نداءُ‭ ‬الأُمَّةِ‭ :‬لنجمَعِ‭ ‬الكلمَةَ‭ ‬على‭ ‬الحقِّ

الحمدُ‭ ‬للهِ‭ ‬رَبِّ‭ ‬العالمينَ؛‭ ‬الَّذي‭ ‬أَلَّفَ‭ ‬بينَ‭ ‬قلوبِ‭ ‬المؤمنينَ،‭ ‬وجعلَهم‭ ‬بنعمتِهِ‭ ‬إخوانًا،‭ ‬وأَمرَهم‭ ‬بالاعتصامِ‭ ‬بحبلِهِ‭ ‬جميعًا،‭ ‬ونهاهُم‭ ‬عنِ‭ ‬التَّنازُعِ‭ ‬والتَّفرُّقِ؛‭ ‬لئلَّا‭ ‬تَفشَلَ‭ ‬قوَّتُهم،‭ ‬وتذهبَ‭ ‬ريحُهم،‭ ‬وتتبدَّدَ‭ ‬جماعتُهم‭.‬

والصَّلاةُ‭ ‬والسَّلامُ‭ ‬على‭ ‬نبيِّنا‭ ‬محمَّدٍ‭ # ‬نبيِّ‭ ‬الرَّحمَةِ‭ ‬وإمامِ‭ ‬الهُدى؛‭ ‬الَّذي‭ ‬جمعَ‭ ‬اللهُ‭ ‬بهِ‭ ‬القلوبَ‭ ‬بعدَ‭ ‬شتاتِها،‭ ‬ووحَّدَ‭ ‬بهِ‭ ‬الصُّفوفَ‭ ‬بعدَ‭ ‬تناحُرِها،‭ ‬وأَخرجَ‭ ‬بهِ‭ ‬النَّاسَ‭ ‬من‭ ‬ظلماتِ‭ ‬الجاهليَّةِ‭ ‬إلى‭ ‬نورِ‭ ‬الإيمانِ؛‭ ‬فأَقامَ‭ ‬بهم‭ ‬أُمَّةً،‭ ‬وأَسَّسَ‭ ‬لهم‭ ‬دولةً،‭ ‬وشادُوا‭ ‬على›‭ ‬هديِهِ‭ ‬حضارَةً‭ ‬امتدَّ‭ ‬عطاؤُها‭ ‬قرونًا‭ ‬طويلَةً،‭ ‬وحملَتْ‭ ‬إلى‭ ‬العالمِ‭ ‬مشاعِلَ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والعدْلِ‭ ‬والرَّحمَةِ‭.‬

وعلى›‭ ‬آلِهِ‭ ‬الطيِّبينَ‭ ‬الطَّاهرينَ،‭ ‬وصحابتِهِ‭ ‬الغُرِّ‭ ‬الميامينَ؛‭ ‬الَّذينَ‭ ‬نصرَ‭ ‬اللهُ‭ ‬بهم‭ ‬دينَهُ،‭ ‬وأَعلى›‭ ‬بهم‭ ‬كلمتَهُ،‭ ‬وثبَّتَ‭ ‬بهم‭ ‬أَركانَ‭ ‬دولَةِ‭ ‬الإسلامِ؛‭ ‬فحملوا‭ ‬رسالتَهُ‭ ‬إلى‭ ‬العالَمينَ‭ ‬علمًا،‭ ‬وعمَلًا،‭ ‬وعدْلًا،‭ ‬ورحمَةً‭.‬

والصَّلاةُ‭ ‬والسَّلامُ‭ ‬موصولانِ‭ ‬على›‭ ‬مَنِ‭ ‬اهتدى›‭ ‬بهديِهِ،‭ ‬واقتفى›‭ ‬أَثرَهُ،‭ ‬وسارَ‭ ‬على›‭ ‬سُنَّتِهِ؛‭ ‬وفي‭ ‬مقدِّمتِهم‭ ‬أَئمَّةُ‭ ‬القرونِ‭ ‬المفضَّلَةِ،‭ ‬ومَن‭ ‬تبعَهم‭ ‬بإحسانٍ‭ ‬إلى›‭ ‬يومِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬أَمَّا‭ ‬بعدُ‭:‬

‭ ‬يا‭ ‬علماءَ‭ ‬الأُمَّةِ‭ !‬يا‭ ‬دُعاتَها‭! ‬يا‭ ‬أَبناءَها‭ ‬الغَيورينَ‭!‬

إنَّ‭ ‬أُمَّةَ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬تمرُّ‭ ‬بمرحلَةٍ‭ ‬من‭ ‬أَدقِّ‭ ‬مراحلِ‭ ‬تاريخِها‭:‬

فقدْ‭ ‬تكاثرتْ‭ ‬عليها‭ ‬الفتنُ،‭ ‬وتداعَتْ‭ ‬عليها‭ ‬الأُممُ،‭ ‬وتفرَّقتْ‭ ‬كلمتُها،‭ ‬وتنازعَتْ‭ ‬جماعاتُها،‭ ‬وضَعُفَتْ‭ ‬مرجعيَّاتُها‭ ‬الجامعَةُ؛‭ ‬حتَّى‭ ‬صارَ‭ ‬كثيرٌ‭ ‬منَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬لا‭ ‬يدرونَ‭ ‬إلى›‭ ‬مَن‭ ‬يرجعونَ‭ ‬عندَ‭ ‬المُلِمَّاتِ،‭ ‬ولا‭ ‬بمَن‭ ‬يثقونَ‭ ‬عندَ‭ ‬اشتباهِ‭ ‬الرَّاياتِ‭ ‬واضطرابِ‭ ‬المواقفِ‭.‬

وليسَ‭ ‬أَشدَّ‭ ‬على‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬من‭ ‬عدوٍّ‭ ‬يتربَّصُ‭ ‬بها؛‭ ‬إلَّا‭ ‬أَن‭ ‬تتنازعَ‭ ‬قواها،‭ ‬وتتبدَّدَ‭ ‬جهودُها،‭ ‬ويتحوَّلَ‭ ‬اختلافُها‭ ‬الدَّاخليُّ‭ ‬إلى›‭ ‬سلاحٍ‭ ‬يُستعمَلُ‭ ‬في‭ ‬إضعافِها‭.‬

قالَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿وَأَطِيعُوا‭ ‬اللهَ‭ ‬وَرَسُولَهُ‭ ‬وَلَا‭ ‬تَنَازَعُوا‭ ‬فَتَفْشَلُوا‭ ‬وَتَذْهَبَ‭ ‬رِيحُكُمْ‭ ‬وَاصْبِرُوا‭ ‬إِنَّ‭ ‬اللهَ‭ ‬مَعَ‭ ‬الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].

فربطَ‭ ‬سبحانه وتعالى ‬بينَ‭ ‬التَّنازعِ‭ ‬والفشَلِ‭ ‬وذهابِ‭ ‬القوَّةِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬الأُمَّةَ‭ ‬إذا‭ ‬استهلكتْ‭ ‬طاقتَها‭ ‬في‭ ‬صراعاتِها‭ ‬الدَّاخليَّةِ،‭ ‬لم‭ ‬يَعُدْ‭ ‬لديها‭ ‬منَ‭ ‬القوَّةِ‭ ‬ما‭ ‬تدفعُ‭ ‬بهِ‭ ‬عدوًّا،‭ ‬أَو‭ ‬تنصرُ‭ ‬بهِ‭ ‬مظلومًا،‭ ‬أَو‭ ‬تحفظُ‭ ‬بهِ‭ ‬دينًا‭ ‬وحقًّا‭.‬

‭ - ‬وإنَّ‭ ‬مِن‭ ‬أَعجَبِ‭ ‬ما‭ ‬نراهُ‭ ‬اليومَ‭ :‬أَنَّ‭ ‬أَعداءَ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬قدْ‭ ‬يتعاونونَ‭ - ‬مع‭ ‬اختلافِ‭ ‬أَديانِهم‭ ‬ومصالحِهم‭ ‬وتناقضِ‭ ‬مشاريعِهم‭ - ‬على›‭ ‬إضعافِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬وسَلْبِ‭ ‬حقوقِهم؛‭ ‬بينما‭ ‬يعجزُ‭ ‬المسلمونَ‭ ‬عنِ‭ ‬التَّعاونِ‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬معَ‭ ‬وحدَةِ‭ ‬قِبلتِهم‭ ‬وكتابِهم‭ ‬ونبيِّهم‭ ‬وأُصولِ‭ ‬دينِهم‭!‬

فكيفَ‭ ‬يتماسَكُ‭ ‬أَهلُ‭ ‬الباطلِ‭ ‬على›‭ ‬باطلِهم،‭ ‬ويفترقُ‭ ‬أَهلُ‭ ‬الحقِّ‭ ‬معَ‭ ‬اجتماعِهم‭ ‬على›‭ ‬أُصولِ‭ ‬الحقِّ؟‭!‬

الاجتماعُ‭ ‬فريضةٌ‭ ‬شرعيَّةٌ‭:‬

إنَّ‭ ‬جمعَ‭ ‬كلمَةِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬ليسَ‭ ‬شعارًا‭ ‬عاطفيًّا،‭ ‬ولا‭ ‬مشروعًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬موسميًّا،‭ ‬ولا‭ ‬مجاملَةً‭ ‬تنظيميَّةً؛‭ ‬بلْ‭ ‬هو‭ ‬أَصلٌ‭ ‬عظيمٌ‭ ‬من‭ ‬أُصولِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬وواجبٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬دلَّتْ‭ ‬عليهِ‭ ‬نصوصُ‭ ‬الكتابِ‭ ‬والسُّنَّةِ‭.‬

قالَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿وَاعْتَصِمُوا‭ ‬بِحَبْلِ‭ ‬اللهِ‭ ‬جَمِيعًا‭ ‬وَلَا‭ ‬تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].

وقالَ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿وَلَا‭ ‬تَكُونُوا‭ ‬كَالَّذِينَ‭ ‬تَفَرَّقُوا‭ ‬وَاخْتَلَفُوا‭ ‬مِنْ‭ ‬بَعْدِ‭ ‬مَا‭ ‬جَاءَهُمُ‭ ‬البَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥].

وقالَ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿إِنَّمَا‭ ‬المُؤْمِنُونَ‭ ‬إِخْوَةٌ‭ ‬فَأَصْلِحُوا‭ ‬بَيْنَ‭ ‬أَخَوَيْكُمْ‭ ‬وَاتَّقُوا‭ ‬اللهَ‭ ‬لَعَلَّكُمْ‭ ‬تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].

وقالَ‭ ‬النَّبيُّ #:‬ ‮»المُؤْمِنُ‭ ‬لِلْمُؤْمِنِ‭ ‬كَالْبُنْيَانِ،‭ ‬يَشُدُّ‭ ‬بَعْضُهُ‭ ‬بَعْضًا«‬.‬

وشبَّكَ #‭ ‬بينَ‭ ‬أَصابعِهِ. [متفق عليه].

‭ - ‬وقدْ‭ ‬قرَّرَ‭ ‬علماءُ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬رحمهم الله‭ ‬أَنَّ‭ ‬تأْليفَ‭ ‬القلوبِ،‭ ‬واجتماعَ‭ ‬الكلمَةِ،‭ ‬وإصلاحَ‭ ‬ذاتِ‭ ‬البينِ؛‭ ‬من‭ ‬أَعظَمِ‭ ‬أُصُولِ‭ ‬الدِّينِ‭ ‬ومقاصِدِ‭ ‬الشَّريعَةِ؛‭ ‬إذْ‭ ‬لا‭ ‬تستَقيمُ‭ ‬مصالِحُ‭ ‬الأُمَّةِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُصانُ‭ ‬قوَّتُها،‭ ‬ولا‭ ‬تقومُ‭ ‬لها‭ ‬قائمَةٌ‭ ‬معَ‭ ‬التَّنازعِ‭ ‬والتَّدابرِ؛‭ ‬قالَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى›‭:‬

﴿فَاتَّقُوا‭ ‬اللهَ‭ ‬وَأَصْلِحُوا‭ ‬ذَاتَ‭ ‬بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].

‭ - ‬فجمَعُ‭ ‬الكلمَةِ‭ ‬عبادَةٌ،‭ ‬وإصلاحُ‭ ‬ذاتِ‭ ‬البينِ‭ ‬عبادَةٌ،‭ ‬وتقريبُ‭ ‬القلوبِ‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭ ‬عبادَةٌ،‭ ‬وإطفاءُ‭ ‬الفتنِ‭ ‬بينَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬عبادَةٌ،‭ ‬وبذْلُ‭ ‬الجاهِ‭ ‬لتوحيدِ‭ ‬الصُّفوفِ‭ ‬من‭ ‬أَجَلِّ‭ ‬القُرُباتِ‭.‬

الاجتماعُ‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭ ‬لا‭ ‬على›‭ ‬مجرَّدِ‭ ‬الشِّعاراتِ‭:‬

ولا‭ ‬بُدَّ‭ ‬من‭ ‬تقريرِ‭ ‬أَصْلٍ‭ ‬مهمٍّ‭: ‬أَنَّ‭ ‬الاجتماعَ‭ ‬المحمودَ‭ ‬شرعًا‭ ‬ليسَ‭ ‬اجتماعًا‭ ‬على›‭ ‬حسابِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬ولا‭ ‬وحدَةً‭ ‬تُسقِطُ‭ ‬العقيدَةَ‭ ‬والأَحكامَ،‭ ‬ولا‭ ‬تكتُّلًا‭ ‬يُميِّعُ‭ ‬الحقَّ‭ ‬والباطِلَ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬اللهَ‭ ‬تعالى›‭ ‬قالَ‭:‬

﴿وَاعْتَصِمُوا‭ ‬بِحَبْلِ‭ ‬اللهِ‭ ‬جَمِيعًا﴾‭.‬

فجمَعَ‭ ‬سبحانه وتعالى‭ ‬بينَ‭ ‬أَصلينِ‭ ‬عظيمينِ:‬ الاعتصامِ‭ ‬بحبْلِ‭ ‬اللهِ،‭ ‬والاجتماعِ‭ ‬عليهِ؛‭ ‬فلا‭ ‬اجتماعَ‭ ‬محمودًا‭ ‬بغيرِ‭ ‬حقٍّ،‭ ‬ولا‭ ‬نُصرَةَ‭ ‬كاملَةً‭ ‬للحقِّ‭ ‬معَ‭ ‬تنازُعِ‭ ‬أَهلِهِ‭ ‬وتدابُرِهم‭.‬

ومن‭ ‬هُنا؛‭ ‬ندْعو‭ ‬إلى›‭ ‬اجتماعٍ‭ ‬تكونُ‭ ‬مرجعيَّتُهُ‭ ‬الكتابَ‭ ‬والسُّنَّةَ،‭ ‬على›‭ ‬فهمِ‭ ‬الصَّحابَةِ‭ ‬والتَّابعينَ‭ ‬وأَئمَّةِ‭ ‬الهُدى›؛‭ ‬اجتماعٍ‭ ‬يحفْظُ‭ ‬أُصُولَ‭ ‬الدِّينِ‭ ‬وثوابتَهُ،‭ ‬ويُقيمُ‭ ‬العَدْلَ،‭ ‬ويرحَمُ‭ ‬الخَلْقَ،‭ ‬ويمنَعُ‭ ‬الظُّلمَ‭ ‬والبغيَ‭ ‬والتَّكفيرَ‭ ‬بغيرِ‭ ‬حقٍّ‭.‬

كما‭ ‬ندْعو‭ ‬إلى‭ ‬التَّفريقِ‭ ‬بينَ‭ ‬الثَّوابتِ‭ ‬الَّتي‭ ‬لا‭ ‬تقبَلُ‭ ‬المساومَةَ،‭ ‬وبينَ‭ ‬مسائِلِ‭ ‬الاجتهادِ‭ ‬الَّتي‭ ‬وسِعَ‭ ‬فيها‭ ‬الخلافُ‭ ‬علماءَ‭ ‬الأُمَّةِ؛‭ ‬فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬تحويلُ‭ ‬كلِّ‭ ‬خلافٍ‭ ‬فقهيٍّ‭ ‬أَو‭ ‬اجتهادٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬إلى›‭ ‬معركَةِ‭ ‬ولاءٍ‭ ‬وبراءٍ،‭ ‬ولا‭ ‬إلى›‭ ‬سبَبٍ‭ ‬للهجْرِ‭ ‬والتَّبديعِ‭ ‬والتَّشهيرِ‭ ‬وتفريقِ‭ ‬الصُّفوفِ‭.‬

فليسَ‭ ‬المطلوبُ‭ ‬أَن‭ ‬تتطابقَ‭ ‬الآراءُ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬جزئيَّةٍ؛‭ ‬فهذا‭ ‬لم‭ ‬يقَعْ‭ ‬حتَّى›‭ ‬في‭ ‬عصورِ‭ ‬الصَّحابَةِ‭ ‬الكرامِ‭ ‬والأَئمَّةِ‭ ‬الأَعلامِ،‭ ‬ولكنَّ‭ ‬المطلوبَ‭ ‬أَن‭ ‬تتَّسعَ‭ ‬صُدُورُنا‭ ‬للخلافِ‭ ‬السَّائغِ،‭ ‬وأَلَّا‭ ‬نسمَحَ‭ ‬للفروعِ‭ ‬أَن‭ ‬تهدِمَ‭ ‬الأُصُولَ،‭ ‬ولا‭ ‬للمصالحِ‭ ‬الحزبيَّةِ‭ ‬أَن‭ ‬تقطَعَ‭ ‬أُخوَّةَ‭ ‬الإيمانِ‭.‬

العلماءُ‭ ‬آباءُ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬ومرجعيَّتُها‭ ‬عندَ‭ ‬الفتنِ‭:‬

حينَ‭ ‬تضعفُ‭ ‬المرجعيَّاتُ‭ ‬الجامعَةُ،‭ ‬وتضطربُ‭ ‬المؤَسساتُ،‭ ‬وتتجاذَبُ‭ ‬الأُمَّةَ‭ ‬الرَّاياتُ‭ ‬والمشاريعُ؛‭ ‬تَعظُمُ‭ ‬مسؤوليَّةُ‭ ‬العلماءِ‭ ‬الربَّانيِّينَ؛‭ ‬فهم‭ ‬ورثَةُ‭ ‬الأَنبياءِ‭ ‬في‭ ‬البيانِ‭ ‬والهدايَةِ‭ ‬والإصلاحِ،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬العصمَةِ‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬السُّلطانِ‭.‬

والأُمَّةُ‭ ‬اليومَ‭ ‬أَحوجُ‭ ‬ما‭ ‬تكونُ‭ ‬إلى›‭ ‬علماءَ‭ ‬ربَّانيِّينَ‭ ‬كبارٍ،‭ ‬يعلونَ‭ ‬بمنهجِهم‭ ‬ومواقفِهم‭ ‬فوقَ‭ ‬العصبيَّاتِ‭ ‬الحزبيَّةِ‭ ‬والتَّنظيميَّةِ؛‭ ‬فلا‭ ‬يكونونَ‭ ‬أَسرى›‭ ‬لجماعَةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬أَبواقًا‭ ‬لسُلطَةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬أَدواتٍ‭ ‬في‭ ‬صراعٍ‭ ‬سياسيٍّ،‭ ‬ولا‭ ‬شهودَ‭ ‬زورٍ‭ ‬على›‭ ‬ظُلمٍ‭ ‬أَو‭ ‬عدوانٍ؛‭ ‬بلْ‭ ‬يكونُ‭ ‬ولاؤُهم‭ ‬للحقِّ،‭ ‬وميزانُهم‭ ‬الشَّرعَ،‭ ‬وغايتُهم‭ ‬رضا‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى‭ ‬وحفظُ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬وجمعُ‭ ‬كلمَةِ‭ ‬المسلمينَ‭.‬

إنَّ‭ ‬العالِمَ‭ ‬الربَّانيَّ؛‭ ‬ينبغي‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬كالأَبِ‭ ‬الحكيمِ‭ ‬بينَ‭ ‬أَبنائِهِ‭: ‬يجمَعُ‭ ‬ولا‭ ‬يفرِّقُ،‭ ‬ويُصلِحُ‭ ‬ولا‭ ‬يؤَجِّجُ،‭ ‬وينصَحُ‭ ‬المخطئَ‭ ‬ولا‭ ‬يُسلمَهُ‭ ‬لخصومِهِ،‭ ‬ويقِفُ‭ ‬معَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬دونَ‭ ‬محاباةٍ،‭ ‬ويحفظُ‭ ‬للأُمَّةِ‭ ‬ثوابتَها‭ ‬ودماءَها‭ ‬وأَعراضَها‭.‬

وليسَ‭ ‬مِن‭ ‬شأْنِ‭ ‬العالِمِ‭ ‬الربَّانيِّ؛‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬طرفًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬في‭ ‬خصومَةٍ‭ ‬حزبيَّةٍ،‭ ‬بلْ‭ ‬واجبُهُ‭ ‬أَن‭ ‬يعلوَ‭ ‬بمنهجِهِ‭ ‬على‭ ‬الجماعاتِ‭ ‬والمشاربِ،‭ ‬وأَن‭ ‬يكونَ‭ ‬مرجعًا‭ ‬للجميعِ،‭ ‬وناصحًا‭ ‬للجميعِ،‭ ‬ومصلحًا‭ ‬بينَ‭ ‬الجميعِ‭.‬

‭ - ‬فإذا‭ ‬تحزَّبَ‭ ‬العلماءُ‭ ‬لكلِّ‭ ‬فريقٍ؛‭ ‬فمَن‭ ‬يجمَعُ‭ ‬الأُمَّةَ؟

‭- ‬ وإذا‭ ‬صارَ‭ ‬العالمُ‭ ‬تابعًا‭ ‬للخصومَةِ؛‭ ‬فمَن‭ ‬يطفئُ‭ ‬نارَها؟

‭ - ‬وإذا‭ ‬سكتَ‭ ‬أَهلُ‭ ‬العلْمِ‭ ‬عنِ‭ ‬البغي؛‭ ‬فمَن‭ ‬يقولُ‭ ‬للظَالمِ‭:‬ ظلمْتَ،‭ ‬وللمخطئِ‭:‬أَخطأْتَ،‭ ‬وللمتخاصمينَ‭ :‬اتَّقوا‭ ‬اللهَ‭ ‬وأَصلحوا‭ ‬ذاتَ‭ ‬بينِكم؟

إنَّ‭ ‬الأُمَّةَ‭ ‬لا‭ ‬تحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬عالمٍ‭ ‬يزيدُها‭ ‬انقسامًا،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تحتاجُ‭ ‬إلى›‭ ‬عالمٍ‭ ‬يردُّها‭ ‬إلى›‭ ‬ربِّها،‭ ‬ويجمعُها‭ ‬على›‭ ‬هديِ‭ ‬نبيِّها‭  # ‬ويمنَعُ‭ ‬أَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬دماءُ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬وقضاياهم‭ ‬إلى›‭ ‬أَوراقٍ‭ ‬للمزايدَةِ‭ ‬الحزبيَّةِ‭ ‬والسياسيَّةِ‭.‬

نداءٌ‭ ‬إلى›‭ ‬كبارِ‭ ‬علماءِ‭ ‬الأُمَّةِ‭:‬

يا‭ ‬كبارَ‭ ‬علماءِ‭ ‬الأُمَّةِ‭!‬

إنَّ‭ ‬مقامَكم‭ ‬اليومَ‭ ‬عظيمٌ،‭ ‬وأَمانتَكم‭ ‬ثقيلَةٌ،‭ ‬وصمتَكمْ‭ ‬عندَ‭ ‬اشتدادِ‭ ‬التَّنازعِ‭ ‬قدْ‭ ‬يُفسحُ‭ ‬المجالَ‭ ‬لأَهلِ‭ ‬الجهْلِ‭ ‬والغُلُوِّ‭ ‬والهوى›؛‭ ‬فبادِروا‭ ‬إلى›‭ ‬تشكيلِ‭ ‬مرجعيَّةٍ‭ ‬علميَّةٍ‭ ‬مستقلَّةٍ،‭ ‬جامعَةٍ،‭ ‬قويَّةٍ،‭ ‬لا‭ ‬تخضَعُ‭ ‬لإملاءِ‭ ‬حزبٍ،‭ ‬ولا‭ ‬لإرادَةِ‭ ‬دولَةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬لتمويلِ‭ ‬جهَةٍ،‭ ‬تُجمَعُ‭ ‬فيها‭ ‬الكفاءاتُ‭ ‬العلميَّةُ‭ ‬الموثوقَةُ‭ ‬من‭ ‬مختلَفِ‭ ‬بلادِ‭ ‬المسلمينَ؛‭ ‬لتقومَ‭ ‬بما‭ ‬يلي‭:‬

‭- ‬ جمعِ‭ ‬كلمَةِ‭ ‬العلماءِ‭ ‬على›‭ ‬أُصولِ‭ ‬الدِّينِ‭ ‬وكليَّاتِ‭ ‬الشَّريعَةِ‭.‬

‭ - ‬بيانِ‭ ‬المواقفِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭ ‬في‭ ‬النَّوازلِ‭ ‬الكُبرى›‭ ‬بلسانٍ‭ ‬علميٍّ‭ ‬واحدٍ‭ ‬قدْرَ‭ ‬المستطاعِ‭.‬

‭ - ‬الإصلاحِ‭ ‬بينَ‭ ‬الجماعاتِ‭ ‬والمؤسساتِ‭ ‬والدُّعاةِ‭.‬

‭ - ‬حمايَةِ‭ ‬دماءِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬وأَعراضِهم‭ ‬منَ‭ ‬الفتاوى‭ ‬المتعجِّلَةِ‭ ‬والخطاباتِ‭ ‬المحرِّضَةِ‭.‬

‭ - ‬مواجهَةِ‭ ‬الغُلُوِّ‭ ‬والتَّكفيرِ‭ ‬والتَّمييعِ‭ ‬والطَّائفيَّةِ‭ ‬والارتهانِ‭ ‬السِّياسيِّ‭.‬

‭ - ‬نصرَةِ‭ ‬المستضعفينَ،‭ ‬والدِّفاعِ‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬المسلمينَ‭ ‬بالعلْمِ‭ ‬والحكمةِ‭ ‬والوسائِلِ‭ ‬المشروعَةِ‭.‬

‭ - ‬تربيَةِ‭ ‬الأَجيالِ‭ ‬على›‭ ‬أَدَبِ‭ ‬الاختلافِ،‭ ‬وحُرمَةِ‭ ‬الدِّماءِ،‭ ‬وفقهِ‭ ‬المآلاتِ،‭ ‬وتقديمِ‭ ‬المصالحِ‭ ‬العامَّةِ‭ ‬على‭ ‬المكاسبِ‭ ‬الحزبيَّةِ‭.‬

ولا‭ ‬تنتظروا‭ ‬أَن‭ ‬تأْتيَ‭ ‬المبادرَةُ‭ ‬منَ‭ ‬السَّاسَةِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬منَ‭ ‬السَّياسَةِ‭ ‬محكومٌ‭ ‬بالمصالحِ‭ ‬المتغيِّرَةِ،‭ ‬أَمَّا‭ ‬العلماءُ‭ ‬الربَّانيُّونَ‭ ‬فمهمَّتُهم‭ ‬أَن‭ ‬يحرسوا‭ ‬الثَّوابتَ،‭ ‬ويحفظوا‭ ‬الضَّميرَ‭ ‬الشَّرعيَّ‭ ‬للأُمَّةِ،‭ ‬ويقولوا‭ ‬كلمَةَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬للجميعِ‭.‬

نداءٌ‭ ‬إلى›‭ ‬الجماعاتِ‭ ‬والمؤَسساتِ‭ ‬الإسلاميَّةِ‭:‬

يا‭ ‬قادَةَ‭ ‬الجماعاتِ‭ ‬والمؤَسساتِ‭!‬

إنَّ‭ ‬الجماعَةَ‭ ‬وسيلَةٌ‭ ‬لخدمَةِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬وليسَتْ‭ ‬هيَ‭ ‬الإسلامَ‭ ‬كلَّهُ،‭ ‬والتَّنظيمُ‭ ‬وسيلَةٌ‭ ‬لإقامَةِ‭ ‬الواجِبِ،‭ ‬وليسَ‭ ‬غايَةً‭ ‬تُقدَّمُ‭ ‬على›‭ ‬مصلحَةِ‭ ‬الأُمَّةِ‭.‬

فاتَّقوا‭ ‬اللهَ‭ ‬في‭ ‬أُمَّةِ‭ ‬محمَّدٍ‭ !# ‬ولا‭ ‬تجعلوا‭ ‬الولاءَ‭ ‬للتَّنظيمِ‭ ‬مقدَّمًا‭ ‬على‭ ‬الولاءِ‭ ‬للحقِّ،‭ ‬ولا‭ ‬تجعلوا‭ ‬الخلافَ‭ ‬معَ‭ ‬جماعتِكم‭ ‬خلافًا‭ ‬معَ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬ولا‭ ‬تستأْثروا‭ ‬بالمشهدِ،‭ ‬ولا‭ ‬تحتكروا‭ ‬الصَّوابَ،‭ ‬ولا‭ ‬تُسقِطوا‭ ‬فضْلَ‭ ‬غيرِكم‭.‬

اجتمعوا‭ ‬على‭ ‬المشروعاتِ‭ ‬الكُبرى›،‭ ‬وتعاونوا‭ ‬في‭ ‬المتَّفقِ‭ ‬عليهِ،‭ ‬وتحاوروا‭ ‬بالحُجَّةِ‭ ‬في‭ ‬المختلفِ‭ ‬فيهِ،‭ ‬واعذروا‭ ‬بعضَكم‭ ‬بعضًا‭ ‬في‭ ‬مسائِلِ‭ ‬الاجتهادِ‭ ‬السَّائِغِ،‭ ‬وأَغلقوا‭ ‬أَبوابَ‭ ‬التَّشهيرِ‭ ‬والتَّخوينِ‭ ‬والتَّحريضِ‭ ‬المتبادلِ،‭ ‬وليكنْ‭ ‬شعارُكم‭ ‬قولَ‭ ‬اللهِ‭ ‬تباركَ‭ ‬وتعالى›‭: ‬

﴿وَتَعَاوَنُوا‭ ‬عَلَى‭ ‬البِرِّ‭ ‬وَالتَّقْوَى‭ ‬وَلَا‭ ‬تَعَاوَنُوا‭ ‬عَلَى‭ ‬الإِثْمِ‭ ‬وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

وما‭ ‬واجِبُ‭ ‬كلِّ‭ ‬مسلمٍ؟

جمْعُ‭ ‬كلمَةِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬ليسَ‭ ‬مسؤوليَّةَ‭ ‬العلماءِ‭ ‬وحدَهم،‭ ‬وإنْ‭ ‬كانَتْ‭ ‬مسؤوليَّتُهم‭ ‬أَعظمَ؛‭ ‬بلْ‭ ‬لكلِّ‭ ‬مسلمٍ‭ ‬ثغرٌ‭ ‬يستطيعُ‭ ‬أَن‭ ‬يقفَ‭ ‬عليهِ‭.‬

وأَقلُّ‭ ‬ما‭ ‬يجِبُ‭ ‬على‭ ‬المسلمِ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البابِ‭:‬

أَوَّلًا‭- ‬أَن‭ ‬يُصلِحَ‭ ‬قلبَهُ‭ ‬منَ‭ ‬الحقدِ‭ ‬والعصبيَّةِ‭:‬

فإنَّ‭ ‬التفرُّقَ‭ ‬يبدَأُ‭ ‬من‭ ‬قلوبٍ‭ ‬امتلأَتْ‭ ‬بالكِبْرِ‭ ‬والحسَدِ‭ ‬وحُبِّ‭ ‬الغلبَةِ‭ ‬والانتصارِ‭ ‬للنَّفسِ‭.‬

ثانيًا‭- ‬أَن‭ ‬يحفظَ‭ ‬لسانَهُ‭ ‬وقلمَهُ‭:‬

فلا‭ ‬ينقلْ‭ ‬شائعَةً،‭ ‬ولا‭ ‬ينشرْ‭ ‬تهمَةً،‭ ‬ولا‭ ‬يشارِكْ‭ ‬في‭ ‬إسقاطِ‭ ‬العلماءِ‭ ‬والدُّعاةِ،‭ ‬ولا‭ ‬يجعلْ‭ ‬حسابَهُ‭ ‬منبرًا‭ ‬للفتنَةِ‭ ‬والخصوماتِ‭.‬

ثالثًا‭- ‬أَن‭ ‬يُصلحَ‭ ‬ما‭ ‬يستطيعُ‭ ‬إصلاحَهُ‭:‬

بينَ‭ ‬أَخوينِ،‭ ‬أَو‭ ‬أُسرتينِ،‭ ‬أَو‭ ‬جماعتينِ،‭ ‬أَو‭ ‬عالمينِ،‭ ‬أَو‭ ‬مؤسَّستينِ؛‭ ‬قالَ‭ ‬تعالى›‭: ‬

﴿فَأَصْلِحُوا‭ ‬بَيْنَ‭ ‬أَخَوَيْكُمْ﴾‭.‬

رابعًا‭- ‬أَن‭ ‬يتعاونَ‭ ‬معَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬في‭ ‬الحقِّ‭ ‬والخيرِ‭:‬

فلا‭ ‬يمنعْهُ‭ ‬اختلافُهُ‭ ‬معَ‭ ‬شخصٍ‭ ‬أَو‭ ‬جماعَةٍ‭ ‬في‭ ‬بعضِ‭ ‬المسائِلِ‭ ‬منَ‭ ‬التَّعاونِ‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬نصرَةِ‭ ‬مظلومٍ،‭ ‬أَو‭ ‬تعليمِ‭ ‬جاهِلٍ،‭ ‬أَو‭ ‬إغاثَةِ‭ ‬منكوبٍ،‭ ‬أَو‭ ‬دفْعِ‭ ‬عدوانٍ‭.‬

خامسًا‭- ‬أَن‭ ‬يُقدِّمَ‭ ‬مصلحَةَ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬على›‭ ‬حظوظِ‭ ‬النَّفسِ‭ ‬والحزبِ‭:‬

فليسَ‭ ‬كلُّ‭ ‬انتصارٍ‭ ‬للنَّفسِ‭ ‬انتصارًا‭ ‬للدِّينِ،‭ ‬وقدْ‭ ‬يكسبُ‭ ‬المرءُ‭ ‬جدلًا‭ ‬ويخسرُ‭ ‬قلبًا،‭ ‬أَو‭ ‬يُضعفُ‭ ‬صفًّا،‭ ‬أَو‭ ‬يفتحُ‭ ‬بابَ‭ ‬فتنَةٍ‭ ‬لا‭ ‬يستطيعُ‭ ‬إغلاقَهُ‭.‬

سادسًا‭- ‬أَن‭ ‬يدعوَ‭ ‬للعلماءِ‭ ‬بالصَّلاحِ‭ ‬والاجتماعِ،‭ ‬وأَن‭ ‬ينصحَهم‭ ‬بأَدَبٍ‭:‬

فالعلماءُ‭ ‬بشرٌ‭ ‬يُصيبونَ‭ ‬ويخطئونَ؛‭ ‬لكنَّ‭ ‬إصلاحَهم‭ ‬يكونُ‭ ‬بالنَّصيحَةِ‭ ‬الصَّادقَةِ،‭ ‬لا‭ ‬بالسَبِّ‭ ‬والتَّشهيرِ‭ ‬وإسقاطِ‭ ‬الهيبَةِ‭ ‬العلميَّةِ‭.‬

سابعًا‭- ‬أَن‭ ‬يخطوَ‭ ‬خطوةً‭ ‬عمليَّةً‭:‬

زيارَةٌ‭ ‬تُعيدُ‭ ‬المودَّةَ،‭ ‬أَو‭ ‬اعتذارٌ‭ ‬ينهي‭ ‬خصومَةً،‭ ‬أَو‭ ‬كلمَةٌ‭ ‬تُطفئُ‭ ‬فتنَةً،‭ ‬أَو‭ ‬لقاءٌ‭ ‬يجمَعُ‭ ‬متخاصمَينِ،‭ ‬أَو‭ ‬مشروعٌ‭ ‬مشتركٌ‭ ‬يخدمُ‭ ‬المسلمينَ‭.‬

فلا‭ ‬يقُلْ‭ ‬أَحدٌ‭ :‬ماذا‭ ‬أَستطيعُ‭ ‬أَن‭ ‬أَفعلَ‭ ‬والأُمَّةُ‭ ‬متفرِّقةٌ؟‭ ‬بلْ‭ ‬ليبدَأْ‭ ‬بنفسِهِ‭ ‬وبيتِهِ‭ ‬ومحيطِهِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬اجتماعَ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬يبدأُ‭ ‬من‭ ‬اجتماعِ‭ ‬القلوبِ،‭ ‬وإصلاحُ‭ ‬الكبيرِ‭ ‬يبدَأُ‭ ‬بخطواتٍ‭ ‬صغيرَةٍ‭ ‬صادقَةٍ‭.‬

كلمَةٌ‭ ‬أَخيرَةٌ‭:‬

يا‭ ‬أُمَّةَ‭ ‬الإسلامِ‭!‬

إنَّ‭ ‬أَعداءَكم‭ ‬لنْ‭ ‬يرحموا‭ ‬ضعفَكم،‭ ‬ولنْ‭ ‬يَرْعَوا‭ ‬حرمَةَ‭ ‬اختلافِكم،‭ ‬ولنْ‭ ‬يُميِّزوا‭ ‬حينَ‭ ‬يستهدفونَكم‭ ‬بينَ‭ ‬جماعَةٍ‭ ‬وأُخرى›،‭ ‬ولا‭ ‬بينَ‭ ‬مذهَبٍ‭ ‬وآخرَ،‭ ‬ولا‭ ‬بينَ‭ ‬تنظيمٍ‭ ‬وآخرَ‭.‬

بلْ‭ ‬ينظرونَ‭ ‬إليكم‭ ‬جميعًا‭ ‬بوصفِكم‭ ‬أُمَّةً‭ ‬واحدَةً،‭ ‬ويستثمرونَ‭ ‬تنازُعَكم‭ ‬في‭ ‬إضعافِكم‭ ‬وتمزيقِ‭ ‬صفِّكم؛‭ ‬فكونوا‭ ‬كما‭ ‬أَرادَ‭ ‬اللهُ‭ ‬ لكم‭ ‬ووصفَكم‭ ‬في‭ ‬كتابِهِ‭:‬

﴿إِنَّ‭ ‬هَذِهِ‭ ‬أُمَّتُكُمْ‭ ‬أُمَّةً‭ ‬وَاحِدَةً‭ ‬وَأَنَا‭ ‬رَبُّكُمْ‭ ‬فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].

لنْ‭ ‬يُنقِذَ‭ ‬الأُمَّةَ‭ ‬شعارٌ‭ ‬بِلا‭ ‬صِدْقٍ‭ ‬وعمَلٍ،‭ ‬ولا‭ ‬مؤْتمراتٌ‭ ‬بِلا‭ ‬نتائِجَ،‭ ‬ولا‭ ‬قراراتٌ‭ ‬بِلا‭ ‬تنفيذٍ،‭ ‬ولا‭ ‬بياناتٌ‭ ‬بِلا‭ ‬مواقِفَ‭ ‬صادقَةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬دعواتٌ‭ ‬إلى‭ ‬الوحدَةِ‭ ‬يُناقضُها‭ ‬إقصاءُ‭ ‬الشُّركاءِ،‭ ‬والاستعلاءُ‭ ‬على‭ ‬المخالفينَ‭ ‬في‭ ‬دائرَةِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬والاجتهادِ‭ ‬السَّائغِ‭.‬

وإنَّما‭ ‬تجتمِعُ‭ ‬الأُمَّةُ‭ ‬حينَ‭ ‬يصدْقُ‭ ‬علماؤُها،‭ ‬ويتجرَّدُ‭ ‬دُعاتُها‭ ‬للحقِّ،‭ ‬ويتواضعُ‭ ‬قادتُها،‭ ‬ويتعاونُ‭ ‬أَبناؤُها،‭ ‬ويُقدِّمُ‭ ‬الجميعُ‭ ‬رضا‭ ‬اللهِ،‭ ‬ونُصرَةَ‭ ‬دينِهِ،‭ ‬ومصالحَ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬العُليا؛‭ ‬على›‭ ‬حظوظِ‭ ‬النُّفوسِ،‭ ‬ومكاسِبِ‭ ‬المناصِبِ،‭ ‬وعصبيَّاتِ‭ ‬الجماعاتِ‭ ‬والتَّنظيماتِ‭.‬

‭- ‬فيا‭ ‬علماءَ‭ ‬الأُمَّةِ‭: ‬اجمعوا‭ ‬أَبناءَكم‭ ‬قبلَ‭ ‬أَن‭ ‬تستفردَ‭ ‬بهم‭ ‬الفتنُ‭.‬

‭- ‬ويا‭ ‬قادةَ‭ ‬الجماعاتِ‭: ‬تنازلوا‭ ‬للحقِّ،‭ ‬لا‭ ‬عنِ‭ ‬الحقِّ‭.‬

‭- ‬ويا‭ ‬دُعاةَ‭ ‬الإسلامِ‭: ‬كونوا‭ ‬جسورًا‭ ‬للمودَّةِ،‭ ‬لا‭ ‬معاولَ‭ ‬للهدْمِ‭.‬

‭- ‬ويا‭ ‬أَبناءَ‭ ‬الأُمَّةِ‭ :‬أَطفِئوا‭ ‬نارَ‭ ‬الخُصُوماتِ،‭ ‬ولا‭ ‬تكونوا‭ ‬وقودًا‭ ‬لها‭.‬

اللَّهُمَّ‭ !‬أَلِّفْ‭ ‬بينَ‭ ‬قلوبِ‭ ‬المسلمينَ،‭ ‬وأَصلحْ‭ ‬ذاتَ‭ ‬بينِهم،‭ ‬واهدِهِم‭ ‬سُبُلَ‭ ‬السَّلامِ،‭ ‬واجمَعْ‭ ‬علماءَهم‭ ‬ودُعاتَهم‭ ‬وقادتَهم‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭ ‬والهُدى›،‭ ‬وارزقْهم‭ ‬الإخلاصَ‭ ‬والشَّجاعَةَ‭ ‬والحكْمَةَ‭ ‬والبصيرَةَ‭.‬

اللَّهُمَّ‭!‬ أَذهِبْ‭ ‬عنهم‭ ‬نزغاتِ‭ ‬الشَّيطانِ،‭ ‬وعصبيَّاتِ‭ ‬النُّفوسِ،‭ ‬وحُظُوظَ‭ ‬المناصِبِ‭ ‬والجماعاتِ،‭ ‬واجعلْهم‭ ‬مفاتيحَ‭ ‬للخيرِ،‭ ‬مغاليقَ‭ ‬للشَّرِّ،‭ ‬واجمَعْ‭ ‬كلمَةَ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬على›‭ ‬كتابِكَ‭ ‬وسُنَّةِ‭ ‬نبيِّكَ‭ # ‬وانصرْ‭ ‬بها‭ ‬المظلومينَ،‭ ‬واحفظْ‭ ‬بها‭ ‬الدِّينَ‭ ‬والدِّماءَ‭ ‬والأَعراضَ،‭ ‬إنَّكَ‭ ‬وليُّ‭ ‬ذلكَ‭ ‬والقادرُ‭ ‬عليهِ‭.‬

وصلَّى›‭ ‬اللهُ‭ ‬وسلَّمَ‭ ‬وباركَ‭ ‬على›‭ ‬نبيِّنا‭ ‬محمَّدٍ،‭ ‬وعلى›‭ ‬آلِهِ‭ ‬وصحبِهِ‭ ‬أَجمعينَ‭.‬

والحمدُ‭ $‬ِ‭ ‬الَّذي‭ ‬بنعمتِهِ‭ ‬تتمُّ‭ ‬الصَّالحاتُ‭.‬

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

١٦ صفر ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٨/١م

Previous
Previous

إصلاحُ المؤسَّساتِ؛ يبدأُ من صِدْقِ الأَمانَةِ..

Next
Next

‮»‬فقهُ‭ ‬المُباهلَةِ‭ ‬في‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬الإِسلاميَّةِ«‮‬