»القائِدُ الضَّعيفُ« حينَ تُسَلَّمُ الأَمانَةُ إلى غيرِ أَهلِها:
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لفقهِ الأَمانَةِ وبصيرَةِ الإصلاحِ - أَنَّ من أَعظمِ أَمراضِ المؤَسَّساتِ الإسلاميَّةِ والدَّعويَّةِ اليومَ: توليَةَ القياداتِ الضَّعيفَةِ مواقعَ القرارِ؛ قياداتٍ ضعيفَةً في العلمِْ، أَو الإدارَةِ، أَو التَّربيَةِ، أَو فقهِ الواقعِ وتنزيلِ الأَحكامِ على مواضعِها، ومعرفَةِ المآلاتِ.
وهذا من أَخطرِ ما تُبتلى بهِ المؤَسَّساتُ؛ فإنَّ المؤَسَّسَةَ في الغالبِ مرآةُ قيادَتِها، ولا تكادُ ترتفِعُ فوقَ مُستواها: فإذا ضَعُفَ علْمُ القائدِ ضاقَ أُفقُها، وإذا اضطربَتْ إدارتُهُ اضطرَبَ مَسارُها، وإذا جفَّتْ تربيتُهُ جفَّتْ روحُها، وإذا وَهَنَتْ شخصيَّتُهُ أَصبحَتْ قراراتُها أَسيرَةَ الضُّغوطِ، وموضِعَ ابْتزازِ الأَقوياءِ، ومجالًا لتَسلُّلِ أَصحابِ المصالحِ الخفيَّةِ.
وقدْ دلَّ الشَّرْعُ على أَنَّ الولايَةَ أَمانَةٌ لا تُمنَحُ بالمجاملَةِ، ولا تُنتزَعُ بالعاطفَةِ، ولا تُستحقُّ بالسَّابقَةِ وحدَها، ولا بالانتماءِ الحزبيِّ، أَو القُربِ الشَّخصيِّ؛ بلْ تُناطُ بالأَمانَةِ والكفاءَةِ، والقوَّةِ على أَداءِ الحقِّ.
قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
وقال سبحانَهُ؛ في معيارِ القوَّةِ والأَمانَةِ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾.
وقال يوسفُ عليهِ السَّلامُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
فصلاحُ النيَّةِ وحدَهُ لا يكفي في القيادَةِ؛ بلْ لا بدَّ معها من قوَّةٍ تحملُ الأَمانَةِ، وعلْمٍ يُبصِّرُ بالقرارِ، وكفاءَةٍ تُحسنُ الإدارَةِ، وصدْقٍ يمنَعُ الخيانَةَ والهوى.
ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ في »البخاري«؛ لمَّا سُئِلَ عن تضييعِ الأَمانَةِ: »إذا وُسِّدَ الأَمرُ إلى غيرِ أَهلِهِ؛ فانتظرِ السَّاعَةَ«.
وهذا أَصلٌ عظيمٌ في بابِ الولاياتِ كلِّها؛ فكلُّ موقعٍ يُسلَّمُ لغيرِ أَهلِهِ؛ فهو صورَةٌ من صُورِ تضييعِ الأَمانَةِ، ولو كانَ في مؤَسَّسَةٍ صغيرَةٍ، أَو جمعيَةٍ دعويَّةٍ، أَو رابطَةٍ علميَّةٍ، أَو جماعَةٍ تعمَلُ للإسلامِ.
والمؤَسَّساتُ ليسَتْ صنفًا واحدًا؛ فلكلِّ مؤَسسَةٍ طبيعَةٌ تحتاجُ إلى قائدٍ يناسبُها:
- فالمؤَسَّسَةُ الدَّعويَّةُ؛ تحتاجُ إلى قائدٍ عندَهُ علِمٌ شرعيٌّ معتبَرٌ، وفقهٌ بالواقعِ، وبصيرَةٌ بالتَّنزيلِ، وحكمَةٌ في التَّعاملِ مع النَّاسِ، وقدرَةٌ على التَّربيَةِ وجمعِ القلوبِ. إذْ لا يصلِحُ أَن يقودَ العمَلَ الدَّعويَّ مَن لا يعرِفُ مقاصِدَ الدَّعوَةِ، ولا فقهَ المآلاتِ، ولا أَحوالَ النَّاسِ، ولا مراتبَ المصالحِ والمفاسِدِ.
- والمؤَسَّسَةُ العلميَّةُ أَو العلماءيَّةُ؛ تحتاجُ إلى قيادَةٍ لها وزنٌ علميٌّ ظاهِرٌ، وملكَةٌ راسخَةٌ، واطلاعٌ واسِعٌ، وقدرَةٌ على فهمِ الاختصاصاتِ الشَّرعيَّةِ الكُبرى، أَو على الأَقلِّ إحاطَةٌ تمكِّنُها من إدارَةِ أَهلِ العلْمِ واحترامِ تخصصاتهم؛ فإنَّ الأُمَّةَ لا تَثِقُ بمؤَسَّسَةٍ علميَّةٍ يقودُها مَن لم يُعرفْ بالرُّسوخِ العلميِّ، والتَّحقيقِ، والتَّربيَةِ العلميَّةِ الجادَّةِ.
- وأَمَّا المؤَسَّسَةُ الخيريَّةُ أَو الإغاثيَّةُ؛ فتحتاجُ إلى قائِدٍ يعرِفُ القوانينَ والأَنظمَةَ، ويحسنُ التَّعامُلَ معَ الجهاتِ الرَّسميَّةِ، ويفهمُ إدارَةَ المالِ والمواردَ، ويحفظُ الشَّفافيَّةَ، ويستعينُ بأَهلِ الاختصاصِ؛ لأَنَّ الجهْلَ بالأَنظمَةِ قدْ يضيِّعُ الحقوقَ، أَو يعرِّضُ المؤَسَّسَةَ للخطَرِ، أَو يفتحُ أَبوابًا من الفوضى والاتهامِ.
ومعَ ذلكَ؛ فكلُّ هذِهِ المؤَسَّساتِ، مهما اختلفَتْ طبيعتُها، تحتاجُ إلى أَصلٍ جامعٍ: قيادَةٍ أَمينَةٍ ذاتِ خبرَةٍ إداريَّةٍ؛ تُحسنُ التَّنظيمَ والحركةَ والتَّوقُّفَ، وتعرفُ كيفَ تُشاورُ وتُفوِّضُ، وكيفَ تفتحُ الطَّريقَ للأَكفاءِ، لا أَن تكونَ عائقًا في وجوهِهم.
فليسَ القائدُ النَّاجحُ مَن يحتكرُ كلَّ شيءٍ؛ بلْ مَن يُحسنُ بناءَ الفريقِ، واكتشافَ الطَّاقاتِ، وتوزيعَ المسؤَولياتِ، وحمايَةَ المؤَسَّسَةِ من الفوضى والاستبدادِ.
ومن أَكبرِ مشكلاتِ واقعِنا أَنَّ بعضَ المؤَسَّساتِ يتولَّى قيادتَها مَن لم يثبِتْ نجاحُهُ في تاريخِهِ الدَّعويِّ ولا الإداريِّ ولا الجماعيِّ؛ بل قد تكونُ تجربتُهُ في العلاقاتِ القريبَةِ والعمَلِ المشتركِ شاهدَةً على ضعْفِ قدرتِهِ على التَّربيَةِ والجمْعِ والإدارَةِ، ثم يُرادُ لهُ أَن يُنجحَ مؤَسَّسةً كاملَةً!
ومَن لم يُحسنْ إدارَةَ مشروعٍ صغيرٍ، أَو فريقٍ محدودٍ، أَو علاقَةٍ مستقرَّةٍ؛ فكيفَ يُؤتمنُ على مؤَسَّسَةٍ، ورجالٍ، وأَموالٍ، وقراراتٍ، ومصائِرٍ؟
وهُنا تظهرُ القاعدَةُ المشهورَةُ: «فاقِدُ الشَّيْءِ لا يُعطيهِ»؛ فمَن كانَ ضعيفَ العلْمِ لا يُنتجُ مؤَسَّسَةً علميَّةً راشدَةً، ومَن كانَ مضطربَ الإدارَةِ لا يصنعُ عمَلًا منظَّمًا، ومَن كانَ شديدَ الخصومَةِ لا يبني أُخوَّةً صادقَةً، ومَن كانَ عاجزًا عن جمعِ القلوبِ لا يقودُ عمَلًا دعويًّا يحتاجُ إلى رحمَةٍ وحكمَةٍ وصبْرٍ.
ومن القرائنِ المهمَّةِ في معرفَةِ أَهليَّةِ القائِدِ: تاريخُهُ في العلاقاتِ والعمَلِ الجماعيِّ؛ فليسَ كلُّ خلافٍ دليلًا على فشَلٍ، ولا كلُّ قِلَّةِ أَصحابٍ علامَةَ نقْصٍ؛ فقدْ يُبتلى الصَّادقُ بأَهلِ هوًى أَو حَسَدٍ؛ لكنَّ تكرارَ القطيعَةِ، واضطرابَ العلاقاتِ، وفقدانَ الأَصدقاءِ الثَّابتينَ، وكثرَةَ الخُصوماتِ معَ القريبِ والبَعيدِ، كلُّ ذلكَ قرائِنُ ينبَغي أَن تُقرأَ بعقْلٍ وإنصافٍ؛ لأَنَّ الصَّديقَ الدَّائمَ يكشفُ معدْنَ الإنسانِ، والعمَلَ الطَّويلَ يكشِفُ حقيقَةَ الخُلُقِ، والمواقِفَ المتكرِّرَةَ تكشِفُ ما لا تكشفُهُ الخطَبُ والبياناتُ.
وكذلكَ ينبغي الحذَرُ من جعَلِ المظاهرِ وحدَها معيارًا للقيادَةِ؛ فقدْ يكونُ الرَّجلُ حسنَ الكلامِ، جميلَ العبارَةِ، كثيرَ الحضورِ؛ لكنَّهُ ضعيفُ القرارِ، مضطربُ الإدارَةِ، لا يحسنُ المشاورَةَ، ولا يحتمَلُ النَّقْدَ، ولا يفرِّقُ بينَ النَّصيحَةِ والعداوَةِ.. ومثلُ هذا؛ قدْ يُحسنُ الظُّهورَ للنَّاسِ؛ لكنَّهُ يُتعبُ المؤَسَّسَةَ في العمْقِ.
ومن صُورِ ضعفِ القيادَةِ: أَن يكونَ القائدُ واجهَةً لا قرارَ لهُ، أَو اسمًا لا إدارَةَ عندَهُ، أَو رجلًا طيبًا تُدارُ المؤَسَّسَةُ من خلفِهِ. وهذا ضعْفٌ خطيرٌ؛ لأَنَّ القائدَ إذا لم يملكْ علمًا ولا خبرَةً ولا شخصيَّةً عادلَةً؛ صارَ بابًا لتَسلُّطِ غيرِهِ، وتحولَتِ المؤَسَّسَةُ إلى ساحَةِ نفوذٍ خفيٍّ؛ يديرُها الأَقوى حضورًا، أَو الأَقدَرُ على التَّأْثيرِ من وراءِ السِّتارِ.
ومن ضعفِ القيادَةِ كذلكَ: الخوفُ من الأَكفاءِ؛ فالقائِدُ الضَّعيفُ لا يحبُّ الأَقوياءَ الأُمناءَ؛ لأَنَّهم يذكِّرونَهُ بعجزِهِ، ولا يقرِّبُ أَصحابَ الرأْي؛ لأَنَّهم يكشفونَ خللَهُ، ولا يفتحُ بابَ النَّقدِ؛ لأَنَّهُ لا يملكُ قدرَةً على الجوابِ.
لذلكَ يحيطُ نفسَهُ غالبًا بالموافقينَ، أَو الضُّعفاءَ، أَو أَهلِ المجاملَةِ؛ فتضعِفُ المؤَسَّسَةُ من حيثُ يظنُّ أَنَّهُ يحميها.والقائِدُ الرَّاشِدُ؛ ليسَ شرطًا أَن يعرفَ كلَّ شَيْءٍ، ولكنْ يجبُ أَن يعرِفَ قدَرَ نفسِهِ، وأَن يُحْسِنَ اختيارَ أَهلِ الشُّورى، وأَن يُنزلَ أَهلَ الاختصاصِ منازلَهم؛ فإذا جهِلَ في القانونِ؛ سأَلَ أَهلَ القانونِ. وإذا جهِلَ في المالِ رجَعَ إلى أَهلِ المالِ. وإذا عرَضَتْ نازلَةٌ شرعيَّةٌ ردَّها إلى أَهلِ العلْمِ. وإذا وقَعَ خلافٌ تربويٌّ استشارَ أَهلَ التَّربيَةِ والحكمَةِ.
أَمَّا أَن يجمَعَ الجهلَ بالشَّيْءِ معَ الاستبدادِ بالرأْي؛ فهذِهِ آفَةٌ قاتلَةٌ!إنَّ إصلاحَ المؤَسَّساتِ يبدَأُ من إصلاحِ معيارِ الاختيارِ؛ فلا تُعطى القيادَةُ لمنْ علا صوتُهُ، ولا لمن طالَ جلوسُهُ، ولا لمن كثرَتْ علاقاتُهُ، ولا لمن كانَ قريبًا من الدَّائرَةِ الضَّيِّقَةِ؛ بلْ لمنْ جمَعَ بينَ الأَمانَةِ والكفاءَةِ، والعلْمِ والخبرَةِ، والحكمَةِ والقدرَةِ، والتَّواضعِ وقبولِ النَّصيحَةِ.
ومن الإصلاحِ كذلكَ: تحديدُ مُدَدِ القيادَةِ، وفتحُ بابِ التَّقييمِ، ومحاسبَةُ الأَداءِ، ومنْعُ تحوُّلِ المناصبِ إلى حقوقٍ مكتسبَةٍ؛ فمَن نجحَ شُكرَ وأُعينَ، ومَن ضعُفَ نُصحَ وقُوِّمَ، ومَن عجزَ فليُفسِحِ الطَّريقَ لغيرِهِ مأْجورًا غيرَ مأْزورٍ؛ فإنَّ تركَ الموقعِ عندَ العجزِ أَمانَةٌ، كما أَنَّ القيامَ بهِ عندَ القُدْرَةِ أَمانَةٌ.
إنَّ المؤَسَّساتِ الإسلاميَّةَ اليومَ؛ لا تحتاجُ إلى أَسماءٍ كبيرَةٍ بِلا أَثَرٍ، ولا بالواجهاتِ العاجزَةِ، ولا بالقياداتِ التي تخافُ من الشُّورى، ولا بإداريِّينَ فشلوا في تجاربِهم ثم صاروا أَوصياءَ على العمَلِ الإسلاميَّ.
إنَّها تنهَضُ بقادَةٍ ربَّانيِّينَ أَكفاءَ: يعرفونَ قدْرَ أَنفسِهم، ويحسنونَ اختيارَ الرِّجالِ، ويجمعونَ بينَ العلْمِ والإدارَةِ والتَّربيَةِ، ويجعلونَ المؤَسَّسَةَ فوقَ ذواتِهم، والحقَّ فوقَ مواقعِهم، ورضا اللهِ فوقَ رضا النَّاسِ.
فاللَّهُمَّ! ولِّ على مؤ!سَّساتِ المسلمينَ خيارَهم، وأَبعدْ عنها الضُّعفاءَ المتصدِّرينَ، والمستبدينَ المتحكِّمينَ؛ وأَصحابَ الهوى والمجاملَةِ.
اللَّهُمَّ! ارزقْها قادَةً أَمناءَ أَقوياء، علماءَ حكماءَ، رحماءَ ناصحينَ، يعرفونَ الحقَّ ويتَّبعونَهُ، ويعرفونَ قدْرَ الأَمانَةِ فيؤدُّونها كما تحبُّ وترضى، يا ربَّ العالمين.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
١٩ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/٤م

