»كثرَةُ المؤَسَّساتِ وضعفُ الأَثرِ« أَينَ ضاعَتِ الثَّمرَةِ؟:

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لفقهِ الأَمانَةِ وبصيرَةِ الإصلاحِ - أَنَّ من الأَسئلَةِ الكُبرى التي ينبغي أَن تُطرَحَ بصدْقٍ وشجاعَةٍ وتجَرُّدٍ: لماذا تضاعَفَ عددُ المؤَسَّساتِ والجمعيَّاتِ والجماعاتِ الإسلاميَّةِ في العقودِ الأَخيرَةِ، وكثرتْ معها الكوادِرُ البشريَّةِ، والطَّاقاتُ الدُّعويَّةُ، والأَموالُ المصروفَةُ، والمشاريعُ المُعلَنَةُ، ثم لا نرى في واقعِ الأُمَّةِ أَثرًا يليقُ بهذا الحجمِ الهائلِ من الإمكاناتِ والطَّاقاتِ؟!

نحن لا نريدُ أَن نرسمَ لوحَةً سوداءً، ولا أَن نجحَدَ جهودَ الصَّادقينَ، ولا أَن نُلغي ما وقَعَ من خيرٍ ونفْعٍ في أَبوابٍ كثيرَةٍ - وللهِ الحمدُ -؛ فكمْ من مؤَسَّسَةٍ علَّمَتْ، وكم من جمعيَّةٍ أَعانَتْ، وكم من داعيَةٍ نصَحَ، وكم من مشروعٍ نفْعَ اللهُ بهِ.. لكنَّ العدْلَ يقتضي أَن نقولَ: إنَّ حجمَ النتائجِ العامَّةِ لا يساوي حجمَ المدخلاتِ، ولا يليقُ بكثرَةِ الأَموالِ والرِّجالِ والطَّاقاتِ التي صُرفَتْ في هذا البابِ.

فلو نظرْنا إلى الواقعِ بإنصافٍ وتجَرُّد، لوجدْنا كثرَةً في المؤَسَّساتِ والمؤتمراتِ والشِّعاراتِ، ووفرَةً في المكاتبِ والإداراتِ واللِّجانِ والروابطِ والجمعيَّاتِ؛ لكنَّ أَثرَ ذلكَ كلِّهِ في صناعَةِ جيلٍ ربَّانيٍّ واعٍ، أَو في ترشيدِ الأُمَّةِ، أَو في بناءِ وعيٍ شرعيٍّ متوازنٍ، أَو في تقليلِ الفوضى والخلافاتِ، أَو في رفعِ مستوى البصيرَةِ بالواقعِ، ومعرفَةِ مآلاتِ الأَقوالِ والأَفعالِ؛ لا يزالُ دونَ المطلوبِ بكثيرٍ.

وهذا ليسَ اتهامًا للنيَّاتِ؛ بلْ قراءَةٌ للنتائجِ. والنتائِجُ في العمَلِ المؤَسَّسيِّ لا تُقاسُ بحُسْنِ المقاصدِ وحدَها، ولا بكثرَةِ الصُّورِ والإعلاناتِ، ولا بعددِ الاجتماعاتِ، ولا بجمالِ التَّقاريرِ؛ بلْ تُقاسُ بالأَثرِ الحقيقيِّ: ماذا تغيَّرَ؟ مَن تربَّى؟ مَن تأَهَّلَ؟ أَيُّ وعيٍ صُنِعَ؟ أَيُّ مشكلاتٍ حُلَّتْ؟ أَيُّ كفاءاتٍ خرجَتْ؟ أَيُّ صَفٍّ ثانٍ بُنيَ؟ أَيُّ خدمَةٍ مستمرَّةٍ استقرَّتْ؟

وقدْ دلَّ القرآنُ على أَنَّ العمَلَ يُنظرُ إلى حقيقتِهِ وثمرتِهِ؛ لا إلى دعواهُ وصورتِهِ، قال اللهُ تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ﴾.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

فالتَّغييرُ لهُ سُنَنٌ، وليسَ مجرَّدَ أَسماءٍ إسلاميَّةٍ، ولا كثرَةِ كياناتٍ، ولا حماسَةٍ عاطفيَّةٍ.

* ومن أَعظمِ أَسبابِ ضُعْفِ الأَثرِ: غيابُ الرُّؤْيَةِ الجامعَةِ.

 فكثيرٌ من المؤَسَّساتِ تعمَلُ؛ لكنَّها لا تعرفُ بدقَّةٍ: ما مشروعُها؟ ما أَولويَّتُها؟ ما الفئَةُ التي تُخاطبُها؟ ما الثَّمرَةُ التي تريدُها بعدَ خمسِ سنواتٍ؟ فإذا غابَتِ الرُّؤْيَةُ تحوَّلَ العمَلُ إلى نشاطٍ متفرِّقٍ، وردودِ أَفعالٍ، ومناسباتٍ موسميَّةٍ، وجهودٍ مبعثرَةٍ.

* ومن أَسبابِهِ كذلكَ: ضعفُ قياسِ الأَثرِ.

 فقدْ تُنفِقُ المؤَسَّسَةُ مالًا كثيرًا، وتُقيمُ برامجَ كثيرَةً، ثم لا تسأَلُ السُّؤَالَ الجادَّ: هلْ تغيَّرَ النَّاسُ فعلًا؟ هلْ زادَ العلْمُ؟ هلْ نضِجَ الوعيُ؟ هلْ خرجَتْ كفاءاتٌ؟ هلْ قلَّتِ الفوضَى؟ هلْ تحسَّنَتِ الأَخلاقُ؟ أَمْ أَنَّ العمَلَ بقيَ في دائرَةِ الحضورِ الشَّكليِّ والإنجازِ الورقيِّ؟

* ومن أَسبابِ ضعفِ الأَثرِ: تكرارُ المشاريعِ بِلا تنسيقٍ.

فمؤَسَّساتٌ كثيرَةٌ تفعَلُ الشَّيُءَ نفسَهُ، وتخاطِبُ الفئَةَ نفسَها، وتُعيدُ الأَخطاءَ نفسَها؛ بدَلَ أَن تتكامَلَ وتتخصَّصَ وتتوزَّعَ على الثُّغورِ. ولو أَنَّ الطَّاقاتِ توزَّعَتْ بعقْلٍ وشُورى وتخطيطٍ؛ لرأَينا أَثرًا أَعظمَ بكثيرٍ.

* ومن أَسبابِهِ: الخلافاتُ والحزبيَّةُ القاتلَةُ. 

فكمْ من طاقَةٍ أُهدرَتْ في الخصوماتِ، وكمْ من كفاءَةٍ أُقصيَتْ لأَنَّها لا تنتمي إلى الدَّائرَةِ الضَّيِّقَةِ، وكمْ من مشروعٍ ماتَ بسببِ التَّنافسِ على الصَّدارَةِ، وكمْ من مالٍ وجهدٍ ضاعَ في تكرارِ الكياناتِ بدَلَ تعاونِها. وإذا غلبَتِ الحزبيَّةُ على الرِّسالَةِ؛ ضعفَ الإخلاصُ، وذهبَتِ البركَةُ، وصارَ العمَلُ للدَّائرَةِ لا للأَمَّةِ.

* ومن أَسبابِهِ: ضعْفُ القياداتِ.

فالمؤَسَّساتُ الكثيرَةُ لا تنفَعُ إذا تولَّتها قياداتٌ لا تملكُ علمًا راسخًا، ولا خبرَةً إداريَّةً، ولا قدرَةً على التَّربيَةِ، ولا فقهًا بالواقعِ، ولا شجاعَةً في المراجعَةِ؛ فالقيادَةُ الضَّعيفَةُ تُحوِّلُ الطَّاقاتِ الكبيرَةَ إلى نتائجَ صغيرَةٍ، وربما جعلَتِ الكفاءاتِ عبئًا عليها بدَلَ أَن تجعلَها قوَّةً لها.

* ومن أَسبابِهِ: غيابُ التَّربيَةِ العميقَةِ.

فكثيرٌ من العمَلِ الدَّعويِّ اليومَ يصنَعُ متابعينَ أَكثرَ ممَّا يصنَعُ رجالًا، ويُنتِجُ جمهورًا أَكثرَ ممَّا يُنتِجُ حملَةَ علْمٍ وبصيرَةٍ. والمطلوبُ ليسَ مجرَّدَ الحشْدِ؛ بلْ صناعَةُ الإنسانِ المسلمِ الواعي: صاحبِ علْمٍ، وخُلُقٍ، وعبادَةٍ، وفقهٍ للواقعِ، وصدْقٍ في الموقفِ، وحكمَةٍ في البيانِ.

* ومن أَسبابِهِ: الاستغراقُ في الإدارَةِ على حسابِ الرِّسالَةِ.فقدْ تتحوَّلُ المؤَسَّسَةُ إلى اجتماعاتٍ ولوائحَ ومحاضرَ ومناصبَ، ثم تضعفُ روحُ الدَّعوَةِ والتَّربيَةِ والأُخوَّةِ والصِّدْقِ. وحينَ تصيرُ المؤَسَّسَةُ مشغولَةً بذاتِها أَكثرَ من رسالتِها؛ تبدأُ بالشَّيخوخَةِ ولو كانَ اسمُها جديدًا.

* ومن أَسبابِهِ: غيابُ المراجعاتِ. فالخطأُ يتكرَّرُ؛ لأَنَّ التَّجربَةَ لا تُقرأُ، والفشَلَ لا يُحلَّلُ، والقرارَ لا يُحاسَبُ، والقيادَةَ لا تُسأَلُ، والماضيَ يُدفَنُ بدَلَ أَن يُستفادَ منهُ. ومَن لا يراجعْ تاريخَهُ بصدْقٍ؛ سيُعيدُ أَخطاءَهُ بأَسماءٍ جديدَةٍ.

- إنَّ السُّؤَالَ المؤْلِمَ هو: لو أَنَّ هذِهِ الأَموالَ والطَّاقاتِ والكوادِرَ وُضعَتْ في مشروعٍ واضِحٍ، بقيادَةٍ كفؤَةٍ، وشُورى حقيقيَّةٍ، ومراجعاتٍ صادقَةٍ، وتخصُّصٍ وتكاملٍ، وقياسٍ للأَثرِ؛ أَكانَ واقعُنا سيبقَى كما هو؟ لا نظنُّ ذلكَ؛ فالخلَلُ ليسَ في قلَّةِ المواردِ فقط، بلْ في ضعْفِ تحويلِ المواردِ إلى أَثرِ.

ولذلكَ؛ فالإصلاحُ لا يكونُ بزيادَةِ المؤَسَّساتِ وحدَها، ولا بتكثيرِ الأَسماءِ والشِّعاراتِ؛ بلْ بإعادَةِ بناءِ العقْلِ المؤَسَّسيِّ: رؤيَةٌ واضحَةٌ، قيادَةٌ أَمينَةٌ كفؤةٌ، شورى حيَّةٌ، شفافيَّةٌ ماليَّةٌ وإداريَّةٌ، تربيَةٌ ربَّانيَّةٌ، قياسٌ للأَثرِ، مراجعاتٌ دوريَّةٌ، صناعَةٌ للصَّفِّ الثَّاني، وتعاونٌ بينَ المؤَسَّساتِ بدَلَ التَّنافسِ المريضِ.

وليسَتِ العبرَةُ أَن نقولَ: عندَنا مؤَسَّساتٌ كثيرَةٌ؛ بلِ العبرَةُ أَن نسأَلَ: ماذا صنعَتْ هذِهِ المؤَسَّساتُ؟ وكم أَنتجَتْ من علْمٍ وبصيرَةٍ؟ وكم عالجَتْ من جراحِ الأُمَّةِ؟ وكم بنَتْ من كفاءاتٍ؟ وكم حفظَتْ من شبابٍ؟ وكم قرَّبَتِ النَّاسَ إلى اللهِ تعالى بصدْقٍ وحكمَةٍ؟

إنَّ الأَمَّةَ لا تحتاجُ إلى كثرَةٍ بِلا بركَةٍ، ولا إلى هياكلَ بِلا روحٍ، ولا إلى أَموالٍ بِلا أَثرٍ، ولا إلى قياداتٍ بِلا كفاءَةٍ، ولا إلى مؤسَّساتٍ تُعيدُ إنتاجَ الفشَلِ بلغَةٍ دعويَّةٍ مُنمَّقَةٍ.

إنَّها تحتاجُ إلى عمَلٍ صادِقٍ رشيدٍ، يعرِفُ قدْرَ الأَمانَةِ، ويستثمِرُ الموارِدَ بفقْهٍ، ويقيسُ النَّتائِجَ بشجاعَةٍ، ويجعَلُ رضا اللهِ وخدمَةَ الأُمَّةِ فوقَ الأًشخاصِ والكياناتِ والمصالِحِ؛ فالعبرَةُ ليسَتْ بكثرَةِ الحركَةِ، بلْ بصدْقِ الوجهَةِ وبركَةِ الأَثَرِ.

فاللَّهُمَّ باركْ في جهودِ الصَّادقينَ، وأَصلِحْ مؤَسَّساتِ المسلمينَ، واجعَلْ أَموالَها وطاقاتِها وكوادرَها في مواضعِها الصَّحيحَةِ.

اللَّهُمَّ! لا تجعَلْ أَعمالَنا ضجيجًا بِلا أَثَرٍ، ولا كثرَةً بِلا بركَةٍ، ولا حركَةً بِلا هدايَةٍ، واجعلْنا مفاتيحَ إصلاحٍ وبناءٍ، لا شهودًا على تضييعِ الأَمانَةِ، يا ربَّ العالمينَ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

٢٤ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/٩م

Previous
Previous

أُصولٌ محكمةٌ في ضوابط طلب العلم ومناهجهِ (١-٧):

Next
Next

»صناعَةُ الصَّفِّ الثَّاني« حينَ تموتُ المؤَسَّساتُ برجالِها: