حينَ تفقِدُ المؤسَّساتُ الدَّعويَّةُ روحَها:
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لصدْقِ النِّيَّةِ وبصيرَةِ الإصلاحِ - أَنَّ من أَخطرِ ما يُصيبُ المؤسَّساتِ الإسلاميَّةَ والدعويَّةَ أَن تبقى أَسماؤُها إسلاميَّة، وشعاراتُها دعويَّة، ولوائحُها منظَّمة، واجتماعاتُها قائمة؛ ولكن تفارقُها روحُها الأُولى: روحُ الإيمان، والأُخوَّة، والصِّدْقِ، والتجرُّدِ، والنُّصحِ، والرحمَةِ.
فالمؤسَّسةُ الإسلاميَّةُ ليستْ مجرَّدَ هيكلٍ إداري، ولا لائحةٍ تنظيميَّة، ولا مجلسٍ تنفيذي، ولا تقاريرَ سنويَّة؛ بل هي قبل ذلك وبعدَه: رسالةٌ ربَّانيَّةٌ، وأَمانةٌ شرعيَّةٌ، وعملٌ تعبُّديٌّ يُرادُ به وجهُ الله، وخدمةُ دينِهِ، ونفعُ عبادِهِ.
فإذا غابَ عنها الإخلاص، وضعفتْ فيها الأُخوَّة، وذبلتْ روحُ الصِّدْقِ، وحلَّ محلَّ ذلك منطقُ المناصبِ والمكاسبِ والمنافساتِ الباردَةِ؛ تحوَّلتْ - وإن بقي اسمُها إسلاميًّا - إلى صورَةٍ إداريَّةٍ جامدَةٍ، تُشبهُ الشَّركاتِ والمؤسَّساتِ الماديَّة التي لا تعرفُ إلَّا لغةَ الأَرقامِ واللوائحِ والمصالحِ.
وهنا يقعُ الخللُ الكبير: أَن تتحوَّلَ المؤسَّسةُ الدعويَّةُ من بيتٍ للأُخوَّةِ والنُّصحِ والتراحمِ، إلى جهازٍ إداريٍّ باردٍ يُدارُ بمنطقِ الإجراءاتِ الجامدَةِ، دونَ اعتبارٍ لفقهِ القلوبِ، ولا لمقاصدِ الشَّريعَةِ، ولا لحفظِ الأُخوَّةِ، ولا لمآلاتِ القراراتِ.
نعم، اللوائحُ مهمَّةٌ، والنظامُ مطلوبٌ، والشفافيَّةُ واجبةٌ؛ لكنَّ اللوائحَ في المؤسَّسةِ الإسلاميَّةِ ينبغي أَن تكونَ خادمَةً للعدلِ والرحمَةِ والشُّورى، لا أَداةً باردَةً للإقصاءِ والهيمنَةِ.
والنظامُ ينبغي أَن يكونَ سياجًا للأَمانَةِ، لا ستارًا لجفافِ القلوبِ وقسوةِ القراراتِ.
وقد دلَّ «القرآنُ الكريمُ» على أَنَّ روحَ العمَلِ الصَّالحِ في صدْقِ مقصدِهِ، لا في ظاهرِهِ فقط.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾.
ومن أَعظمِ أُصولِ العملِ الإسلاميِّ: الأُخوَّةُ الإيمانيَّة.
قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
فإذا صارتِ المؤسَّسةُ سببًا في التباغض، والتنافر، والإقصاء، وكسرِ الخواطر، وإسكاتِ النَّاصحين؛ فقد فقدتْ شيئًا من روحِها، ولو بقيتْ لوائحُها محفوظةً، واجتماعاتُها قائمةً.
قال النَّبيُّ ﷺ: »الدِّينُ النَّصيحَة« قيل: لمن؟ قال: »للهِ، ولكتابِهِ، ولرسولِهِ، ولأَئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم« .
فالنصيحةُ ليست خروجًا على المؤسَّسة، ولا تمرُّدًا على القيادة، ولا إساءةً إلى الجماعة؛ بل هي من صميمِ الدِّينِ، ومن أَعظمِ أَبوابِ حفظِ الأَمانَةِ.
ومن شواهدِ الخللِ في بعضِ المؤسَّسات:
أَن يُعرَفَ فضلُ الأَخِ وسَبقُهُ وصدقُهُ ما دامَ ساكتًا أَو موافقًا؛ فإذا نصحَ أَو راجعَ أَو طالبَ بالشُّورى والمحاسبَة؛ تحوَّلَ فجأَةً إلى مشكلٍ ومزعجٍ ومثيرٍ للفتنَةِ!
وهذا من انقلابِ الموازين؛ لأَنَّ الناصحَ الصَّادقَ ينبغي أَن يُسمَعَ لا أَن يُحاصَر، وأَن يُجابَ بالحجَّةِ لا أَن يُسقَطَ بالتُّهم.
ومن شواهدِهِ كذلكَ: أَن تتحوَّلَ اللوائحُ إلى سيفٍ على الضعفاءِ والمستقلِّينَ، وستارٍ على الأَقوياءِ والمتنفِّذينَ؛ فإذا أَخطأَ القريبُ التُمستْ لهُ الأَعذار، وإذا نصحَ البعيدُ حوسبَ على الأَلفاظِ والنيَّات.
وإذا طالبتِ اللائحةُ بالتجديدِ والانتخاباتِ والمحاسبَةِ، قيل: الظرفُ غير مناسب؛ وإذا احتاجوا إليها للإقصاءِ، قالوا: هذا هو النظام!
إنَّ المؤسَّساتِ الدعويَّةَ تحتاجُ إلى لوائح، نعم؛ لكنها قبل اللوائح تحتاجُ إلى قلوبٍ حيَّة، ونيَّاتٍ صادقة، وقياداتٍ متواضعَةٍ، وأَعضاءَ ناصحينَ، وشورى حقيقيَّة، ومحاسبَةٍ عادلَةٍ، وروحٍ أَخويَّة تحفظُ المعنى قبل الشكلِ، والمقصدَ قبل الإجراءِ.
ولا تُعادُ الروحُ إلى المؤسَّساتِ الإسلاميَّة إلَّا بتجديدِ النِّيَّةِ، وإحياءِ الشُّورى الحقيقيَّةِ، وحفظِ مقامِ الأُخوَّة، وفتحِ بابِ النصيحةِ والمراجعَةِ، والعدلِ في تطبيقِ اللوائحِ، وتركِ احتكارِ المواقعِ، وإعادَةِ التربيةِ الإيمانيَّةِ إلى قلبِ العملِ المؤسَّسي.
فالمؤسَّسةُ التي لا تسمعُ إلَّا صوتَ الموافقينَ، ولا تقبلُ إلَّا مدحَ المقرَّبينَ، ولا ترى في النقدِ إلَّا تهديدًا؛ مؤسَّسةٌ تمشي إلى الضعفِ وإن ظنَّتْ أَنَّها تحمي نفسَها.
والقيادةُ في العملِ الإسلاميِّ؛ أَمانةٌ لا سيادَةٌ، وتكليفٌ لا غنيمَةٌ، ومَن عجزَ عن حملِ الأَمانَةِ بحقِّها فليُفسِحِ الطريقَ لغيرِه؛ فإنَّ تركَ الموقعِ عندَ العجزِ أَمانة، كما أَنَّ القيامَ بهِ عندَ القدرَةِ أَمانة.
إنَّ المؤسَّسةَ الإسلاميَّةَ إذا رجعتْ إلى روحِها الأُولى؛ صارتِ اللوائحُ فيها خادمَةً للعَدْلِ، والشُّورى طريقًا للحكمَةِ، والمحاسبَةُ بابًا للتصحيحِ، والنصيحةُ علامةَ حياة، والخلافُ بابًا للنضجِ، والقيادَةُ أَمانةً، والعضويَّةُ مسؤوليَّةً.
أَمَّا إذا بقيتْ على صورتِها الإسلاميَّة، وفقدتْ معناها الربَّاني؛ فإنَّها تتحوَّلُ مع الزمنِ إلى شركةٍ باردَةٍ بأَسماءَ دعويَّة، تملكُ اللوائحَ ولا تملكُ الروح، وتحفظُ النظامَ ولا تحفظُ الأُخوَّة، وتتكلَّمُ عن الرسالةِ وقد ضيَّعتْ حقيقتَها.
فاللَّهُمَّ! أ!صلحْ مؤسَّساتِ المسلمين، وردَّها إلى روحِها الأُولى: روحِ الإخلاصِ والصدقِ والأُخوَّةِ والشُّورى والرحمة.
اللَّهُمَّ! طهِّرها من حظوظِ النُّفوسِ، ومن حبِّ المناصبِ، ومن قسوةِ القلوبِ، واجعلها بيوتًا للنصيحَةِ لا ساحاتٍ للإقصاءِ، ومناراتٍ للحقِّ لا هياكلَ للوجاهَةِ، واجعل أَعمالَنا خالصةً لوجهِك الكريم؛ نافعةً لعبادِك، مباركةً في آثارِها، إنَّك سميعٌ قريبٌ مجيبٌ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
١٧ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/٢م

