»الصَّندوقُ الأَسودُ في المؤَسَّساتِ الدَّعويَّةِ« حينَ تتحوَّلُ الخبرَةُ إلى حكومَةٍ خفيَّةٍ:

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لبصيرَةِ الإصلاحِ وفقهِ النَّفوسِ - أَنَّ من أَخطرِ أَمراضِ بعضِ المؤسَّساتِ الدَّعوَيَّةِ: وجودَ شخصٍ أَو دائرَةٍ ضيِّقَةٍ تُشبِهُ »الصَّندوقَ الأَسودِ«؛ تجتمعُ عندها الأَخبار، وتُحفظُ عندها الأَسرار، وتعرفُ تاريخَ الأَشخاصِ والقراراتِ والخلافاتِ، وتديرُ كثيرًا من المشهدِ من وراءِ الكواليس، دونَ أَن تظهرَ في الواجهَةِ ظهورًا واضحًا تتحمَّلُ بهِ مسؤوليَّةَ القرارِ.

وليسَ المقصودُ بهذا؛ ذمُّ أَهلِ الخبرَةِ، ولا الطَّعنُ في المؤَسِّسينَ العُقلاءِ الذين يعرفونَ تاريخَ المؤَسَّسَةِ؛ فوجودُهم من أَعظمِ أَسبابِ الرُّشدِ والبصيرَةِ، إذا ضبطتْهم تقوى اللهِ، وزانهم العدْلُ، وحكمتْهم الشُّورى، وصارَ علمُهم بتاريخِ المؤَسَّسَةِ ذاكرَةً للإصلاحِ، لا أَداةً للتَّحكُّمِ.

فقدْ يكونُ صاحِبُ الخبرَةِ القديمُ رحمَةً بالمؤَسَّسَةِ: يحفظُ ذاكرتَها، ويعرفُ الصَّادقَ من المتلوِّنِ، ويميِّزُ القادرَ من العاجزِ، ويمنعُ تكرارَ الأَخطاءِ، ويقرِّبُ الأَكفاءَ، ويسترُ العوراتِ، وينصحُ للقادَةِ والأَعضاءِ بصدْقٍ وتجرُّدٍ. 

وهذا بابُهُ عظيمٌ؛ فالنَّبيُّ ﷺ قال: »الدِّينُ النَّصيحَةُ«، وجاءَ في الحديثٍ: »المسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ«.

لكنَّ مربطَ الفرسِ هُنا هو: »تقوى اللهِ تعالى« فإذا غابَتِ التَّقوى؛ تحوَّلَتِ الخبرَةُ إلى هيمنَةِ، والذَّاكرَةُ إلى سلاحٍ، والأَسرارُ إلى أَوراقِ ضغطٍ، والنَّصيحَةُ إلى توجيهٍ خفيٍّ، والشُّورى إلى مسرحٍ ظاهريٍّ تُعرَضُ عليهِ النتائجُ بعدَ أَن تُصنَعَ من خلفِ السِّتارِ.

وهُنا يبدأُ المرضُ: أَن يوجدَ في المؤَسَّسَةِ شخصٌ لا يظهَرُ في الواجهَةِ؛ لكنَّهُ يملِكُ مفاتيحَ الأَخبارِ، ويوجِّهُ الانطباعاتِ، ويصنَعُ المواقفَ، ويُقرِّبُ مَن يوافِقُ هواهُ، ويُبعدُ مَن لا ينسجمُ معَ رغبتِهِ، ثم يبقى هو في الظِّلِّ كأَنَّهُ لا علاقَةَ لهُ بشيْءٍ! فإذا نجحَ الأَمرُ كانَ من حكمتِهِ، وإذا فشلَ القرارُ تحمَّلَ غيرُهُ التَّبعَةَ.

وهذا من أَخطرِ صُورِ الخللِ المؤَسَّسيِّ؛ لأَنَّ القرارَ حينَ يُصنَعُ في الظِّلِّ لا يمكنُ محاسبتُهُ في النُّورِ. والمؤَسَّسَةُ التي تُدارُ بإيحاءاتٍ خفيَّةٍ، ورسائِلَ مبطَّنَةٍ، وأَحكامٍ غيرِ معلنَةٍ؛ تفقدُ معنى الشُّورى، ولو كثرتْ اجتماعاتُها، وتفقدُ معنى العدْلِ، ولو امتلأَتْ لوائحُها بالكلامِ الجميلِ!

وقدْ أَمرَ اللهُ تعالى بأَداءِ الأَماناتِ إلى أَهلِها، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. فالعدْلُ لا يقومُ معَ إدارَةٍ خفيَّةٍ تُسقِطُ مَن تشاءُ، وترفعُ مَن تشاءُ؛ بِلا بيِّنَةٍ واضحَةٍ ولا محاسبَةٍ ظاهرَةٍ.

ومن علاماتِ هذا المرضِ: أَن يكونَ الخطابُ الرَّسميُّ شيئًا، والتَّوجيهُ الخفيُّ شيئًا آخرَ؛ وأَن تُصنَعَ القراراتُ في مجالسَ ضيِّقَةٍ، ثم تُعرَضَ على الأَعضاءِ كأَنَّها ثمرَةُ شورى؛ وأَن يُقالَ للنَّاسِ: الأَمرُ مؤَسَّسيِّ، بينما الحقيقَةُ أَنَّ المؤَسَّسَةَ صارَتْ غطاءً لإرادَةِ شخْصٍ، أَو دائرَةٍ مغلقَةٍ.

ومن علاماتِهِ كذلكَ: أَن يُحاصَرَ النَّاصِحُ بطريقَةٍ ناعمَةٍ؛ لا يُردُّ عليهِ بالحجَّةِ، ولا يُصارَحُ بالاعتراضِ، ولكنْ تُصنَعُ حولَهُ انطباعاتٌ سلبيَّةٌ، ويُقالُ عنهُ: كثيرُ المشاكلِ، شديدُ العبارَةِ، لا يقدِّرُ المصلحَةَ، يثيرُ الفتنَةَ!! وهكذا يُقتَلُ أَثرُ النَّصيحَةِ دونَ مناقشَةِ مضمونِها.

ومن أَخطرِ علاماتِهِ: الكلامُ الحمَّالُ للأَوجِهِ؛ إذْ يتكلَّمُ صاحِبُ التَّأْثيرِ الخفيِّ بعباراتٍ لا تُلزمُهُ بشيْءٍ؛ لكنَّها تُرسِلُ إشاراتٍ كافيَةً لمنْ حولَهُ: هذا يُقرَّبُ، وهذا يُحذَرُ منهُ، وهذا يُسكَتُ صوتُهُ، وهذا يُهمَّشُ؛ فإذا سُئِلَ قالَ: لم أَقلْ شيئًا! لكنَّ الرِّسالَةَ وصلَتْ، والأَثرَ وقعَ.وهذا كلُّهُ يُبعدُ المؤَسَّساتِ الدَّعويَّةَ عن روحِ النُّبوَّةِ والشَّريعَةِ؛ لأَنَّ منهجَ النُّبوَّةِ يقومُ على الصِّدْقِ والبيانِ والعَدْلِ والنَّصيحَةِ والشُّورى، لا على الإيحاءاتِ الخفيَّةِ وتوجيهِ الصُّفوفِ من وراءِ الحُجُبِ.

قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وقال لنبيِّهِ ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾. 

فإذا كانَ النَّبيُّ ﷺ مأْمورًا بالشُّورى؛ فكيفَ يليقُ بمؤَسَّسَةٍ دعويَّةٍ أَن تتحوَّلَ شوراهُا إلى واجهَةٍ شكليَّةٍ لقرارٍ مطبوخٍ سلفًا؟

- إنَّ »الصَّندوقَ الأَسودِ« إذا صلحَ كانَ ذاكرَةً أَمينَةً، وإذا فسدَ صارَ حكومَةً خفيَّةً.

وإذا اتقى اللهَ صارَ ناصحًا مؤتمنًا، وإذا اتبعَ هواهُ صارَ مركزَ تحكُّمٍ يُديرُ الرِّجالَ والقراراتِ من خلفِ السِّتارِ.

والفَرْقُ بينهما؛ ليسَ في الذَّكاءِ ولا في الخبرَةِ، بلْ في الخوفِ من اللهِ تعالى.

وعلاجُ هذا المرضِ العُضالِ لا يكونُ بكسرِ أَهلِ الخبرَةِ، ولا بإقصاءِ المؤَسِّسينَ؛ بلْ بضبْطِ أَدوارِهم بالعَدْلِ والوضوحِ: فلأَهلِ الخبرَةِ مقامُهم؛ لكن لا سلطَةَ خفيَّةً لهم فوقَ اللَّوائحِ، ولهم حقُّ النَّصيحَةِ؛ لكن لا يجوزُ أَن يتحوَّلَ رأْيُهم إلى قرارٍ غيرِ مُعلَنٍ؛ ويُستفادُ من ذاكرتِهم؛ لكن لا يجوزُ أَن تحتكرَ فئَةٌ واحدَةٌ أَرشيفَ المؤَسَّسَةِ، وأَسرارَها، ومسارَ قراراتِها.

ومن العلاجِ كذلكَ: إعلانُ معاييرِ الاختيارِ والإبعادِ، وتوثيقُ القراراتِ، وفتحُ بابِ المراجعَةِ، ومنعُ صناعَةِ الانطباعاتِ في الخفاءِ، وربطُ النَّصيحَةِ بالبيِّنَةِ لا بالوشايَةِ، وإحياءُ الشُّورى الحقيقيَّةِ، ومحاسبَةُ كلِّ مَن يُؤَثِّرُ في القرارِ ولو لم يحملْ منصبًا رسميًّا؛ فإنَّ مَن يشاركُ في صناعَةِ القرارِ يجبُ أَن يتحمَّلَ نصيبَهُ من المسؤُوليَّةِ.

ومن العلاجِ كذلكَ: أَن يتعلَّمَ الأَعضاءُ أَلَّا يسلِّموا عقولَهم »للصَّندوقِ الأَسودِ«؛ فلا يكفي أَن يقالَ لهم: (نحنُ نعرفُ ما لا تعرفون). 

نعم؛ قدْ توجَدُ أَسرارٌ لا تُنشَر، لكن لا يجوزُ أَن تتحوَّلَ الأَسرارُ إلى ذريعَةٍ لإلغاءِ العُقولِ، ولا إلى بابٍ لتعطيلِ الشُّورى، ولا إلى عصا لإسكاتِ كلِّ معترضٍ.

إنَّ المؤَسَّسَةَ الدَّعويَّةَ المباركَةَ هيَ التي تجعَلُ الخبرَةَ في خدمَةِ الشُّورى، لا بديلًا عنها؛ وتجعَلُ الذَّاكرَةَ المؤَسَّسيَّةَ عونًا على العَدْلِ، لا وسيلَةً للهيمنَةِ؛ وتجعَلُ النَّصيحَةَ بابًا للإصلاحِ، لا طريقًا للانتقامِ النَّاعمِ؛ وتجعلُ تقوى اللهِ فوقَ الأَشخاصِ واللَّوائحِ والمواقعِ والمصالحِ.

فيا أَهلَ المؤَسَّساتِ الدَّعويَّةِ: اتقوا اللهَ في الأَمانَةِ، ولا تجعلوا العمَلَ الإسلاميَّ صورَةً أُخرى من صورِ الحكوماتِ الخفيَّةِ؛ اخرجوا بالقرارِ إلى نورِ الشُّورى، وبالنَّصيحَةِ إلى ميزانِ العَدْلِ، وبالخبرَةِ إلى مقامِ الخدمَةِ، وبالنُّفوسِ إلى مقامِ التَّجردِ؛ فإنَّ اللهَ لا يباركُ في مؤَسَّسَةٍ يعلو فيها الهوى على الحقِّ، ولا في عمَلٍ تُدفَنُ فيهِ النَّصيحَةَ، ولا في قيادَةٍ تحكمُ من وراءِ السِّتارِ، ثم تتبرَّأُ من آثارِ ما صنعَتْ.

اللَّهُمَّ! أَصلحْ مؤَسَّساتِ المسلمينَ، واجعلْ خبرتَها أَمانَةً لا هيمنَةً، وذاكرتَها عدلًا لا انتقامًا، وشوراها حقيقةً لا صورَةً. 

اللَّهُمَّ! طهِّرْ قلوبَ العاملينَ فيها من الهوى وحبِّ التَّحكُّمَ، واجعلْ أَعمالَنا خالصَةً لوجهِكَ الكريمِ؛ قائمَةً على الصِّدْقِ والعَدْلِ والنَّصيحَةِ، يا ربَّ العالمين.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

١٨ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/٣م

Previous
Previous

»القائِدُ الضَّعيفُ« حينَ تُسَلَّمُ الأَمانَةُ إلى غيرِ أَهلِها:

Next
Next

حينَ تفقِدُ المؤسَّساتُ الدَّعويَّةُ روحَها: