»فقهُ المراجعاتِ في المؤَسَّساتِ الدَّعويَّةِ« حينَ لا نتعلَّمُ من التَّاريخِ:

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لبصيرَةِ الإصلاحِ وفقهِ السُّنَنِ - أَنَّ من أَخطرِ أَمراضِ المؤَسَّساتِ الدَّعويَّةِ والخيريَّةِ والجماعاتِ الإسلاميَّةِ: غيابَ فقهِ المراجعَةِ، وضعْفَ القدرَةِ على التَّعلُّمِ من التَّجاربِ؛ حتَّى كأَنَّ الأَخطاءَ تُعيدُ إنتاجَ نفسِها؛ فتنتقِلُ من بلدٍ إلى بلدٍ، ومن مؤَسَّسَةٍ إلى مؤَسَّسَةٍ، وتبدَأُ الأُمَّةُ من الصِّفرِ في كلِّ مرَّةٍ، معَ أَنَّ بينَ يديها تاريخًا طويلًا من العِبَر والدُّروسِ!

وهذا من العجَبِ المؤْلمِ حقًّا؛ فإنَّ »القرآنَ الكريمَ« لم يذكرْ تاريخَ الأَنبياءِ والمرسلينَ وأَقوامِهم؛ لمجرَّدِ السَّردِ والمعرفَةِ، ولا للتَّسليَةِ وإمتاعِ الأَسماعِ؛ بلْ ربَّى الأُمَّةَ على فقهِ التَّاريخِ، والنَّظرِ في عواقبِ الأُمَمِ، والاعتبارِ بمصارعِ الغافلينَ، ومعرفَةِ سُننِ اللهِ تعالى في النَّصرِ والهزيمَةِ، والصُّعودِ والسُّقوطِ، والهدايَةِ والضَّلالِ؛ ليكونَ الماضي مرآةً للبصيرَةِ، لا حكايَةً تُروى ثم تُنسى.

قال اللهُ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾.

وقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾.

فإذا كانَ القرآنُ يربطُ البصيرَةَ بالنَّظرِ في التَّاريخِ، والاعتبارَ بعواقبِ الأُمَمِ؛ فكيفَ يليقُ بمؤَسَّساتٍ دعويَّةٍ أَن تُهملَ تاريخَها، ولا تُراجعَ تجاربَها، ولا تُوثِّقَ أَخطاءَها، ولا تسأَلَ نفسَها بشجاعَةٍ: لماذا نجحْنا هُنا؟ ولماذا فشلْنا هُناك؟ ولماذا تكرَّرَ الخطأُ؟ ومَن المسؤولُ عنهُ؟ وما العلاجُ الذي يمنعُ عودتَهُ؟

وقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ: »لا يُلدَغُ المؤْمِنُ من جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَينِ« متفق عليه. 

وهذا أَصلٌ عظيمٌ في فقهِ المراجعَةِ؛ فالمؤْمِنُ لا يليقُ بهِ أَن يُكرِّرَ الغفلَةَ نفسَها، ولا أَن يقعَ في الخللِ نفسِهِ، ولا أَن يُلدَغَ من البابِ نفسِهِ كلَّ مرَّةٍ، ثم يسمِّي ذلكَ قضاءً وقدرًا، أَو حكمَةً، أَو مصلحَةً!

إنَّ غيابَ المراجعاتِ يجعَلُ المؤَسَّسَةَ تدورُ في حلقَةٍ مغلقَةٍ: تُخطئُ، ثم تُبرِّرُ، ثم تنسى، ثم تُعيدُ الخطأَ نفسَهُ بأَسماءٍ جديدَةٍ ووجوهٍ جديدَةٍ؛ حتَّى يقعَ الخللُ في مدينَةٍ، ثم يتكرَّرَ في أُخرى، ثم ينتقِلَ إلى دولَةٍ ثالثَةٍ؛ لأَنَّ المؤَسَّسَةَ لم تصنَعْ ذاكرَةً حيَّةً تتعلَّمُ بها، ولم تُحوِّلِ التَّجربَةَ إلى درسِ، ولا الدَّرسَ إلى نظامِ، ولا النِّظامَ إلى ثقافَةِ.

ومن أَسبابِ غيابِ المراجعاتِ: الخوفُ من كشفِ الخللِ؛ فإنَّ بعضَ القياداتِ تظنُّ أَنَّ المراجعةَ إدانَةٌ، والاعترافَ بالخطأِ سقوطٌ، والنَّقدَ هدْمٌ. وهذا غلْطٌ كبيرٌ؛ فالمراجعَةُ الصَّادقَةُ ليسَتْ تشهيرًا، بلْ تصحيحٌ؛ وليسَتْ انتقامًا، بلْ نصيحَةٌ؛ وليسَتَ هدْمًا للمؤَسَّسَةِ، بلْ حمايَةٌ لها من أَن تُعيدَ الفشلَ نفسَهُ بوجوهٍ جديدَةٍ.

ومن أَسبابِهِ كذلكَ: تقديسُ الأَشخاصِ والمراحلِ؛ فإذا قيلَ: راجعوا تجربَةَ فلانٍ، أَو مرحلَةَ الإدارَةِ السَّابقَةِ، أَو قرارًا معيَّنًا، قيلَ: لا تفتحوا الماضيَ! معَ أَنَّ الماضيَ إذا لم يُفهمْ عادَ في صورَةٍ جديدَةٍ.. والذي يخافُ من مراجعَةِ التَّاريخِ سيبقَى أَسيرًا لهُ.

ومن أَسبابِهِ أَيضًا: غيابُ التَّوثيقِ؛ فكثيرٌ من المؤَسَّساتِ تعمَلُ بالذَّاكرَةِ الشَّفويَّةِ، لا بالملفَّاتِ والوثائِقِ؛ فإذا ماتَ شاهِدٌ، أَو سافرَ مسؤُولٌ، أَو تغيَّرتْ قيادَةٌ، ضاعَتِ الدُّروسُ، وعادَتِ الأَخطاءُ، وصارَ كلُّ جيلٍ يدفَعُ ثمنَ الجهْلِ بتجربَةِ الجيلِ الذي سبقَهُ.

ومن علاماتِ المؤَسَّسَةِ المريضَةِ: أَن تكثرَ فيها الاجتماعاتُ وتقلَّ فيها المراجعاتُ، وتكثرَ فيها البياناتُ وتضعفَ فيها المحاسبَةُ، وتُعادَ فيها العباراتُ الجميلَةُ عن الشُّورى والتَّطويرِ، ثم لا يتغيَّرُ شيءٌ في الواقعِ.

والمراجعَةُ المطلوبَةُ ليسَتْ مراجعَةً إداريَّةً فقط؛ بلْ مراجعَةٌ شاملَةٌ:

- مراجعَةٌ إيمانيَّةٌ: هلْ بقيَ العمَلُ للهِ، أَمْ دخلتْهُ حظوظُ النُّفوسِ، وحبُّ الظُّهورِ، وحمايَةُ المواقِعِ؟

- ومراجعَةٌ منهجيَّةٌ: هلْ قراراتُنا منضبطَةٌ بالشَّرْعِ، وفقهِ المصالحِ والمفاسدِ، ومراعاةِ المآلاتِ؟

- ومراجعَةٌ إداريَّةٌ: هلْ وُضعَتِ المسؤَولياتُ في أَهلِها؟ وهلْ كانَتِ اللَّوائِحُ خادمَةً للعَدْلِ، أَمْ أَداةً للتَّبريرِ؟

- ومراجعَةٌ تربويَّةٌ: هلْ زادَتِ المؤَسَّسَةُ الأُخوَّةَ والرَّحمَةَ والصِّدْقَ، أَمْ أُورثَتِ الخصومَةَ والجفافَ وكسرَ القلوبِ؟

- ومراجعَةٌ ماليَّةٌ: هلِ المالُ محفوظٌ بالشَّفافيَّةِ والأَمانَةِ، أَمْ تُدارُ الأُمورُ بالثِّقَةِ المجرَّدَةِ دونَ نظامٍ واضحٍ؟

- ومراجعَةٌ للعلاقاتِ: لماذا خَسرنا فلانًا؟ ولماذا ابتعدَ الأَكفاءُ؟ ولماذا ضاقَ بعضُ النَّاصحينَ؟ وهلِ المشكِلَةُ فيهم وحدَهم، أَمْ في بيئَةٍ لا تحتمِلُ النَّصيحَةَ؟

إنَّ المؤَسَّسَةَ الرَّاشدَةَ؛ هيَ التي تسأَلُ نفسَها قبلَ أَن يسأَلَها النَّاسُ، وتحاسبُ أَداءَها قبلَ أَن تُفضَحَ أَخطاؤُها، وتفرِّقُ بينَ حفْظِ الهيبَةِ وحفظِ الوهْمِ؛ فالهيبَةُ الحقيقيَةُ لا تقومُ على إخفاءِ الأَخطاءِ، بلْ على الشَّجاعَةِ في تصحيحِها.

