نداءُ الأُمَّةِ :لنجمَعِ الكلمَةَ على الحقِّ
الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ؛ الَّذي أَلَّفَ بينَ قلوبِ المؤمنينَ، وجعلَهم بنعمتِهِ إخوانًا، وأَمرَهم بالاعتصامِ بحبلِهِ جميعًا، ونهاهُم عنِ التَّنازُعِ والتَّفرُّقِ؛ لئلَّا تَفشَلَ قوَّتُهم، وتذهبَ ريحُهم، وتتبدَّدَ جماعتُهم.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ # نبيِّ الرَّحمَةِ وإمامِ الهُدى؛ الَّذي جمعَ اللهُ بهِ القلوبَ بعدَ شتاتِها، ووحَّدَ بهِ الصُّفوفَ بعدَ تناحُرِها، وأَخرجَ بهِ النَّاسَ من ظلماتِ الجاهليَّةِ إلى نورِ الإيمانِ؛ فأَقامَ بهم أُمَّةً، وأَسَّسَ لهم دولةً، وشادُوا على› هديِهِ حضارَةً امتدَّ عطاؤُها قرونًا طويلَةً، وحملَتْ إلى العالمِ مشاعِلَ العلْمِ والعدْلِ والرَّحمَةِ.
وعلى› آلِهِ الطيِّبينَ الطَّاهرينَ، وصحابتِهِ الغُرِّ الميامينَ؛ الَّذينَ نصرَ اللهُ بهم دينَهُ، وأَعلى› بهم كلمتَهُ، وثبَّتَ بهم أَركانَ دولَةِ الإسلامِ؛ فحملوا رسالتَهُ إلى العالَمينَ علمًا، وعمَلًا، وعدْلًا، ورحمَةً.
والصَّلاةُ والسَّلامُ موصولانِ على› مَنِ اهتدى› بهديِهِ، واقتفى› أَثرَهُ، وسارَ على› سُنَّتِهِ؛ وفي مقدِّمتِهم أَئمَّةُ القرونِ المفضَّلَةِ، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى› يومِ الدِّينِ، أَمَّا بعدُ:
يا علماءَ الأُمَّةِ !يا دُعاتَها! يا أَبناءَها الغَيورينَ!
إنَّ أُمَّةَ الإسلامِ تمرُّ بمرحلَةٍ من أَدقِّ مراحلِ تاريخِها:
فقدْ تكاثرتْ عليها الفتنُ، وتداعَتْ عليها الأُممُ، وتفرَّقتْ كلمتُها، وتنازعَتْ جماعاتُها، وضَعُفَتْ مرجعيَّاتُها الجامعَةُ؛ حتَّى صارَ كثيرٌ منَ المسلمينَ لا يدرونَ إلى› مَن يرجعونَ عندَ المُلِمَّاتِ، ولا بمَن يثقونَ عندَ اشتباهِ الرَّاياتِ واضطرابِ المواقفِ.
وليسَ أَشدَّ على الأُمَّةِ من عدوٍّ يتربَّصُ بها؛ إلَّا أَن تتنازعَ قواها، وتتبدَّدَ جهودُها، ويتحوَّلَ اختلافُها الدَّاخليُّ إلى› سلاحٍ يُستعمَلُ في إضعافِها.
قالَ اللهُ تعالى›: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
فربطَ سبحانه وتعالى بينَ التَّنازعِ والفشَلِ وذهابِ القوَّةِ؛ لأَنَّ الأُمَّةَ إذا استهلكتْ طاقتَها في صراعاتِها الدَّاخليَّةِ، لم يَعُدْ لديها منَ القوَّةِ ما تدفعُ بهِ عدوًّا، أَو تنصرُ بهِ مظلومًا، أَو تحفظُ بهِ دينًا وحقًّا.
- وإنَّ مِن أَعجَبِ ما نراهُ اليومَ :أَنَّ أَعداءَ الأُمَّةِ قدْ يتعاونونَ - مع اختلافِ أَديانِهم ومصالحِهم وتناقضِ مشاريعِهم - على› إضعافِ المسلمينَ وسَلْبِ حقوقِهم؛ بينما يعجزُ المسلمونَ عنِ التَّعاونِ فيما بينهم، معَ وحدَةِ قِبلتِهم وكتابِهم ونبيِّهم وأُصولِ دينِهم!
فكيفَ يتماسَكُ أَهلُ الباطلِ على› باطلِهم، ويفترقُ أَهلُ الحقِّ معَ اجتماعِهم على› أُصولِ الحقِّ؟!
الاجتماعُ فريضةٌ شرعيَّةٌ:
إنَّ جمعَ كلمَةِ المسلمينَ ليسَ شعارًا عاطفيًّا، ولا مشروعًا سياسيًّا موسميًّا، ولا مجاملَةً تنظيميَّةً؛ بلْ هو أَصلٌ عظيمٌ من أُصولِ الدِّينِ، وواجبٌ شرعيٌّ دلَّتْ عليهِ نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ.
قالَ اللهُ تعالى›: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقالَ تعالى›: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وقالَ تعالى›: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
وقالَ النَّبيُّ #: »المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا«.
وشبَّكَ # بينَ أَصابعِهِ. [متفق عليه].
- وقدْ قرَّرَ علماءُ الإسلامِ رحمهم الله أَنَّ تأْليفَ القلوبِ، واجتماعَ الكلمَةِ، وإصلاحَ ذاتِ البينِ؛ من أَعظَمِ أُصُولِ الدِّينِ ومقاصِدِ الشَّريعَةِ؛ إذْ لا تستَقيمُ مصالِحُ الأُمَّةِ، ولا تُصانُ قوَّتُها، ولا تقومُ لها قائمَةٌ معَ التَّنازعِ والتَّدابرِ؛ قالَ اللهُ تعالى›:
﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
- فجمَعُ الكلمَةِ عبادَةٌ، وإصلاحُ ذاتِ البينِ عبادَةٌ، وتقريبُ القلوبِ على الحقِّ عبادَةٌ، وإطفاءُ الفتنِ بينَ المسلمينَ عبادَةٌ، وبذْلُ الجاهِ لتوحيدِ الصُّفوفِ من أَجَلِّ القُرُباتِ.
الاجتماعُ على الحقِّ لا على› مجرَّدِ الشِّعاراتِ:
ولا بُدَّ من تقريرِ أَصْلٍ مهمٍّ: أَنَّ الاجتماعَ المحمودَ شرعًا ليسَ اجتماعًا على› حسابِ الدِّينِ، ولا وحدَةً تُسقِطُ العقيدَةَ والأَحكامَ، ولا تكتُّلًا يُميِّعُ الحقَّ والباطِلَ؛ فإنَّ اللهَ تعالى› قالَ:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾.
فجمَعَ سبحانه وتعالى بينَ أَصلينِ عظيمينِ: الاعتصامِ بحبْلِ اللهِ، والاجتماعِ عليهِ؛ فلا اجتماعَ محمودًا بغيرِ حقٍّ، ولا نُصرَةَ كاملَةً للحقِّ معَ تنازُعِ أَهلِهِ وتدابُرِهم.
ومن هُنا؛ ندْعو إلى› اجتماعٍ تكونُ مرجعيَّتُهُ الكتابَ والسُّنَّةَ، على› فهمِ الصَّحابَةِ والتَّابعينَ وأَئمَّةِ الهُدى›؛ اجتماعٍ يحفْظُ أُصُولَ الدِّينِ وثوابتَهُ، ويُقيمُ العَدْلَ، ويرحَمُ الخَلْقَ، ويمنَعُ الظُّلمَ والبغيَ والتَّكفيرَ بغيرِ حقٍّ.
كما ندْعو إلى التَّفريقِ بينَ الثَّوابتِ الَّتي لا تقبَلُ المساومَةَ، وبينَ مسائِلِ الاجتهادِ الَّتي وسِعَ فيها الخلافُ علماءَ الأُمَّةِ؛ فلا يجوزُ تحويلُ كلِّ خلافٍ فقهيٍّ أَو اجتهادٍ سياسيٍّ إلى› معركَةِ ولاءٍ وبراءٍ، ولا إلى› سبَبٍ للهجْرِ والتَّبديعِ والتَّشهيرِ وتفريقِ الصُّفوفِ.
فليسَ المطلوبُ أَن تتطابقَ الآراءُ في كلِّ جزئيَّةٍ؛ فهذا لم يقَعْ حتَّى› في عصورِ الصَّحابَةِ الكرامِ والأَئمَّةِ الأَعلامِ، ولكنَّ المطلوبَ أَن تتَّسعَ صُدُورُنا للخلافِ السَّائغِ، وأَلَّا نسمَحَ للفروعِ أَن تهدِمَ الأُصُولَ، ولا للمصالحِ الحزبيَّةِ أَن تقطَعَ أُخوَّةَ الإيمانِ.
العلماءُ آباءُ الأُمَّةِ ومرجعيَّتُها عندَ الفتنِ:
حينَ تضعفُ المرجعيَّاتُ الجامعَةُ، وتضطربُ المؤَسساتُ، وتتجاذَبُ الأُمَّةَ الرَّاياتُ والمشاريعُ؛ تَعظُمُ مسؤوليَّةُ العلماءِ الربَّانيِّينَ؛ فهم ورثَةُ الأَنبياءِ في البيانِ والهدايَةِ والإصلاحِ، لا في العصمَةِ ولا في السُّلطانِ.
والأُمَّةُ اليومَ أَحوجُ ما تكونُ إلى› علماءَ ربَّانيِّينَ كبارٍ، يعلونَ بمنهجِهم ومواقفِهم فوقَ العصبيَّاتِ الحزبيَّةِ والتَّنظيميَّةِ؛ فلا يكونونَ أَسرى› لجماعَةٍ، ولا أَبواقًا لسُلطَةٍ، ولا أَدواتٍ في صراعٍ سياسيٍّ، ولا شهودَ زورٍ على› ظُلمٍ أَو عدوانٍ؛ بلْ يكونُ ولاؤُهم للحقِّ، وميزانُهم الشَّرعَ، وغايتُهم رضا اللهِ تعالى وحفظُ الدِّينِ، وجمعُ كلمَةِ المسلمينَ.
إنَّ العالِمَ الربَّانيَّ؛ ينبغي أَن يكونَ كالأَبِ الحكيمِ بينَ أَبنائِهِ: يجمَعُ ولا يفرِّقُ، ويُصلِحُ ولا يؤَجِّجُ، وينصَحُ المخطئَ ولا يُسلمَهُ لخصومِهِ، ويقِفُ معَ الحقِّ دونَ محاباةٍ، ويحفظُ للأُمَّةِ ثوابتَها ودماءَها وأَعراضَها.
وليسَ مِن شأْنِ العالِمِ الربَّانيِّ؛ أَن يكونَ طرفًا صغيرًا في خصومَةٍ حزبيَّةٍ، بلْ واجبُهُ أَن يعلوَ بمنهجِهِ على الجماعاتِ والمشاربِ، وأَن يكونَ مرجعًا للجميعِ، وناصحًا للجميعِ، ومصلحًا بينَ الجميعِ.
- فإذا تحزَّبَ العلماءُ لكلِّ فريقٍ؛ فمَن يجمَعُ الأُمَّةَ؟
- وإذا صارَ العالمُ تابعًا للخصومَةِ؛ فمَن يطفئُ نارَها؟
- وإذا سكتَ أَهلُ العلْمِ عنِ البغي؛ فمَن يقولُ للظَالمِ: ظلمْتَ، وللمخطئِ:أَخطأْتَ، وللمتخاصمينَ :اتَّقوا اللهَ وأَصلحوا ذاتَ بينِكم؟
إنَّ الأُمَّةَ لا تحتاجُ إلى عالمٍ يزيدُها انقسامًا، وإنَّما تحتاجُ إلى› عالمٍ يردُّها إلى› ربِّها، ويجمعُها على› هديِ نبيِّها # ويمنَعُ أَن تتحوَّلَ دماءُ المسلمينَ وقضاياهم إلى› أَوراقٍ للمزايدَةِ الحزبيَّةِ والسياسيَّةِ.
نداءٌ إلى› كبارِ علماءِ الأُمَّةِ:
يا كبارَ علماءِ الأُمَّةِ!
إنَّ مقامَكم اليومَ عظيمٌ، وأَمانتَكم ثقيلَةٌ، وصمتَكمْ عندَ اشتدادِ التَّنازعِ قدْ يُفسحُ المجالَ لأَهلِ الجهْلِ والغُلُوِّ والهوى›؛ فبادِروا إلى› تشكيلِ مرجعيَّةٍ علميَّةٍ مستقلَّةٍ، جامعَةٍ، قويَّةٍ، لا تخضَعُ لإملاءِ حزبٍ، ولا لإرادَةِ دولَةٍ، ولا لتمويلِ جهَةٍ، تُجمَعُ فيها الكفاءاتُ العلميَّةُ الموثوقَةُ من مختلَفِ بلادِ المسلمينَ؛ لتقومَ بما يلي:
- جمعِ كلمَةِ العلماءِ على› أُصولِ الدِّينِ وكليَّاتِ الشَّريعَةِ.
- بيانِ المواقفِ الشَّرعيَّةِ في النَّوازلِ الكُبرى› بلسانٍ علميٍّ واحدٍ قدْرَ المستطاعِ.
- الإصلاحِ بينَ الجماعاتِ والمؤسساتِ والدُّعاةِ.
- حمايَةِ دماءِ المسلمينَ وأَعراضِهم منَ الفتاوى المتعجِّلَةِ والخطاباتِ المحرِّضَةِ.
- مواجهَةِ الغُلُوِّ والتَّكفيرِ والتَّمييعِ والطَّائفيَّةِ والارتهانِ السِّياسيِّ.
- نصرَةِ المستضعفينَ، والدِّفاعِ عن قضايا المسلمينَ بالعلْمِ والحكمةِ والوسائِلِ المشروعَةِ.
- تربيَةِ الأَجيالِ على› أَدَبِ الاختلافِ، وحُرمَةِ الدِّماءِ، وفقهِ المآلاتِ، وتقديمِ المصالحِ العامَّةِ على المكاسبِ الحزبيَّةِ.
ولا تنتظروا أَن تأْتيَ المبادرَةُ منَ السَّاسَةِ؛ فإنَّ كثيرًا منَ السَّياسَةِ محكومٌ بالمصالحِ المتغيِّرَةِ، أَمَّا العلماءُ الربَّانيُّونَ فمهمَّتُهم أَن يحرسوا الثَّوابتَ، ويحفظوا الضَّميرَ الشَّرعيَّ للأُمَّةِ، ويقولوا كلمَةَ الحقِّ للجميعِ.
نداءٌ إلى› الجماعاتِ والمؤَسساتِ الإسلاميَّةِ:
يا قادَةَ الجماعاتِ والمؤَسساتِ!
إنَّ الجماعَةَ وسيلَةٌ لخدمَةِ الإسلامِ، وليسَتْ هيَ الإسلامَ كلَّهُ، والتَّنظيمُ وسيلَةٌ لإقامَةِ الواجِبِ، وليسَ غايَةً تُقدَّمُ على› مصلحَةِ الأُمَّةِ.
فاتَّقوا اللهَ في أُمَّةِ محمَّدٍ !# ولا تجعلوا الولاءَ للتَّنظيمِ مقدَّمًا على الولاءِ للحقِّ، ولا تجعلوا الخلافَ معَ جماعتِكم خلافًا معَ الإسلامِ، ولا تستأْثروا بالمشهدِ، ولا تحتكروا الصَّوابَ، ولا تُسقِطوا فضْلَ غيرِكم.
اجتمعوا على المشروعاتِ الكُبرى›، وتعاونوا في المتَّفقِ عليهِ، وتحاوروا بالحُجَّةِ في المختلفِ فيهِ، واعذروا بعضَكم بعضًا في مسائِلِ الاجتهادِ السَّائِغِ، وأَغلقوا أَبوابَ التَّشهيرِ والتَّخوينِ والتَّحريضِ المتبادلِ، وليكنْ شعارُكم قولَ اللهِ تباركَ وتعالى›:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وما واجِبُ كلِّ مسلمٍ؟
جمْعُ كلمَةِ المسلمينَ ليسَ مسؤوليَّةَ العلماءِ وحدَهم، وإنْ كانَتْ مسؤوليَّتُهم أَعظمَ؛ بلْ لكلِّ مسلمٍ ثغرٌ يستطيعُ أَن يقفَ عليهِ.
وأَقلُّ ما يجِبُ على المسلمِ في هذا البابِ:
أَوَّلًا- أَن يُصلِحَ قلبَهُ منَ الحقدِ والعصبيَّةِ:
فإنَّ التفرُّقَ يبدَأُ من قلوبٍ امتلأَتْ بالكِبْرِ والحسَدِ وحُبِّ الغلبَةِ والانتصارِ للنَّفسِ.
ثانيًا- أَن يحفظَ لسانَهُ وقلمَهُ:
فلا ينقلْ شائعَةً، ولا ينشرْ تهمَةً، ولا يشارِكْ في إسقاطِ العلماءِ والدُّعاةِ، ولا يجعلْ حسابَهُ منبرًا للفتنَةِ والخصوماتِ.
ثالثًا- أَن يُصلحَ ما يستطيعُ إصلاحَهُ:
بينَ أَخوينِ، أَو أُسرتينِ، أَو جماعتينِ، أَو عالمينِ، أَو مؤسَّستينِ؛ قالَ تعالى›:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
رابعًا- أَن يتعاونَ معَ المسلمينَ في الحقِّ والخيرِ:
فلا يمنعْهُ اختلافُهُ معَ شخصٍ أَو جماعَةٍ في بعضِ المسائِلِ منَ التَّعاونِ معهم في نصرَةِ مظلومٍ، أَو تعليمِ جاهِلٍ، أَو إغاثَةِ منكوبٍ، أَو دفْعِ عدوانٍ.
خامسًا- أَن يُقدِّمَ مصلحَةَ الأُمَّةِ على› حظوظِ النَّفسِ والحزبِ:
فليسَ كلُّ انتصارٍ للنَّفسِ انتصارًا للدِّينِ، وقدْ يكسبُ المرءُ جدلًا ويخسرُ قلبًا، أَو يُضعفُ صفًّا، أَو يفتحُ بابَ فتنَةٍ لا يستطيعُ إغلاقَهُ.
سادسًا- أَن يدعوَ للعلماءِ بالصَّلاحِ والاجتماعِ، وأَن ينصحَهم بأَدَبٍ:
فالعلماءُ بشرٌ يُصيبونَ ويخطئونَ؛ لكنَّ إصلاحَهم يكونُ بالنَّصيحَةِ الصَّادقَةِ، لا بالسَبِّ والتَّشهيرِ وإسقاطِ الهيبَةِ العلميَّةِ.
سابعًا- أَن يخطوَ خطوةً عمليَّةً:
زيارَةٌ تُعيدُ المودَّةَ، أَو اعتذارٌ ينهي خصومَةً، أَو كلمَةٌ تُطفئُ فتنَةً، أَو لقاءٌ يجمَعُ متخاصمَينِ، أَو مشروعٌ مشتركٌ يخدمُ المسلمينَ.
فلا يقُلْ أَحدٌ :ماذا أَستطيعُ أَن أَفعلَ والأُمَّةُ متفرِّقةٌ؟ بلْ ليبدَأْ بنفسِهِ وبيتِهِ ومحيطِهِ؛ فإنَّ اجتماعَ الأُمَّةِ يبدأُ من اجتماعِ القلوبِ، وإصلاحُ الكبيرِ يبدَأُ بخطواتٍ صغيرَةٍ صادقَةٍ.
كلمَةٌ أَخيرَةٌ:
يا أُمَّةَ الإسلامِ!
إنَّ أَعداءَكم لنْ يرحموا ضعفَكم، ولنْ يَرْعَوا حرمَةَ اختلافِكم، ولنْ يُميِّزوا حينَ يستهدفونَكم بينَ جماعَةٍ وأُخرى›، ولا بينَ مذهَبٍ وآخرَ، ولا بينَ تنظيمٍ وآخرَ.
بلْ ينظرونَ إليكم جميعًا بوصفِكم أُمَّةً واحدَةً، ويستثمرونَ تنازُعَكم في إضعافِكم وتمزيقِ صفِّكم؛ فكونوا كما أَرادَ اللهُ لكم ووصفَكم في كتابِهِ:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].
لنْ يُنقِذَ الأُمَّةَ شعارٌ بِلا صِدْقٍ وعمَلٍ، ولا مؤْتمراتٌ بِلا نتائِجَ، ولا قراراتٌ بِلا تنفيذٍ، ولا بياناتٌ بِلا مواقِفَ صادقَةٍ، ولا دعواتٌ إلى الوحدَةِ يُناقضُها إقصاءُ الشُّركاءِ، والاستعلاءُ على المخالفينَ في دائرَةِ الإسلامِ والاجتهادِ السَّائغِ.
وإنَّما تجتمِعُ الأُمَّةُ حينَ يصدْقُ علماؤُها، ويتجرَّدُ دُعاتُها للحقِّ، ويتواضعُ قادتُها، ويتعاونُ أَبناؤُها، ويُقدِّمُ الجميعُ رضا اللهِ، ونُصرَةَ دينِهِ، ومصالحَ الأُمَّةِ العُليا؛ على› حظوظِ النُّفوسِ، ومكاسِبِ المناصِبِ، وعصبيَّاتِ الجماعاتِ والتَّنظيماتِ.
- فيا علماءَ الأُمَّةِ: اجمعوا أَبناءَكم قبلَ أَن تستفردَ بهم الفتنُ.
- ويا قادةَ الجماعاتِ: تنازلوا للحقِّ، لا عنِ الحقِّ.
- ويا دُعاةَ الإسلامِ: كونوا جسورًا للمودَّةِ، لا معاولَ للهدْمِ.
- ويا أَبناءَ الأُمَّةِ :أَطفِئوا نارَ الخُصُوماتِ، ولا تكونوا وقودًا لها.
اللَّهُمَّ !أَلِّفْ بينَ قلوبِ المسلمينَ، وأَصلحْ ذاتَ بينِهم، واهدِهِم سُبُلَ السَّلامِ، واجمَعْ علماءَهم ودُعاتَهم وقادتَهم على الحقِّ والهُدى›، وارزقْهم الإخلاصَ والشَّجاعَةَ والحكْمَةَ والبصيرَةَ.
اللَّهُمَّ! أَذهِبْ عنهم نزغاتِ الشَّيطانِ، وعصبيَّاتِ النُّفوسِ، وحُظُوظَ المناصِبِ والجماعاتِ، واجعلْهم مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشَّرِّ، واجمَعْ كلمَةَ الأُمَّةِ على› كتابِكَ وسُنَّةِ نبيِّكَ # وانصرْ بها المظلومينَ، واحفظْ بها الدِّينَ والدِّماءَ والأَعراضَ، إنَّكَ وليُّ ذلكَ والقادرُ عليهِ.
وصلَّى› اللهُ وسلَّمَ وباركَ على› نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى› آلِهِ وصحبِهِ أَجمعينَ.
والحمدُ $ِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
١٦ صفر ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٨/١م

