»الحزبيَّةُ المقيتَةُ داخلَ المؤَسَّساتِ« حينَ تتحوَّلُ الرِّسالَةُ إلى معسكراتِ:
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لصدْقِ التجرُّدِ وفقهِ الإصلاحِ - أَنَّ من أَخطرِ أَمراضِ المؤَسَّساتِ الدَّعويَّةِ والخيريَّةِ والعلميَّةِ: أَن تتسرَّبَ إليها الحزبيَّةُ المقيتَةُ؛ فيتحوَّلَ العمَلُ من رسالَةٍ للهِ، إلى اصطفافاتٍ خفيَّةٍ، ومجموعاتٍ مغلقَةٍ، وولاءاتٍ للأَشخاصِ، ومحاورَ تتنافسُ على التَّأْثيرِ والقرارِ.
وليسَ المقصودُ بالحزبيَّةِ هُنا مجرَّدَ وجودِ تنظيمٍ إداريٍّ، أَو توزيعٍ للمهامِ، أَو اختلافٍ في الرأْي؛ فالتَّنظيمُ مطلوبٌ، وترتيبُ العملِ من أَسبابِ النَّجاحِ، والاختلافُ المنضبطُ بابٌ من أَبوابِ النُّضجِ؛ لكنَّ المقصودَ بالحزبيَّةِ المذمومَةِ: أَن يصيرَ الولاءُ للأَشخاصِ أَو المجموعاتِ فوقَ الولاءِ للحقِّ، وأَن تُقاسَ المواقفُ بالقربِ والبعدِ، لا بالعدْلِ والدَّليلِ والمصلحَةِ الشَّرعيَّةِ.
وقدْ حذَّرَ «القرآنُ الكريمُ» من التَّفرُّقِ والتَّحزُّبِ المذمومِ:
فقال اللهُ تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ﴾.
والنَّبيُّ ﷺ لمَّا وقعتْ دعوى العصبيَّةِ بينَ بعضِ الصَّحابَةِ، فقال بعضُهم: يا للمهاجرين! وقال بعضُهم: يا للأَنصار! قال ﷺ: »دَعُوها فإنَّها مُنْتِنَةٌ« متفق عليه.
فإذا كانت العصبيَّةُ للأَنصارِ والمهاجرينَ - معَ شرفِ الاسمينِ - مذمومَةً إذا صارتْ دعوى جاهليَّةً؛ فكيفَ بعصبيَّةٍ لأَشخاصٍ أَو لجماعاتٍ أَو لتياراتٍ داخلَ مؤَسَّسَةٍ دعويَّةٍ؟!
وتتكوَّنُ الحزبيَّةُ داخلَ المؤَسَّساتِ حينَ تضعُفُ الرِّسالَةُ الجامعَةُ، ويضعُفُ العدْلِ، وتغيبُ الشَّفافيَّةِ، وتكثرُ المجاملاتِ؛ فيلتَفُّ بعضُ النَّاسِ حولَ شخصٍ أَو دائرَةٍ أَو مصلحَةٍ، لا حولَ المبدَأِ.
ثم تبدأُ لغةُ: هؤلاءِ منَّا، وهؤلاءِ ليسوا منَّا؛ هذا يُقرَّبُ ولو كانَ ضعيفًا، وهذا يُبعَدُ ولو كانَ كفؤًا؛ هذا يُدافَعُ عنهُ ولو أَخطأَ، وهذا يُحاسَبُ ولو نَصَحَ.
ومن أَسبابِ نشوءِ الحزبيَّةِ: ضعْفُ القيادَةِ؛ فالقائِدُ الضَّعيفُ قدْ يرضى بوجودِ محاورَ حولَهُ؛ لأَنَّهُ يستنِدُ إليها في تثبيتِ موقعِهِ، بدَلَ أَن يستنِدَ إلى العدْلِ والكفاءَةِ والشُّورى. وربما صنعَ حولَهُ دائرَةً قريبَةً تُصفِّقُ لهُ، وتدافعُ عنهُ، وتُسقِطُ مخالفيهِ؛ فيتحوَّلُ العمَلُ من مؤَسَّسَةٍ إلى معسكرٍ.
ومن أَسبابِها كذلكَ: غيابُ المعاييرِ الواضحَةِ؛ فإذا لم تكن هناكَ معاييرُ معلنَةٌ للتكليفِ والتَّقييمِ والمحاسبَةِ والاختيارِ، حلَّتْ محلَّها العلاقاتُ الشَّخصيَّةُ، والولاءاتُ الخفيَّةُ، والقربُ من مركزِ القرارِ.
وحينئَذٍ لا يسألُ النَّاسُ: مَن الأَكفأُ؟ بلْ يسأَلونَ: مَن الأَقربُ؟ومن أَخطرِ آثارِ الحزبيَّةِ أَنَّها تُفسِدُ ميزانَ العدْلِ؛ فيُصغَّرُ خطأُ القريبِ، ويُكبَّرُ خطأُ البعيدِ، وتُقبلُ نصيحَةُ الموافقِ، وتُردُّ نصيحَةُ المخالفِ، ويُحمَلُ كلامُ هذا على أَحسنِ المحاملِ، وكلامُ ذاكَ على أَسوأِ المحاملِ!
وهذا من الظُّلمِ الذي يُذهبُ البركَةَ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
ومن آثارِها: قتلُ النَّصيحَةِ. فالنَّاصِحُ إذا لم يكنْ من الدَّائرَةِ القريبَةِ؛ صارتْ نصيحتُهُ هجومًا، ومراجعتُهُ فتنةً، وسؤالُهُ تشويشًا.
أَمَّا إذا تكلَّمَ القريبُ بالكلامِ نفسِهِ؛ رُبَّما سُمِّيَ ذلكَ حكمَةً وغيرَةً ومراجعَةً داخليَّةً! وهكذا لا يبقى ميزانُ الحقِّ هو الحاكمَ؛ بلْ ميزانُ الانتماءِ.
ومن آثارِها: إقصاءُ الأَكفاءِ. فكم من صاحبِ علمٍ أَو خبرَةٍ أَو قدرَةٍ؛ أُبعدَ لأَنَّهُ لا ينتمي إلى الدَّائرَةِ المتحكِّمَةِ، وكم من ضعيفٍ قُدِّمَ لأَنَّهُ قريبٌ أَو مأْمونُ الولاءِ؛ فإذا صارَتِ المؤَسَّسَةُ تُقدِّمُ أَهلَ الولاءِ على أَهلِ الكفاءَةِ؛ فقدْ بدأَتْ تضييعَ الأَمانَةِ.
ومن آثارِها كذلكَ: تفتيتُ الصَّفِّ الدَّاخليِّ؛ فبدَلَ أَن يشعرَ الأَعضاءُ أَنَّهم يعملونَ لرسالَةٍ واحدَةٍ، يشعرونَ أَنَّهم في طبقاتٍ ومحاورٍ: مقرَّبونَ ومهمَّشونَ، مسموعونَ ومسكوتٌ عنهم، أَهلُ قرارٍ وأَهلُ عددٍ.
وهذا يُضعِفُ الثَّقَةَ، ويقتِلُ روحَ الأُخوَّةِ، ويدفَعُ الأَكفاءَ إمَّا إلى الانسحابِ الصَّامِتِ، أَو إلى الصِّدامِ المؤْلمِ.
ومن آثارِها: أَنْ تتحوَّلَ المؤَسَّسَةُ من خدمَةِ الأُمَّةِ إلى خدمَةِ الدَّائرَةِ؛ فيصبَحُ همُّها حفْظَ صُورَةِ المجموعَةِ، لا نصرَةَ الحقِّ؛ وحمايَةَ القياداتِ، لا حمايَةَ الرِّسالَةِ؛ وتبريرَ الأَخطاءِ، لا إصلاحَها.
وحينَ تصِلُ المؤَسَّسَةُ إلى هذا الحالِ؛ يبقى اسمُها إسلاميًّا، لكنَّ روحَها تُصابُ بمرضٍ شديدٍ.وعلاجُ الحزبيَّةِ يبدَأُ بتجديدِ النِّيَّةِ والرِّسالَةِ؛ فالمؤَسَّسَةُ ليسَتْ ملْكًا لشخْصٍ، ولا لِفِئَةٍ، ولا لجيلٍ معيَّنٍ، ولا لدائرَةٍ مغلقَةٍ؛ بلْ هيَ أَمانَةٌ للهِ، وخدمَةٌ للدِّينِ والعبادِ.
ومتى غابَتْ هذِهِ الحقيقَةُ دخلَتْ حُظوظُ النُّفوسِ من كلِّ بابٍ.
ومن علاجِها: إعلانُ المعاييرِ. فالتَّكليفُ ينبغي أَن يكونَ بالكفاءَةِ والأَمانَةِ، لا بالقُربِ والولاءِ. والمحاسبَةُ ينبغي أَن تجري على الجميعِ؛ لا على الضُّعفاءِ وحدَهم. واللَّوائحُ ينبغي أَن تُطبَّقَ على القريبِ والبعيدِ؛ لا أَن تُستعمَلَ سيفًا على قومٍ وسترًا على قومٍ.
ومن علاجِها: فتحُ بابِ النَّصيحَةِ للجميعِ، وحمايَةُ النَّاصحينَ من التَّصنيفِ والإقصاءِ؛ فالنَّاصِحُ لا يُسأَلُ أَوَّلًا: من أَيِّ فريقٍ أَنْتَ؟ بلْ يُسأَلُ: هلْ كلامُكَ حقٌّ؟ وهلْ حجَّتُكُ صحيحَةٌ؟ وهلْ نصيحتُكَ نافعَةٌ؟ فالحقُّ لا يعرفُ بالمعسكراتِ، بلْ بالدَّليلِ والعدْلِ.
ومن علاجِها: خلطُ اللِّجانِ والفرقِ وعدمُ تركيزِ القرارِ في دائرَةٍ واحدَةٍ، وتدويرُ المسؤوليَّاتِ، وتحديدُ مددِ القيادَةِ، ومنعُ احتكارِ الملفَّاتِ، وإخراجُ المؤَسَّسَةِ من منطقِ الأَشخاصِ إلى منطقِ النِّظامِ والشُّورى.
ومن علاجِها كذلكَ: تربيَةُ الأَعضاءِ على أَنَّ الأُخوَّةَ الإيمانيَّةَ أَوسَعُ من الدَّوائرِ الضيِّقَةِ، وأَنَّ الحقَّ أَحبُّ إلينا من الأَشخاصِ، وأَنَّ النَّصيحَةَ رحمَةٌ، وأَنَّ العدْلَ مع المخالفِ عبادَةٌ؛ فالمؤَسَّسَةُ التي لا تُربِّي أَبناءَها على العدْلِ مع مَن يخالفُهم، ستنتهي إلى عصبيَّةٍ ولو رفعَتْ شعارَ الشُّورى.
إنَّ الحزبيَّةَ المقيتَةَ إذا دخلَتِ المؤَسَّسَةَ جعلَتِ القريبَ فوقَ النَّقدِ، والبعيدَ تحتَ التُّهمَةِ، والكفاءَةَ رهينَةَ الولاءِ، والحقَّ تابعًا للمزاجِ.. وهذا ضدُّ روحِ الإسلامِ الذي جاءَ بالعدْلِ والصِّدْقِ والنَّصيحَةِ والشُّورى.
فاللَّهُمَّ! طهِّرْ مؤَسَّساتِ المسلمينَ من الحزبيَّةِ المقيتَةِ، ومن عصبيَّةِ الأَشخاصِ والدَّوائرِ، واجعلْ ولاءَنا للحقِّ لا للنُّفوسِ، وللدينِ لا للمواقعِ، وللعدْلِ لا للمصالحِ.
اللَّهُمَّ! اجمعْ قلوبَ العاملينَ على التَّقوى، وأَصلِحْ ذاتَ بينهم، واجعَلْ مؤَسَّساتِهم بيوتًا للشُّورى والنَّصيحَةِ، لا ساحاتٍ للتَّنافسِ والاصطفافِ، يا ربَّ العالمينَ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
٢١ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/٦م

