»صناعَةُ الصَّفِّ الثَّاني« حينَ تموتُ المؤَسَّساتُ برجالِها:
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لفقهِ الأَمانَةِ وبصيرَةِ البناءِ - أَنَّ من أَخطرِ أَمراضِ المؤَسَّساتِ الدَّعويَّةِ والخيريَّةِ والعلميَّةِ: غيابَ صناعَةِ الصَّفِّ الثَّاني، وضعفَ العنايَةِ بتربيَةِ القياداتِ القادمَةِ؛ حتَّى تصيرَ المؤَسَّسَةُ معلَّقةً بأَشخاصٍ محدودينَ؛ إن حضروا تحرَّكتْ، وإن غابوا توقَّفتْ، وإن ضعفوا ضعفَتْ، وإن رحلوا كادَتْ أَن تنهارَ.
وهذا من أَعظمِ الخلَلِ؛ لأَنَّ المؤَسَّسَةَ الرَّاشدَةَ لا تفكِّرُ في يومِها فقط، بلْ تفكِّرُ في مستقبلِ رسالتِها. ولا يكفي أَن تُنجزَ القيادَةُ في زمنِها، ثم تتركَ بعدَها فراغًا، واضطرابًا، وصراعًا على المواقعِ؛ فإنَّ من تمامِ الأَمانَةِ أَن تُربِّيَ مَن يحمَلُ الرَّايَةَ بعدَها.
وقدْ ربَّى القرآنُ الأُمَّةَ على معنى الامتدادِ والاستخلافِ؛ قال اللهُ تعالى عن إبراهيمَ ويعقوبَ عليهما السَّلامُ: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
فلم يكن همُّ الصَّالحينَ أَن ينجوا وحدَهم؛ بلْ أَن يبقى الدِّينُ حيًّا فيمَن بعدَهم.وقال اللهُ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾.
وإذا كانَ هذا في الذُّريَةِ والأَهلِ؛ فهو كذلكَ في الأَعمالِ والرِّسالاتِ؛ فليخشَ القائمونَ على المؤَسَّساتِ أَن يتركوا خلفَهم صفًّا ضعيفًا لا يحمَلُ الأَمانَةِ، ولا يعرفُ الطَّريقَ، ولا يحسنُ إدارَةَ الخلافِ، ولا يفقهُ مقاصِدَ العمَلِ.
ومن سنَّةِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ ربَّى الرِّجالَ، ولم يكن مجرَّدَ قائدٍ يديرُ الأَحداثَ؛ بلْ كانَ يبني جيلًا يحمَلُ الدِّينَ بعدَهُ؛ ربَّى أَبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّا، وربَّى معاذًا وابنَ عباسٍ وزيدًا وأُسامَةَ وغيرَهم؛ حتَّى صارَ بعدَ وفاتِهِ ﷺ رجالٌ يحملونَ العلمَ والجهادَ والقضاءَ والفتوى والسِّياسَةَ والدَّعوَةَ.
فالمؤَسَّسَةُ التي لا تصنَعُ رجالَها، ولا تُعدُّ خلفاءَها، ولا تفتحُ الطَّريقَ أَمامَ الأَكفاءِ من شبابِها؛ مؤَسَّسَةٌ تعيشُ على الأَشخاصِ، لا على الرِّسالَةِ.
وهذِهِ من علاماتِ المرضِ المؤَسَّسي؛ لأَنَّ العمَلَ الإسلاميَّ لا يجوزُ أَن يبقى رهينَةَ فردٍ، أَو جيلٍ، أَو دائرَةٍ مغلقَةٍ.
* ومن أَسبابِ غيابِ الصَّفِّ الثَّاني: أَنَّ بعضَ القياداتِ تفكِّرُ في مرحلتِها لا في رسالتِها؛ تريدُ أَن تستثمِرَ المؤَسَّسَةَ زمنَ وجودِها، وتحافظَ على صورتِها وموقعِها، ثم لا تبذلُ جهدًا حقيقيًّا في إعدادِ مَن يأْتي بعدها. وهذا قصورٌ في النَّظرِ، وضعفٌ في الأَمانَةِ.
* ومن أَسبابِهِ كذلكَ: خوفُ القياداتِ الضَّعيفَةِ من الأَكفاءِ. فالقائدُ الرَّاشِدُ يفرحُ بمن ينمو حولَهُ، أَمَّا القائدُ الضَّعيفُ فيخافُ من كلِّ موهبَةٍ صاعدَةٍ؛ لأَنَّها تذكِّرَهُ بعجزِهِ، أَو تهدِّدُ موقعَهُ في ظنِّهِ. ولذلكَ يُقرِّبُ أَحيانًا الضُّعفاءَ والمطيعينَ، ويُبعدُ الأَقوياءَ الأَمناءَ؛ فتضعِفُ المؤَسَّسَةُ من داخلِها.
* ومن أَسبابِهِ: احتكارُ الملفاتِ والمعلوماتِ؛ فلا يُدرَّبُ الشَّبابُ على الإدارَةِ، ولا يُشركونَ في القرارِ، ولا يعرفونَ تاريخَ المؤَسَّسَةِ، ولا يُعطَونَ فرصَةَ الخطأِ والتَّعلُّمِ؛ فإذا غابَتِ القيادَةُ الأُولى، وجَدَ الصَّفُّ الجديدُ نفسَهُ أَمامَ ملفاتٍ لا يعرفُها، وأَزماتٍ لم يتدرَّبْ عليها، ومسؤولياتٍ لم يُؤهَّلْ لها.
* ومن أَسبابِهِ أَيضًا: ضعفُ التَّربيَةِ العلميَّةِ والإيمانيَّةِ والإداريَّةِ؛ فقدْ يُكلَّفُ الشَّابُّ بالحضورِ أَو التَّنفيذِ أَو التَّصفيقِ، لكن لا يُربَّى على الفقهِ والبصيرَةِ، ولا على تحمُّلِ المسؤوليَّةِ، ولا على أَدبِ الخلافِ، ولا على فقهِ القرارِ، ولا على مراقبَةِ اللهِ في المالِ والنَّاسِ والمواقعِ.
وهُنا تظهرُ القاعدَةُ المؤلمَةُ: (فاقِدُ الشَّيْءِ لا يُعطيهِ)؛ فمَن لم يُربَّ على الشُّورى لا يصنَعُ قادَةً شوريينَ، ومَن لم يعرفِ الإدارَةَ لا يخرِّجُ إداريينَ، ومَن عاشَ على احتكارِ القرارِ لا يُنشئُ رجالًا أَحرارًا أُمناءَ، ومَن خافَ من الأَكفاءِ لا يُمكنُ أَن يصنَعَ صفًّا ثانيًا قويًّا.
ومن علاماتِ المؤَسَّسَةِ المريضَةِ: أَن يبقى الشَّخصُ في المنصَبِ سنواتٍ طويلَةٍ، ثم إذا سُئِلَ: مَن بعدَكَ؟ لم يجدْ جوابًا.
وهذا وحدَهُ دليلُ خللٍ؛ لأَنَّ القائدَ الذي لم يُخرِّجْ بدائلَ خلالَ سنواتِهِ، لم يُحسنْ حملَ الأَمانَةِ كاملَةِ، ولو أَنجزَ بعضَ الأَعمالِ.
ومن علاماتِها: أَن يُنظرَ إلى الشَّبابِ الأَكفاءِ بعينِ الشَّكِّ لا بعينِ الاستثمارِ؛ فإذا برزَ أَحدُهم قيلَ: يستعجل، يريدُ الظهور، يزاحمُ الكبار.
مع أنَّ الواجبَ أن يُوجَّهَ ويُهذَّبَ ويُدرَّب، لا أن يُكسرَ أو يُهمَّش.
- وعلاجُ هذا المرضِ يبدأُ من تغييرِ عقليَّةِ القيادَةِ: فالقيادَةُ ليسَتْ أَن تبقى فوقَ النَّاسِ؛ بلْ أَن تُخرجَ منهم قادَةً أَصلحَ وأَقوى.
وليسَ النَّجاحُ أَن تحتاجَ المؤَسَّسَةُ إليكَ دائمًا؛ بلْ أَن تبنيَ فيها نظامًا ورجالًا يمضونَ بالرسالَةِ بعدكَ.
- ومن العلاجِ: وضعُ برامجَ حقيقيَّةٍ لإعدادِ الصَّفِّ الثَّاني إعدادًا متكاملًا: علميًّا، وتربويًّا، وإداريًّا، وماليًّا، وإعلاميًّا، وعلاقاتيًّا؛ بحيثُ يتعلَّمُ الشَّابُّ كيفَ يُفكِّرُ، وكيفَ يُخطِّطُ، وكيفَ يُديرُ، وكيفَ يُشاورُ، وكيفَ يختلَفُ بأَدَبٍ، وكيفَ يتحمَّلُ المسؤَوليَّةَ.
- ومن العلاجِ: تفويضُ الصَّلاحياتِ بالتَّدرُّج، لا تركُ الشَّبابِ في الهامشِ؛ فلا يُصنَعُ القادَةُ بالكلامِ عن القيادَةِ، بلْ بممارسَةِ المسؤوليَّةِ، ومواجهَةِ المشكلاتِ، وتصحيحِ الأَخطاءِ، ومرافقَةِ أَهلِ الخبرَةِ، ومحاسبَةٍ عادلَةٍ لا تكسَرُ ولا تُدلِّلُ.
- ومن العلاجِ: تحديدُ مددِ القيادَةِ وتجديدُ المواقعِ؛ لأَنَّ تداولَ المسؤوليَّةِ يفتحُ البابَ للطَّاقاتِ، ويمنَعُ تحوُّلَ المناصبِ إلى حقوقٍ مكتسبَةٍ، ويُجبرُ المؤَسَّسَةَ على صناعَةِ بدائلَ قادرَةٍ على حملِ الأَمانَةِ.
- ومن العلاجِ كذلكَ: أَن يكونَ في كلِّ مؤَسَّسَةٍ سؤَالٌ دائمٌ: مَن نُعِدُّ للمستقبَلِ؟ مَن يتعلَّمُ اليومَ ليقودَ غدًا؟ مَن نحملَهُ معنا في الاجتماعاتِ والملفاتِ والقراراتِ؟ مَن نُدرِّبُهُ على فقهِ الواقعِ والمآلاتُ؟ مَن نغرسُ فيهُ روحَ الإخلاصِ والصِّدْقِ والتَّجرُّدِ؟
* إنَّ المؤَسَّسَةَ التي لا تصنَعُ صفًّا ثانيًا قدْ تنجَحُ لحظَةً؛ لكنَّها تُخفَقُ في المستقبلِ. وقدْ تلمَعُ بأَشخاصِها؛ لكنَّها تضعَفُ برحيلِهم.
* أَمَّا المؤَسَّسَةُ الرَّاشدَةُ؛ فهيَ التي تجعَلُ بقاءَ الرسالَةِ أَعظمَ من بقاءِ الأَشخاصِ، وتفرَحُ حينَ ترى أَبناءَها أَقوى منها، وأَقدَرَ على حملِ الأَمانَةِ.
فاللَّهُمَّ! أَصلَحْ مؤَسَّساتِ المسلمينَ، وارزقْها قادَةً يصنعونَ الرِّجالَ، ولا يخافونَ منَ الأَكفاءِ.
اللَّهُمَّ! باركْ في شبابِ الأُمَّةِ، واجعلْهم أَهلَ علْمٍ وبصيرَةٍ وأَمانَةٍ، وهيِّئْ لهم مَن يربِّيهم وينصَحُ لهم ويفتَحُ لهم أَبوابَ الخيرِ، واجعلْ أَعمالَنا ممتدَّةَ الأَثرِ، لا تنقطِعُ بذهابِ الأَشخاصِ؛ يا ربَّ العالمينَ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
٢٣ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/٨م

