»فقهُ المُباهلَةِ في الشَّريعَةِ الإِسلاميَّةِ«
مشروعيَّتُها، وشروطُها، وضوابطُها، وخطرُ التَّوسُّعِ فيها
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على› رَسُولِ اللهِ، وعلى› آلِهِ وصَحْبِهِ ومَن والاهُ، أَمَّا بعدُ:
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
فقد كثُرَ في زمانِنا - ولا سيَّما في ساحاتِ الجدَلِ ومواقعِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ - أَن يدعوَ بعضُ المتخاصمينَ بعضًا إلى »المباهَلَةِ« عندَ كلِّ نزاعٍ، أَو اختلافٍ، أَو اتِّهامٍ، أَو مسأَلَةٍ اجتهاديَّةٍ؛ حتَّى تحوَّلَتْ عندَ بعضِهم من وسيلَةٍ شرعيَّةٍ استثنائيَّةٍ لها مقامُها وشروطُها، إلى أَداةٍ للضَّغْطِ النَّفسيِّ، وإظهارِ الثِّقَةِ، وإحراجِ الخصْمِ، واستجلابِ المتابعينَ، والانتصارِ في ساحاتِ الجدَلِ.
وهذا مسلكٌ بعيدٌ عن» فقهِ الشَّريعَةِ ومقاصدِها«؛ لأَنَّ المباهلَةَ ليسَتْ لعبَةً لفظيَّةً، ولا لونًا من أَلوانِ التَّحدِّي والمغالبَةِ، ولا ميدانًا للمغامَرَةِ بالدُّعاءِ واللَّعْنِ، ولا بديلًا عن العلْمِ والحجَّةِ والبيِّنَةِ؛ بلْ هي مقامٌ شرعيٌّ خطيرٌ لا يُصارُ إليهِ إلَّا بعدَ استنفادِ وسائلِ البيانِ، وإقامَةِ الحُجَّةِ، وبذْلِ النُّصْحِ، وإزالَةِ الشُّبَهِ، وظُهُورِ العنادِ والإصرارِ على الباطِلِ.
ولكي نُحيطَ بهذِهِ المسأَلَةِ إحاطَةً علميَّةً، ونفهمَ فقهَها فهمًا صحيحًا؛ فلا بُدَّ من بسْطِ القولِ فيها من خلالِ جملَةٍ منَ المحاورِ، من أَهمِّها:
تعريفُ المباهَلَةِ وبيانُ حقيقتِها، وأَصلُ مشروعيتِها، وحكْمُها، ومقاصدُها الشرعيَّةُ والحكْمَةُ من مشروعيتِها، وشروطُها وضوابطُها وموانعُها، والمسائلُ التي تُشرعُ فيها، ومَن يملكُ الدَّعوَةَ إليها، والفرقُ بينَ المباهلةِ واللِّعانِ واليمينِ والدُّعاءِ على الظَّالمِ، وصيغتُها وزمانُها ومكانُها، وآثارُها ومآلاتُها، وأَخطاءُ المباهلَةِ المعاصرَةِ، والمنهجُ الشَّرعيُّ الواجِبُ اتِّباعُهُ قبلَ الانتقالِ إليها.
وبتحريرِ هذِهِ المحاورِ يتبيَّنُ أَنَّ المباهَلَةَ ليسَتْ بابًا مفتوحًا لكلِّ مختلفَينَ، ولا وسيلَةً معتادَةً لحسْمِ المنازعاتِ؛ بلْ هيَ اسْتِثناءٌ شرعيٌّ مضبوطٌ، لا يُلجأُ إليهِ إلَّا في موضعِهِ، وبعدَ تحقُّقِ شروطِهِ وانتفاءِ موانعِهِ.
أَوَّلًا- معنَى المباهَلَةِ، وبيانُ حقيقتِها الشَّرعيَّةِ:
-١ المباهَلَةُ في اللُّغَةِ:
مأْخوذَةٌ منَ »البَهْلِ« وهو التَّرْكُ والتَّخْلِيَةُ، ويأْتي بمعنَى اللَّعْنِ والإبعادِ عن رحمَةِ اللهِ تعالى›.
وأَمَّا» الابْتِهالُ« فهو التَّضرُّعُ إلى اللهِ، والاجتهادُ والإخلاصُ في الدُّعاءِ.
-٢ والمباهَلَةُ في الاصطلاحِ:
أَن يجتمَعَ المختلفانِ في أَمرٍ في أمرٍ عظيمٍ من أُمورِ الدِّينِ، بعدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ، ووضوحِ الحقِّ، واسْتمرارِ أَحدِهما على العِنادِ والمكابرَةِ؛ فيدْعوَ كلٌّ منهما اللهَ تعالى› أَن يجعَلَ لعنتَهُ وعقوبتَهُ على الكاذِبِ المبطِلِ منهما.
-فليسَتِ المباهَلَةُ مجرَّدَ أَن يقولَ أَحدُ المتخاصمَينِ للآخرِ:) باهِلْني).
- ولا هيَ مجرَّدُ الحلْفِ باللهِ تعالى› على صِدْقِ الدَّعوى›.
وإنَّما حقيقتُها :دعاءٌ متبادَلٌ وابْتهالٌ إلى اللهِ تعالى› بأَن يُنزِلَ لعنتَهُ وعقوبتَهُ على الكاذِبِ المتعمِّدِ في القضيَّةِ المتنازَعِ فيها.
ومن هُنا؛ يتبيَّنُ أَنَّ المباهَلَةَ أَغلَظُ من مجرَّدِ اليمينِ، وأَخطَرُ من مطلَقِ الدُّعاءِ!
لأَنَّ المتباهَلَ يُعرِّضُ نفسَهُ للَّعنَةِ والعقوبَةِ إن كان كاذِبًا أَو متعمِّدًا للباطِلِ، ولذلكَ لم تكُنْ بابًا للتَّجربَةِ أَو المغالبَةِ؛ بلْ مقامًا شرعيًّا بالِغَ الخُطُورَةِ لا يدخُلُهُ العاقِلُ إلَّا بعلْمٍ ويقينٍ وورَعٍ.
ثانيًا -أَصْلُ مشروعيَّةِ المباهَلَةِ منَ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ:
الأَصْلُ في مشروعيَّةِ المباهَلَةِ؛ قولُ اللهِ تعالى› في شأْنِ محاجَّةِ» نصارى› نجرانَ« للنَّبيِّ # في حقيقَةِ عيسَى› ابنِ مريمَ:
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].
وقدْ جاءَتِ المباهَلَةُ في هذِهِ الآيَةِ؛ بعدَ العلْمِ، والمحاجَّةِ، والبيانِ، وإقامَةِ الحُجَّةِ، وظُهُورِ الحقِّ، لا قبلَ ذلكَ؛ فإنَّ قولَهُ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: يدُلُّ دلالَةً ظاهرَةً على› أَنَّ المباهَلَةَ لا تُشرعُ عندَ الاشتباهِ، ولا تُبنى› على الظُّنونِ والاحتمالاتِ، ولا يُلجأُ إليها قبلَ اسْتفراغِ الوُسْعِ في البيانِ والمحاجَّةِ؛ وإنَّما تكونُ بعدَ ثبوتِ العلْمِ، ووضوحِ البرهانِ، وقيامِ الحُجَّةِ، واسْتمرارِ المخالِفِ على العِنادِ والمكابرَةِ.
وقدْ بيَّنَ المفسِّرونَ؛ أَنَّ هذِهِ الآيَةَ نزلَتْ في وفْدِ »نصارى› نجرانَ« حينَ حاجُّوا النَّبيَّ # في شأْنِ عيسى›؛ فأَقامَ عليهم الحُجَّةَ، وبيَّنَ لهم أَنَّ عيسى› عبدُ اللهِ ورسولُهُ، وأَنَّ خَلْقَهُ من غيرِ أَبٍ لا يقتضي أُلُوهيَّتَهِ؛ فإنَّ آدمَ خُلِقَ من غيرِ أَبٍ ولا أُمٍّ، كما قالَ تعالى قبلَ آيَةِ المباهَلَةِ:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
فلمَّا لم يرجعوا بعدَ ظهورِ الحُجَّةِ، دُعُوا إلى المباهَلَةِ؛ فدَلَّ ذلكَ على› أَنَّها مرحلَةٌ لاحقَةٌ للبيانِ، وليسَتْ وسيلَةً ابتدائيَّةً في المناظرَةِ والخلافِ.
وقدْ ثبَتَ في »صحيحِ البُخاريِّ« أَنَّ العاقِبَ والسَّيِّدَ، وهُما من رؤَساءِ وفدِ نجرانَ وأَكابِرِ النَّصارى› في قومِهما؛ قدِما على النَّبيِّ #فيمَن قدِمَ منَ الوفْدِ .وقدْ ذكَرَ أَهلُ السِّيَرِ أَنَّ السَّيِّدَ؛ كانَ صاحِبَ رَحْلِهم ومجتمعِهم، وأَنَّ العاقِبَ؛ كانَ أَميرَ القومِ وصاحِبَ مشورتِهم.
فلمَّا دعاهما النَّبيُّ # إلى المباهَلَةِ، قالَ أَحدُهما لصاحبِهِ: لا تفعَلْ؛ فواللهِ! لئِنْ كانَ نبيًّا فلاعنَنا، لا نفلَحُ نحنُ ولا عَقِبُنا من بعدِنا؛ فهابَا عاقبَةَ المباهَلَةِ، وامتنعَا منها، واختارَا المصالحَةَ، وسأَلَا النَّبيَّ # أَن يبعَثَ معهما رجلًا أَمينًا يقضي بينَهم؛ فبعَثَ معهما أَبا عبيدَةَ بنَ الجرَّاحِ رضي الله عنه.
وفي امتناعِهما عنَ المباهَلَةِ، معَ ما كانَ لهما منَ الرِّئاسَةِ والمنزلَةِ في قومِهما؛ دلالَةٌ ظاهرَةٌ على› أَنَّهما أَدرَكَا خطورَةَ هذا المقامِ، وخشِيَا أَن تنزِلَ بهما وبأَعقابِهما عقوبَةُ اللهِ إن كانا على الباطِلِ.
وفي هذا دليلٌ على› عِظَمِ شأْنِ المباهلَةِ، وشدَّةِ خطرِها، وأَنَّها ليسَتْ مجرَّدَ خصومَةٍ لفظيَّةٍ أَو تحَدٍّ عابِرٍ؛ بلْ دعاءٌ صادِقٌ بأَن تنزِلَ لعنَةُ اللهِ على الكاذِبِ المبطِلِ، ولذلكَ هابَها أُولئكَ القومُ حينَ علِمُوا صِدْقَ النَّبيِّ # وخَشُوا عاقبَةَ الإقدامِ عليها.
ومن تدبُّرِ سياقِ الآياتِ يتبيَّنُ أَنَّ التَّرتيبَ الشَّرعيَّ في بابِ المباهَلَةِ هو:
العلْمُ أَوَّلًا، ثمَّ إقامَةُ الحُجَّةِ، ثمَّ البيانُ وإزالَةُ الشُّبهَةِ، ثمَّ المباهلَةُ عندَ ظُهُورِ العِنادِ والإصرارِ على الباطِلِ؛ فمَن قفزَ إلى المباهلَةِ قبْلَ العلْمِ والبيانِ، أَو جعلَها بديلًا عن الدَّليلِ والبُرهانِ؛ فقدْ خالَفَ المنهجَ الَّذي دَلَّ عليهِ ترتيبُ القُرآنِ الكريمِ.
ثالثًا -هلِ المباهَلَةُ خاصَّةٌ بالنَّبيِّ #؟
ليسَتِ المباهلَةُ خاصَّةً بالنَّبيِّ # على الرَّاجِحِ من أَقوالِ أَهلِ العلْمِ؛ بلْ أَصْلُ مشروعيَّتِها باقٍ في حقِّ الأُمَّةِ من بعدِهِ؛ متى› تحقَّقَتْ أَسبابُها، واسْتُوفيتْ شروطُها، وانْتفَتْ موانعُها.
وأَنَّ وقوعَها معَ» نصارى› نجرانَ« كانَ تطبيقًا لحكمِ الآيَةِ وتنزيلًا لَهُ على› واقعَةٍ معيَّنَةٍ؛ لا دليلًا على› حصرِها فيهم، ولا على› اختصاصِها بزَمَنِ النُّبوَّةِ.
قالَ العلَّامَّةُ ابنُ القيِّمِ: )السُّنَّةُ في مجادلَةِ أَهلِ الباطِلِ إذا قامَتْ عليهم حجَّةُ اللهِ، ولم يرجَعوا، بلْ أَصرُّوا على العِنادِ؛ أَن يدْعُوَهم إلى المباهلَةِ، وقدْ أَمرَ اللهُ عز وجل بذلكَ رَسُولَهُ، ولم يقلْ :إنَّ ذلكَ ليسَ لأُمَّتِكَ من بعدِكَ). [زاد المعاد في هدي خير العباد: ج٣، ص٥٦١].
غيرَ أَنَّ القولَ ببقاءِ مشروعيَّتِها لا يعني أَنَّ بابَها مفتوحٌ لكلِّ أَحَدٍ، ولا أَنَّها تُستعمَلُ في كلِّ خلافٍ أَو نزاعٍ؛ فإنَّ الحكمَ قدْ يكونُ مشروعًا في أَصلِهِ، ثم لا يجوزُ الإقدامُ عليهِ إلَّا عندَ تحقُّقِ سببِهِ، واسْتجماعِ شروطِهِ، وانْتفاءِ موانعِهِ، ورُجْحانِ مصلحتِهِ على› مفسدتِهِ.
وعليهِ؛ فالمباهَلَةُ وإن كانَتْ باقيَةَ المشروعيَّةِ للأُمَّةِ؛ فإنَّها تظلُّ» وسيلَةً اسْتثنائيَّةً منضبطَةً« لا يتصدَّرُ لها كلُّ مختلِفٍ، ولا تُجعَلُ طريقًا معتادًا لحسْمِ الخُصُوماتِ والمناظراتِ.
رابعًا -الحُكمُ الشَّرعيُّ للمباهَلَةِ:
الأَصْلُ في المباهَلَةِ :أَنَّها مشروعَةٌ جائزَةٌ عندَ الحاجَةِ إليها، وبعْدَ استكمالِ شُروطِها وانْتفاءِ موانعِها، وقدْ ترتقي إلى الاسْتحبابِ؛ إذا تعيَّنَتْ وسيلَةً نافعَةً لإظهارِ الحقِّ، وإبطالِ باطِلٍ عظيمٍ، وردْعِ داعيَةِ ضلالَةٍ، ودفْعِ فتنَةٍ متعدِّيَةٍ عنَ المسلمينَ؛ معَ رُجْحانِ المصلحَةِ وغلبَةِ الظَّنِّ بتحقُّقِ مقصودِها الشَّرعيِّ.
غيرَ أَنَّ مشروعيَّتَها لا تعني وجوبَها، ولا تجعلُها طريقًا لازِمًا في كلِّ خصومَةٍ أَو مناظرَةٍ.
ولذلكَ ينبغي التَّنبُّهُ إلى› جملَةٍ منَ الأُصولِ:
-١ ليسَتِ المباهَلَةُ؛ واجبَةً على› كلِّ مَن دُعيَ إليها.
-٢ وليسَتْ في ذاتِها؛ دليلًا مستقلًّا على› صحَّةِ قولِ مَن دعا إليها، أَو قَبِلَ بها.
-٣ ولا يكونُ امْتِناعُ أَحدِ الطَّرفينِ عنها دليلًا على› كذبِهِ، أَو ضَعْفِ حجَّتِهِ، أَو بُطْلانِ قولِهِ.
-٤ ولا يجوزُ جعلُها؛ بديلًا عنَ البُرهانِ العلميِّ، أَو البَيِّنَةِ القضائيَّةِ، أَو التَّحقيقِ المنهجيِّ، أَو التَّثبُّتِ منَ الوقائِعِ والنُقولِ.
-٥ ولا تُشرعُ لمجرَّدِ التَّحدِّي، أَو إحراجِ الخصْمِ، أَو الانْتِصارِ للنَّفسِ، أَو اسْتِعراضِ الثِّقَةِ أَمامَ النَّاسِ.
فقدْ يمتنِعُ العالِمُ أَو طالِبُ العلْمِ عنَ المباهَلَةِ؛ لأَنَّ المسأَلَةَ اجتهاديَّةٌ محتملَةٌ، أَو لأَنَّ شُروطَ المباهَلَةِ لم تتحقَّقْ، أَو لأَنَّ الخصْمَ جاهِلٌ لا يدرِكُ خطرَها، أَو لأَنَّ المفسدَةَ المترتِّبَةَ عليها أَعظمُ من مصلحتِها، أَو لأَنَّ المقامَ لا يستدْعيها أَصلًا.
وعليهِ؛ فلا يجوزُ أَن يُقالَ لمنِ امّتَنعَ عنها: إنَّ امتناعَكَ دليلٌ على› أَنَّكَ مبطِلٌ؛ فإنَّ الامْتِناعَ قدْ يكونُ ناشئًا عن ورعٍ، أَو فقهٍ بالمآلاتِ، أَو معرفَةٍ بأَنَّ المباهلَةَ وُضعَتْ في غيرِ موضعِها؛ بينما قدْ يُقدِمُ عليها الجاهِلُ، أَو المتهوِّرُ لقلَّةِ علمِهِ بخطرِها.
خامسًا -شروطُ المباهَلَةِ وضوابطُها وموانعُها:
ذكرَ أَهلُ العلْمِ للمباهلَةِ شُروطًا وضوابِطَ دقيقَةً، وحاصلُها: أَنَّها لا تُشرعُ إلَّا في قضيَّةٍ عظيمَةٍ من قضايا الدِّينِ؛ ظهَرَ فيها الحقُّ وقامَتِ الحُجَّةُ، واسْتَمرَّ المخالِفُ على العِنادِ بعدَ البيانِ والنُّصْحِ، وتعذَّرَ دفْعُ باطلِهِ بالوسائِلِ العلميَّةِ المعتادَةِ، ورُجِيَ منَ المباهَلَةِ تحقيقُ مصلحَةٍ شرعيَّةٍ راجحَةٍ.
ومن أَهمِّ شروطِها وضوابطِها:
الشَّرطُ الأَوَّلُ :أَن تكونَ في أَمرٍ مهمٍّ من أُمورِ الدِّينِ:
فلا تُجعَلُ المباهلَةُ سبيلًا في كلِّ مسأَلَةٍ أَو خِلافٍ، ولا في نزاعٍ شخصيٍّ يسيرٍ، ولا في أَمْرٍ دنيويٍّ محتمَلٍ لهُ وسائلُهُ في الإثْباتِ والقضاءِ، ولا في خِلافٍ حولَ تقويمِ شخْصٍ أَو موقِفٍ أَو حادثَةٍ لم تُستكمَلْ وسائِلُ التَّثبُّتِ والتَّحقيقِ فيها.
وإنَّما محلُّها قضيَّةٌ عظيمَةٌ يتعلَّقُ بها إظهارُ حقٍّ شرعيٍّ بيِّنَ، أَو إبطالُ عقيَدةٍ فاسدَةٍ، أَو رَدُّ دعوَةٍ ضالَّةٍ يُخشى› ضررُها المتعدِّي على› عقائِدِ المسلمينَ ودينِهم.
فمِنَ العبَثِ والتَّلاعبِ بهذا المقامِ الخطيرِ أَن يتباهَلَ النَّاسُ في:
-١ خلافاتِ الجماعاتِ والمؤَسَّساتِ.
-٢ الخُصُوماتِ الماليَّةِ والشَّخصيَّةِ.
-٣ تقويمِ الأَشخاصِ والحُكْمِ على› مقاصدِهم ونيَّاتِهم.
-٤ الأَخبارِ المنقولَةِ والمقاطِعِ المبتورَةِ والرَّسائِلِ المحتمِلَةِ.
-٥ الوقائِعِ الَّتي لم تثبِتْ بطريقٍ معتبَرٍ.
-٦ المسائِلِ الجزئيَّةِ الَّتي تتنازعُها الاحتمالاتُ والاجتهاداتُ.
الشَّرطُ الثَّاني :قيامُ الحُجَّةِ وظُهُورُ الحقِّ:
قالَ اللهُ تعالى›: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١].
فلا يجوزُ للمُتناقِشِ أَن يهربَ إلى المباهَلَةِ بسبَبِ ضُعْفِ علمِهِ، أَو عجزِهِ عن إقامَةِ الدَّليلِ، أَو قصورِهِ عنَ الجوابِ، أَو عدَمِ قدرتِهِ على› تحريرِ محلِّ النِّزاعِ.
والتَّرتيبُ الشَّرعيُّ الَّذي يدُلُّ عليهِ سياقُ الآيَةِ هو:
العلْمُ بالمسأَلَةِ، ثم تحريرُ محلِّ النِّزاعِ، ثم إقامَةُ الحُجَّةِ، ثم إزالَةُ الشُّبهَةِ، ثم بذْلُ النُّصْحِ والإنْذارِ، ثم النَّظَرُ في المباهَلَةِ عندَ اسْتمرارِ العِنادِ والإصْرارِ على الباطِلِ.
أَمَّا الانتقالُ عندَ أَوَّلِ خلافٍ إلى قولِ أَحدِ المتخاصمينَ للآخرِ :(تعالَ نبتَهِلْ فليسَ دليلًا على› قوَّةِ اليَّقينِ؛ بلْ قدْ يكونُ دليلًا على ضُعْفِ الفقهِ، والعجْزِ عن إقامَةِ البُرهانِ).
الشَّرطُ الثَّالثُ :العلْمُ بصحَّةِ ما يُباهَلُ عليهِ:
لا يجوزُ للمرءِ أَن يباهِلَ على› أَمرٍ يشِكُّ فيهِ، أَو يظنُّهُ ظنًّا مجرَّدًا، أَو يرجِّحُهُ معَ بقاءِ احتمالٍ قويٍّ لخطئِهِ، أَو ينقلُهُ عن غيرِهِ من غيرِ تثبُّتٍ وتحقيقٍ؛ فمَن لم يكنْ على› علْمٍ وبصيرَةٍ وطمأْنينَةٍ قويَّةٍ من صحَّةِ قولِهِ؛ فلا يجوزُ لهُ أَن يعرِّضَ نفسَهُ لدُعاءِ اللَّعنَةِ والعقوبَةِ.
ويدخُلُ في ذلكَ مَن يُباهِلُ علىِ:
-١ خبرٍ لم يشهدْهُ، ولم يثبُّتْ لديهِ بطريقٍ معتبَرٍ.
-٢ نيَّةٍ كامنَةٍ في قلبِ إنسانِ.
-٣ نسبَةِ قولٍ إلى› شخْصٍ لم يتحقَّقْ منها.
-٤ روايَةٍ مختلِفٍ في ثبوتِها أَو دلالتِها.
-٥ اجتهادٍ فقهيٍّ يراهُ راجحًا معَ إقرارِهِ باحتمالِ الصَّوابِ في قولِ مخالفِهِ.
-٦ حكمٍ على› شخْصٍ معيَّنٍ لا يحيطُ بجميعِ أَحوالِهِ ومُلابساتِ قضيَّتِهِ.
فالمباهلَةُ لا تُبنى› على الشَّكِّ، ولا على› مجرَّدِ غلبَةِ الظَّنِّ؛ فضلًا عن الهوى والتَّعصُّبِ والانْتِصارِ للأَشخاصِ والجماعاتِ.
الشَّرطُ الرَّابعُ :ظُهُورُ عِنادِ المخالِفِ بعدَ البيانِ:
ليسَ كلُّ مخالِفٍ معانِدًا؛ فقدْ يكونُ جاهِلًا، أَو متأَوِّلًا، أَو لم يفهمِ الدَّليلَ على› وجهِهِ، أَو بلغَهُ الدَّليلُ مبتورًا أَو محرَّفًا، أَو اعْتَمدَ على› اجتهادِ عالمٍ يثِقُ بعلمِهِ ودينِهِ.
فلا تُشرعُ المباهَلَةُ لمجرَّدِ وقوعِ المخالفَةِ، وإنَّما بعدَ أَن تُبيَّنَ الحُجَّةُ بيانًا واضحًا، وتُزالَ الشُّبهَةُ، ويظهَرَ من حالِ المخالًفِ اسْتِمرارُهُ على الباطِلِ وإصرارُهُ عليهِ بعدَ العلْمِ والبيانِ.
ولهذا كانَتِ المباهلَةُ معَ نصارى› نجرانَ بعدَ محاجَّةٍ وبيانٍ واضِحٍ في حقيقَةِ عيسى› وإقامَةِ البُرهانِ عليهم، لا عندَ أَوَّلِ لقائهم بالنَّبيِّ# .
الشَّرطُ الخامِسُ :أَلَّا تكونَ في مسأَلَةٍ اجتهاديَّةٍ سائغَةٍ:
الأَصْلُ أَنَّ المباهَلَةَ لا تُشرعُ في المسائِلِ الَّتي يسوغُ فيها الاجتهادُ، وتختلِفُ فيها أَنظارُ العلماءِ المعتبرينَ بسبَبِ اختلافِهم في ثبوتِ النُّصُوصِ، أَو دلالتِها، أَو الجمْعِ بينها، أَو تحقيقِ المناطِ، أَو تقديرِ المصالحِ والمفاسدِ والمآلاتِ.
فالمجتهدُ قدْ يكونُ مصيبًا أَو مخطئًا؛ لكنَّهُ لا يكونُ كاذبًا متعمِّدًا لمجرَّدِ مخالفتِهِ اجتهادَ غيرِهِ، والمباهلَةُ إنَّما بُنيتْ على› جعْلِ لعنَةِ اللهِ على الكاذبينَ.
وعليهِ؛ فلا يصِحُّ أَن يتباهَلَ عالمانِ في مسأَلَةٍ فقهيَّةٍ معتبرَةِ الخلافِ، ولا أَن يدْعوَ أَحدُهما على الآخرِ باللَّعْنَةِ؛ لأَنَّهُ أَخذَ بقولِ إمامٍ أَو مذهبٍ معتبَرٍ، أَو رجَّحَ دليلًا على› دليلٍ.
وما نُقلَ عن بعضِ أَهلِ العلْمِ منَ الدَّعوَةِ إلى المباهلَةِ في بعضِ المسائِلِ؛ فإنَّما يُفهَمُ في ضوءِ اجتهادِهم في كونِ الحقِّ فيها ظاهرًا، وفي ملابساتِ الوقائِعِ الَّتي صدرَتْ فيها تلكَ الدَّعوَةِ، ولا يُتَّخَذُ ذلكَ أَصلًا لتعميمِ المباهلَةِ في كلِّ خلافٍ فقهيٍّ أَو اجتهاديٍّ.
الشُّرطُ السَّادِسُ: إخلاصُ النِّيَّةِ للهِ تعالى›:
ينبغي أَن يكونَ المقصودُ منَ المباهلَةِ:
-١ إظهارَ الحقِّ ونصرتَهُ.
-٢ حمايَةَ الدِّينِ من التَّحريفِ والضَّلالِ.
-٣ دفْعَ فتنَةٍ عامَّةٍ عنَ المسلمينَ.
-٤ هدايَةَ الخلْقِ وكَفَّ الباطِلِ عنهم.
-٥ ردْعَ المعانِدِ بعدَ اسْتِنفادِ وسائِلِ البيانِ والنُّصْحِ.
ولا يجوزُ أَن يكونَ القصْدُ منها:
-١ الانْتٍصارَ للنَّفسِ والهوى›.
-٢ التَّشفِّي منَ الخَصْمِ.
-٣ اسْتِعراضَ الشَّجاعَةِ والثِّقَةِ أَمامَ المتابعينَ.
-٤ اسْتِجلابَ المشاهداتِ والشُّهرَةِ.
-٥ إحْراجَ المخالِفِ وإسكاتَهُ أَمامَ الجمهورِ.
-٦ إسْقاطَ مكانتِهِ والتَّشهيرَ بهِ.
-٧ تصفيَةَ حساباتٍ حزبيَّةٍ أَو شخصيَّةٍ.
فربَّ إنسانٍ يكونُ قولُهُ في أَصْلِ المسأَلَةِ صحيحًا، ولكنَّهُ يُفسِدُ عملَهُ بسوءِ قصدِهِ، وتعظيمِ نفسِهِ، وطلَبِ الغلبَةِ على› خصمِهِ، لا طلَبِ ظُهُورِ الحقِّ.
الشَّرطُ السَّابِع :رُجْحانُ المصلحَةِ وانْتِفاءُ المفسدَةِ:
المباهلَةُ وسيلَةٌ شرعيَّةٌ، والوسائِلُ معتبرَةٌ بمقاصدِها ونتائجِها ومآلاتِها؛ فلا يكفي أَن تكونَ مشروعَةً في أَصلِها، بلْ لا بُدَّ منَ النَّظَرِ فيما يترتَّبُ عليها من مصالحَ ومفاسِدَ.
فإنْ غَلَبَ على الظَّنِّ أَن يترتَّبَ عليها:
-١ زيادَةُ الفتنَةِ، وتأْجيجُ الخُصُومَةِ.
-١ إغراءُ العامَّةِ بالخوضِ في الأَعراضِ.
-٣ تحويلُ المسأَلَةِ العلميَّةِ إلى› معركَةٍ شخصيَّةٍ.
-٤ اسْتِغلالُ أَهلِ الباطِلِ لها إعلاميًّا.
-٥ جرأَةُ النَّاسِ على اللَّعْنِ والدُّعاءِ بالهلاكِ.
-٦ انْقِسامُ المسلمينَ، وتعميقُ العداوَةِ بينهم.
٧- انْصِرافُ النَّاسِ عنَ الحجَّةِ العلميَّةِ إلى› انْتِظارِ المصائِبِ والحوادثِ.
فإنَّ تركَها يكونُ هو المتعيَّنَ؛ لأَنَّ درَءَ المفسدَةِ الرَّاجحَةِ مقدَّمٌ على› تحصيلِ مصلحَةٍ متوهَّمَةٍ، أَو ضعيفَةٍ.
الشَّرطُ الثَّامنُ :أَن يتولاها مَن كانَ من أَهلِ العلْمِ والبصيرَةِ والصَّلاحِ:
لم يرِدْ نَصٌّ يجعَلُ الاجتهادَ المطلَقَ شرطًا شكليًّا في صحَّةِ المباهلَةِ، ولكنَّ طبيعتَها وخطورتَها، وما تتطلَّبُهُ من معرفَةِ الحقِّ، وتمييزِ القطعيِّ منَ الاجتهاديِّ، والنَّظَرِ في المصالحِ والمفاسِدِ؛ كلُّ ذلكَ يقتضي أَلَّا يتصدَّرَ لها الجاهِلُ، ولا صاحِبُ الهوى›، ولا مَن لا يُحْسِنُ تحريرَ المسائِلِ ومعرفَةَ مواضِعِ الإجماعِ والخلافِ.
وقدْ اشْترطَ طائِفَةٌ من أَهلِ العلْمِ أَن يكونَ طالِبُ المباهَلَةِ من أَهلِ الصَّلاحِ والتَّقوى›؛ لأَنَّها دعاءٌ وابْتِهالٌ إلى اللهِ تعالى›، وليسَتْ اسْتِعراضًا إعلاميًّا، ولا تحدِّيًا خطابيًّا، ولا أَداةً لإثباتِ الجرأَةِ أَمامَ النَّاسِ.
ولهذا؛ فالأَصْلُ في عامَّةِ النَّاسِ أَن يرجعوا في هذِهِ القضايا إلى العلماءِ الرَّاسخينَ، وأَلَّا يُقحِموا أَنْفَسَهم في هذا المقامِ الخطيرِ بغيرِ علْمٍ ولا بصيرَةٍ.
الشَّرطُ التَّاسِعُ: تحديدُ محلِّ المباهلَةِ تحديدًا دقيقًا:
من أَعْظمِ أَخطاءِ المتباهلينَ اسْتِعمالُ العباراتِ المجملَةِ الواسِعَةٍ؛ كأَنْ يقولَ أَحدُهم:
)لعنَةُ اللهِ على الكاذِبِ منَّا في كلِّ ما قالَ).
فهذِهِ صيغَةٌ مضطربَةٌ؛ قدْ يدخُلُ فيها الصَّوابُ والخطأُ، والحقائِقُ والاجتهاداتُ، والنُّقولُ والظُّنونُ، وما عُلِمَ وما لم يُعلَمَ.
فإن وُجِدَتِ الحاجَةُ الشَّرعيَّةُ إلى المباهَلَةِ، وجَبَ أَن يكونَ محلُّها:
-١ محدَّدًا تحديدًا دقيقًا.
-٢ واضِحًا لا لَبْسَ فيهِ.
-٣ منضبطًا لا يتعدَّى› إلى› غيرِهِ.
-٤ خاليًا منَ الإجمالِ والاحتمالِ المؤَثِّرِ.
-٥ معلومًا مفهومًا لدى الطَّرفينِ.
ولا يصِحُّ أَن تكونَ المباهلَةُ على› ملَفٍّ طويلٍ يضمُّ عشراتِ الدَّعاوى والأَخبارِ والمسائِلِ المتباينَةِ؛ لأَنَّ بعضَها قدْ يكونُ صوابًا وبعضَها خطأً، وبعضَها قطعيًّا وبعضَها اجتهاديًّا.
سادِسًا- مَن الَّذي يُباهَلُ؟
لا تُشرعُ المباهلَةُ معَ كلِّ مخالِفٍ، ولا معَ كلِّ مَن صدَرَ منهُ قولٌ باطِلٌ أَو خطَأٌ عارِضٍ؛ وإنَّما يُنظَرُ فيها معَ مَن توفَّرَتْ فيهِ جملَةٌ منَ الأَوصافِ، من أَهمِّها:
١- أَن تكونَ الحُجَّةُ قدْ بلغتْهُ واضحَةً صحيحَةً.
٢- وأَن يكونَ قدْ فهمَ محَلَّ النِّزاعِ ودلالَةَ الحُجَّةِ فهمًا بيِّنًا.
٣- وأَن يظهَرَ منهُ الإصرارُ على› باطِلٍ عظيمٍ بعدَ البيانِ والنُّصْحِ وإزالَةِ الشُّبهَةِ.
٤- وأَن يكونَ لباطلِهِ أَثرٌ متعَدٍّ وضرَرٌ ظاهِرٌ على› عقائِدِ النَّاسِ أَو دينِهم.
٥- وأَن يُرجى› من مباهلتِهِ انْكِشافُ باطلِهِ، أَو كَفُّ شرِّهِ، أَو حمايَةُ العامَّةِ من تضليلِهِ.
٦- وأَن يكونَ ممَّن يعظِّمُ اللهَ تعالى›، ويُدرِكُ خُطُورَةَ اللَّعنَةِ والعقوبَةِ، ولا يتَّخِذُ المباهَلَةَ مجالًا للعبَثِ والاسْتِهزاءِ.
أَمَّا المستهزئُ، أَو صاحِبُ الحسابِ المجهولِ، أَو مَن لا يعظِّمُ شعائِرَ اللهِ، أَو لا يُبالي بحقيقَةِ المباهلَةِ وخطورتِها؛ فلا تظهَرُ في الغالِبِ مصلحَةٌ شرعيَّةٌ من مباهلتِهِ، بلْ قدْ يتَّخذُها مادَّةً للسخريَةِ والعبَثِ، أَو وسيلَةً للشُّهرَةِ وإثارَةِ الجدَلِ واسْتِجلابِ المتابعينَ.
كما لا ينبغي للعالِمِ أَن ينزِلَ إلى› تحدِّياتِ كلِّ مجهولٍ أَو متعصِّبٍ في وسائِلِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ؛ فإنَّ وقْتَ العالِمِ، وعلمَهُ، ومكانتَهُ، ودعوتَهُ أَجلُّ من أَن تتحوَّلَ إلى› ميدانٍ لمباهلاتِ الحساباتِ المجهولَةِ والخُصُوماتِ العابرَةِ.
وليسَ قبولُ التَّحدِّي بالمباهلَةِ دليلًا بذاتِهِ على الشَّجاعَةِ أَو الصِّدْقِ، كما أَنَّ الامْتِناعَ عنها ليسَ دليلًا على الخوفِ أَو الباطِلِ؛ فقدْ يرفضُها العالِمُ لعلمِهِ بعدَمِ تحقُّقِ شروطِها، أَو لخشيتِهِ من مآلاتِها وفتنتِها، بينما قدْ يُقدِمُ عليها الجاهِلُ المتهوِّرُ لقلَّةِ علمِهِ وعدَمِ إدراكِهِ خطورتَها.
فالعبرَةُ ليسَتْ بمَن يرفَعُ صوتَهُ قائِلًا:) أُباهِلُكَ) وإنَّما العبرَةُ بقيامِ الحُجَّةِ، وصحَّةِ العلْمِ، وإخْلاصِ القصْدِ، وتحقُّقِ المصلحَةِ الشَّرعيَّةِ.
سابعًا - صِيغَةُ المباهَلَةِ:
لم يثبُّتْ للمباهَلَةِ دعاءٌ طويلٌ مخصوصٌ يجِبُ التِّزامُ أَلفاظِهِ، وإنَّما أَصْلُ صيغتِها ما دَلَّ عليهِ قولُ اللهِ تعالى›: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران ٦١].
وعليهِ؛ فإذا تحقَّقَتْ شُروطُ المباهلَةِ؛ اتَّفَقَ الطَّرفانِ أَوَّلًا على› تحديدِ محَلِّ النِّزاعِ تحديدًا واضِحًا دقيقًا، ثم ابْتِهلَا إلى اللهِ تعالى› أَن يجعَلَ لعنتَهُ وعقوبتَهُ على الكاذِبِ المتعمِّدِ منهما في تلكَ القضيَّةِ بعينِها.
ولا يُشرعُ التَّكلُّفُ في إنْشَاءِ صيغٍ مخيفَةٍ أَو أَدعيَةٍ تفصيليَّةٍ لم يدُلَّ عليها دليلٌ؛ كالدُّعاءِ بموتِ الأَبناءِ، أَو هدْمِ البيوتِ، أَو الإصابَةِ بالأَمراضِ والأَسقامِ، أَو زوالِ الأَموالِ، أَو تحديدِ مدَّةٍ معيَّنَةٍ لنزولِ العقوبَةِ؛ فإنَّ هذِهِ الزِّياداتِ لا أَصلَ لها في آيَةِ المباهلَةِ، وفيها تعدٍّ في الدُّعاءِ، ومجاوزَةٌ للمقدارِ المشروعِ.
والمقصودُ منَ المباهلَةِ ليسَ التَّوسُّعَ في أَنواعِ العُقوباتِ، ولا اقْتِراحَ كيفيَّةِ نزولِها وزمانِها؛ وإنَّما تفويضُ الأَمرِ إلى اللهِ تعالى›، وسؤَالُهُ أَن يجعَلَ لعنتَهُ على الكاذِبِ المبطْلِ، وهو جل جلاله أَعلَمُ بهِ وبما يستحقُّهُ.
وأَمَّا ذكْرُ الأَبناءِ والنِّساءِ في آيَةِ »آل عمرانَ« فقدْ جاءَ في سياقِ مباهلَةِ النَّبيِّ # لوفْدِ نصارى› نجرانَ، إظهارًا لكمالِ يقينِهِ وصدْقِهِ؛ إذْ يدْعو أَقرَبَ النَّاسِ إليهِ وأَحبَّهم عندَهُ إلى› هذا المقامِ العظيمِ.
وليسَ في الآيَةِ؛ ما يدُلُّ على› اشْتِراطِ إحْضَارِ الزَّوجَةِ والأَولادِ والأَقاربِ في كلِّ مباهلَةٍ، فضلًا عنِ الدُّعاءِ عليهم بالموتِ أَو البلاءِ.
كما لا يُشترطُ لصحَّةِ المباهلةَِ أَن تكونَ أَمامَ جمهورٍ منَ النَّاسِ، أَو في مجلسٍ عامٍّ، أَو عبرَ بثٍّ إعلاميٍّ؛ فإنَّ المقصودَ منها الابْتِهالُ إلى اللهِ وإظهارُ الحقِّ، لا الاستعراضُ وإثارَةُ الجماهيرِ.
وخلاصَةُ الصِّيغَةِ المشروعَةِ أَن يُقالَ - بعدَ تحديدِ القضيَّةِ بوضوحٍ - نحوُ:
)اللَّهُمَّ! اجعَلْ لعنتَكَ وعقوبتَكَ على الكاذِبِ المتعمِّدِ منَّا في هذِهِ القضيَّةِ).
ولا يُلتزمُ هذا اللَّفظُ بعينِهِ؛ بلِ العبرَةُ بتحقُّقِ معناهُ، وسلامَةِ الدُّعاءِ منَ التَّعدِّي والإجمالِ والظُّلْمِ.
ثامنًا- هل للمباهَلَةِ زمانٌ أَو مكانٌ مخصوصٌ؟
لم يثبتْ في الكتابِ ولا في السُّنَّةِ تخصيصُ المباهلَةِ بزمانٍ أَو مكانٍ معيَّنٍ؛ فلمْ يردْ دليلٌ على› اشتراطِ: يومٍ مخصوصٍ، أَو ليلَةٍ معيَّنَةٍ، أَو ساعَةٍ محدَّدَةٍ، أَو مسجِدٍ بعينِهِ، أَو مكانٍ فاضِلٍ كالمسجدِ الحرامِ، أَو عندَ الكعبَةِ، أَو بينَ الرُّكنِ والمقامِ، أَو حضورِ جمهورٍ منَ النَّاسِ، أَو إعلانِها في مجلْسٍ عامٍّ أَو عبرَ بثٍّ مباشِرٍ.
وعليهِ؛ فمتى› اسْتَكملَتِ المباهلَةُ شروطَها الشَّرعيَّةَ، وتحقَّقَتْ مصلحتُها، وانْتَفَتْ موانعُها؛ جازَتْ من حيثُ الأَصلُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ مباحٍ، من غيرِ تقييدٍ بوقتٍ أَو موضِعٍ مخصوصٍ.
وقدْ يختارُ بعضُ النَّاسِ وقتًا فاضِلًا، أَو مكانًا شريفًا، رجاءَ إجابَةِ الدُّعاءِ، باعْتِبارِ فضْلِ الزَّمانِ أَو المكانِ في الجملَةِ؛ غيرَ أَنَّ ذلكَ لا يُعدُّ شرطًا في صحَّةِ المباهلَةِ، ولا جزءًا من حقيقتِها، ولا يجوزُ تحويلُهُ إلى› هيئَةٍ لازمَةٍ أَو سُنَّةٍ راتبَةٍ لم يدلَّ عليها دليلٌّ.
بلِ الأَولى› أَن تجريَ المباهلَةُ - عندَ الحاجَةِ إليها - بعيدًا عنَ التَّهييجِ الإعلاميِّ، والاستعراضِ الجماهيريِّ، وإثارَةِ الخُصُوماتِ؛ لأَنَّ المقصودَ منها الابْتِهالُ الصَّادِقُ إلى اللهِ تعالى›، وطلَبُ إظهارِ الحقِّ وإبطالِ الباطِلِ، لا إقامَةُ مشهدٍ إعلاميٍّ لاستجلابِ المشاهداتِ والتَّعليقاتِ والانْتِصارِ أَمامَ الجمهورِ.
فالمباهلَةُ عبادَةٌ ودعاءٌ خطيرٌ، وليسَتْ مناسبَةً إعلاميَّةً، ولا وسيلَةً لصناعَةِ الإثارَةِ أَو تسجيلِ الغلبَةِ على الخُصُومِ.
تاسعًا- الفرقُ بينَ المباهَلَةِ واللِّعانِ واليمينِ:
قدْ تشتَبِهُ هذِهِ الأَبوابُ لاشتمالِها جميعًا على› ذكْرِ اسمِ اللهِ تعالى، أَو اللَّعْنِ، أَو تأْكيدِ الصِّدْقِ؛ غيرَ أَنَّ لكلِّ واحدٍ منها حقيقتَهُ، وسببَهُ، وأَحكامَهُ، وآثارَهُ الخاصَّةَ بهِ.
١- المباهَلَةُ:
تكونُ بينَ متنازِعَينِ في قضيَّةٍ عظيمَةٍ من قضايا الدِّينِ، بعدَ قيامِ الحُجَّةِ، ووضوحِ الحقِّ، واسْتِمرارِ العِنادِ؛ فيبتهِلُ الطَّرفانِ إلى اللهِ تعالى› أَن يجعَلَ لعنتَهُ وعقوبتَهُ على الكاذِبِ المبطِلِ منهما.
وهيَ ليسَتْ إجراءً قضائيًّا لهُ آثارٌ محدَّدَةٌ بذاتِهِ، ولا يترتَّبُ عليها تلقائيًّا ثبوتُ حقٍّ ماليٍّ، أَو إقامَةُ حَدٍّ، أَو إسْقاطُ دعوى›؛ وإنَّما حقيقتُها دعاءٌ وابْتهالٌ إلى اللهِ تعالى› لإظهارِ الصَّادِقِ منَ الكاذِبِ.
٢- اللِّعانُ بينَ الزَّوجَينِ:
اللِّعانُ حكمٌ شرعيٌّ خاصٌّ بالزَّوجَينِ؛ يُشرعُ إذا قذَفَ الزَّوجُ زوجتَهُ بالزِّنا، ولم يكُنْ لديهِ أَربعَةُ شهداءَ، أَو أَرادَ نفيَ ولَدٍ عن نفسِهِ وفْقَ شروطِ ذلكَ وأَحكامِهِ.
ولهُ أَلفاظٌ وعددٌ وصفَةٌ مخصوصَةٌ نصَّ عليها» القرآنُ الكريمُ«» في «سورَةِ النُّورِ»؛ فيشهَدُ الزَّوجُ أَربَعَ شهاداتٍ باللهِ إنَّهُ لمنَ الصَّادقينَ، ثم تكونُ الخامسَةُ أَنَّ لعنَةَ اللهِ عليهِ إنْ كانَ منَ الكاذبينَ، وللزَّوجَةِ أَن تدرَأَ عن نفسِها العقوبَةَ بالشَّهاداتِ المقرَّرةِ شرعًا.
ويترتَّبُ على اللِّعانِ آثارٌ قضائيَّةٌ خاصَّةٌ، ولا يُقامُ على› وجهِهِ الشَّرعيِّ إلَّا لدَى القضاءِ أَو مَن يقومُ مقامَهُ؛ فليسَ اللِّعانُ مباهلَةً عامَّةً، ولا يجوزُ أَن يُستبدَلَ بهِ تحدٍّ أَو مباهلَةٌ عشوائيَّةٌ بينَ الزَّوجَينِ.
3- الْيَمينُ:
اليمينُ هيَ توكيدُ أَمرٍ بذكرِ اسمِ اللهِ تعالى› أَو صفَةٍ من صفاتِهِ؛ لإثباتِ شَيْءٍ أَو نفيِهِ، أَو للحَثِّ على› فعْلٍ أَو المنْعِ منهُ.
ولليمينِ أَحكامُها الشَّرعيَّةُ المفصَّلَةُ؛ فمنها اليمينُ المنعقدَةُ الَّتي تجِبُ الكفَّارَةُ عندَ الحنَثِ بها، ومنها ما لا تترتَّبُ عليهِ كفَّارَةٌ لاختلافِ حقيقتِهِ وحكمِهِ.
وأَمَّا المباهلَةُ فليسَتْ مجرَّدَ حلْفٍ باللهِ تعالى›، بلْ هيَ دعاءٌ بأَن تنزِلَ لعنَةُ اللهِ وعقوبتُهُ على الكاذِبِ المتعمِّدِ؛ ولهذا كانَتْ أَخطَرَ من مطلَقِ اليمينِ، وأَشَدَّ وقعًا وأَبعَدَ عن مواطنِ التَّساهُلِ.
وخلاصَةُ الفَرْقِ:
-١ المباهَلَةُ: دعاءٌ متبادَلٌ باللَّعنَةِ على الكاذِبِ في قضيَّةٍ دينيَّةٍ عظيمَةٍ.
-٢ اللِّعانُ: حُكْمٌ قضائيٌّ مخصوصٌ بينَ الزَّوجَينِ؛ لَهُ صفَةٌ وآثارٌ منصوصَةٌ.
-٣ الْيَّمينُ: حِلْفٌ باللهِ لتوكيدِ قولٍ أَو التزامِ فعْلٍ أَو تركِهِ، ولَهُ أَحكامُهُ وكفَّارتُهُ عندَ الحنَثِ في اليمينِ المنعقدَةِ.
فلا يجوزُ الخلْطُ بينَ هذِهِ الأَبوابِ، ولا تنزيلُ أَحكامِ أَحدِها على الآخَرِ؛ لأَنَّ اختلافَ الأَسماءِ والحقائقِ والأَسبابِ يقتضي اخْتِلافَ الأَحكامِ والآثارِ.
عاشرًا- هلْ تنزِلُ العقوبَةُ حتمًا على المُبطِلِ؟
المباهَلَةُ تعريضٌ للنَّفسِ للَّعنَةِ والعقوبَةِ إن كانَ صاحبُها كاذِبًا مبطلًا؛ ولذلكَ فهيَ مقامٌ شديدُ الخطورَةِ، ولا سيَّما على› مَن يعلْمُ من نفسِهِ الكذِبَ، أَو يتكلَّمُ بغيرِ علْمٍ ويقينٍ.
غيرَ أَنَّهُ لا يجوزُ الجزْمُ بأَنَّ العقوبَةَ لا بُدَّ أَن تقَعَ بصورَةٍ معيَّنَةٍ، أَو خلالَ مدَّةٍ محدَّدَةٍ، أَو أَنَّ كلَّ مرضٍ أَو موتٍ أَو مصيبَةٍ تقعُ لأَحدِ المتباهلَينِ بعدَ المباهلَةِ إنَّما وقعَتْ بسببِها؛ لأَنَّ تعيينَ أَسبابِ الحوادثِ، وربطَها بأَقدارِ اللهِ تعالى›، منَ الأُمورِ الَّتي لا يجوزُ القولُ فيها بغيرِ بيِّنَةٍ أَو دليلٍ.
وما نُقِلَ عن بعضِ أَهلِ العلْمِ من أًنَّ المُبطِلَ في المباهلَةِ لا تمضي عليهِ سنَةٌ؛ فإنَّما ذُكِرَ على› سبيلِ التَّجربَةِ والمشاهدَةِ، وليسَ حديثًا نبويًّا ثابتًا، ولا قاعدَةً شرعيَّةً قطعيَّةً يُحكَمُ بها على الأَشخاصِ والحوادِثِ.
كما أَنَّ عدَمَ ظُهُورِ العقوبَةِ عاجِلًا لا يدُلُّ على› صدْقِ المتباهِلِ، ولا على› صحَّةِ قولِهِ؛ فقَدْ يُمهِلُ اللهُ تعالى الظَّالِمَ ولا يُهمِلُهُ، وقدْ تكونُ عقوبتُهُ معنويَّةً بخذلانِهُ، أَو طمسِ بصيرتِهِ، أَو سقوطِ قبولِهِ، وقدْ يؤَخِّرُ اللهُ جزاءَهُ إلى الآخرَةِ، وقدْ تقَعُ بهِ عقوبَةٌ لا يطَّلِعُ عليها النَّاسُ.