ومن فقهِ المراجعاتِ: أَن تكونَ المراجعَةُ دوريَّةً لا طارئَةً؛ بعدَ كلِّ مشروعٍ، وبعدَ كلِّ أَزمَةٍ، وفي نهايَةِ كلِّ عامٍّ، وعندَ انتقالِ كلِّ قيادَةٍ.

 وأَن تكونَ مكتوبَةً موثَّقَةً، لا كلامًا عابرًا في مجلسٍ. وأَن تُشاركَ فيها أَطرافٌ مختلفَةٌ: القيادَةُ، والأَعضاءُ، وأَهلُ الخبرَةِ، وبعضُ النَّاصحينَ من خارجِ الدَّائرَةِ الضَّيِّقَةِ.

ومن فقهِها كذلكَ: أَن تُبنى على العَدْلِ لا التَّشفي؛ فلا تُستعمَلُ المراجعَةُ لتصفيَةِ الخصومِ، ولا لحمايَةِ المقربينَ، بلْ يُقالُ للمُحْسِنِ: أَحسَنْتَ، وللمُخطئِ: أَخطأَتَ، وللعاجِزِ: أَفسحِ الطَّريقَ، وللنَّاصحِ: جزاكَ اللهُ خيرًا.

ومن فقهِها: تحويلُ الدُّروسِ إلى قراراتٍ؛ فليْسَتِ المراجعَةُ أَن نقولَ: استفدنا، ثم لا يتغيَّرُ شَيْءٌ! بلِ المراجعَةُ الصَّادقَةُ أَن يُكتبَ الخللُ، ويُحدَّدَ سببُهُ، وتُوضَعَ لهُ آليَةٌ تمنَعُ تكرارَهُ، ثم يُتابَعَ التَّنفيذَ.

إنَّ التَّاريخَ إذا لم يتحوَّلْ إلى بصيرَةٍ صارَ عبئًا، وإذا لم يتحوَّلْ إلى مراجعَةٍ صارَ تكرارًا للغفلَةِ.. وما أَكثرَ ما نرى الخطأَ نفسَهُ يتكرَّرُ: قائِدٌ ضعيفٌ، وشورى صوريَّةٌ، واحتكارٌ للقرارِ، وتهميشٌ للكفاءاتِ، وإسكاتٌ للنَّاصحينَ، وغيابٌ للتَّوثيقِ، ثم يأْتي بعدَ سنواتٍ مَن يقولُ: كيفَ وصلنا إلى هُنا؟!

وصلنا إلى هُنا؛ لأَنَّنا لم نراجَعْ بصدْقٍ، ولم نتعلَّمْ من التَّاريخِ، ولم نربطِ التَّجربَةَ بالتَّقوى، ولا الخطأَ بالمحاسبَةِ، ولا النَّصيحَةَ بالإصلاحِ.

فيا أَهلَ المؤَسَّساتِ الدَّعويَّةِ: افتحوا بابَ المراجعَةِ قبلَ أَن تُفتحَ عليكم أَبوابُ الأَزماتِ. 

راجعوا تاريخَكم بإنصافٍ، واكتبوا دروسَكم بشجاعَةٍ، واحفظوا ذاكرَةَ مؤَسَّساتِكم، واسأَلوا: أَينَ أَصبنا؟ وأَين أَخطأْنا؟ ومَن كانَ سببًا في النُّهوضِ؟ ومَن كانَ سببًا في التَّعطيلِ؟

 فإنَّ اللهَ لا يبارِكُ في عمَلٍ يكابِرُ أَصحابُهُ عن رؤيَةِ عيوبِهم.

اللَّهُمَّ! ارزقْ مؤسَّساتِ المسلمينَ صدْقَ المراجعَةِ، وشجاعَةَ التَّصحيحِ، وفقهَ الاعتبارِ.

اللَّهُمَّ! لا تجعلْنا نكرِّرُ أَخطاءَنا باسمِ الحكمَةِ، ولا ندفنُ نصائحَنا باسمِ المصلحَةِ، ولا نُهمِلُ تاريخَنا حتَّى يُعيدَ علينا دروسَهُ موجعَةً؛ واجعَلْ أَعمالَنا خالصَةً لوجهِكَ، قائمَةً على الحقِّ والعدْلِ والشُّورى، يا ربَّ العالمينَ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

٢٠ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/٥م

Previous
Previous

»الحزبيَّةُ المقيتَةُ داخلَ المؤَسَّساتِ« حينَ تتحوَّلُ الرِّسالَةُ إلى معسكراتِ:

Next
Next

»القائِدُ الضَّعيفُ« حينَ تُسَلَّمُ الأَمانَةُ إلى غيرِ أَهلِها: