مِن آفاتِ المؤسَّساتِ: احتكارُ الكرسيِّ باسمِ الشُّورى..
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للعَدْلِ والبصيرَةِ - أَنَّ مِن أَخطرِ أَسبابِ ضعفِ المؤسَّساتِ العلميَّةِ والدَّعويَّةِ في عالمِ أَهلِ السُّنَّةِ اليوم: تحوُّلَ المؤسَّسَةِ من مشروعٍ للأُمَّةِ إلى مِلْكٍ خاصٍّ لنُخبَةٍ محدودَةٍ؛ تُديرُها بالعلاقاتِ والولاءاتِ، وتُمسكُ بمفاصلِ القرارِ، وتُلبسُ احتكارَها ثوبَ «المصلحَةِ» وتُسمِّي التمسُّكَ بالكرسيِّ «حفظًا للاستقرارِ» مع أَنَّ الحقيقةَ في كثيرٍ من الأَحيانِ: خوفٌ من المحاسبَةِ، أَو حرصٌ على النُّفوذِ، أَو عجزٌ عن تسليمِ الرَّايَةِ لمن هو أَصلحُ وأَقدَرُ.
والإسلامُ لم يجعلِ القيادَةَ غنيمَةً تُحتكَر، ولا منصبًا يُورَّث، ولا كرسيًّا يُعبدُ من دونِ اللهِ؛ بلْ جعلَها «أَمانَةً ومسؤوليَّةً وتكليفًا» يُسأَلُ عنها العبدُ بينَ يدي ربِّهِ.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وقال سبحانه في وصفِ المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
فإذا تحوَّلتِ الشُّورى إلى صورَةٍ بِلا حقيقَةٍ، ومجلسٍ يُدارُ من خلفِ السِّتارِ، وأَسماءٍ تُستعمَلُ للتزكيَةِ لا للمحاسبَةِ؛ فهذِهِ ليسَتْ شورى راشدَة، بلْ «تزيينٌ للاستبدادِ بلغَةٍ شرعيَّةٍ».
إنَّ المؤسَّسةَ التي لا تُجدِّدُ قيادتَها، ولا تفتحُ أَبوابَها للكفاءاتِ، ولا تسمحُ بتداولِ المسؤوليَّاتِ، تُصابُ مع الزَّمنِ بالشَّيخوخَةِ الإداريَّةِ، والجفافِ الفكري، وضعفِ الإبداعِ، ثم تتحوَّلُ إلى دائرَةٍ مغلقَةٍ تُكرِّرُ نفسَ الوجوهِ، ونفسَ الأَخطاءِ، ونفسَ الأَعذار.. وحينئذٍ لا عجبَ أَن يتقدَّمَ غيرُنا، وأَن نتأَخَّرَ نحن؛ لأَنَّ السُّننَ لا تُحابِي أَحدًا، ومَن عطَّلَ أَسبابَ النهوضِ عوقبَ بآثارِ التَّعطيلِ.وليسَ المقصودُ أَنَّ كلَّ قائدٍ يبقى مدَّةً طويلةً فهو متسلِّط، ولا أَنَّ تحديدَ القيادَةِ بأَربعِ سنواتٍ حكمٌ شرعيٌّ لازم؛ فهذا من بابِ السِّياساتِ الإداريَّةِ والاجتهاداتِ التنظيميَّةِ.
لكنَّ المعنى الصَّحيحَ: أَنَّ «تداولَ المسؤوليَّة، وتجديدَ الدِّماءِ، وتوسيعَ دائرَةِ الشُّورى، ومنعَ الاحتكارِ» كلُّها من أَسبابِ العدلِ والقوَّةِ وحفظِ المؤسَّسات.
وقدْ تكونُ الأَربعُ سنواتٍ أَو نحوُها وسيلَةً حسنَةً في كثيرٍ من المؤسَّساتِ؛ لأَنَّها تمنعُ التَّكلُّسِ، وتكشفُ الكفاءاتِ، وتُشعرُ الجميعَ أَنَّ العملَ للهِ لا للأَشخاصِ.
ومن الخللِ الكبيرِ أَن يُسيطرَ لوبيٌّ ضيِّقٌ على مجلسِ الشُّورى؛ فيجعلَ القرارَ دائرًا بين أَصحابِ الولاءِ لا أَصحابِ الكفاءَةِ، وبينَ المقرَّبينَ لا المؤهَّلينَ، ثم يُقصي النَّاصحينَ بحجَّةِ «شقِّ الصَّفِّ» وينفرُ من المحاسبَةِ باسمِ «حفظِ الهيبَةِ» ويجعلُ النَّقدَ خيانَةً، والمراجعَةَ تمرُّدًا، والمطالبَةَ بالإصلاحِ فتنَةً!
وهذهِ مِن أَخطرِ الحِيَلِ التي تُضعفُ المؤسَّساتِ من داخلِها؛ لأَنَّها تقتلُ روحَ النَّصيحَةِ، وتُخرِسُ أَهلَ الرأْي، وتُبقي الضعفَ مستورًا حتى يقعَ الانهيارِ.
والمؤسَّسةُ السُّنيَّةُ الرَّاشدَةُ ليسَتِ التي ترفعُ شعارَ السُّنَّةِ فقط؛ بلِ التي تُقيمُ معاني السُّنَّةِ في واقعِها: عدلًا، وشورى، وأَمانَةً، وتواضعًا، ومحاسبَةً، وتقديمًا للأَصلَحِ.فالسنِّيُّ الحقُّ لا يكرَهُ النَّصيحَةَ، ولا يفرحُ بالمدَّاحينَ، ولا يرى نفسَهُ فوقَ المراجعَةِ، ولا يجعلُ العملَ الدَّعويَّ مزرعَةً خاصَّةً لهُ ولأَصحابِهِ.
قال النَّبيُّ ﷺ: »كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ«. فكلُّ مَن تولَّى إدارةً أَو دعوَةً أَو تعليمًا أَو وقفًا أَو مؤسَّسَةً؛ فهو مسؤولٌ أَمامَ اللهِ عن الأَمانَةِ:
- هلْ قرَّبَ الأَكفاء؟
- هلْ فتحَ البابَ للشَّبابِ الصَّادقينَ؟
- هلْ ربَّى قياداتٍ بعدَهُ؟
- هلْ قَبِلَ النَّصيحَةَ؟
- هلْ قدَّمَ مصلحَةَ الدَّعوَةِ على مصلحَةِ صورتِهِ ومكانتِهِ؟
إنَّ مِن علاماتِ الإخلاصِ في العملِ المؤسَّسي: أَن يفرحَ القائدُ بظهورِ مَن هو خيرٌ منهُ، وأَن يُحسنَ إعدادَ مَن يحملُ الرَّايةَ بعدَهُ، وأَن يتركَ المنصبَ وهو قادرٌ عليهِ إذا رأْى في غيرِهِ نفعًا أَوسع، وأَلَّا يجعلَ بقاءَهُ شرطًا لبقاءِ المشروعِ!
أَمَّا مَن لا يرى الدَّعوَةَ إلَّا من خلالِ كرسيِّهِ، ولا يرى المؤسَّسةَ إلَّا امتدادًا لشخصِهِ؛ فقدِ اختلطَتْ عليهِ النِّيَّةُ، واحتاجَ إلى مراجعَةٍ صادقَةٍ معَ اللهِ تعالى.
فالواجبُ اليومَ على المؤسَّساتِ العلميَّةِ والدَّعويَّةِ: أَن تضعَ لوائحَ واضحَةً مُلزِمَةً لتداولِ القيادَةِ، وتحديدِ الصَّلاحيَّاتِ، والمحاسبَةِ الماليَّةِ والإداريَّةِ، وتوسيعِ دائرةِ الشُّورى، ومنعِ تضارُبِ المصالحِ، وفتحِ المجالِ لأَهلِ العلمِ والخِبرَةِ والكفاءاتِ الصَّادقَةِ من الشَّبابِ الرَّاشدينَ؛ معَ الحذَرِ الشَّديدِ مِن التَّلاعُبِ بهذهِ اللَّوائحِ أو التَّحايُلِ عليها باسمِ «المصلحَةِ الدَّعويَّةِ» فإنَّ المصلحَةَ الحقيقيَّةَ لا تُبنى على نقضِ العهودِ، ولا على تعطيلِ الشُّورى، ولا على احتكارِ القرارِ؛ بل تُبنى على العدلِ، والوضوحِ، والأمانَةِ، وتقديمِ مصلحَةِ الدَّعوةِ على مصلحَةِ الأَشخاصِ.
وليسَ هذا ترفًا إداريًّا؛ بلْ هو من فقهِ حفظِ الأَمانَةِ، ومن أَسبابِ بقاءِ العمَلِ بعدَ ذهابِ الأَشخاص.
وخلاصَةُ القولِ: المؤسَّسةُ التي تُبنى على الأَشخاصِ تضعفُ بموتِهم أَو سقوطِهم، والمؤسَّسةُ التي تُبنى على المنهجِ والشُّورى والأَمانَةِ تبقى بإذنِ اللهِ.
والكرسيُّ إذا صارَ غايةً أَفسدَ أَصحابَهُ، وإذا صارَ وسيلَةً لخدمَةِ الحقِّ باركَ اللهُ في أَثرِه.
فاللَّهُمَّ! أَصلِحْ مؤسَّساتِ المسلمينَ، وولِّ عليها خيارَها، واصرفْ عنها أَهلَ الهوى والاحتكارِ، واجعلِ القيادَةَ فيها أَمانَةً لا غنيمَةً، وشورى لا صورَةً، وخدمَةً لا سيطرَةً، يا ربَّ العالمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
١٤ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٦/٢٩م

