حُكمُ القيادَةِ المتغَلِّبَةِ على المؤسَّساتِ بالحِيَلِ وتعطيلِ الشُّورى؟

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ المستبصِرَ!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للحقِّ والعَدْلِ - أَنَّ من أَعظمِ أَسبابِ ضعْفِ المؤسَّساتِ الإسلاميَّةِ اليومَ: أَن تُحتَلَّ مواقِعُ القيادَةِ فيها لا بالكفاءَةِ والأَمانَةِ والشُّورى الصَّحيحَةِ؛ بلْ بالحِيَلِ الإداريَّةِ، والتَّلاعبِ باللوائحِ، وصناعَةِ الولاءاتِ، وتفريغِ مجالسِ الشُّورى من حقيقتِها؛ حتى تصبحَ المؤسسَةُ في ظاهرِها قائمَةً على النَّظامِ، وفي باطنِها محكومَةً بلوبيٍّ ضيِّقٍ يُديرُ القرارَ لمصلحَةِ بقائِهِ ونفوذِهِ.

* وهذا - إذا ثبتَ ببيِّنةٍ وقرائنَ واضحَةٍ -؛ منكرٌ شرعيٌّ وإداريٌّ وأَخلاقيٌّ؛ لأَنَّ القيادَةَ في المؤسَّساتِ الإسلاميَّةِ أَمانَةٌ لا غنيمَةٌ، وولايَةٌ لخدمَةِ الدَّعوَةِ لا وسيلَةٌ لاحتكارِ النُّفوذِ.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].

وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].

* فمَن عطَّلَ الشُّورى، أَو حوَّلَها إلى صورَةٍ شكليَّةٍ، أَو تلاعبَ باللوائحِ ليبقى على رأْسِ الهرمِ؛ فقدْ ناقضَ روحَ الأَمانَةِ والشُّورى، وإن تكلَّمَ باسمِ المصلحَةِ والاستقرارِ.

وليسَ لأَحدٍ أَن يُلبِسَ هذا التَّحايلَ لباسَ الشَّرعِ؛ فيقول: «مصلحَةُ الدَّعوَةِ تقتضي بقاءَنا» أَو «لا يوجدُ بديل» أَو «حفظُ المؤسسَةِ أَولى من تغييرِ القيادَةِ»؛ فإنَّ المصلحَةَ الشَّرعيَّةَ لا تُبنى على نقضِ العهودِ، ولا على تعطيلِ اللوائحِ، ولا على إقصاءِ الأَكفاءِ، ولا على تحويلِ المؤسسةِ إلى ملكٍ خاصٍّ لأَشخاصٍ أَو جماعَةٍ أَو حزبٍ.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].

وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].

* فإذا كانْتِ اللوائحُ المعتمدَةُ تنصُّ على مدَّةٍ محدَّدةٍ للقيادَةِ، أَو آليَّةٍ واضحَةٍ للانتخابِ والمحاسبَةِ والتَّداولِ، ثم جاءَ مَن يتحايلُ عليها بأَيِّ شكلٍ من الأَشكالِ؛ ليمدِّدَ لنفسِهِ أَو لفريقِهِ، فبقاؤُهُ حينئذٍ في موضعِ القيادَةِ بقاءٌ غيرُ مستقيمٍ من جهَةِ الأَمانَةِ، وغيرُ نزيهٍ من جهَةِ الإدارةِ والقانونِ، وغيرُ مقبولٍ عرفًا ولا مروءَةً.

ولا يصِحُّ تسويغُ ذلكَ باسمِ الدَّعوَةِ أَو المصلحَةِ أَو حفظِ الاستقرارِ؛ لأَنَّ الدَّعوَةَ لا تُنصَرُ بالخداعِ، والمؤسَّساتِ لا تُحفَظُ بالتَّحايلِ، والحقَّ لا يُقامُ بوسائلَ باطلَةٍ.

ومهما طالَ بقاؤُهُ بهذِهِ الوسائِلِ؛ فإنَّهُ يبقى بقاءً منزوعَ البركَةِ والتَّوفيقِ؛ لأَنَّ ما بُنِيَ على نقضِ الأَمانَةِ وتجاوزِ العهودِ لا يُثمِرُ إصلاحًا راسخًا، ولا يورثُ ثقَةً صادقَةً، ولا يفتحُ أَبوابَ النَّصرِ والقبولِ.

* وأَمَّا مسأَلةُ طاعَةِ هؤلاءِ؛ فينبغي ضبطُها بدقَّةٍ؛ فلا يُقالُ بإطلاقٍ: تُطاعُ كلُّ أَوامرِهم، ولا يُقالُ بإطلاقٍ: تُرفَضُ كلُّ قراراتِهم؛ بلِ القاعدَةُ الشَّرعيَّةُ الجامعَةُ: «لا طاعَةَ في معصيَةِ اللهِ، ولا طاعَةَ في ظُلمٍ أَو تحايلٍ أَو تعطيلٍ للأَمانَةِ، وإنَّما الطَّاعَةُ في المعروفِ وما يحقِّقُ مصلحَةَ المؤسسَةِ ولا يخالفُ الشَّرعَ واللوائحَ الصَّحيحَةَ».

 قال النَّبيُّ ﷺ: »إنَّما الطَّاعَةُ في المعروفِ«، وقال ﷺ: »لا طاعَةَ لمخلوقٍ في معصيَةِ الخالقِ«.

* فلا يجوزُ لأَعضاءِ المؤسسَةِ؛ أَن يُطيعوا قيادَةً متحايلَةً في تزويرِ إرادَةِ الأَعظاءِ، أَو تعطيلِ الشُّورى، أَو تمريرِ قراراتٍ باطلَةٍ، أَو إقصاءِ النَّاصحينَ، أَو العبثِ بالأَموالِ واللوائحِ، أَو تمديدِ الولايَةِ بغيرِ حقٍّ.

وهذِهِ الطَّاعَةُ ليسَتْ طاعَةً شرعيَّةً؛ بلْ مشاركَةٌ في الإثمِ والتَّفريطِ.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

لكنْ ينبغي - أَيضًا -  أَلَّا يُفهمَ من ذلكَ فتحُ بابِ الفوضى، أَو إسقاطُ كلِّ عمَلٍ نافعٍ في المؤسسَةِ، أَو التَّحريضُ على الخصوماتِ والانشقاقاتِ غيرِ المنضبطَةِ؛ فالمطلوبُ شرعًا هو الإصلاحُ بالعلمِ والعدلِ والحكمةِ والطُّرقِ النظاميَّةِ المشروعَةِ، لا تحويلُ النُّصحِ إلى تشهيرٍ مجردٍ، ولا تحويلُ المطالبَةِ بالحقِّ إلى انتقامٍ شخصيٍّ.

قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن: ١٦].

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢].

* وأَمَّا السَّاكتونَ عن هذا التَّحايلِ؛ فليسوا على درجَةٍ واحدَةٍ: فمنهم العاجزُ الذي لا يستطيعُ التَّغييرَ، ومنهم الجاهلُ بحقيقَةِ ما يجري، ومنهم مَن يخشى مفسدَةً أَعظمَ فيسعى للإصلاحِ بقدْرِ استطاعتِهِ؛ فهؤلاء لا يُسوَّونَ بالمتحايلينَ.

لكنْ مَن علمَ المنكرَ، وقدَرَ على البيانِ أَو الإصلاحِ أَو منعِ الظلمِ؛ ثم سكتَ طلبًا للسلامَةِ، أَو حفظًا لمصلحَةٍ شخصيَّةٍ، أَو خوفًا على موقعِهِ، أَو مجاملَةً لأَصحابِ النُّفوذِ؛ فهو شريكٌ بقدْرِ سكوتِهِ وتخاذلِهِ، داخلٌ في عمومِ قولِ النَّبيِّ ﷺ: »مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّرْه بيدِهِ، فإن لم يستطعْ فبلسانِهِ، فإن لم يستطعْ فبقلبِهِ، وذلك أضعفُ الإيمان«.

* فالواجبُ على أَهلِ العلمِ والرأْيِ والخبرَةِ داخلَ هذِهِ المؤسَّساتِ أَن يقوموا بمراتبِ الإصلاحِ: أَوَّلُها النُّصحُ الصَّادقُ الواضحُ، ثم المطالبَةُ بتفعيلِ اللوائحِ والشُّورى والمحاسبَةِ، ثم توثيقُ الخللِ بالبيِّناتِ لا بالشَّائعاتِ، ثم رفعُ الأَمرِ إلى الجهاتِ الدَّاخليَّةِ المختصَّةِ، ثم إلى المراجعِ القانونيَّةِ أَو الرقابيَّةِ إنْ وُجدت، معَ حفظِ المقاصدِ ودفعِ المفاسدِ، وعدمِ تمزيقِ الصَّفِّ بما هو أَفسدُ من أَصلِ المنكرِ.

وخلاصَةُ القاعدَةِ في هذِهِ المسأَلَةِ:

كلُّ قيادَةٍ جاءَتْ بالشُّورى الصَّحيحَةِ واللوائحِ العادلَةِ؛ فهي قيادَةٌ معتبرَةٌ يجبُ التَّعاونُ معها في المعروفِ.

وكلُّ قيادَةٍ ثبتَ أَنَّها بقيتْ بالحيلَةِ، أَو عطَّلتِ اللوائحَ، أَو صادرتِ الشُّورى، أَو احتكرتِ القرارَ؛ فبقاؤُها غيرُ مشروعٍ من جهَةِ الأَمانَةِ، ولا تجوزُ طاعتُها في باطلِها، ولا معاونتُها على تحايلِها، ويجبُ إصلاحُها أَو تغييرُها بالطُّرُقِ الشَّرعيَّةِ والنِّظاميَّةِ الممكنَةِ.

فالمؤسَّساتُ الإسلاميَّةُ لا تُنقَذُ بالشِّعاراتِ، ولا بكثرَةِ الأَسماءِ الكبيرَةِ، ولا بتقديسِ الرُّؤُوسِ؛ بلْ تُنقَذُ بالصِّدْقِ، والشُّورى، والعَدْلِ، والشَّفافيَّةِ، والمحاسبَةِ، وتقديمِ مصلحَةِ الدَّعوَةِ على مصلحَةِ الأَشخاصِ. ومَن كانَ صادقًا في خدمَةِ الدِّينِ؛ لم يفرحْ ببقاءِ كرسيِّهِ إذا كانَ بقاؤُه سببًا في ضعفِ المؤسَّسَةِ، بلْ يفرحُ أَن يرى مَن هو أَصلَحُ منهُ يحمَلُ الأَمانَةَ بعدَهُ.

اللُّهُمَّ! أَرِنا الحقَّ حقًّا وارزقْنا اتِّباعَهُ، وأَرِنا الباطلَ باطلًا وارزقْنا اجتنابَهُ، وطهِّرْ أَعمالَ المسلمينَ من الحِيَلِ والهوى وحبِّ الرئاسَةِ، واجعلْ مؤسَّساتِهم قائمةً على الأَمانَةِ والشُّورى والعَدْلِ، يا ربَّ العالمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

١٣ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٦/٢٨م

Previous
Previous

مِن آفاتِ المؤسَّساتِ: احتكارُ الكرسيِّ باسمِ الشُّورى..

Next
Next

إصلاحُ المؤسَّساتِ؛ يبدأُ من صِدْقِ الأَمانَةِ..