طالبَ فتنَةِ، أَو مثيرَ مشكلاتِ.. وهذا من أَبينِ صُورِ الهروبِ من أَصلِ القضيَةِ؛ لأَنَّ العاجِزَ عن ردِّ الفكرَةِ قدْ يلجأُ إلى إسقاطِ صاحبِها.

وقدْ يبلغُ الأَمرُ؛ أَن يُحذَّرَ صاحِبُ النَّصيحَةِ من الكلامِ في المجموعَةِ! لا لأَنَّهُ قالَ باطلًا، ولكن لأَنَّهم لم يستطيعوا ردَّ كلامِهِ بحجَّةٍ واضحَةٍ! وهذِهِ صُورَةٌ من صُورِ الاستبدادِ النَّاعمِ: أَن يُمنَعَ السُّؤَالُ بدَلَ أَن يُجابَ، وأَن يُضيَّقَ على النَّاقدِ بدَلَ أَن تُراجَعَ الأَخطاءَ.

والعجيبُ أَنَّ بعضَ هؤلاءِ إذا كانَ خارجَ المؤسَّسَةِ رفعَ صوتَهُ بالحريَّةِ والشُّورى والعدالَةِ؛ فإذا صارَ داخلَ دائرَةِ القرارِ ضاقَ صدرُهُ بالنَّقْدِ، وعدَّ السُّؤَالَ إساءَةً، والمطالبَةَ بالمحاسبَةِ تمرُّدًا، وطلبَ الانتخاباتِ تهديدًا للاستقرارِ!

إنَّ المؤَسَّسَةَ الإسلاميَّةَ شرعًا؛ ليسَتْ ملكًا لرئيسٍ، ولا للأَمينِ العامِّ، ولا لهيئَةٍ عُليا، ولا لجماعَةٍ مغلقَةٍ؛ بلْ هيَ أَمانَةٌ ورسالَةٌ ووضيفَةٌ مقدَّسَةٌ، ومَنِ انتسَبَ إليها؛ فقدْ دخَلَ في بابِ المسؤوليَّةِ والمحاسبَةِ، لا بابِ التَّشريفِ والمكانَةِ.

والكرسيُّ في العمَلِ الإسلاميِّ؛ تكليفٌ لا غنيمَةٌ، ومسؤوليَّةٌ لا وجاهَةٌ، ومَن عجِزَ عن حملِ الأَمانَةِ بحقِّها؛ فليفسَحِ الطَّريقَ لغيرِهِ؛ فإنَّ تركَ الموقعِ عندَ العجِزِ أَمانَةٌ، كما أَنَّ القيامَ بهِ عندَ القدرَةِ أَمانَةٌ.

ومن تمامِ العَدْلِ أَن نقولَ: نعم، الأَعضاءُ - أَيضًا - يتحمَّلونَ جزءًا من المسؤوليَّةِ؛ فبرودُهم، وصمتُهم، وتركُهم المتابعَةَ والمحاسبَةَ؛ كلُّ ذلكَ يُعينُ على تمدُّدِ الاستبدادِ.

فالاستبدادُ لا يعيشُ بقوَّةِ المتحكِّمينَ وحدَهم؛ بلْ يعيشُ كذلكَ بصمَتِ الصَّامتينَ، وبرودِ المتفرِّجينَ، وخوفِ الصَّالحينَ من تحمُّلِ كلفَةِ البيانِ.

والمخرجُ ليسَ في الخصومَةِ الشَّخصيَّةِ، ولا في التَّشهيرِ، ولا في كسرِ المؤسَّسَةِ؛ بلْ في الرَّجوعِ إلى العَدْلِ والشُّورى: جمعيَةٌ عموميَّةٌ واضحَةٌ؛ تقاريرُ ماليَةٌ وإداريَّةٌ شفَّافَةٌ، انتخاباتٌ نزيهَةٌ، مددٌ محدَّدُةْ، محاسبَةٌ للجميعِ، وتداولٌ للمسؤوليَّةِ؛ حتَّى لا تتحولَ المؤَسَّسَةُ إلى إقطاعيَّةٍ باسم الدَّعوَةِ.

إنَّنا حينَ ننتقِدُ هذِهِ الآفاتِ؛ لا نطعَنُ في العمَلِ الإسلاميِّ، بلْ نحميهِ. ولا نهدمُ المؤَسَّساتِ، بلْ نريدُ إنقاذَها من الدَّاخلِ؛ لأَنَّ المؤسَّسَةَ التي ترفعُ شعارَ الإسلامِ، ثم تمارسُ الظُّلمَ والتَّحايلَ والإقصاءَ؛ تضُرُّ الدَّعوَةَ من حيثُ تظنُّ أَنَّها تخدمُها.

فاللَّهُمَّ! أَصلحْ مؤسَّساتِ المسلمينَ، وطهِّرْها من حظوظِ النُّفوسِ، واجعلْها قائمَةً على الشُّورى والعَدْلِ والأَمانَةِ، ولا تجعلْ دعوتَنا ستارًا لأَهوائنا، ولا مؤَسَّساتِنا صُورَةً أُخرى مما نُنكرُهُ على غيرنا، واجعلنا من الصَّادقينَ في الإصلاحِ، العاملينَ بالحقِّ؛ النَّاصحينَ للهِ، ولكتابِهِ، ولرسُولِهِ، ولأَئمةِ المسلمينَ، وعامَّتِهم.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

١٥ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٦/٣٠م

Previous
Previous

حينَ تفقِدُ المؤسَّساتُ الدَّعويَّةُ روحَها:

Next
Next

مِن آفاتِ المؤسَّساتِ: احتكارُ الكرسيِّ باسمِ الشُّورى..