‮»‬فقهُ‭ ‬المُباهلَةِ‭ ‬في‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬الإِسلاميَّةِ«‮‬

مشروعيَّتُها،‭ ‬وشروطُها،‭ ‬وضوابطُها،‭ ‬وخطرُ‭ ‬التَّوسُّعِ‭ ‬فيها

الحمدُ‭ ‬للهِ،‭ ‬والصَّلاةُ‭ ‬والسَّلامُ‭ ‬على›‭ ‬رَسُولِ‭ ‬اللهِ،‭ ‬وعلى›‭ ‬آلِهِ‭ ‬وصَحْبِهِ‭ ‬ومَن‭ ‬والاهُ،‭ ‬أَمَّا‭ ‬بعدُ‭:‬

أَخي‭ ‬المسلمَ‭ ‬اللَّبيبَ‭!‬

فقد‭ ‬كثُرَ‭ ‬في‭ ‬زمانِنا‭ ‬‭- ‬ولا‭ ‬سيَّما‭ ‬في‭ ‬ساحاتِ‭ ‬الجدَلِ‭ ‬ومواقعِ‭ ‬التَّواصلِ‭ ‬الاجتماعيِّ‭ -‬‭ ‬أَن‭ ‬يدعوَ‭ ‬بعضُ‭ ‬المتخاصمينَ‭ ‬بعضًا‭ ‬إلى‭ ‬‮‬»المباهَلَةِ«‮‬‭ ‬عندَ‭ ‬كلِّ‭ ‬نزاعٍ،‭ ‬أَو‭ ‬اختلافٍ،‭ ‬أَو‭ ‬اتِّهامٍ،‭ ‬أَو‭ ‬مسأَلَةٍ‭ ‬اجتهاديَّةٍ؛‭ ‬حتَّى‭ ‬تحوَّلَتْ‭ ‬عندَ‭ ‬بعضِهم‭ ‬من‭ ‬وسيلَةٍ‭ ‬شرعيَّةٍ‭ ‬استثنائيَّةٍ‭ ‬لها‭ ‬مقامُها‭ ‬وشروطُها،‭ ‬إلى‭ ‬أَداةٍ‭ ‬للضَّغْطِ‭ ‬النَّفسيِّ،‭ ‬وإظهارِ‭ ‬الثِّقَةِ،‭ ‬وإحراجِ‭ ‬الخصْمِ،‭ ‬واستجلابِ‭ ‬المتابعينَ،‭ ‬والانتصارِ‭ ‬في‭ ‬ساحاتِ‭ ‬الجدَلِ‭.‬

وهذا‭ ‬مسلكٌ‭ ‬بعيدٌ‭ ‬عن‭» ‬‮‬فقهِ‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬ومقاصدِها«؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬المباهلَةَ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬لعبَةً‭ ‬لفظيَّةً،‭ ‬ولا‭ ‬لونًا‭ ‬من‭ ‬أَلوانِ‭ ‬التَّحدِّي‭ ‬والمغالبَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬ميدانًا‭ ‬للمغامَرَةِ‭ ‬بالدُّعاءِ‭ ‬واللَّعْنِ،‭ ‬ولا‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬العلْمِ‭ ‬والحجَّةِ‭ ‬والبيِّنَةِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬هي‭ ‬مقامٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬خطيرٌ‭ ‬لا‭ ‬يُصارُ‭ ‬إليهِ‭ ‬إلَّا‭ ‬بعدَ‭ ‬استنفادِ‭ ‬وسائلِ‭ ‬البيانِ،‭ ‬وإقامَةِ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬وبذْلِ‭ ‬النُّصْحِ،‭ ‬وإزالَةِ‭ ‬الشُّبَهِ،‭ ‬وظُهُورِ‭ ‬العنادِ‭ ‬والإصرارِ‭ ‬على‭ ‬الباطِلِ‭.‬

ولكي‭ ‬نُحيطَ‭ ‬بهذِهِ‭ ‬المسأَلَةِ‭ ‬إحاطَةً‭ ‬علميَّةً،‭ ‬ونفهمَ‭ ‬فقهَها‭ ‬فهمًا‭ ‬صحيحًا؛‭ ‬فلا‭ ‬بُدَّ‭ ‬من‭ ‬بسْطِ‭ ‬القولِ‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬خلالِ‭ ‬جملَةٍ‭ ‬منَ‭ ‬المحاورِ،‭ ‬من‭ ‬أَهمِّها‭:‬

تعريفُ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬وبيانُ‭ ‬حقيقتِها،‭ ‬وأَصلُ‭ ‬مشروعيتِها،‭ ‬وحكْمُها،‭ ‬ومقاصدُها‭ ‬الشرعيَّةُ‭ ‬والحكْمَةُ‭ ‬من‭ ‬مشروعيتِها،‭ ‬وشروطُها‭ ‬وضوابطُها‭ ‬وموانعُها،‭ ‬والمسائلُ‭ ‬التي‭ ‬تُشرعُ‭ ‬فيها،‭ ‬ومَن‭ ‬يملكُ‭ ‬الدَّعوَةَ‭ ‬إليها،‭ ‬والفرقُ‭ ‬بينَ‭ ‬المباهلةِ‭ ‬واللِّعانِ‭ ‬واليمينِ‭ ‬والدُّعاءِ‭ ‬على‭ ‬الظَّالمِ،‭ ‬وصيغتُها‭ ‬وزمانُها‭ ‬ومكانُها،‭ ‬وآثارُها‭ ‬ومآلاتُها،‭ ‬وأَخطاءُ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬المعاصرَةِ،‭ ‬والمنهجُ‭ ‬الشَّرعيُّ‭ ‬الواجِبُ‭ ‬اتِّباعُهُ‭ ‬قبلَ‭ ‬الانتقالِ‭ ‬إليها‭.‬

وبتحريرِ‭ ‬هذِهِ‭ ‬المحاورِ‭ ‬يتبيَّنُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬المباهَلَةَ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬بابًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬لكلِّ‭ ‬مختلفَينَ،‭ ‬ولا‭ ‬وسيلَةً‭ ‬معتادَةً‭ ‬لحسْمِ‭ ‬المنازعاتِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬هيَ‭ ‬اسْتِثناءٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬مضبوطٌ،‭ ‬لا‭ ‬يُلجأُ‭ ‬إليهِ‭ ‬إلَّا‭ ‬في‭ ‬موضعِهِ،‭ ‬وبعدَ‭ ‬تحقُّقِ‭ ‬شروطِهِ‭ ‬وانتفاءِ‭ ‬موانعِهِ‭.‬

أَوَّلًا‭- ‬معنَى‭ ‬المباهَلَةِ،‭ ‬وبيانُ‭ ‬حقيقتِها‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭:‬

‮‬‭ -١ ‬المباهَلَةُ‭ ‬في‭ ‬اللُّغَةِ‭: ‬

مأْخوذَةٌ‭ ‬منَ ‭»‬البَهْلِ«‮‬‭ ‬وهو‭ ‬التَّرْكُ‭ ‬والتَّخْلِيَةُ،‭ ‬ويأْتي‭ ‬بمعنَى‭ ‬اللَّعْنِ‭ ‬والإبعادِ‭ ‬عن‭ ‬رحمَةِ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭.‬

وأَمَّا‭» ‬‮‬الابْتِهالُ«‮ ‬فهو‭ ‬التَّضرُّعُ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ،‭ ‬والاجتهادُ‭ ‬والإخلاصُ‭ ‬في‭ ‬الدُّعاءِ‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬والمباهَلَةُ‭ ‬في‭ ‬الاصطلاحِ‭:‬

أَن‭ ‬يجتمَعَ‭ ‬المختلفانِ‭ ‬في‭ ‬أَمرٍ‭ ‬في‭ ‬أمرٍ‭ ‬عظيمٍ‭ ‬من‭ ‬أُمورِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬بعدَ‭ ‬ظُهُورِ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬ووضوحِ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬واسْتمرارِ‭ ‬أَحدِهما‭ ‬على‭ ‬العِنادِ‭ ‬والمكابرَةِ؛‭ ‬فيدْعوَ‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهما‭ ‬اللهَ‭ ‬تعالى›‭ ‬أَن‭ ‬يجعَلَ‭ ‬لعنتَهُ‭ ‬وعقوبتَهُ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬المبطِلِ‭ ‬منهما‭.‬

‭ -‬فليسَتِ‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬مجرَّدَ‭ ‬أَن‭ ‬يقولَ‭ ‬أَحدُ‭ ‬المتخاصمَينِ‭ ‬للآخرِ:‭) ‬باهِلْني).

‭-‬ ولا‭ ‬هيَ‭ ‬مجرَّدُ‭ ‬الحلْفِ‭ ‬باللهِ‭ ‬تعالى›‭ ‬على‭ ‬صِدْقِ‭ ‬الدَّعوى›‭.‬

وإنَّما‭ ‬حقيقتُها‭ :‬دعاءٌ‭ ‬متبادَلٌ‭ ‬وابْتهالٌ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭ ‬بأَن‭ ‬يُنزِلَ‭ ‬لعنتَهُ‭ ‬وعقوبتَهُ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬المتعمِّدِ‭ ‬في‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬المتنازَعِ‭ ‬فيها‭.‬

ومن‭ ‬هُنا؛‭ ‬يتبيَّنُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬المباهَلَةَ‭ ‬أَغلَظُ‭ ‬من‭ ‬مجرَّدِ‭ ‬اليمينِ،‭ ‬وأَخطَرُ‭ ‬من‭ ‬مطلَقِ‭ ‬الدُّعاءِ‭!‬

لأَنَّ‭ ‬المتباهَلَ‭ ‬يُعرِّضُ‭ ‬نفسَهُ‭ ‬للَّعنَةِ‭ ‬والعقوبَةِ‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬كاذِبًا‭ ‬أَو‭ ‬متعمِّدًا‭ ‬للباطِلِ،‭ ‬ولذلكَ‭ ‬لم‭ ‬تكُنْ‭ ‬بابًا‭ ‬للتَّجربَةِ‭ ‬أَو‭ ‬المغالبَةِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬مقامًا‭ ‬شرعيًّا‭ ‬بالِغَ‭ ‬الخُطُورَةِ‭ ‬لا‭ ‬يدخُلُهُ‭ ‬العاقِلُ‭ ‬إلَّا‭ ‬بعلْمٍ‭ ‬ويقينٍ‭ ‬وورَعٍ‭.‬

ثانيًا‭ -‬أَصْلُ‭ ‬مشروعيَّةِ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬منَ‭ ‬القرآنِ‭ ‬الكريمِ‭ ‬والسُّنَّةِ‭ ‬النَّبويَّةِ‭:‬

الأَصْلُ‭ ‬في‭ ‬مشروعيَّةِ‭ ‬المباهَلَةِ؛‭ ‬قولُ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭ ‬في‭ ‬شأْنِ‭ ‬محاجَّةِ‭» ‬‮‬نصارى›‭ ‬نجرانَ«‮‬‭ ‬للنَّبيِّ‭ # ‬في‭ ‬حقيقَةِ‭ ‬عيسَى›‭ ‬ابنِ‭ ‬مريمَ‭‭: ‬

﴿فَمَنْ‭ ‬حَاجَّكَ‭ ‬فِيهِ‭ ‬مِنْ‭ ‬بَعْدِ‭ ‬مَا‭ ‬جَاءَكَ‭ ‬مِنَ‭ ‬الْعِلْمِ‭ ‬فَقُلْ‭ ‬تَعَالَوْا‭ ‬نَدْعُ‭ ‬أَبْنَاءَنَا‭ ‬وَأَبْنَاءَكُمْ‭ ‬وَنِسَاءَنَا‭ ‬وَنِسَاءَكُمْ‭ ‬وَأَنْفُسَنَا‭ ‬وَأَنْفُسَكُمْ‭ ‬ثُمَّ‭ ‬نَبْتَهِلْ‭ ‬فَنَجْعَلْ‭ ‬لَعْنَتَ‭ ‬اللهِ‭ ‬عَلَى‭ ‬الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].

وقدْ‭ ‬جاءَتِ‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬في‭ ‬هذِهِ‭ ‬الآيَةِ؛‭ ‬بعدَ‭ ‬العلْمِ،‭ ‬والمحاجَّةِ،‭ ‬والبيانِ،‭ ‬وإقامَةِ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬وظُهُورِ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬لا‭ ‬قبلَ‭ ‬ذلكَ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬قولَهُ‭ ‬تعالى‭: ‬﴿مِنْ‭ ‬بَعْدِ‭ ‬مَا‭ ‬جَاءَكَ‭ ‬مِنَ‭ ‬الْعِلْمِ﴾‭: ‬يدُلُّ‭ ‬دلالَةً‭ ‬ظاهرَةً‭ ‬على›‭ ‬أَنَّ‭ ‬المباهَلَةَ‭ ‬لا‭ ‬تُشرعُ‭ ‬عندَ‭ ‬الاشتباهِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُبنى›‭ ‬على‭ ‬الظُّنونِ‭ ‬والاحتمالاتِ،‭ ‬ولا‭ ‬يُلجأُ‭ ‬إليها‭ ‬قبلَ‭ ‬اسْتفراغِ‭ ‬الوُسْعِ‭ ‬في‭ ‬البيانِ‭ ‬والمحاجَّةِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬تكونُ‭ ‬بعدَ‭ ‬ثبوتِ‭ ‬العلْمِ،‭ ‬ووضوحِ‭ ‬البرهانِ،‭ ‬وقيامِ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬واسْتمرارِ‭ ‬المخالِفِ‭ ‬على‭ ‬العِنادِ‭ ‬والمكابرَةِ‭.‬

وقدْ‭ ‬بيَّنَ‭ ‬المفسِّرونَ؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الآيَةَ‭ ‬نزلَتْ‭ ‬في‭ ‬وفْدِ‭ ‬‮‬»نصارى›‭ ‬نجرانَ«‮‬‭ ‬حينَ‭ ‬حاجُّوا‭ ‬النَّبيَّ‭ # ‬في‭ ‬شأْنِ‭ ‬عيسى›؛‭ ‬فأَقامَ‭ ‬عليهم‭ ‬الحُجَّةَ،‭ ‬وبيَّنَ‭ ‬لهم‭ ‬أَنَّ‭ ‬عيسى›‭ ‬عبدُ‭ ‬اللهِ‭ ‬ورسولُهُ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬خَلْقَهُ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬أَبٍ‭ ‬لا‭ ‬يقتضي‭ ‬أُلُوهيَّتَهِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬آدمَ‭ ‬‭ ‬خُلِقَ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬أَبٍ‭ ‬ولا‭ ‬أُمٍّ،‭ ‬كما‭ ‬قالَ‭ ‬تعالى‭ ‬قبلَ‭ ‬آيَةِ‭ ‬المباهَلَةِ‭:‬

﴿إِنَّ‭ ‬مَثَلَ‭ ‬عِيسَى‭ ‬عِنْدَ‭ ‬اللهِ‭ ‬كَمَثَلِ‭ ‬آدَمَ‭ ‬خَلَقَهُ‭ ‬مِنْ‭ ‬تُرَابٍ‭ ‬ثُمَّ‭ ‬قَالَ‭ ‬لَهُ‭ ‬كُنْ‭ ‬فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].

فلمَّا‭ ‬لم‭ ‬يرجعوا‭ ‬بعدَ‭ ‬ظهورِ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬دُعُوا‭ ‬إلى‭ ‬المباهَلَةِ؛‭ ‬فدَلَّ‭ ‬ذلكَ‭ ‬على›‭ ‬أَنَّها‭ ‬مرحلَةٌ‭ ‬لاحقَةٌ‭ ‬للبيانِ،‭ ‬وليسَتْ‭ ‬وسيلَةً‭ ‬ابتدائيَّةً‭ ‬في‭ ‬المناظرَةِ‭ ‬والخلافِ‭.‬

وقدْ‭ ‬ثبَتَ‭ ‬في‭ ‬‮‬»صحيحِ‭ ‬البُخاريِّ«‮‬‭ ‬أَنَّ‭ ‬العاقِبَ‭ ‬والسَّيِّدَ،‭ ‬وهُما‭ ‬من‭ ‬رؤَساءِ‭ ‬وفدِ‭ ‬نجرانَ‭ ‬وأَكابِرِ‭ ‬النَّصارى›‭ ‬في‭ ‬قومِهما؛‭ ‬قدِما‭ ‬على‭ ‬النَّبيِّ ‭ #‬فيمَن‭ ‬قدِمَ‭ ‬منَ‭ ‬الوفْدِ‭ .‬وقدْ‭ ‬ذكَرَ‭ ‬أَهلُ‭ ‬السِّيَرِ‭ ‬أَنَّ‭ ‬السَّيِّدَ؛‭ ‬كانَ‭ ‬صاحِبَ‭ ‬رَحْلِهم‭ ‬ومجتمعِهم،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬العاقِبَ؛‭ ‬كانَ‭ ‬أَميرَ‭ ‬القومِ‭ ‬وصاحِبَ‭ ‬مشورتِهم‭.‬

فلمَّا‭ ‬دعاهما‭ ‬النَّبيُّ‭ # ‬إلى‭ ‬المباهَلَةِ،‭ ‬قالَ‭ ‬أَحدُهما‭ ‬لصاحبِهِ‭:‬ لا‭ ‬تفعَلْ؛‭ ‬فواللهِ‭!‬ لئِنْ‭ ‬كانَ‭ ‬نبيًّا‭ ‬فلاعنَنا،‭ ‬لا‭ ‬نفلَحُ‭ ‬نحنُ‭ ‬ولا‭ ‬عَقِبُنا‭ ‬من‭ ‬بعدِنا؛ ‭‬‭ ‬فهابَا‭ ‬عاقبَةَ‭ ‬المباهَلَةِ،‭ ‬وامتنعَا‭ ‬منها،‭ ‬واختارَا‭ ‬المصالحَةَ،‭ ‬وسأَلَا‭ ‬النَّبيَّ‭ # ‬أَن‭ ‬يبعَثَ‭ ‬معهما‭ ‬رجلًا‭ ‬أَمينًا‭ ‬يقضي‭ ‬بينَهم؛‭ ‬فبعَثَ‭ ‬معهما‭ ‬أَبا‭ ‬عبيدَةَ‭ ‬بنَ‭ ‬الجرَّاحِ‭ ‬ رضي الله عنه.‬

وفي‭ ‬امتناعِهما‭ ‬عنَ‭ ‬المباهَلَةِ،‭ ‬معَ‭ ‬ما‭ ‬كانَ‭ ‬لهما‭ ‬منَ‭ ‬الرِّئاسَةِ‭ ‬والمنزلَةِ‭ ‬في‭ ‬قومِهما؛‭ ‬دلالَةٌ‭ ‬ظاهرَةٌ‭ ‬على›‭ ‬أَنَّهما‭ ‬أَدرَكَا‭ ‬خطورَةَ‭ ‬هذا‭ ‬المقامِ،‭ ‬وخشِيَا‭ ‬أَن‭ ‬تنزِلَ‭ ‬بهما‭ ‬وبأَعقابِهما‭ ‬عقوبَةُ‭ ‬اللهِ‭ ‬إن‭ ‬كانا‭ ‬على‭ ‬الباطِلِ‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬دليلٌ‭ ‬على›‭ ‬عِظَمِ‭ ‬شأْنِ‭ ‬المباهلَةِ،‭ ‬وشدَّةِ‭ ‬خطرِها،‭ ‬وأَنَّها‭ ‬ليسَتْ‭ ‬مجرَّدَ‭ ‬خصومَةٍ‭ ‬لفظيَّةٍ‭ ‬أَو‭ ‬تحَدٍّ‭ ‬عابِرٍ؛‭ ‬بلْ‭ ‬دعاءٌ‭ ‬صادِقٌ‭ ‬بأَن‭ ‬تنزِلَ‭ ‬لعنَةُ‭ ‬اللهِ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬المبطِلِ،‭ ‬ولذلكَ‭ ‬هابَها‭ ‬أُولئكَ‭ ‬القومُ‭ ‬حينَ‭ ‬علِمُوا‭ ‬صِدْقَ‭ ‬النَّبيِّ‭ # ‬وخَشُوا‭ ‬عاقبَةَ‭ ‬الإقدامِ‭ ‬عليها‭.‬

ومن‭ ‬تدبُّرِ‭ ‬سياقِ‭ ‬الآياتِ‭ ‬يتبيَّنُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬التَّرتيبَ‭ ‬الشَّرعيَّ‭ ‬في‭ ‬بابِ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬هو‭:‬

العلْمُ‭ ‬أَوَّلًا،‭ ‬ثمَّ‭ ‬إقامَةُ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬ثمَّ‭ ‬البيانُ‭ ‬وإزالَةُ‭ ‬الشُّبهَةِ،‭ ‬ثمَّ‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬عندَ‭ ‬ظُهُورِ‭ ‬العِنادِ‭ ‬والإصرارِ‭ ‬على‭ ‬الباطِلِ؛‭ ‬فمَن‭ ‬قفزَ‭ ‬إلى‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬قبْلَ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والبيانِ،‭ ‬أَو‭ ‬جعلَها‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬الدَّليلِ‭ ‬والبُرهانِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬خالَفَ‭ ‬المنهجَ‭ ‬الَّذي‭ ‬دَلَّ‭ ‬عليهِ‭ ‬ترتيبُ‭ ‬القُرآنِ‭ ‬الكريمِ‭.‬

ثالثًا‭ -‬هلِ‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬خاصَّةٌ‭ ‬بالنَّبيِّ ‭ #‬؟

ليسَتِ‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬خاصَّةً‭ ‬بالنَّبيِّ‭ # ‬على‭ ‬الرَّاجِحِ‭ ‬من‭ ‬أَقوالِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬أَصْلُ‭ ‬مشروعيَّتِها‭ ‬باقٍ‭ ‬في‭ ‬حقِّ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬من‭ ‬بعدِهِ؛‭ ‬متى›‭ ‬تحقَّقَتْ‭ ‬أَسبابُها،‭ ‬واسْتُوفيتْ‭ ‬شروطُها،‭ ‬وانْتفَتْ‭ ‬موانعُها‭. ‬

وأَنَّ‭ ‬وقوعَها‭ ‬معَ‭» ‬‮‬نصارى›‭ ‬نجرانَ«‮‬‭ ‬كانَ‭ ‬تطبيقًا‭ ‬لحكمِ‭ ‬الآيَةِ‭ ‬وتنزيلًا‭ ‬لَهُ‭ ‬على›‭ ‬واقعَةٍ‭ ‬معيَّنَةٍ؛‭ ‬لا‭ ‬دليلًا‭ ‬على›‭ ‬حصرِها‭ ‬فيهم،‭ ‬ولا‭ ‬على›‭ ‬اختصاصِها‭ ‬بزَمَنِ‭ ‬النُّبوَّةِ‭.‬

قالَ‭ ‬العلَّامَّةُ‭ ‬ابنُ‭ ‬القيِّمِ: ‭)‬السُّنَّةُ‭ ‬في‭ ‬مجادلَةِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬الباطِلِ‭ ‬إذا‭ ‬قامَتْ‭ ‬عليهم‭ ‬حجَّةُ‭ ‬اللهِ،‭ ‬ولم‭ ‬يرجَعوا،‭ ‬بلْ‭ ‬أَصرُّوا‭ ‬على‭ ‬العِنادِ؛‭ ‬أَن‭ ‬يدْعُوَهم‭ ‬إلى‭ ‬المباهلَةِ،‭ ‬وقدْ‭ ‬أَمرَ‭ ‬اللهُ‭ ‬عز وجل‭ ‬بذلكَ‭ ‬رَسُولَهُ،‭ ‬ولم‭ ‬يقلْ‭ :‬إنَّ‭ ‬ذلكَ‭ ‬ليسَ‭ ‬لأُمَّتِكَ‭ ‬من‭ ‬بعدِكَ). [زاد المعاد في هدي خير العباد: ج٣، ص٥٦١].

غيرَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬القولَ‭ ‬ببقاءِ‭ ‬مشروعيَّتِها‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أَنَّ‭ ‬بابَها‭ ‬مفتوحٌ‭ ‬لكلِّ‭ ‬أَحَدٍ،‭ ‬ولا‭ ‬أَنَّها‭ ‬تُستعمَلُ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬خلافٍ‭ ‬أَو‭ ‬نزاعٍ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحكمَ‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬مشروعًا‭ ‬في‭ ‬أَصلِهِ،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬الإقدامُ‭ ‬عليهِ‭ ‬إلَّا‭ ‬عندَ‭ ‬تحقُّقِ‭ ‬سببِهِ،‭ ‬واسْتجماعِ‭ ‬شروطِهِ،‭ ‬وانْتفاءِ‭ ‬موانعِهِ،‭ ‬ورُجْحانِ‭ ‬مصلحتِهِ‭ ‬على›‭ ‬مفسدتِهِ‭.‬

وعليهِ؛‭ ‬فالمباهَلَةُ‭ ‬وإن‭ ‬كانَتْ‭ ‬باقيَةَ‭ ‬المشروعيَّةِ‭ ‬للأُمَّةِ؛‭ ‬فإنَّها‭ ‬تظلُّ‭» ‬‮‬وسيلَةً‭ ‬اسْتثنائيَّةً‭ ‬منضبطَةً«‮‬‭ ‬لا‭ ‬يتصدَّرُ‭ ‬لها‭ ‬كلُّ‭ ‬مختلِفٍ،‭ ‬ولا‭ ‬تُجعَلُ‭ ‬طريقًا‭ ‬معتادًا‭ ‬لحسْمِ‭ ‬الخُصُوماتِ‭ ‬والمناظراتِ‭.‬

رابعًا‭ -‬الحُكمُ‭ ‬الشَّرعيُّ‭ ‬للمباهَلَةِ‭:‬

الأَصْلُ‭ ‬في‭ ‬المباهَلَةِ‭ :‬أَنَّها‭ ‬مشروعَةٌ‭ ‬جائزَةٌ‭ ‬عندَ‭ ‬الحاجَةِ‭ ‬إليها،‭ ‬وبعْدَ‭ ‬استكمالِ‭ ‬شُروطِها‭ ‬وانْتفاءِ‭ ‬موانعِها،‭ ‬وقدْ‭ ‬ترتقي‭ ‬إلى‭ ‬الاسْتحبابِ؛‭ ‬إذا‭ ‬تعيَّنَتْ‭ ‬وسيلَةً‭ ‬نافعَةً‭ ‬لإظهارِ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬وإبطالِ‭ ‬باطِلٍ‭ ‬عظيمٍ،‭ ‬وردْعِ‭ ‬داعيَةِ‭ ‬ضلالَةٍ،‭ ‬ودفْعِ‭ ‬فتنَةٍ‭ ‬متعدِّيَةٍ‭ ‬عنَ‭ ‬المسلمينَ؛‭ ‬معَ‭ ‬رُجْحانِ‭ ‬المصلحَةِ‭ ‬وغلبَةِ‭ ‬الظَّنِّ‭ ‬بتحقُّقِ‭ ‬مقصودِها‭ ‬الشَّرعيِّ‭.‬

غيرَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬مشروعيَّتَها‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬وجوبَها،‭ ‬ولا‭ ‬تجعلُها‭ ‬طريقًا‭ ‬لازِمًا‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬خصومَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬مناظرَةٍ‭.‬

ولذلكَ‭ ‬ينبغي‭ ‬التَّنبُّهُ‭ ‬إلى›‭ ‬جملَةٍ‭ ‬منَ‭ ‬الأُصولِ‭:‬

‮‬‭ -١ ‬ليسَتِ‭ ‬المباهَلَةُ؛‭ ‬واجبَةً‭ ‬على›‭ ‬كلِّ‭ ‬مَن‭ ‬دُعيَ‭ ‬إليها‭.‬

‮‬‭-٢ ‬ وليسَتْ‭ ‬في‭ ‬ذاتِها؛‭ ‬دليلًا‭ ‬مستقلًّا‭ ‬على›‭ ‬صحَّةِ‭ ‬قولِ‭ ‬مَن‭ ‬دعا‭ ‬إليها،‭ ‬أَو‭ ‬قَبِلَ‭ ‬بها‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬ولا‭ ‬يكونُ‭ ‬امْتِناعُ‭ ‬أَحدِ‭ ‬الطَّرفينِ‭ ‬عنها‭ ‬دليلًا‭ ‬على›‭ ‬كذبِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬ضَعْفِ‭ ‬حجَّتِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬بُطْلانِ‭ ‬قولِهِ‭.‬

‮‬‭ -٤ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬جعلُها؛‭ ‬بديلًا‭ ‬عنَ‭ ‬البُرهانِ‭ ‬العلميِّ،‭ ‬أَو‭ ‬البَيِّنَةِ‭ ‬القضائيَّةِ،‭ ‬أَو‭ ‬التَّحقيقِ‭ ‬المنهجيِّ،‭ ‬أَو‭ ‬التَّثبُّتِ‭ ‬منَ‭ ‬الوقائِعِ‭ ‬والنُقولِ‭.‬

‮‬‭ -٥ ‬ولا‭ ‬تُشرعُ‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬التَّحدِّي،‭ ‬أَو‭ ‬إحراجِ‭ ‬الخصْمِ،‭ ‬أَو‭ ‬الانْتِصارِ‭ ‬للنَّفسِ،‭ ‬أَو‭ ‬اسْتِعراضِ‭ ‬الثِّقَةِ‭ ‬أَمامَ‭ ‬النَّاسِ‭.‬

فقدْ‭ ‬يمتنِعُ‭ ‬العالِمُ‭ ‬أَو‭ ‬طالِبُ‭ ‬العلْمِ‭ ‬عنَ‭ ‬المباهَلَةِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬المسأَلَةَ‭ ‬اجتهاديَّةٌ‭ ‬محتملَةٌ،‭ ‬أَو‭ ‬لأَنَّ‭ ‬شُروطَ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬لم‭ ‬تتحقَّقْ،‭ ‬أَو‭ ‬لأَنَّ‭ ‬الخصْمَ‭ ‬جاهِلٌ‭ ‬لا‭ ‬يدرِكُ‭ ‬خطرَها،‭ ‬أَو‭ ‬لأَنَّ‭ ‬المفسدَةَ‭ ‬المترتِّبَةَ‭ ‬عليها‭ ‬أَعظمُ‭ ‬من‭ ‬مصلحتِها،‭ ‬أَو‭ ‬لأَنَّ‭ ‬المقامَ‭ ‬لا‭ ‬يستدْعيها‭ ‬أَصلًا‭.‬

وعليهِ؛‭ ‬فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬يُقالَ‭ ‬لمنِ‭ ‬امّتَنعَ‭ ‬عنها‭: ‬إنَّ‭ ‬امتناعَكَ‭ ‬دليلٌ‭ ‬على›‭ ‬أَنَّكَ‭ ‬مبطِلٌ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الامْتِناعَ‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬ناشئًا‭ ‬عن‭ ‬ورعٍ،‭ ‬أَو‭ ‬فقهٍ‭ ‬بالمآلاتِ،‭ ‬أَو‭ ‬معرفَةٍ‭ ‬بأَنَّ‭ ‬المباهلَةَ‭ ‬وُضعَتْ‭ ‬في‭ ‬غيرِ‭ ‬موضعِها؛‭ ‬بينما‭ ‬قدْ‭ ‬يُقدِمُ‭ ‬عليها‭ ‬الجاهِلُ،‭ ‬أَو‭ ‬المتهوِّرُ‭ ‬لقلَّةِ‭ ‬علمِهِ‭ ‬بخطرِها‭.‬

خامسًا‭ -‬شروطُ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬وضوابطُها‭ ‬وموانعُها‭:‬

ذكرَ‭ ‬أَهلُ‭ ‬العلْمِ‭ ‬للمباهلَةِ‭ ‬شُروطًا‭ ‬وضوابِطَ‭ ‬دقيقَةً،‭ ‬وحاصلُها‭: ‬أَنَّها‭ ‬لا‭ ‬تُشرعُ‭ ‬إلَّا‭ ‬في‭ ‬قضيَّةٍ‭ ‬عظيمَةٍ‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬الدِّينِ؛‭ ‬ظهَرَ‭ ‬فيها‭ ‬الحقُّ‭ ‬وقامَتِ‭ ‬الحُجَّةُ،‭ ‬واسْتَمرَّ‭ ‬المخالِفُ‭ ‬على‭ ‬العِنادِ‭ ‬بعدَ‭ ‬البيانِ‭ ‬والنُّصْحِ،‭ ‬وتعذَّرَ‭ ‬دفْعُ‭ ‬باطلِهِ‭ ‬بالوسائِلِ‭ ‬العلميَّةِ‭ ‬المعتادَةِ،‭ ‬ورُجِيَ‭ ‬منَ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬تحقيقُ‭ ‬مصلحَةٍ‭ ‬شرعيَّةٍ‭ ‬راجحَةٍ‭.‬

ومن‭ ‬أَهمِّ‭ ‬شروطِها‭ ‬وضوابطِها‭:‬

الشَّرطُ‭ ‬الأَوَّلُ‭ :‬أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬في‭ ‬أَمرٍ‭ ‬مهمٍّ‭ ‬من‭ ‬أُمورِ‭ ‬الدِّينِ‭:‬

فلا‭ ‬تُجعَلُ‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬سبيلًا‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬مسأَلَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬خِلافٍ،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬نزاعٍ‭ ‬شخصيٍّ‭ ‬يسيرٍ،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬أَمْرٍ‭ ‬دنيويٍّ‭ ‬محتمَلٍ‭ ‬لهُ‭ ‬وسائلُهُ‭ ‬في‭ ‬الإثْباتِ‭ ‬والقضاءِ،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬خِلافٍ‭ ‬حولَ‭ ‬تقويمِ‭ ‬شخْصٍ‭ ‬أَو‭ ‬موقِفٍ‭ ‬أَو‭ ‬حادثَةٍ‭ ‬لم‭ ‬تُستكمَلْ‭ ‬وسائِلُ‭ ‬التَّثبُّتِ‭ ‬والتَّحقيقِ‭ ‬فيها‭.‬

وإنَّما‭ ‬محلُّها‭ ‬قضيَّةٌ‭ ‬عظيمَةٌ‭ ‬يتعلَّقُ‭ ‬بها‭ ‬إظهارُ‭ ‬حقٍّ‭ ‬شرعيٍّ‭ ‬بيِّنَ،‭ ‬أَو‭ ‬إبطالُ‭ ‬عقيَدةٍ‭ ‬فاسدَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬رَدُّ‭ ‬دعوَةٍ‭ ‬ضالَّةٍ‭ ‬يُخشى›‭ ‬ضررُها‭ ‬المتعدِّي‭ ‬على›‭ ‬عقائِدِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬ودينِهم‭.‬

فمِنَ‭ ‬العبَثِ‭ ‬والتَّلاعبِ‭ ‬بهذا‭ ‬المقامِ‭ ‬الخطيرِ‭ ‬أَن‭ ‬يتباهَلَ‭ ‬النَّاسُ‭ ‬في‭:‬

‮‬‭-١ ‬ خلافاتِ‭ ‬الجماعاتِ‭ ‬والمؤَسَّساتِ‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬الخُصُوماتِ‭ ‬الماليَّةِ‭ ‬والشَّخصيَّةِ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬تقويمِ‭ ‬الأَشخاصِ‭ ‬والحُكْمِ‭ ‬على›‭ ‬مقاصدِهم‭ ‬ونيَّاتِهم‭.‬

‮‬‭ -٤ ‬الأَخبارِ‭ ‬المنقولَةِ‭ ‬والمقاطِعِ‭ ‬المبتورَةِ‭ ‬والرَّسائِلِ‭ ‬المحتمِلَةِ‭.‬

‮‬‭ -٥ ‬الوقائِعِ‭ ‬الَّتي‭ ‬لم‭ ‬تثبِتْ‭ ‬بطريقٍ‭ ‬معتبَرٍ‭.‬

‮ ‬‭-٦ ‬المسائِلِ‭ ‬الجزئيَّةِ‭ ‬الَّتي‭ ‬تتنازعُها‭ ‬الاحتمالاتُ‭ ‬والاجتهاداتُ‭.‬

الشَّرطُ‭ ‬الثَّاني‭ :‬قيامُ‭ ‬الحُجَّةِ‭ ‬وظُهُورُ‭ ‬الحقِّ‭:‬

قالَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿مِنْ‭ ‬بَعْدِ‭ ‬مَا‭ ‬جَاءَكَ‭ ‬مِنَ‭ ‬الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١].

فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬للمُتناقِشِ‭ ‬أَن‭ ‬يهربَ‭ ‬إلى‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬بسبَبِ‭ ‬ضُعْفِ‭ ‬علمِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬عجزِهِ‭ ‬عن‭ ‬إقامَةِ‭ ‬الدَّليلِ،‭ ‬أَو‭ ‬قصورِهِ‭ ‬عنَ‭ ‬الجوابِ،‭ ‬أَو‭ ‬عدَمِ‭ ‬قدرتِهِ‭ ‬على›‭ ‬تحريرِ‭ ‬محلِّ‭ ‬النِّزاعِ‭.‬

والتَّرتيبُ‭ ‬الشَّرعيُّ‭ ‬الَّذي‭ ‬يدُلُّ‭ ‬عليهِ‭ ‬سياقُ‭ ‬الآيَةِ‭ ‬هو‭: ‬

العلْمُ‭ ‬بالمسأَلَةِ،‭ ‬ثم‭ ‬تحريرُ‭ ‬محلِّ‭ ‬النِّزاعِ،‭ ‬ثم‭ ‬إقامَةُ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬ثم‭ ‬إزالَةُ‭ ‬الشُّبهَةِ،‭ ‬ثم‭ ‬بذْلُ‭ ‬النُّصْحِ‭ ‬والإنْذارِ،‭ ‬ثم‭ ‬النَّظَرُ‭ ‬في‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬عندَ‭ ‬اسْتمرارِ‭ ‬العِنادِ‭ ‬والإصْرارِ‭ ‬على‭ ‬الباطِلِ‭.‬

أَمَّا‭ ‬الانتقالُ‭ ‬عندَ‭ ‬أَوَّلِ‭ ‬خلافٍ‭ ‬إلى‭ ‬قولِ‭ ‬أَحدِ‭ ‬المتخاصمينَ‭ ‬للآخرِ‭ :‬(تعالَ‭ ‬نبتَهِلْ ‬فليسَ‭ ‬دليلًا‭ ‬على›‭ ‬قوَّةِ‭ ‬اليَّقينِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬ضُعْفِ‭ ‬الفقهِ،‭ ‬والعجْزِ‭ ‬عن‭ ‬إقامَةِ‭ ‬البُرهانِ)‭.‬

الشَّرطُ‭ ‬الثَّالثُ‭ :‬العلْمُ‭ ‬بصحَّةِ‭ ‬ما‭ ‬يُباهَلُ‭ ‬عليهِ‭:‬

لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬للمرءِ‭ ‬أَن‭ ‬يباهِلَ‭ ‬على›‭ ‬أَمرٍ‭ ‬يشِكُّ‭ ‬فيهِ،‭ ‬أَو‭ ‬يظنُّهُ‭ ‬ظنًّا‭ ‬مجرَّدًا،‭ ‬أَو‭ ‬يرجِّحُهُ‭ ‬معَ‭ ‬بقاءِ‭ ‬احتمالٍ‭ ‬قويٍّ‭ ‬لخطئِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬ينقلُهُ‭ ‬عن‭ ‬غيرِهِ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬تثبُّتٍ‭ ‬وتحقيقٍ؛‭ ‬فمَن‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬على›‭ ‬علْمٍ‭ ‬وبصيرَةٍ‭ ‬وطمأْنينَةٍ‭ ‬قويَّةٍ‭ ‬من‭ ‬صحَّةِ‭ ‬قولِهِ؛‭ ‬فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬لهُ‭ ‬أَن‭ ‬يعرِّضَ‭ ‬نفسَهُ‭ ‬لدُعاءِ‭ ‬اللَّعنَةِ‭ ‬والعقوبَةِ‭.‬

ويدخُلُ‭ ‬في‭ ‬ذلكَ‭ ‬مَن‭ ‬يُباهِلُ‭ ‬علىِ‭:‬

‮ ‬‭-١ ‬خبرٍ‭ ‬لم‭ ‬يشهدْهُ،‭ ‬ولم‭ ‬يثبُّتْ‭ ‬لديهِ‭ ‬بطريقٍ‭ ‬معتبَرٍ‭.‬

‮ ‬‭-٢ ‬نيَّةٍ‭ ‬كامنَةٍ‭ ‬في‭ ‬قلبِ‭ ‬إنسانِ‭.‬

‮ ‬‭-٣ ‬نسبَةِ‭ ‬قولٍ‭ ‬إلى›‭ ‬شخْصٍ‭ ‬لم‭ ‬يتحقَّقْ‭ ‬منها‭.‬

‮ ‬‭-٤ ‬روايَةٍ‭ ‬مختلِفٍ‭ ‬في‭ ‬ثبوتِها‭ ‬أَو‭ ‬دلالتِها‭.‬

‮ ‬‭-٥ ‬اجتهادٍ‭ ‬فقهيٍّ‭ ‬يراهُ‭ ‬راجحًا‭ ‬معَ‭ ‬إقرارِهِ‭ ‬باحتمالِ‭ ‬الصَّوابِ‭ ‬في‭ ‬قولِ‭ ‬مخالفِهِ‭.‬

‮ ‬‭-٦ ‬حكمٍ‭ ‬على›‭ ‬شخْصٍ‭ ‬معيَّنٍ‭ ‬لا‭ ‬يحيطُ‭ ‬بجميعِ‭ ‬أَحوالِهِ‭ ‬ومُلابساتِ‭ ‬قضيَّتِهِ‭.‬

فالمباهلَةُ‭ ‬لا‭ ‬تُبنى›‭ ‬على‭ ‬الشَّكِّ،‭ ‬ولا‭ ‬على›‭ ‬مجرَّدِ‭ ‬غلبَةِ‭ ‬الظَّنِّ؛‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الهوى‭ ‬والتَّعصُّبِ‭ ‬والانْتِصارِ‭ ‬للأَشخاصِ‭ ‬والجماعاتِ‭.‬

الشَّرطُ‭ ‬الرَّابعُ‭ :‬ظُهُورُ‭ ‬عِنادِ‭ ‬المخالِفِ‭ ‬بعدَ‭ ‬البيانِ‭:‬

ليسَ‭ ‬كلُّ‭ ‬مخالِفٍ‭ ‬معانِدًا؛‭ ‬فقدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬جاهِلًا،‭ ‬أَو‭ ‬متأَوِّلًا،‭ ‬أَو‭ ‬لم‭ ‬يفهمِ‭ ‬الدَّليلَ‭ ‬على›‭ ‬وجهِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬بلغَهُ‭ ‬الدَّليلُ‭ ‬مبتورًا‭ ‬أَو‭ ‬محرَّفًا،‭ ‬أَو‭ ‬اعْتَمدَ‭ ‬على›‭ ‬اجتهادِ‭ ‬عالمٍ‭ ‬يثِقُ‭ ‬بعلمِهِ‭ ‬ودينِهِ‭.‬

فلا‭ ‬تُشرعُ‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬وقوعِ‭ ‬المخالفَةِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬بعدَ‭ ‬أَن‭ ‬تُبيَّنَ‭ ‬الحُجَّةُ‭ ‬بيانًا‭ ‬واضحًا،‭ ‬وتُزالَ‭ ‬الشُّبهَةُ،‭ ‬ويظهَرَ‭ ‬من‭ ‬حالِ‭ ‬المخالًفِ‭ ‬اسْتِمرارُهُ‭ ‬على‭ ‬الباطِلِ‭ ‬وإصرارُهُ‭ ‬عليهِ‭ ‬بعدَ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والبيانِ‭.‬

ولهذا‭ ‬كانَتِ‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬معَ‭ ‬نصارى›‭ ‬نجرانَ‭ ‬بعدَ‭ ‬محاجَّةٍ‭ ‬وبيانٍ‭ ‬واضِحٍ‭ ‬في‭ ‬حقيقَةِ‭ ‬عيسى›‭ ‬‭ ‬وإقامَةِ‭ ‬البُرهانِ‭ ‬عليهم،‭ ‬لا‭ ‬عندَ‭ ‬أَوَّلِ‭ ‬لقائهم‭ ‬بالنَّبيِّ#‭ .‬

الشَّرطُ‭ ‬الخامِسُ‭ :‬أَلَّا‭ ‬تكونَ‭ ‬في‭ ‬مسأَلَةٍ‭ ‬اجتهاديَّةٍ‭ ‬سائغَةٍ‭:‬

الأَصْلُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬المباهَلَةَ‭ ‬لا‭ ‬تُشرعُ‭ ‬في‭ ‬المسائِلِ‭ ‬الَّتي‭ ‬يسوغُ‭ ‬فيها‭ ‬الاجتهادُ،‭ ‬وتختلِفُ‭ ‬فيها‭ ‬أَنظارُ‭ ‬العلماءِ‭ ‬المعتبرينَ‭ ‬بسبَبِ‭ ‬اختلافِهم‭ ‬في‭ ‬ثبوتِ‭ ‬النُّصُوصِ،‭ ‬أَو‭ ‬دلالتِها،‭ ‬أَو‭ ‬الجمْعِ‭ ‬بينها،‭ ‬أَو‭ ‬تحقيقِ‭ ‬المناطِ،‭ ‬أَو‭ ‬تقديرِ‭ ‬المصالحِ‭ ‬والمفاسدِ‭ ‬والمآلاتِ‭.‬

فالمجتهدُ‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬مصيبًا‭ ‬أَو‭ ‬مخطئًا؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬لا‭ ‬يكونُ‭ ‬كاذبًا‭ ‬متعمِّدًا‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬مخالفتِهِ‭ ‬اجتهادَ‭ ‬غيرِهِ،‭ ‬والمباهلَةُ‭ ‬إنَّما‭ ‬بُنيتْ‭ ‬على›‭ ‬جعْلِ‭ ‬لعنَةِ‭ ‬اللهِ‭ ‬على‭ ‬الكاذبينَ‭.‬

وعليهِ؛‭ ‬فلا‭ ‬يصِحُّ‭ ‬أَن‭ ‬يتباهَلَ‭ ‬عالمانِ‭ ‬في‭ ‬مسأَلَةٍ‭ ‬فقهيَّةٍ‭ ‬معتبرَةِ‭ ‬الخلافِ،‭ ‬ولا‭ ‬أَن‭ ‬يدْعوَ‭ ‬أَحدُهما‭ ‬على‭ ‬الآخرِ‭ ‬باللَّعْنَةِ؛‭ ‬لأَنَّهُ‭ ‬أَخذَ‭ ‬بقولِ‭ ‬إمامٍ‭ ‬أَو‭ ‬مذهبٍ‭ ‬معتبَرٍ،‭ ‬أَو‭ ‬رجَّحَ‭ ‬دليلًا‭ ‬على›‭ ‬دليلٍ‭.‬

وما‭ ‬نُقلَ‭ ‬عن‭ ‬بعضِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ‭ ‬منَ‭ ‬الدَّعوَةِ‭ ‬إلى‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬في‭ ‬بعضِ‭ ‬المسائِلِ؛‭ ‬فإنَّما‭ ‬يُفهَمُ‭ ‬في‭ ‬ضوءِ‭ ‬اجتهادِهم‭ ‬في‭ ‬كونِ‭ ‬الحقِّ‭ ‬فيها‭ ‬ظاهرًا،‭ ‬وفي‭ ‬ملابساتِ‭ ‬الوقائِعِ‭ ‬الَّتي‭ ‬صدرَتْ‭ ‬فيها‭ ‬تلكَ‭ ‬الدَّعوَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬يُتَّخَذُ‭ ‬ذلكَ‭ ‬أَصلًا‭ ‬لتعميمِ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬خلافٍ‭ ‬فقهيٍّ‭ ‬أَو‭ ‬اجتهاديٍّ‭.‬

الشُّرطُ‭ ‬السَّادِسُ‭:‬ إخلاصُ‭ ‬النِّيَّةِ‭ ‬للهِ‭ ‬تعالى›‭:‬

ينبغي‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬المقصودُ‭ ‬منَ‭ ‬المباهلَةِ‭:‬

‮‬‭ -١ ‬إظهارَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬ونصرتَهُ‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬حمايَةَ‭ ‬الدِّينِ‭ ‬من‭ ‬التَّحريفِ‭ ‬والضَّلالِ‭.‬

‮ ‬‭-٣ ‬دفْعَ‭ ‬فتنَةٍ‭ ‬عامَّةٍ‭ ‬عنَ‭ ‬المسلمينَ‭.‬

‮ ‬‭-٤ ‬هدايَةَ‭ ‬الخلْقِ‭ ‬وكَفَّ‭ ‬الباطِلِ‭ ‬عنهم‭.‬

‮‬‭ -٥ ‬ردْعَ‭ ‬المعانِدِ‭ ‬بعدَ‭ ‬اسْتِنفادِ‭ ‬وسائِلِ‭ ‬البيانِ‭ ‬والنُّصْحِ‭.‬

ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬القصْدُ‭ ‬منها‭:‬

‮ ‬‭-١ ‬الانْتٍصارَ‭ ‬للنَّفسِ‭ ‬والهوى›‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬التَّشفِّي‭ ‬منَ‭ ‬الخَصْمِ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬اسْتِعراضَ‭ ‬الشَّجاعَةِ‭ ‬والثِّقَةِ‭ ‬أَمامَ‭ ‬المتابعينَ‭.‬

‮‬‭ -٤ ‬اسْتِجلابَ‭ ‬المشاهداتِ‭ ‬والشُّهرَةِ‭.‬

‮‬‭ -٥ ‬إحْراجَ‭ ‬المخالِفِ‭ ‬وإسكاتَهُ‭ ‬أَمامَ‭ ‬الجمهورِ‭.‬

‮‬‭ -٦ ‬إسْقاطَ‭ ‬مكانتِهِ‭ ‬والتَّشهيرَ‭ ‬بهِ‭.‬

‮‬‭ -٧ ‬تصفيَةَ‭ ‬حساباتٍ‭ ‬حزبيَّةٍ‭ ‬أَو‭ ‬شخصيَّةٍ‭.‬

فربَّ‭ ‬إنسانٍ‭ ‬يكونُ‭ ‬قولُهُ‭ ‬في‭ ‬أَصْلِ‭ ‬المسأَلَةِ‭ ‬صحيحًا،‭ ‬ولكنَّهُ‭ ‬يُفسِدُ‭ ‬عملَهُ‭ ‬بسوءِ‭ ‬قصدِهِ،‭ ‬وتعظيمِ‭ ‬نفسِهِ،‭ ‬وطلَبِ‭ ‬الغلبَةِ‭ ‬على›‭ ‬خصمِهِ،‭ ‬لا‭ ‬طلَبِ‭ ‬ظُهُورِ‭ ‬الحقِّ‭.‬

الشَّرطُ‭ ‬السَّابِع‭ :‬رُجْحانُ‭ ‬المصلحَةِ‭ ‬وانْتِفاءُ‭ ‬المفسدَةِ‭:‬

المباهلَةُ‭ ‬وسيلَةٌ‭ ‬شرعيَّةٌ،‭ ‬والوسائِلُ‭ ‬معتبرَةٌ‭ ‬بمقاصدِها‭ ‬ونتائجِها‭ ‬ومآلاتِها؛‭ ‬فلا‭ ‬يكفي‭ ‬أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬مشروعَةً‭ ‬في‭ ‬أَصلِها،‭ ‬بلْ‭ ‬لا‭ ‬بُدَّ‭ ‬منَ‭ ‬النَّظَرِ‭ ‬فيما‭ ‬يترتَّبُ‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬مصالحَ‭ ‬ومفاسِدَ‭.‬

فإنْ‭ ‬غَلَبَ‭ ‬على‭ ‬الظَّنِّ‭ ‬أَن‭ ‬يترتَّبَ‭ ‬عليها‭:‬

‮‬‭ -١ ‬زيادَةُ‭ ‬الفتنَةِ،‭ ‬وتأْجيجُ‭ ‬الخُصُومَةِ‭.‬

‮‬‭ -١ ‬إغراءُ‭ ‬العامَّةِ‭ ‬بالخوضِ‭ ‬في‭ ‬الأَعراضِ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬تحويلُ‭ ‬المسأَلَةِ‭ ‬العلميَّةِ‭ ‬إلى›‭ ‬معركَةٍ‭ ‬شخصيَّةٍ‭.‬

‮‬‭ -٤ ‬اسْتِغلالُ‭ ‬أَهلِ‭ ‬الباطِلِ‭ ‬لها‭ ‬إعلاميًّا‭.‬

‮‬‭ -٥ ‬جرأَةُ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬على‭ ‬اللَّعْنِ‭ ‬والدُّعاءِ‭ ‬بالهلاكِ‭.‬

‮‬‭ -٦ ‬انْقِسامُ‭ ‬المسلمينَ،‭ ‬وتعميقُ‭ ‬العداوَةِ‭ ‬بينهم‭.‬

٧- ‬انْصِرافُ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬عنَ‭ ‬الحجَّةِ‭ ‬العلميَّةِ‭ ‬إلى›‭ ‬انْتِظارِ‭ ‬المصائِبِ‭ ‬والحوادثِ‭.‬

فإنَّ‭ ‬تركَها‭ ‬يكونُ‭ ‬هو‭ ‬المتعيَّنَ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬درَءَ‭ ‬المفسدَةِ‭ ‬الرَّاجحَةِ‭ ‬مقدَّمٌ‭ ‬على›‭ ‬تحصيلِ‭ ‬مصلحَةٍ‭ ‬متوهَّمَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬ضعيفَةٍ‭.‬

الشَّرطُ‭ ‬الثَّامنُ‭ :‬أَن‭ ‬يتولاها‭ ‬مَن‭ ‬كانَ‭ ‬من‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والبصيرَةِ‭ ‬والصَّلاحِ‭:‬

لم‭ ‬يرِدْ‭ ‬نَصٌّ‭ ‬يجعَلُ‭ ‬الاجتهادَ‭ ‬المطلَقَ‭ ‬شرطًا‭ ‬شكليًّا‭ ‬في‭ ‬صحَّةِ‭ ‬المباهلَةِ،‭ ‬ولكنَّ‭ ‬طبيعتَها‭ ‬وخطورتَها،‭ ‬وما‭ ‬تتطلَّبُهُ‭ ‬من‭ ‬معرفَةِ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬وتمييزِ‭ ‬القطعيِّ‭ ‬منَ‭ ‬الاجتهاديِّ،‭ ‬والنَّظَرِ‭ ‬في‭ ‬المصالحِ‭ ‬والمفاسِدِ؛‭ ‬كلُّ‭ ‬ذلكَ‭ ‬يقتضي‭ ‬أَلَّا‭ ‬يتصدَّرَ‭ ‬لها‭ ‬الجاهِلُ،‭ ‬ولا‭ ‬صاحِبُ‭ ‬الهوى›،‭ ‬ولا‭ ‬مَن‭ ‬لا‭ ‬يُحْسِنُ‭ ‬تحريرَ‭ ‬المسائِلِ‭ ‬ومعرفَةَ‭ ‬مواضِعِ‭ ‬الإجماعِ‭ ‬والخلافِ‭.‬

وقدْ‭ ‬اشْترطَ‭ ‬طائِفَةٌ‭ ‬من‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬طالِبُ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬من‭ ‬أَهلِ‭ ‬الصَّلاحِ‭ ‬والتَّقوى›؛‭ ‬لأَنَّها‭ ‬دعاءٌ‭ ‬وابْتِهالٌ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›،‭ ‬وليسَتْ‭ ‬اسْتِعراضًا‭ ‬إعلاميًّا،‭ ‬ولا‭ ‬تحدِّيًا‭ ‬خطابيًّا،‭ ‬ولا‭ ‬أَداةً‭ ‬لإثباتِ‭ ‬الجرأَةِ‭ ‬أَمامَ‭ ‬النَّاسِ‭.‬

ولهذا؛‭ ‬فالأَصْلُ‭ ‬في‭ ‬عامَّةِ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬أَن‭ ‬يرجعوا‭ ‬في‭ ‬هذِهِ‭ ‬القضايا‭ ‬إلى‭ ‬العلماءِ‭ ‬الرَّاسخينَ،‭ ‬وأَلَّا‭ ‬يُقحِموا‭ ‬أَنْفَسَهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقامِ‭ ‬الخطيرِ‭ ‬بغيرِ‭ ‬علْمٍ‭ ‬ولا‭ ‬بصيرَةٍ‭.‬

الشَّرطُ‭ ‬التَّاسِعُ‭:‬ تحديدُ‭ ‬محلِّ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬تحديدًا‭ ‬دقيقًا‭:‬

من‭ ‬أَعْظمِ‭ ‬أَخطاءِ‭ ‬المتباهلينَ‭ ‬اسْتِعمالُ‭ ‬العباراتِ‭ ‬المجملَةِ‭ ‬الواسِعَةٍ؛‭ ‬كأَنْ‭ ‬يقولَ‭ ‬أَحدُهم‭:‬

‭)‬لعنَةُ‭ ‬اللهِ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬منَّا‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬ما‭ ‬قالَ)‭.‬

فهذِهِ‭ ‬صيغَةٌ‭ ‬مضطربَةٌ؛‭ ‬قدْ‭ ‬يدخُلُ‭ ‬فيها‭ ‬الصَّوابُ‭ ‬والخطأُ،‭ ‬والحقائِقُ‭ ‬والاجتهاداتُ،‭ ‬والنُّقولُ‭ ‬والظُّنونُ،‭ ‬وما‭ ‬عُلِمَ‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يُعلَمَ‭.‬

فإن‭ ‬وُجِدَتِ‭ ‬الحاجَةُ‭ ‬الشَّرعيَّةُ‭ ‬إلى‭ ‬المباهَلَةِ،‭ ‬وجَبَ‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬محلُّها‭:‬

‮‬‭ -١ ‬محدَّدًا‭ ‬تحديدًا‭ ‬دقيقًا‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬واضِحًا‭ ‬لا‭ ‬لَبْسَ‭ ‬فيهِ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬منضبطًا‭ ‬لا‭ ‬يتعدَّى›‭ ‬إلى›‭ ‬غيرِهِ‭.‬

‮‬‭ -٤ ‬خاليًا‭ ‬منَ‭ ‬الإجمالِ‭ ‬والاحتمالِ‭ ‬المؤَثِّرِ‭.‬

‮‬‭-٥ ‬ معلومًا‭ ‬مفهومًا‭ ‬لدى‭ ‬الطَّرفينِ‭.‬

ولا‭ ‬يصِحُّ‭ ‬أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬على›‭ ‬ملَفٍّ‭ ‬طويلٍ‭ ‬يضمُّ‭ ‬عشراتِ‭ ‬الدَّعاوى‭ ‬والأَخبارِ‭ ‬والمسائِلِ‭ ‬المتباينَةِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬بعضَها‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬صوابًا‭ ‬وبعضَها‭ ‬خطأً،‭ ‬وبعضَها‭ ‬قطعيًّا‭ ‬وبعضَها‭ ‬اجتهاديًّا‭.‬

سادِسًا‭- ‬ مَن‭ ‬الَّذي‭ ‬يُباهَلُ؟

لا‭ ‬تُشرعُ‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬معَ‭ ‬كلِّ‭ ‬مخالِفٍ،‭ ‬ولا‭ ‬معَ‭ ‬كلِّ‭ ‬مَن‭ ‬صدَرَ‭ ‬منهُ‭ ‬قولٌ‭ ‬باطِلٌ‭ ‬أَو‭ ‬خطَأٌ‭ ‬عارِضٍ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬يُنظَرُ‭ ‬فيها‭ ‬معَ‭ ‬مَن‭ ‬توفَّرَتْ‭ ‬فيهِ‭ ‬جملَةٌ‭ ‬منَ‭ ‬الأَوصافِ،‭ ‬من‭ ‬أَهمِّها‭:‬

١-‭ ‬أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬الحُجَّةُ‭ ‬قدْ‭ ‬بلغتْهُ‭ ‬واضحَةً‭ ‬صحيحَةً‭.‬

٢-‭ ‬وأَن‭ ‬يكونَ‭ ‬قدْ‭ ‬فهمَ‭ ‬محَلَّ‭ ‬النِّزاعِ‭ ‬ودلالَةَ‭ ‬الحُجَّةِ‭ ‬فهمًا‭ ‬بيِّنًا‭.‬

٣-‭ ‬وأَن‭ ‬يظهَرَ‭ ‬منهُ‭ ‬الإصرارُ‭ ‬على›‭ ‬باطِلٍ‭ ‬عظيمٍ‭ ‬بعدَ‭ ‬البيانِ‭ ‬والنُّصْحِ‭ ‬وإزالَةِ‭ ‬الشُّبهَةِ‭.‬

٤-‭ ‬وأَن‭ ‬يكونَ‭ ‬لباطلِهِ‭ ‬أَثرٌ‭ ‬متعَدٍّ‭ ‬وضرَرٌ‭ ‬ظاهِرٌ‭ ‬على›‭ ‬عقائِدِ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬أَو‭ ‬دينِهم‭.‬

٥-‭ ‬وأَن‭ ‬يُرجى›‭ ‬من‭ ‬مباهلتِهِ‭ ‬انْكِشافُ‭ ‬باطلِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬كَفُّ‭ ‬شرِّهِ،‭ ‬أَو‭ ‬حمايَةُ‭ ‬العامَّةِ‭ ‬من‭ ‬تضليلِهِ‭.‬

٦-‭ ‬وأَن‭ ‬يكونَ‭ ‬ممَّن‭ ‬يعظِّمُ‭ ‬اللهَ‭ ‬تعالى›،‭ ‬ويُدرِكُ‭ ‬خُطُورَةَ‭ ‬اللَّعنَةِ‭ ‬والعقوبَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬يتَّخِذُ‭ ‬المباهَلَةَ‭ ‬مجالًا‭ ‬للعبَثِ‭ ‬والاسْتِهزاءِ‭.‬

أَمَّا‭ ‬المستهزئُ،‭ ‬أَو‭ ‬صاحِبُ‭ ‬الحسابِ‭ ‬المجهولِ،‭ ‬أَو‭ ‬مَن‭ ‬لا‭ ‬يعظِّمُ‭ ‬شعائِرَ‭ ‬اللهِ،‭ ‬أَو‭ ‬لا‭ ‬يُبالي‭ ‬بحقيقَةِ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬وخطورتِها؛‭ ‬فلا‭ ‬تظهَرُ‭ ‬في‭ ‬الغالِبِ‭ ‬مصلحَةٌ‭ ‬شرعيَّةٌ‭ ‬من‭ ‬مباهلتِهِ،‭ ‬بلْ‭ ‬قدْ‭ ‬يتَّخذُها‭ ‬مادَّةً‭ ‬للسخريَةِ‭ ‬والعبَثِ،‭ ‬أَو‭ ‬وسيلَةً‭ ‬للشُّهرَةِ‭ ‬وإثارَةِ‭ ‬الجدَلِ‭ ‬واسْتِجلابِ‭ ‬المتابعينَ‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬للعالِمِ‭ ‬أَن‭ ‬ينزِلَ‭ ‬إلى›‭ ‬تحدِّياتِ‭ ‬كلِّ‭ ‬مجهولٍ‭ ‬أَو‭ ‬متعصِّبٍ‭ ‬في‭ ‬وسائِلِ‭ ‬التَّواصلِ‭ ‬الاجتماعيِّ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬وقْتَ‭ ‬العالِمِ،‭ ‬وعلمَهُ،‭ ‬ومكانتَهُ،‭ ‬ودعوتَهُ‭ ‬أَجلُّ‭ ‬من‭ ‬أَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬إلى›‭ ‬ميدانٍ‭ ‬لمباهلاتِ‭ ‬الحساباتِ‭ ‬المجهولَةِ‭ ‬والخُصُوماتِ‭ ‬العابرَةِ‭.‬

وليسَ‭ ‬قبولُ‭ ‬التَّحدِّي‭ ‬بالمباهلَةِ‭ ‬دليلًا‭ ‬بذاتِهِ‭ ‬على‭ ‬الشَّجاعَةِ‭ ‬أَو‭ ‬الصِّدْقِ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬الامْتِناعَ‭ ‬عنها‭ ‬ليسَ‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬الخوفِ‭ ‬أَو‭ ‬الباطِلِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬يرفضُها‭ ‬العالِمُ‭ ‬لعلمِهِ‭ ‬بعدَمِ‭ ‬تحقُّقِ‭ ‬شروطِها،‭ ‬أَو‭ ‬لخشيتِهِ‭ ‬من‭ ‬مآلاتِها‭ ‬وفتنتِها،‭ ‬بينما‭ ‬قدْ‭ ‬يُقدِمُ‭ ‬عليها‭ ‬الجاهِلُ‭ ‬المتهوِّرُ‭ ‬لقلَّةِ‭ ‬علمِهِ‭ ‬وعدَمِ‭ ‬إدراكِهِ‭ ‬خطورتَها‭.‬

فالعبرَةُ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬بمَن‭ ‬يرفَعُ‭ ‬صوتَهُ‭ ‬قائِلًا:‭) ‬أُباهِلُكَ)‭ ‬وإنَّما‭ ‬العبرَةُ‭ ‬بقيامِ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬وصحَّةِ‭ ‬العلْمِ،‭ ‬وإخْلاصِ‭ ‬القصْدِ،‭ ‬وتحقُّقِ‭ ‬المصلحَةِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭.‬

سابعًا‭ - ‬صِيغَةُ‭ ‬المباهَلَةِ‭:‬

لم‭ ‬يثبُّتْ‭ ‬للمباهَلَةِ‭ ‬دعاءٌ‭ ‬طويلٌ‭ ‬مخصوصٌ‭ ‬يجِبُ‭ ‬التِّزامُ‭ ‬أَلفاظِهِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬أَصْلُ‭ ‬صيغتِها‭ ‬ما‭ ‬دَلَّ‭ ‬عليهِ‭ ‬قولُ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿فَنَجْعَلْ‭ ‬لَعْنَتَ‭ ‬اللهِ‭ ‬عَلَى‭ ‬الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران ٦١].

وعليهِ؛‭ ‬فإذا‭ ‬تحقَّقَتْ‭ ‬شُروطُ‭ ‬المباهلَةِ؛‭ ‬اتَّفَقَ‭ ‬الطَّرفانِ‭ ‬أَوَّلًا‭ ‬على›‭ ‬تحديدِ‭ ‬محَلِّ‭ ‬النِّزاعِ‭ ‬تحديدًا‭ ‬واضِحًا‭ ‬دقيقًا،‭ ‬ثم‭ ‬ابْتِهلَا‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭ ‬أَن‭ ‬يجعَلَ‭ ‬لعنتَهُ‭ ‬وعقوبتَهُ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬المتعمِّدِ‭ ‬منهما‭ ‬في‭ ‬تلكَ‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬بعينِها‭.‬

ولا‭ ‬يُشرعُ‭ ‬التَّكلُّفُ‭ ‬في‭ ‬إنْشَاءِ‭ ‬صيغٍ‭ ‬مخيفَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬أَدعيَةٍ‭ ‬تفصيليَّةٍ‭ ‬لم‭ ‬يدُلَّ‭ ‬عليها‭ ‬دليلٌ؛‭ ‬كالدُّعاءِ‭ ‬بموتِ‭ ‬الأَبناءِ،‭ ‬أَو‭ ‬هدْمِ‭ ‬البيوتِ،‭ ‬أَو‭ ‬الإصابَةِ‭ ‬بالأَمراضِ‭ ‬والأَسقامِ،‭ ‬أَو‭ ‬زوالِ‭ ‬الأَموالِ،‭ ‬أَو‭ ‬تحديدِ‭ ‬مدَّةٍ‭ ‬معيَّنَةٍ‭ ‬لنزولِ‭ ‬العقوبَةِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الزِّياداتِ‭ ‬لا‭ ‬أَصلَ‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬آيَةِ‭ ‬المباهلَةِ،‭ ‬وفيها‭ ‬تعدٍّ‭ ‬في‭ ‬الدُّعاءِ،‭ ‬ومجاوزَةٌ‭ ‬للمقدارِ‭ ‬المشروعِ‭.‬

والمقصودُ‭ ‬منَ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬ليسَ‭ ‬التَّوسُّعَ‭ ‬في‭ ‬أَنواعِ‭ ‬العُقوباتِ،‭ ‬ولا‭ ‬اقْتِراحَ‭ ‬كيفيَّةِ‭ ‬نزولِها‭ ‬وزمانِها؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬تفويضُ‭ ‬الأَمرِ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›،‭ ‬وسؤَالُهُ‭ ‬أَن‭ ‬يجعَلَ‭ ‬لعنتَهُ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬المبطْلِ،‭ ‬وهو‭ ‬جل جلاله‭ ‬أَعلَمُ‭ ‬بهِ‭ ‬وبما‭ ‬يستحقُّهُ‭.‬

وأَمَّا‭ ‬ذكْرُ‭ ‬الأَبناءِ‭ ‬والنِّساءِ‭ ‬في‭ ‬آيَةِ ‭»‬آل‭ ‬عمرانَ«‮‬‭ ‬فقدْ‭ ‬جاءَ‭ ‬في‭ ‬سياقِ‭ ‬مباهلَةِ‭ ‬النَّبيِّ‭ # ‬لوفْدِ‭ ‬نصارى›‭ ‬نجرانَ،‭ ‬إظهارًا‭ ‬لكمالِ‭ ‬يقينِهِ‭ ‬وصدْقِهِ؛‭ ‬إذْ‭ ‬يدْعو‭ ‬أَقرَبَ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬إليهِ‭ ‬وأَحبَّهم‭ ‬عندَهُ‭ ‬إلى›‭ ‬هذا‭ ‬المقامِ‭ ‬العظيمِ‭.‬

وليسَ‭ ‬في‭ ‬الآيَةِ؛‭ ‬ما‭ ‬يدُلُّ‭ ‬على›‭ ‬اشْتِراطِ‭ ‬إحْضَارِ‭ ‬الزَّوجَةِ‭ ‬والأَولادِ‭ ‬والأَقاربِ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬مباهلَةٍ،‭ ‬فضلًا‭ ‬عنِ‭ ‬الدُّعاءِ‭ ‬عليهم‭ ‬بالموتِ‭ ‬أَو‭ ‬البلاءِ‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يُشترطُ‭ ‬لصحَّةِ‭ ‬المباهلةَِ‭ ‬أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬أَمامَ‭ ‬جمهورٍ‭ ‬منَ‭ ‬النَّاسِ،‭ ‬أَو‭ ‬في‭ ‬مجلسٍ‭ ‬عامٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬عبرَ‭ ‬بثٍّ‭ ‬إعلاميٍّ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬المقصودَ‭ ‬منها‭ ‬الابْتِهالُ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬وإظهارُ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬لا‭ ‬الاستعراضُ‭ ‬وإثارَةُ‭ ‬الجماهيرِ‭.‬

وخلاصَةُ‭ ‬الصِّيغَةِ‭ ‬المشروعَةِ‭ ‬أَن‭ ‬يُقالَ‭ - ‬بعدَ‭ ‬تحديدِ‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬بوضوحٍ‭ - ‬نحوُ‭:‬

‭)‬اللَّهُمَّ‭!‬ اجعَلْ‭ ‬لعنتَكَ‭ ‬وعقوبتَكَ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬المتعمِّدِ‭ ‬منَّا‭ ‬في‭ ‬هذِهِ‭ ‬القضيَّةِ)‭.‬

ولا‭ ‬يُلتزمُ‭ ‬هذا‭ ‬اللَّفظُ‭ ‬بعينِهِ؛‭ ‬بلِ‭ ‬العبرَةُ‭ ‬بتحقُّقِ‭ ‬معناهُ،‭ ‬وسلامَةِ‭ ‬الدُّعاءِ‭ ‬منَ‭ ‬التَّعدِّي‭ ‬والإجمالِ‭ ‬والظُّلْمِ‭.‬

ثامنًا‭- ‬هل‭ ‬للمباهَلَةِ‭ ‬زمانٌ‭ ‬أَو‭ ‬مكانٌ‭ ‬مخصوصٌ؟

لم‭ ‬يثبتْ‭ ‬في‭ ‬الكتابِ‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬تخصيصُ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬بزمانٍ‭ ‬أَو‭ ‬مكانٍ‭ ‬معيَّنٍ؛‭ ‬فلمْ‭ ‬يردْ‭ ‬دليلٌ‭ ‬على›‭ ‬اشتراطِ‭: ‬يومٍ‭ ‬مخصوصٍ،‭ ‬أَو‭ ‬ليلَةٍ‭ ‬معيَّنَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬ساعَةٍ‭ ‬محدَّدَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬مسجِدٍ‭ ‬بعينِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬مكانٍ‭ ‬فاضِلٍ‭ ‬كالمسجدِ‭ ‬الحرامِ،‭ ‬أَو‭ ‬عندَ‭ ‬الكعبَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬بينَ‭ ‬الرُّكنِ‭ ‬والمقامِ،‭ ‬أَو‭ ‬حضورِ‭ ‬جمهورٍ‭ ‬منَ‭ ‬النَّاسِ،‭ ‬أَو‭ ‬إعلانِها‭ ‬في‭ ‬مجلْسٍ‭ ‬عامٍّ‭ ‬أَو‭ ‬عبرَ‭ ‬بثٍّ‭ ‬مباشِرٍ‭.‬

وعليهِ؛‭ ‬فمتى›‭ ‬اسْتَكملَتِ‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬شروطَها‭ ‬الشَّرعيَّةَ،‭ ‬وتحقَّقَتْ‭ ‬مصلحتُها،‭ ‬وانْتَفَتْ‭ ‬موانعُها؛‭ ‬جازَتْ‭ ‬من‭ ‬حيثُ‭ ‬الأَصلُ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬زمانٍ‭ ‬ومكانٍ‭ ‬مباحٍ،‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬تقييدٍ‭ ‬بوقتٍ‭ ‬أَو‭ ‬موضِعٍ‭ ‬مخصوصٍ‭.‬

وقدْ‭ ‬يختارُ‭ ‬بعضُ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬وقتًا‭ ‬فاضِلًا،‭ ‬أَو‭ ‬مكانًا‭ ‬شريفًا،‭ ‬رجاءَ‭ ‬إجابَةِ‭ ‬الدُّعاءِ،‭ ‬باعْتِبارِ‭ ‬فضْلِ‭ ‬الزَّمانِ‭ ‬أَو‭ ‬المكانِ‭ ‬في‭ ‬الجملَةِ؛‭ ‬غيرَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬ذلكَ‭ ‬لا‭ ‬يُعدُّ‭ ‬شرطًا‭ ‬في‭ ‬صحَّةِ‭ ‬المباهلَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حقيقتِها،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬تحويلُهُ‭ ‬إلى›‭ ‬هيئَةٍ‭ ‬لازمَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬سُنَّةٍ‭ ‬راتبَةٍ‭ ‬لم‭ ‬يدلَّ‭ ‬عليها‭ ‬دليلٌّ‭.‬

بلِ‭ ‬الأَولى›‭ ‬أَن‭ ‬تجريَ‭ ‬المباهلَةُ‭ - ‬عندَ‭ ‬الحاجَةِ‭ ‬إليها‭ - ‬بعيدًا‭ ‬عنَ‭ ‬التَّهييجِ‭ ‬الإعلاميِّ،‭ ‬والاستعراضِ‭ ‬الجماهيريِّ،‭ ‬وإثارَةِ‭ ‬الخُصُوماتِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬المقصودَ‭ ‬منها‭ ‬الابْتِهالُ‭ ‬الصَّادِقُ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›،‭ ‬وطلَبُ‭ ‬إظهارِ‭ ‬الحقِّ‭ ‬وإبطالِ‭ ‬الباطِلِ،‭ ‬لا‭ ‬إقامَةُ‭ ‬مشهدٍ‭ ‬إعلاميٍّ‭ ‬لاستجلابِ‭ ‬المشاهداتِ‭ ‬والتَّعليقاتِ‭ ‬والانْتِصارِ‭ ‬أَمامَ‭ ‬الجمهورِ‭.‬

فالمباهلَةُ‭ ‬عبادَةٌ‭ ‬ودعاءٌ‭ ‬خطيرٌ،‭ ‬وليسَتْ‭ ‬مناسبَةً‭ ‬إعلاميَّةً،‭ ‬ولا‭ ‬وسيلَةً‭ ‬لصناعَةِ‭ ‬الإثارَةِ‭ ‬أَو‭ ‬تسجيلِ‭ ‬الغلبَةِ‭ ‬على‭ ‬الخُصُومِ‭.‬

تاسعًا‭- ‬الفرقُ‭ ‬بينَ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬واللِّعانِ‭ ‬واليمينِ‭:‬

قدْ‭ ‬تشتَبِهُ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الأَبوابُ‭ ‬لاشتمالِها‭ ‬جميعًا‭ ‬على›‭ ‬ذكْرِ‭ ‬اسمِ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى،‭ ‬أَو‭ ‬اللَّعْنِ،‭ ‬أَو‭ ‬تأْكيدِ‭ ‬الصِّدْقِ؛‭ ‬غيرَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬لكلِّ‭ ‬واحدٍ‭ ‬منها‭ ‬حقيقتَهُ،‭ ‬وسببَهُ،‭ ‬وأَحكامَهُ،‭ ‬وآثارَهُ‭ ‬الخاصَّةَ‭ ‬بهِ‭.‬

١-‭ ‬المباهَلَةُ‭:‬

تكونُ‭ ‬بينَ‭ ‬متنازِعَينِ‭ ‬في‭ ‬قضيَّةٍ‭ ‬عظيمَةٍ‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬بعدَ‭ ‬قيامِ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬ووضوحِ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬واسْتِمرارِ‭ ‬العِنادِ؛‭ ‬فيبتهِلُ‭ ‬الطَّرفانِ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭ ‬أَن‭ ‬يجعَلَ‭ ‬لعنتَهُ‭ ‬وعقوبتَهُ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬المبطِلِ‭ ‬منهما‭.‬

وهيَ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬إجراءً‭ ‬قضائيًّا‭ ‬لهُ‭ ‬آثارٌ‭ ‬محدَّدَةٌ‭ ‬بذاتِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬يترتَّبُ‭ ‬عليها‭ ‬تلقائيًّا‭ ‬ثبوتُ‭ ‬حقٍّ‭ ‬ماليٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬إقامَةُ‭ ‬حَدٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬إسْقاطُ‭ ‬دعوى›؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬حقيقتُها‭ ‬دعاءٌ‭ ‬وابْتهالٌ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭ ‬لإظهارِ‭ ‬الصَّادِقِ‭ ‬منَ‭ ‬الكاذِبِ‭.‬

٢-‭ ‬اللِّعانُ‭ ‬بينَ‭ ‬الزَّوجَينِ‭:‬

اللِّعانُ‭ ‬حكمٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬خاصٌّ‭ ‬بالزَّوجَينِ؛‭ ‬يُشرعُ‭ ‬إذا‭ ‬قذَفَ‭ ‬الزَّوجُ‭ ‬زوجتَهُ‭ ‬بالزِّنا،‭ ‬ولم‭ ‬يكُنْ‭ ‬لديهِ‭ ‬أَربعَةُ‭ ‬شهداءَ،‭ ‬أَو‭ ‬أَرادَ‭ ‬نفيَ‭ ‬ولَدٍ‭ ‬عن‭ ‬نفسِهِ‭ ‬وفْقَ‭ ‬شروطِ‭ ‬ذلكَ‭ ‬وأَحكامِهِ‭.‬

ولهُ‭ ‬أَلفاظٌ‭ ‬وعددٌ‭ ‬وصفَةٌ‭ ‬مخصوصَةٌ‭ ‬نصَّ‭ ‬عليها‭» ‬‮‬القرآنُ‭ ‬الكريمُ«‮»‬‭ ‬في‭ ‬‮«‬سورَةِ‭ ‬النُّورِ‮»‬؛‭ ‬فيشهَدُ‭ ‬الزَّوجُ‭ ‬أَربَعَ‭ ‬شهاداتٍ‭ ‬باللهِ‭ ‬إنَّهُ‭ ‬لمنَ‭ ‬الصَّادقينَ،‭ ‬ثم‭ ‬تكونُ‭ ‬الخامسَةُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬لعنَةَ‭ ‬اللهِ‭ ‬عليهِ‭ ‬إنْ‭ ‬كانَ‭ ‬منَ‭ ‬الكاذبينَ،‭ ‬وللزَّوجَةِ‭ ‬أَن‭ ‬تدرَأَ‭ ‬عن‭ ‬نفسِها‭ ‬العقوبَةَ‭ ‬بالشَّهاداتِ‭ ‬المقرَّرةِ‭ ‬شرعًا‭.‬

ويترتَّبُ‭ ‬على‭ ‬اللِّعانِ‭ ‬آثارٌ‭ ‬قضائيَّةٌ‭ ‬خاصَّةٌ،‭ ‬ولا‭ ‬يُقامُ‭ ‬على›‭ ‬وجهِهِ‭ ‬الشَّرعيِّ‭ ‬إلَّا‭ ‬لدَى‭ ‬القضاءِ‭ ‬أَو‭ ‬مَن‭ ‬يقومُ‭ ‬مقامَهُ؛‭ ‬فليسَ‭ ‬اللِّعانُ‭ ‬مباهلَةً‭ ‬عامَّةً،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬يُستبدَلَ‭ ‬بهِ‭ ‬تحدٍّ‭ ‬أَو‭ ‬مباهلَةٌ‭ ‬عشوائيَّةٌ‭ ‬بينَ‭ ‬الزَّوجَينِ‭.‬

3-‭ ‬الْيَمينُ‭:‬

اليمينُ‭ ‬هيَ‭ ‬توكيدُ‭ ‬أَمرٍ‭ ‬بذكرِ‭ ‬اسمِ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭ ‬أَو‭ ‬صفَةٍ‭ ‬من‭ ‬صفاتِهِ؛‭ ‬لإثباتِ‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬أَو‭ ‬نفيِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬للحَثِّ‭ ‬على›‭ ‬فعْلٍ‭ ‬أَو‭ ‬المنْعِ‭ ‬منهُ‭.‬

ولليمينِ‭ ‬أَحكامُها‭ ‬الشَّرعيَّةُ‭ ‬المفصَّلَةُ؛‭ ‬فمنها‭ ‬اليمينُ‭ ‬المنعقدَةُ‭ ‬الَّتي‭ ‬تجِبُ‭ ‬الكفَّارَةُ‭ ‬عندَ‭ ‬الحنَثِ‭ ‬بها،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تترتَّبُ‭ ‬عليهِ‭ ‬كفَّارَةٌ‭ ‬لاختلافِ‭ ‬حقيقتِهِ‭ ‬وحكمِهِ‭.‬

وأَمَّا‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬فليسَتْ‭ ‬مجرَّدَ‭ ‬حلْفٍ‭ ‬باللهِ‭ ‬تعالى›،‭ ‬بلْ‭ ‬هيَ‭ ‬دعاءٌ‭ ‬بأَن‭ ‬تنزِلَ‭ ‬لعنَةُ‭ ‬اللهِ‭ ‬وعقوبتُهُ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬المتعمِّدِ؛‭ ‬ولهذا‭ ‬كانَتْ‭ ‬أَخطَرَ‭ ‬من‭ ‬مطلَقِ‭ ‬اليمينِ،‭ ‬وأَشَدَّ‭ ‬وقعًا‭ ‬وأَبعَدَ‭ ‬عن‭ ‬مواطنِ‭ ‬التَّساهُلِ‭.‬

وخلاصَةُ‭ ‬الفَرْقِ‭:‬

‮‬‭ -١ ‬المباهَلَةُ‭: ‬دعاءٌ‭ ‬متبادَلٌ‭ ‬باللَّعنَةِ‭ ‬على‭ ‬الكاذِبِ‭ ‬في‭ ‬قضيَّةٍ‭ ‬دينيَّةٍ‭ ‬عظيمَةٍ‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬اللِّعانُ‭: ‬حُكْمٌ‭ ‬قضائيٌّ‭ ‬مخصوصٌ‭ ‬بينَ‭ ‬الزَّوجَينِ؛‭ ‬لَهُ‭ ‬صفَةٌ‭ ‬وآثارٌ‭ ‬منصوصَةٌ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬الْيَّمينُ‭: ‬حِلْفٌ‭ ‬باللهِ‭ ‬لتوكيدِ‭ ‬قولٍ‭ ‬أَو‭ ‬التزامِ‭ ‬فعْلٍ‭ ‬أَو‭ ‬تركِهِ،‭ ‬ولَهُ‭ ‬أَحكامُهُ‭ ‬وكفَّارتُهُ‭ ‬عندَ‭ ‬الحنَثِ‭ ‬في‭ ‬اليمينِ‭ ‬المنعقدَةِ‭.‬

فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬الخلْطُ‭ ‬بينَ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الأَبوابِ،‭ ‬ولا‭ ‬تنزيلُ‭ ‬أَحكامِ‭ ‬أَحدِها‭ ‬على‭ ‬الآخَرِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬اختلافَ‭ ‬الأَسماءِ‭ ‬والحقائقِ‭ ‬والأَسبابِ‭ ‬يقتضي‭ ‬اخْتِلافَ‭ ‬الأَحكامِ‭ ‬والآثارِ‭.‬

عاشرًا‭- ‬هلْ‭ ‬تنزِلُ‭ ‬العقوبَةُ‭ ‬حتمًا‭ ‬على‭ ‬المُبطِلِ؟

المباهَلَةُ‭ ‬تعريضٌ‭ ‬للنَّفسِ‭ ‬للَّعنَةِ‭ ‬والعقوبَةِ‭ ‬إن‭ ‬كانَ‭ ‬صاحبُها‭ ‬كاذِبًا‭ ‬مبطلًا؛‭ ‬ولذلكَ‭ ‬فهيَ‭ ‬مقامٌ‭ ‬شديدُ‭ ‬الخطورَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬سيَّما‭ ‬على›‭ ‬مَن‭ ‬يعلْمُ‭ ‬من‭ ‬نفسِهِ‭ ‬الكذِبَ،‭ ‬أَو‭ ‬يتكلَّمُ‭ ‬بغيرِ‭ ‬علْمٍ‭ ‬ويقينٍ‭.‬

غيرَ‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬الجزْمُ‭ ‬بأَنَّ‭ ‬العقوبَةَ‭ ‬لا‭ ‬بُدَّ‭ ‬أَن‭ ‬تقَعَ‭ ‬بصورَةٍ‭ ‬معيَّنَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬خلالَ‭ ‬مدَّةٍ‭ ‬محدَّدَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬أَنَّ‭ ‬كلَّ‭ ‬مرضٍ‭ ‬أَو‭ ‬موتٍ‭ ‬أَو‭ ‬مصيبَةٍ‭ ‬تقعُ‭ ‬لأَحدِ‭ ‬المتباهلَينِ‭ ‬بعدَ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬إنَّما‭ ‬وقعَتْ‭ ‬بسببِها؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬تعيينَ‭ ‬أَسبابِ‭ ‬الحوادثِ،‭ ‬وربطَها‭ ‬بأَقدارِ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›،‭ ‬منَ‭ ‬الأُمورِ‭ ‬الَّتي‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬القولُ‭ ‬فيها‭ ‬بغيرِ‭ ‬بيِّنَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬دليلٍ‭.‬

وما‭ ‬نُقِلَ‭ ‬عن‭ ‬بعضِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ‭ ‬من‭ ‬أًنَّ‭ ‬المُبطِلَ‭ ‬في‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬لا‭ ‬تمضي‭ ‬عليهِ‭ ‬سنَةٌ؛‭ ‬فإنَّما‭ ‬ذُكِرَ‭ ‬على›‭ ‬سبيلِ‭ ‬التَّجربَةِ‭ ‬والمشاهدَةِ،‭ ‬وليسَ‭ ‬حديثًا‭ ‬نبويًّا‭ ‬ثابتًا،‭ ‬ولا‭ ‬قاعدَةً‭ ‬شرعيَّةً‭ ‬قطعيَّةً‭ ‬يُحكَمُ‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬الأَشخاصِ‭ ‬والحوادِثِ‭.‬

كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬عدَمَ‭ ‬ظُهُورِ‭ ‬العقوبَةِ‭ ‬عاجِلًا‭ ‬لا‭ ‬يدُلُّ‭ ‬على›‭ ‬صدْقِ‭ ‬المتباهِلِ،‭ ‬ولا‭ ‬على›‭ ‬صحَّةِ‭ ‬قولِهِ؛‭ ‬فقَدْ‭ ‬يُمهِلُ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى‭ ‬الظَّالِمَ‭ ‬ولا‭ ‬يُهمِلُهُ،‭ ‬وقدْ‭ ‬تكونُ‭ ‬عقوبتُهُ‭ ‬معنويَّةً‭ ‬بخذلانِهُ،‭ ‬أَو‭ ‬طمسِ‭ ‬بصيرتِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬سقوطِ‭ ‬قبولِهِ،‭ ‬وقدْ‭ ‬يؤَخِّرُ‭ ‬اللهُ‭ ‬جزاءَهُ‭ ‬إلى‭ ‬الآخرَةِ،‭ ‬وقدْ‭ ‬تقَعُ‭ ‬بهِ‭ ‬عقوبَةٌ‭ ‬لا‭ ‬يطَّلِعُ‭ ‬عليها‭ ‬النَّاسُ‭.‬

فالمباهَلَةُ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬تجربَةً‭ ‬مخبريَّةً‭ ‬ينتظِرُ‭ ‬النَّاسُ‭ ‬نتيجتَها‭ ‬في‭ ‬أَسبوعٍ‭ ‬أَو‭ ‬شهرٍ‭ ‬أَو‭ ‬سنَةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬تتبُّعُ‭ ‬أَمراضِ‭ ‬المتباهلينَ‭ ‬ومصائبِهم‭ ‬ووفياتِ‭ ‬أَقربائِهم،‭ ‬ثم‭ ‬الجزْمُ‭ ‬بأَنَّها‭ ‬ثمرَةُ‭ ‬المباهَلَةِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬ذلكَ‭ ‬منَ‭ ‬التَّكلُّفِ‭ ‬في‭ ‬تفسيرِ‭ ‬الأَقدارِ،‭ ‬والقولِ‭ ‬على‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭ ‬بغيرِ‭ ‬علْمٍ‭.‬

والميزانُ‭ ‬في‭ ‬معرفَةِ‭ ‬الحقِّ‭ ‬هو‭ ‬الدَّليلُ‭ ‬والحُجَّةُ،‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬يطْرَأُ‭ ‬على‭ ‬المتَخاصمينَ‭ ‬بعدَ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬من‭ ‬حوادِثَ‭ ‬وأَقدارٍ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬يُبتَلَى‭ ‬المحِقُّ،‭ ‬ويُمهَلُ‭ ‬المبطِلُ،‭ ‬ولا‭ ‬يخْرُجُ‭ ‬شَيْءٌ‭ ‬منَ‭ ‬ذلكَ‭ ‬عن‭ ‬حكْمَةِ‭ ‬اللهِ‭ ‬وعدْلِهِ‭.‬

الحادي‭ ‬عشَرَ‭- ‬أَخطاءُ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬المعاصرَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬سيَّما‭ ‬في‭ ‬وسائِلِ‭ ‬التَّواصِلِ‭:‬

من‭ ‬أَبرَزِ‭ ‬صُورِ‭ ‬الخلَلِ‭ ‬والانحرافِ‭ ‬في‭ ‬اسْتِعمالِ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬في‭ ‬زمانِنا‭:‬

١-‭ ‬جَعْلُ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬بَديلًا‭ ‬عنَ‭ ‬الدَّليلِ‭:‬

إذا‭ ‬عجَزَ‭ ‬بعضُ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬عن‭ ‬إثباتِ‭ ‬دعواهُ،‭ ‬أَو‭ ‬ضاقَ‭ ‬عنَ‭ ‬الجوابِ‭ ‬على›‭ ‬اعتراضاتِ‭ ‬مخالفِهِ،‭ ‬قالَ‭ ‬لَهُ‭: (‬باهِلْني‭)‬؛‭ ‬ليُظهِرَ‭ ‬أَمامَ‭ ‬الجمهورِ‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬واثِقٌ‭ ‬من‭ ‬نفسِهِ‭.‬

والصَّوابُ‭: ‬أَنَّ‭ ‬المباهلَةَ‭ ‬تأْتي‭ ‬بعدَ‭ ‬اكتمالِ‭ ‬الحُجَّةِ‭ ‬ووضوحِ‭ ‬البُرهانِ؛‭ ‬لا‭ ‬لتغطيَةِ‭ ‬ضُعْفِ‭ ‬الدَّليلِ،‭ ‬أَو‭ ‬العجْزِ‭ ‬عن‭ ‬تحريرِ‭ ‬المسأَلَةِ؛‭ ‬فمَنْ‭ ‬لم‭ ‬يملِكِ‭ ‬الحُجَّةَ‭ ‬لا‭ ‬تَصْنَعُ‭ ‬لَهُ‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬حُجَّةً‭.‬

٢-‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬على‭ ‬النِّيَّاتِ‭ ‬والمقاصِدِ‭ ‬الخفيَّةِ‭:‬

كأَنْ‭ ‬يقولَ‭ ‬شخْصٌ‭ ‬لمخالفِهِ‭: ‬نبتَهِلْ‭ ‬على›‭ ‬أَنَّكَ‭ ‬لم‭ ‬تقُلْ‭ ‬هذا‭ ‬إلَّا‭ ‬طلبًا‭ ‬للشُّهرَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬حسَدًا‭ ‬لفلانٍ،‭ ‬أَو‭ ‬رغبَةً‭ ‬في‭ ‬إسقاطي‭.‬

والنِّيَّاتُ‭ ‬من‭ ‬أَعمالِ‭ ‬القلوبِ‭ ‬الَّتي‭ ‬لا‭ ‬يعلَمُ‭ ‬حقيقتَها‭ ‬إلَّا‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى›؛‭ ‬فلا‭ ‬تجوزُ‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬على›‭ ‬أَمْرٍ‭ ‬خفيٍّ‭ ‬لا‭ ‬سبيلَ‭ ‬إلى‭ ‬القطْعِ‭ ‬بهِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬الحكمَ‭ ‬على‭ ‬السَّرائِرِ‭ ‬بغيرِ‭ ‬بيِّنَةٍ‭ ‬جرأَةٌ‭ ‬وظُلْمٌ‭.‬

٣-‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬على‭ ‬الأَخبارِ‭ ‬غيرِ‭ ‬الموثَّقَةِ‭:‬

قدْ‭ ‬يباهِلُ‭ ‬المرْءُ‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬خبرٍ‭ ‬منقولٍ،‭ ‬أَو‭ ‬مقطُعٍ‭ ‬مبتُورٍ،‭ ‬أَو‭ ‬روايَةٍ‭ ‬لم‭ ‬يشهدْها‭ ‬بنفسِهِ،‭ ‬ثم‭ ‬يتبيَّنُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬النَّاقِلَ‭ ‬أَخطأَ،‭ ‬أَو‭ ‬وَهِمَ،‭ ‬أَو‭ ‬زادَ‭ ‬ونقَصَ‭.‬

فيكونُ‭ ‬المتباهِلُ‭ ‬قدْ‭ ‬عرَّضَ‭ ‬نفسَهُ‭ ‬للدُّعاءِ‭ ‬باللَّعنَةِ‭ ‬والعقوبَةِ‭ ‬في‭ ‬واقعَةٍ‭ ‬لا‭ ‬يملكُ‭ ‬علمًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬بها،‭ ‬ولا‭ ‬دليلًا‭ ‬قاطعًا‭ ‬على›‭ ‬صحَّتِها‭.‬

٤-‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬في‭ ‬تقويمِ‭ ‬الأَشخاصِ‭ ‬ومسائِلِ‭ ‬الجرْحِ‭ ‬والتَّعديلِ‭:‬

الحكمُ‭ ‬على‭ ‬الأَشخاصِ‭ ‬والدُّعاةِ‭ ‬والعلماءِ‭ ‬بابٌ‭ ‬دقيقٌ،‭ ‬يحتاجُ‭ ‬إلى›‭ ‬علْمٍ‭ ‬وعدْلٍ‭ ‬وتثبُّتٍ،‭ ‬وجمْعٍ‭ ‬لكلامِ‭ ‬الشَّخصِ،‭ ‬ومعرفَةٍ‭ ‬بسياقِهِ‭ ‬وملابساتِهِ،‭ ‬والتَّفريقِ‭ ‬بينَ‭ ‬الخطإ‭ ‬العارضِ‭ ‬والمنهجِ‭ ‬المستَقَرِّ‭.‬

فلا‭ ‬ينبغي‭ ‬أَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬هذِهِ‭ ‬المسائِلُ‭ ‬إلى›‭ ‬مباهلاتٍ‭ ‬بينَ‭ ‬أَتباعِ‭ ‬المشايخِ‭ ‬والجماعاتِ،‭ ‬ولا‭ ‬أَن‭ ‬تُستعمَلَ‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬وسيلَةً‭ ‬لإلزامِ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬بتقويمٍ‭ ‬شخصيٍّ‭ ‬أَو‭ ‬اجتهادٍ‭ ‬في‭ ‬رجلٍ‭ ‬منَ‭ ‬الرِّجالِ‭.‬

٥-‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬في‭ ‬الاجتهاداتِ‭ ‬والمواقفِ‭ ‬السِّياسيَّةِ‭:‬

تقومُ‭ ‬كثيرٌ‭ ‬منَ‭ ‬المواقفِ‭ ‬السِّياسيَّةِ‭ ‬على›‭ ‬اجْتِهادٍ‭ ‬في‭ ‬تحقيقِ‭ ‬المصالحِ‭ ‬والمفاسِدِ،‭ ‬وتقديرِ‭ ‬المآلاتِ،‭ ‬وترجيحٍ‭ ‬بينَ‭ ‬معلوماتٍ‭ ‬قدْ‭ ‬تكونُ‭ ‬ناقصَةً‭ ‬أَو‭ ‬متعارضَةً‭.‬

فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬لكلِّ‭ ‬فريقٍ‭ ‬أَن‭ ‬يجعَلَ‭ ‬لعنَةَ‭ ‬اللهِ‭ ‬على›‭ ‬مخالفِهِ‭ ‬في‭ ‬مسائِلَ‭ ‬تحتمِلُ‭ ‬النَّظَرَ‭ ‬والاجتهادَ؛‭ ‬إذْ‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬المخالِفُ‭ ‬مخطئًا‭ ‬في‭ ‬تقديرِهِ؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬لا‭ ‬يكونُ‭ ‬كاذِبًا‭ ‬متعمِّدًا‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬مخالفتِهِ‭.‬

٦-‭ ‬تحويلُ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬إلى›‭ ‬تحدٍّ‭ ‬جماهيريٍّ‭:‬

قدْ‭ ‬يتحدَّى›‭ ‬أَحدُهم‭ ‬خصمَهُ‭ ‬علنًا،‭ ‬ثم‭ ‬يجعَلُ‭ ‬قبولَ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬علامَةً‭ ‬على‭ ‬الشَّجاعَةِ‭ ‬والصِّدْقِ،‭ ‬ورفضَها‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬الخوفِ‭ ‬والكذِبِ‭.‬

وهذا‭ ‬تلبيسٌ‭ ‬ظاهِرٌ؛‭ ‬فالعاقِلُ‭ ‬الورعُ‭ ‬قدْ‭ ‬يرفِضُ‭ ‬المباهلَةَ‭ ‬لأَنَّهُ‭ ‬يعلَمُ‭ ‬أَنَّها‭ ‬ليسَتْ‭ ‬في‭ ‬موضعِها،‭ ‬أَو‭ ‬لأَنَّ‭ ‬شروطَها‭ ‬لم‭ ‬تتحقَّقْ،‭ ‬أَو‭ ‬لأَنَّ‭ ‬مفسدتَها‭ ‬أَعظمُ‭ ‬من‭ ‬مصلحتِها؛‭ ‬بينما‭ ‬قدْ‭ ‬يُقدِمُ‭ ‬عليها‭ ‬الجاهِلُ‭ ‬المتهوِّرُ‭ ‬لضُعْفِ‭ ‬فقهِهِ‭ ‬وقلَّةِ‭ ‬إدراكِهِ‭ ‬لخطورتِها‭.‬

٧-‭ ‬إدْخالُ‭ ‬الزَّوجَةِ‭ ‬والأَولادِ‭ ‬في‭ ‬الدُّعاءِ‭ ‬بالعقوبَةِ‭:‬

لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬للإنسانِ‭ ‬أَن‭ ‬يدعوَ‭ ‬بالهلاكِ،‭ ‬أَو‭ ‬المرضِ،‭ ‬أَو‭ ‬البلاءِ‭ ‬على›‭ ‬زوجتِهِ‭ ‬وأَولادِهِ‭ ‬لإثباتِ‭ ‬قوَّةِ‭ ‬موقفِهِ‭ ‬أَو‭ ‬صِدْقِ‭ ‬دعواهُ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬أَهلَهُ‭ ‬وأَولادَهُ‭ ‬أَمانَةٌ‭ ‬في‭ ‬عنقِهِ،‭ ‬وليسُوا‭ ‬محلًّا‭ ‬للمغامرَةِ‭ ‬أَو‭ ‬وسيلَةً‭ ‬للضغْطِ‭ ‬النَّفسيِّ‭ ‬في‭ ‬الخُصُوماتِ‭.‬

وذكرُ‭ ‬الأَبناءِ‭ ‬والنِّساءِ‭ ‬في‭ ‬آيَةِ‭ ‬المباهَلَةِ؛‭ ‬لا‭ ‬يدُلُّ‭ ‬على›‭ ‬مشروعيَّةِ‭ ‬الدُّعاءِ‭ ‬عليهم‭ ‬بالهلاكِ،‭ ‬ولا‭ ‬على›‭ ‬جوازِ‭ ‬تعريضِهم‭ ‬للبلاءِ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬نزاعٍ‭.‬

٨-‭ ‬تعميمُ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬صغيرَةٍ‭ ‬وكبيرَةٍ‭:‬

من‭ ‬أَعظَمِ‭ ‬الأَخطَاءِ‭ ‬أَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬المباهلَةُ‭ ‬إلى›‭ ‬أُسلوبٍ‭ ‬معتادٍ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬اختلافٍ‭ ‬أَو‭ ‬اتِّهامٍ؛‭ ‬حتَّى›‭ ‬يباهِلَ‭ ‬النَّاسُ‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬شخصيَّةِ،‭ ‬ورسائِلَ‭ ‬مبتورَةِ،‭ ‬وخلافاتٍ‭ ‬إداريَّةٍ،‭ ‬ومسائِلَ‭ ‬فقهيَّةٍ‭ ‬اجتهاديَّةٍ‭.‬

وهذا‭ ‬يُفقِدُ‭ ‬المباهلَةَ‭ ‬هيبتَها‭ ‬الشَّرعيَّة،‭ ‬ويجرِّئُ‭ ‬العامَّةَ‭ ‬على‭ ‬اللَّعْنِ‭ ‬والدُّعاءِ‭ ‬بالعقوبَةِ‭ ‬بغيرِ‭ ‬علْمٍ‭ ‬ولا‭ ‬ورعٍ‭.‬

٩-‭ ‬تفسيرُ‭ ‬كلِّ‭ ‬مصيبَةٍ‭ ‬بعدَ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬بأَنَّها‭ ‬عقوبَةٌ‭:‬

قدْ‭ ‬يقَعُ‭ ‬لأَحَدِ‭ ‬المتباهلَينِ‭ ‬مرضٌ،‭ ‬أَو‭ ‬حادِثٌ،‭ ‬أَو‭ ‬فقدٌ؛‭ ‬فيُسارِعُ‭ ‬النَّاسُ‭ ‬إلى‭ ‬القولِ‭:‬

هذِهِ‭ ‬نتيجَةُ‭ ‬المباهَلَةِ‭.‬

وهذا‭ ‬منَ‭ ‬القولِ‭ ‬على‭ ‬اللهِ‭ ‬بغيرِ‭ ‬علْمٍ‭!‬

لأَنَّ‭ ‬البلاءَ‭ ‬قدْ‭ ‬يصيِبُ‭ ‬الصَّالحَ‭ ‬والطَّالحَ،‭ ‬والمحِقَّ‭ ‬والمبطِلَ‭.‬

ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬تعيينُ‭ ‬سبَبِ‭ ‬المصيبَةِ‭ ‬الغيبيِّ‭ ‬بالظُّنونِ‭ ‬والتَّخميناتِ‭.‬

الثَّاني‭ ‬عشَرَ‭- ‬المنهَجُ‭ ‬الشَّرعيُّ‭ ‬الواجِبُ‭ ‬قبْلَ‭ ‬التَّفْكيرِ‭ ‬في‭ ‬المباهَلَةِ‭:‬

قبلَ‭ ‬أَن‭ ‬يقولَ‭ ‬المرْءُ‭ ‬لمخالفِهِ: (‬أُباهِلُكَ)‭ ‬يجِبُ‭ ‬عليهِ‭ ‬أَن‭ ‬يسلُكَ‭ ‬المنهجَ‭ ‬الشَّرعيَّ‭ ‬في‭ ‬معالجَةِ‭ ‬الخلافِ،‭ ‬وذلكَ‭ ‬من‭ ‬خلالِ‭ ‬المراحِلِ‭ ‬الآتيَةِ‭:‬

١-‭ ‬التثبُّتُ‭ ‬من‭ ‬أَصْلِ‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬ووقوعِها‭.‬

٢-‭ ‬تصحيحُ‭ ‬النَّقْلِ،‭ ‬وتوثيقُ‭ ‬الكلامِ،‭ ‬والرُّجوعُ‭ ‬إلى›‭ ‬مصدرِهِ‭ ‬وسياقِهِ‭.‬

٣-‭ ‬تحريرُ‭ ‬محلِّ‭ ‬النِّزاعِ،‭ ‬وبيانُ‭ ‬موضِعِ‭ ‬الاتِّفاقِ‭ ‬وموضِعِ‭ ‬الاختلافِ‭.‬

٤-‭ ‬التَّمييزُ‭ ‬بينَ‭ ‬القطعيِّ‭ ‬والاجتهاديِّ،‭ ‬وبينَ‭ ‬الحقائِقِ‭ ‬والظُّنونِ‭.‬

٥-‭ ‬جمعُ‭ ‬الأَدلَّةِ‭ ‬وفهمُها‭ ‬وفقَ‭ ‬مناهجِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلمِ،‭ ‬لا‭ ‬وفقَ‭ ‬الهوى‭ ‬والانفعالِ‭.‬

٦-‭ ‬الرُّجوعُ‭ ‬إلى‭ ‬العلماءِ‭ ‬الرَّاسخينَ‭ ‬في‭ ‬المسأَلَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬سيَّما‭ ‬عندَ‭ ‬اشتباهِها‭ ‬أَو‭ ‬عِظَمِ‭ ‬آثارِها‭.‬

٧-‭ ‬بذْلُ‭ ‬النُّصْحِ‭ ‬بالرّفِقِْ‭ ‬والحكْمَةِ،‭ ‬والبدْءُ‭ ‬بالسِّرِّ‭ ‬متى›‭ ‬كانَ‭ ‬ذلكَ‭ ‬أَنفَعَ‭ ‬وأَقرَبَ‭ ‬للإصلاحِ‭.‬

٨-‭ ‬إزالَةُ‭ ‬الشُّبهَةِ،‭ ‬والجوابُ‭ ‬عنَ‭ ‬الاعتراضاتِ،‭ ‬والتَّأْكُّدُ‭ ‬من‭ ‬فهمِ‭ ‬المخالِفِ‭ ‬للحُجَّةِ‭.‬

٩-‭ ‬النَّظَرُ‭ ‬في‭ ‬المصالحِ‭ ‬والمفاسِدِ‭ ‬والمآلاتِ‭ ‬المتوقَّعَةِ‭.‬

١٠-‭ ‬تركُ‭ ‬الخُصُومَةِ‭ ‬والجدَلِ‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يترتَّبْ‭ ‬على›‭ ‬اسْتِمرارِهما‭ ‬مصلحَةٌ‭ ‬شرعيَّةٌ‭.‬

فإذا‭ ‬اسْتُنفدَتْ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الوسائِلُ،‭ ‬وكانَتِ‭ ‬المسأَلَةُ‭ ‬عظيمَةً‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬وكانَ‭ ‬الحقُّ‭ ‬فيها‭ ‬ظاهِرًا‭ ‬بيِّنًا‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬مسائِلِ‭ ‬الاجتهادِ‭ ‬السَّائِغِ،‭ ‬وقامَتِ‭ ‬الحُجَّةُ‭ ‬على‭ ‬المخالِفِ،‭ ‬وظهَرَ‭ ‬إصرارُهُ‭ ‬على‭ ‬الباطِلِ،‭ ‬وكانَ‭ ‬لقولِهِ‭ ‬ضَرَرٌ‭ ‬متعَدٍّ،‭ ‬وتحقَّقَتْ‭ ‬في‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬مصلحَةٌ‭ ‬شرعيَّةٌ‭ ‬راجحَةٌ؛‭ ‬فحينئِذٍ‭ ‬ينظَرُ‭ ‬أَهلُ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والبصيرَةِ‭ ‬في‭ ‬مشروعيَّتِها‭ ‬وجدواها‭.‬

أَمَّا‭ ‬أَن‭ ‬يتولاها‭ ‬كلُّ‭ ‬متابِعٍ‭ ‬من‭ ‬هاتفِهِ،‭ ‬عندَ‭ ‬كلِّ‭ ‬خصومِةٍ‭ ‬أَو‭ ‬تعليقٍ‭ ‬أَو‭ ‬اختلافٍ؛‭ ‬فليسَ‭ ‬من‭ ‬فقهِ‭ ‬المباهلَةِ،‭ ‬بلْ‭ ‬هو‭ ‬منَ‭ ‬التَّهوُّرِ‭ ‬والجرأَةِ‭ ‬على›‭ ‬مقامٍ‭ ‬شرعيٍّ‭ ‬عظيمٍ‭.‬

فالأَصْلُ‭ ‬في‭ ‬الخلافِ‭: ‬

العلْمُ،‭ ‬والبيانُ،‭ ‬والحُجَّةُ،‭ ‬والنُّصْحُ،‭ ‬والصَّبْرُ،‭ ‬والعَدْلُ‭.‬

وأَمَّا‭ ‬المباهَلَةُ‭ ‬فمرحلَةٌ‭ ‬استثنائيَّةٌ‭ ‬لا‭ ‬يُلجأُ‭ ‬إليها‭ ‬إلَّا‭ ‬بعدَ‭ ‬استنفادِ‭ ‬ما‭ ‬قبلَها،‭ ‬وتحقُّقِ‭ ‬شروطِها،‭ ‬وانتفاءِ‭ ‬موانعِها‭.‬

الخُلاصَةُ‭ ‬الفِقهيَّةُ‭:‬

المباهَلَةُ‭: ‬مشروعَةٌ‭ ‬في‭ ‬أَصلِها،‭ ‬ولكنَّها‭ ‬مقامٌ‭ ‬استثنائيٌّ،‭ ‬وليسَتْ‭ ‬أَصْلًا‭ ‬مطَّردًا‭ ‬ولا‭ ‬وسيلَةً‭ ‬معتادَةً‭ ‬في‭ ‬معالجَةِ‭ ‬الخلافاتِ‭ ‬والخُصُوماتِ‭.‬

ولا‭ ‬يُصارُ‭ ‬إليها؛‭ ‬إلَّا‭ ‬إذا‭ ‬اجْتَمَعَتْ‭ ‬جملَةٌ‭ ‬منَ‭ ‬الشُّروطِ‭ ‬والضَّوابطِ،‭ ‬من‭ ‬أَهمِّها‭:‬

‮‬‭ -١ ‬أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬عظيمًةً‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬الدِّينِ‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬الحقُّ‭ ‬فيها‭ ‬ظاهرًا‭ ‬بيِّنًا،‭ ‬لا‭ ‬مبنيًّا‭ ‬على‭ ‬الظُّنونِ‭ ‬والاحتمالاتِ‭.‬

‬‭ -٣ ‬أَن‭ ‬تقومَ‭ ‬الحُجَّةُ‭ ‬على‭ ‬المخالِفِ‭ ‬قيامًا‭ ‬صحيحًا‭.‬

‮‬‭ -٤ ‬أَن‭ ‬تُزالَ‭ ‬شُبهتُهُ،‭ ‬ويُبذَلَ‭ ‬لَهُ‭ ‬النُّصْحُ‭ ‬والبيانُ‭.‬

‮‬‭ -٥ ‬أَن‭ ‬يظهَرَ‭ ‬منهُ‭ ‬الإصرارُ‭ ‬على‭ ‬الباطِلِ‭ ‬بعدَ‭ ‬قيامِ‭ ‬الحُجَّةِ‭.‬

‮‬‭ -٦ ‬أَلَّا‭ ‬تكونَ‭ ‬المسأَلَةُ‭ ‬من‭ ‬مسائِلِ‭ ‬الاجتهادِ‭ ‬السَّائِغِ‭.‬

‮‬‭-٧ ‬ أَن‭ ‬يُخلِصَ‭ ‬طالِبُ‭ ‬المباهَلَةِ‭ ‬قصْدَهُ‭ ‬للهِ‭ ‬تعالى›‭.‬

‮- ‬‭٨‬‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬من‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والبصيرَةِ‭ ‬والصَّلاحِ‭.‬

‮٩- ‬أَن‭ ‬ترجِحَ‭ ‬مصلحتُها،‭ ‬وأَلَّا‭ ‬يترتَّبَ‭ ‬عليها‭ ‬منَ‭ ‬الفتنَةِ‭ ‬والفسادِ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أَعظمُ‭.‬

‮‬‭ -١٠ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬محَلُّ‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬محدَّدًا‭ ‬واضحًا‭ ‬منضبطًا،‭ ‬لا‭ ‬إجمالَ‭ ‬فيهِ‭ ‬ولا‭ ‬اشتباهَ‭.‬

أَمَّا‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬وسائِلِ‭ ‬التَّواصِلِ‭ ‬الاجتماعيِّ‭ ‬منَ‭ ‬الدَّعوَةِ‭ ‬إلى‭ ‬المباهلَةِ‭ ‬عندَ‭ ‬كلِّ‭ ‬صغيرَةٍ‭ ‬وكبيرَةٍ،‭ ‬وفي‭ ‬الأَخبارِ‭ ‬غيرِ‭ ‬الموثَّقَةِ،‭ ‬والنِّيَّاتِ‭ ‬الخفيَّةِ،‭ ‬والمسائِلِ‭ ‬الاجتهاديَّةِ،‭ ‬وتقويمِ‭ ‬الأَشخاصِ،‭ ‬والخُصُوماتِ‭ ‬الشَّخصيَّةِ‭ ‬والحزبيَّةِ؛‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬غالبِهِ‭: ‬

جهْلٌ‭ ‬بحقيقَةِ‭ ‬المباهَلَةِ،‭ ‬وجرأَةٌ‭ ‬على‭ ‬الدُّعاءِ‭ ‬باللَّعنَةِ،‭ ‬وتوسُّعٌ‭ ‬مذمومٌ‭ ‬في‭ ‬اسْتِعمالِ‭ ‬حكمٍ‭ ‬شرعيٍّ‭ ‬في‭ ‬غيرِ‭ ‬موضعِهِ‭.‬

فليتَّقِ‭ ‬اللهَ‭! ‬مَن‭ ‬يعرِّضُ‭ ‬نفسَهُ،‭ ‬أَو‭ ‬غيرَهُ‭ ‬للَّعنَةِ‭ ‬والعقوبَةِ،‭ ‬وليعلَمْ‭ ‬أَنَّ‭ ‬الحقَّ‭ ‬لا‭ ‬يثبُتُ‭ ‬بالصِّياحِ‭ ‬والاستعراضِ‭ ‬والتَّحدِّي،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يثبُتُ‭ ‬بالعلْمِ،‭ ‬والحُجَّةِ،‭ ‬والعَدْلِ،‭ ‬والتَّثبُّتِ،‭ ‬والورعِ‭.‬

والعالِمُ‭ ‬الربَّانيُّ؛‭ ‬لا‭ ‬يستعجِلُ‭ ‬الدُّعاءَ‭ ‬باللَّعْنِ‭ ‬والهلاكِ،‭ ‬ولا‭ ‬يجعَلُ‭ ‬المباهلَةَ‭ ‬أَوَّلَ‭ ‬أَدواتِهِ‭ ‬في‭ ‬الخلافِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬يبدَأُ‭ ‬بالعلْمِ‭ ‬والبيانِ،‭ ‬ثم‭ ‬بالنُّصْحِ‭ ‬والرِّفْقِ،‭ ‬ثم‭ ‬بالصَّبْرِ‭ ‬وإزالَةِ‭ ‬الشُّبَهِ،‭ ‬ويدفَعُ‭ ‬الباطِلَ‭ ‬بالَّتي‭ ‬هيَ‭ ‬أَحْسَنُ،‭ ‬ولا‭ ‬ينتقِلُ‭ ‬إلى‭ ‬المقاماتِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭ ‬الاسْتثثنائيَّةِ‭ ‬الخطيرَةِ‭ ‬إلَّا‭ ‬بقدرِها،‭ ‬وبعدَ‭ ‬تحقُّقِ‭ ‬شروطِها‭ ‬وانتفاءِ‭ ‬موانعِها‭ ‬والنَّظَرِ‭ ‬في‭ ‬مآلاتِها‭.‬

فالمباهلَةُ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬دليلًا‭ ‬على›‭ ‬قوَّةِ‭ ‬مَن‭ ‬دعا‭ ‬إليها،‭ ‬ولا‭ ‬الامْتِناعُ‭ ‬عنها‭ ‬دليلًا‭ ‬على›‭ ‬بطلانِ‭ ‬مَن‭ ‬رفضَها؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬الميزانُ‭ ‬هو‭ ‬صحَّةُ‭ ‬الدَّليلِ،‭ ‬ووضوحُ‭ ‬الحُجَّةِ،‭ ‬وسلامَةُ‭ ‬القصْدِ،‭ ‬وموافقَةُ‭ ‬الشَّرْعِ‭.‬

نسأَلُ‭ ‬اللهَ‭ ‬تعالى‭ ‬أَن‭ ‬يُرِيَنا‭ ‬الحقَّ‭ ‬حقًّا‭ ‬ويرزقَنا‭ ‬اتِّباعَهُ،‭ ‬وأَن‭ ‬يُرِيَنا‭ ‬الباطِلَ‭ ‬باطلًا‭ ‬ويرزقَنا‭ ‬اجتنابَهُ،‭ ‬وأَن‭ ‬يطهِّرَ‭ ‬أَلسنتَنا‭ ‬وقلوبَنا‭ ‬منَ‭ ‬الهوى‭ ‬والظُّلمِ‭ ‬والتَّعصُّبِ،‭ ‬وأَن‭ ‬يرزقَنا‭ ‬العلْمَ‭ ‬النَّافِعَ،‭ ‬والعَدْلَ‭ ‬في‭ ‬القولِ‭ ‬والعمَلِ،‭ ‬وأَن‭ ‬يجعلَنا‭ ‬مفاتيحَ‭ ‬للخيرِ،‭ ‬مغاليقَ‭ ‬للشرِّ؛‭ ‬إنَّهُ‭ ‬سميعٌ‭ ‬قريبٌ‭ ‬مجيبُ‭.‬

واللهُ‭ ‬أَعلمُ،‭ ‬وصلَّى‭ ‬اللهُ‭ ‬وسلَّمَ‭ ‬على›‭ ‬نبيِّنا‭ ‬محمَّدٍ،‭ ‬وعلى›‭ ‬آلِه‭ ‬وصحبِهِ‭ ‬أَجمعينَ‭.‬

والحمدُ‭ $‬ِ‭ ‬الَّذي‭ ‬بنعمتِهِ‭ ‬تتمُّ‭ ‬الصَّالحاتُ‭.‬

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

١٣ صفر ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/٢٩م

Previous
Previous

نداءُ‭ ‬الأُمَّةِ‭ :‬لنجمَعِ‭ ‬الكلمَةَ‭ ‬على‭ ‬الحقِّ

Next
Next

‮»‬أَهْلُ‭ ‬القِبْلَةِ‮«‬