إصلاحُ المؤسَّساتِ؛ يبدأُ من صِدْقِ الأَمانَةِ..

إصلاحُ المؤسَّساتِ؛ يبدأُ من صِدْقِ الأَمانَةِ..

فقبلَ طلَبِ التَّمكينِ: أَصلِحوا الأَمانَةَ في مؤَسَّساتِكُمْ!!

أَخي العضوَ في المؤسَّساتِ الإسلاميَّةِ، وأَخي المسلمَ الصَّادقَ المستبصِرَ!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للحقِّ والثَّباتِ - أَنَّ الكلامَ عن ضعْفِ المؤسَّساتِ الإسلاميَّةِ، وتعطيلِ الشُّورى، والتَّحايلِ على اللوائحِ، واحتكارِ مواقعِ القرارِ؛ ليسَ موجَّهًا إلى القياداتِ وحدَها؛ بلْ هو خطابٌ لكلِّ مَن كانَ داخِلَ هذِهِ المؤسَّساتِ: عضوًا، أَو مسؤولًا، أَو ناصحًا، أَو ساكتًا، أَو شاهدًا على مواضِعِ الخللِ؛ فإنَّ الأَمانَةَ لا تتعلَّقُ بالرُّؤُوسِ وحدَهم، بلْ تشملُ كلَّ مَن عرفَ الحقَّ وقدَرَ على نصرتِهِ بحسْبِ استطاعتِهِ.

فقِفْ مع نفسِكَ وقفةَ صِدْقٍ، واسأَلْها بينَ يدي اللهِ قبلَ أَن تُسأَلَ يومَ القيامَةِ:

 - ما موقفُكَ من هذِهِ القواعِدِ والضَّوابطِ الشَّرعيَّةِ؟ 

- ما موقفُكَ من اللوائحِ النِّظاميَّةِ التي ارتضاها أَهلُ المؤسَّسَةِ ميثاقًا حاكمًا بينهم؟

 - هلْ أَنْتَ ناصِرٌ للأَمانَةِ والشُّورى والعَدْلِ؟ أَم ساكِتٌ عن التَّحايلِ والتَّفريطِ والمجاملَةِ؟

 - هلْ تُعينُ على الإصلاحِ، أَم تُزيِّنُ الباطِلَ باسمِ الحكمةِ والمصلحَةِ وحفظِ الاستقرارِ؟

حاسِبْ نفسَكَ أَوَّلًا، ثم انصحْ إخوانَكَ ومسؤولِيكَ بالحقِّ والرِّفقِ والبيانِ؛ فإنَّ الإصلاحَ لا يبدأُ من المنابرِ والشِّعاراتِ الكُبرى؛ بلْ يبدأُ من صدْقِ العبدِ معَ ربِّهِ - جلَّ في عُلاهُ - ومن قيامِهِ بما تحتَ يدِهِ من أَمانَةٍ ومسؤوليَّةِ.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].

فإذا لم نُصلِحْ أَنفسَنا، ولم نُصلِحْ بيوتَنا، ولم نُصلِحْ مؤسَّساتِنا ومجتمعاتِنا:

- فكيفَ نطلبُ من اللهِ النَّصرَ والتمَّكينَ ونحنُ نُضيِّعُ أَسبابَهُ في واقعِنا؟ 

- كيفَ نرجو الغلبَةَ على العدوِّ والظَّالمِ، ونحنُ نُبقي في داخلِ صفوفِنا ظُلمًا صغيرًا، وتحايلًا إداريًّا، واحتكارًا للقرارِ، وتعطيلًا للشُّورى، ومجاملَةً لمن لا يقومُ بحقِّ الأَمانَةِ؟

إنَّ من أَسبابِ تسلُّطِ العدوِّ على الأَمَّةِ، وتغلُّبِ الظَّالمِ على صاحبِ الحقِّ: ضعفَ الصِّدْقِ معَ اللهِ تعالى، وتضييعَ الأَماناتِ، وتقديمَ المصالحِ الشَّخصيَّةِ والمجاملاتِ العقيمَةِ على ميزانِ الشَّرعِ والعَدْلِ.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].

ومن أَعظمِ أَسبابِ التَّنازعِ والفشلِ: أَن تُدارَ المؤَسَّساتُ بالحِيَلِ والولاءاتِ لا بالشُّورى والأَمانَةِ والكفاءَةِ.

فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واجعلوا مراقبَةَ اللهِ أَمامَ أَعينِكم، واستحضروا الوقوفَ بينَ يديهِ في المحكمَةِ الكُبرى يومَ القيامَةِ؛ يومَ لا تنفعُ المناصِبُ، ولا المجاملاتُ، ولا التَّحالفاتُ، ولا الأَعذارُ المصطنعَةِ.

قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤].

وقال النَّبيُّ ﷺ: »كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ«.

فلا يظنَّنَّ أَحدٌ أَنَّ سكوتَهُ عن الباطلِ لا أَثرَ لَهُ، أَو أَنَّ مجاملتَهُ لأَهلِ التَّحايلِ لا تُكتبُ عليهِ؛ فإنَّ مَن رأَى خللًا ظاهرًا، وقدَرَ على النُّصحِ أَو البيانِ أَو الإصلاحِ، ثم سكتَ طلبًا للسَّلامَةِ، أَو حفظًا لموقعٍ، أَو مجاملَةً لأَصحابِ النُّفوذِ؛ فقدْ قصَّرَ في واجبِ النَّصيحَةِ بحسبِ قدرتِهِ.

قال النَّبيُّ ﷺ: »مَن رأى منكم منكرًا فليُغيِّرْه بيدِهِ، فإن لم يستطعْ فبلسانِهِ، فإن لم يستطعْ فبقلبِهِ، وذلك أضعفُ الإيمان«.

ولنبدأِ الإصلاحَ من أَنفسِنا؛ فمَن أَقامَ الإسلامَ في قلبِهِ، وأَقامَ العَدْلَ في نفسِهِ وبيتِهِ ومؤسَّستِهِ؛ كانَ أَهلًا لأَن يباركَ اللهُ في سعيِهِ، وأَن يجعلَهُ لبنَةً صالحةً في نهضَةِ أُمَّتِهِ.

أَمَّا مَن يطلبُ النَّصرَ في الخارجِ، وهو يُهمِلُ العدْلَ في الدَّاخلِ؛ فقدْ طلبَ الثمرَةَ من غيرِ غرسٍ، والنتيجَةَ من غيرِ سببٍ، والتَّمكينَ من غيرِ تحقيقِ شروطِهِ.

فأَقيموا العدْلَ في مؤسَّساتِكم قبلَ أَن تطلبوا التَّمكينَ في أَرضِكم؛ فإنَّ النَّصرَ لا يُستنزَلُ بالشِّعاراتِ، ولا بكثرَةِ الادِّعاءاتِ، بلْ بالصدْقِ، والأَمانَةِ، والشُّورى، والعدْل، وإصلاحِ ما بينَنا وبينَ اللهِ تعالى.

فاللَّهُمَّ! أَصلِحْ قلوبَنا وأَعمالَنا، وأَعِنَّا على أَداءِ الأَماناتِ كما تُحبُّ وترضى، ولا تجعلْنا عونًا لظُّالمٍ، ولا سترًا لمتحايلٍ، ولا سببًا في تعطيلِ حقٍّ أَو تضييعِ دعوَةٍ.

اللَّهُمَّ! ارزقْنا صدْقَ النَّصيحَةَ، وشجاعَةَ الإصلاحِ، وعدْلَ الكلمَةِ، وطهارَةَ القصْدِ، واجعلْ مؤسَّساتِ المسلمينَ مناراتِ هُدى، لا ميادينَ تنازعٍ وهوى، يا ربَّ العالمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

١٢ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٦/٢٧م

Previous
Previous

حُكمُ القيادَةِ المتغَلِّبَةِ على المؤسَّساتِ بالحِيَلِ وتعطيلِ الشُّورى؟

Next
Next

نداءُ‭ ‬الأُمَّةِ‭ :‬لنجمَعِ‭ ‬الكلمَةَ‭ ‬على‭ ‬الحقِّ