فالمباهَلَةُ ليسَتْ تجربَةً مخبريَّةً ينتظِرُ النَّاسُ نتيجتَها في أَسبوعٍ أَو شهرٍ أَو سنَةٍ، ولا يجوزُ تتبُّعُ أَمراضِ المتباهلينَ ومصائبِهم ووفياتِ أَقربائِهم، ثم الجزْمُ بأَنَّها ثمرَةُ المباهَلَةِ؛ فإنَّ ذلكَ منَ التَّكلُّفِ في تفسيرِ الأَقدارِ، والقولِ على اللهِ تعالى› بغيرِ علْمٍ.
والميزانُ في معرفَةِ الحقِّ هو الدَّليلُ والحُجَّةُ، لا ما يطْرَأُ على المتَخاصمينَ بعدَ المباهلَةِ من حوادِثَ وأَقدارٍ؛ فقدْ يُبتَلَى المحِقُّ، ويُمهَلُ المبطِلُ، ولا يخْرُجُ شَيْءٌ منَ ذلكَ عن حكْمَةِ اللهِ وعدْلِهِ.
الحادي عشَرَ- أَخطاءُ المباهلَةِ المعاصرَةِ، ولا سيَّما في وسائِلِ التَّواصِلِ:
من أَبرَزِ صُورِ الخلَلِ والانحرافِ في اسْتِعمالِ المباهلَةِ في زمانِنا:
١- جَعْلُ المباهَلَةِ بَديلًا عنَ الدَّليلِ:
إذا عجَزَ بعضُ النَّاسِ عن إثباتِ دعواهُ، أَو ضاقَ عنَ الجوابِ على› اعتراضاتِ مخالفِهِ، قالَ لَهُ: (باهِلْني)؛ ليُظهِرَ أَمامَ الجمهورِ أَنَّهُ واثِقٌ من نفسِهِ.
والصَّوابُ: أَنَّ المباهلَةَ تأْتي بعدَ اكتمالِ الحُجَّةِ ووضوحِ البُرهانِ؛ لا لتغطيَةِ ضُعْفِ الدَّليلِ، أَو العجْزِ عن تحريرِ المسأَلَةِ؛ فمَنْ لم يملِكِ الحُجَّةَ لا تَصْنَعُ لَهُ المباهَلَةُ حُجَّةً.
٢- المباهَلَةُ على النِّيَّاتِ والمقاصِدِ الخفيَّةِ:
كأَنْ يقولَ شخْصٌ لمخالفِهِ: نبتَهِلْ على› أَنَّكَ لم تقُلْ هذا إلَّا طلبًا للشُّهرَةِ، أَو حسَدًا لفلانٍ، أَو رغبَةً في إسقاطي.
والنِّيَّاتُ من أَعمالِ القلوبِ الَّتي لا يعلَمُ حقيقتَها إلَّا اللهُ تعالى›؛ فلا تجوزُ المباهَلَةُ على› أَمْرٍ خفيٍّ لا سبيلَ إلى القطْعِ بهِ؛ لأَنَّ الحكمَ على السَّرائِرِ بغيرِ بيِّنَةٍ جرأَةٌ وظُلْمٌ.
٣- المباهَلَةُ على الأَخبارِ غيرِ الموثَّقَةِ:
قدْ يباهِلُ المرْءُ دفاعًا عن خبرٍ منقولٍ، أَو مقطُعٍ مبتُورٍ، أَو روايَةٍ لم يشهدْها بنفسِهِ، ثم يتبيَّنُ أَنَّ النَّاقِلَ أَخطأَ، أَو وَهِمَ، أَو زادَ ونقَصَ.
فيكونُ المتباهِلُ قدْ عرَّضَ نفسَهُ للدُّعاءِ باللَّعنَةِ والعقوبَةِ في واقعَةٍ لا يملكُ علمًا مباشرًا بها، ولا دليلًا قاطعًا على› صحَّتِها.
٤- المباهَلَةُ في تقويمِ الأَشخاصِ ومسائِلِ الجرْحِ والتَّعديلِ:
الحكمُ على الأَشخاصِ والدُّعاةِ والعلماءِ بابٌ دقيقٌ، يحتاجُ إلى› علْمٍ وعدْلٍ وتثبُّتٍ، وجمْعٍ لكلامِ الشَّخصِ، ومعرفَةٍ بسياقِهِ وملابساتِهِ، والتَّفريقِ بينَ الخطإ العارضِ والمنهجِ المستَقَرِّ.
فلا ينبغي أَن تتحوَّلَ هذِهِ المسائِلُ إلى› مباهلاتٍ بينَ أَتباعِ المشايخِ والجماعاتِ، ولا أَن تُستعمَلَ المباهلَةُ وسيلَةً لإلزامِ النَّاسِ بتقويمٍ شخصيٍّ أَو اجتهادٍ في رجلٍ منَ الرِّجالِ.
٥- المباهَلَةُ في الاجتهاداتِ والمواقفِ السِّياسيَّةِ:
تقومُ كثيرٌ منَ المواقفِ السِّياسيَّةِ على› اجْتِهادٍ في تحقيقِ المصالحِ والمفاسِدِ، وتقديرِ المآلاتِ، وترجيحٍ بينَ معلوماتٍ قدْ تكونُ ناقصَةً أَو متعارضَةً.
فلا يجوزُ لكلِّ فريقٍ أَن يجعَلَ لعنَةَ اللهِ على› مخالفِهِ في مسائِلَ تحتمِلُ النَّظَرَ والاجتهادَ؛ إذْ قدْ يكونُ المخالِفُ مخطئًا في تقديرِهِ؛ لكنَّهُ لا يكونُ كاذِبًا متعمِّدًا لمجرَّدِ مخالفتِهِ.
٦- تحويلُ المباهَلَةِ إلى› تحدٍّ جماهيريٍّ:
قدْ يتحدَّى› أَحدُهم خصمَهُ علنًا، ثم يجعَلُ قبولَ المباهلَةِ علامَةً على الشَّجاعَةِ والصِّدْقِ، ورفضَها دليلًا على الخوفِ والكذِبِ.
وهذا تلبيسٌ ظاهِرٌ؛ فالعاقِلُ الورعُ قدْ يرفِضُ المباهلَةَ لأَنَّهُ يعلَمُ أَنَّها ليسَتْ في موضعِها، أَو لأَنَّ شروطَها لم تتحقَّقْ، أَو لأَنَّ مفسدتَها أَعظمُ من مصلحتِها؛ بينما قدْ يُقدِمُ عليها الجاهِلُ المتهوِّرُ لضُعْفِ فقهِهِ وقلَّةِ إدراكِهِ لخطورتِها.
٧- إدْخالُ الزَّوجَةِ والأَولادِ في الدُّعاءِ بالعقوبَةِ:
لا يجوزُ للإنسانِ أَن يدعوَ بالهلاكِ، أَو المرضِ، أَو البلاءِ على› زوجتِهِ وأَولادِهِ لإثباتِ قوَّةِ موقفِهِ أَو صِدْقِ دعواهُ؛ فإنَّ أَهلَهُ وأَولادَهُ أَمانَةٌ في عنقِهِ، وليسُوا محلًّا للمغامرَةِ أَو وسيلَةً للضغْطِ النَّفسيِّ في الخُصُوماتِ.
وذكرُ الأَبناءِ والنِّساءِ في آيَةِ المباهَلَةِ؛ لا يدُلُّ على› مشروعيَّةِ الدُّعاءِ عليهم بالهلاكِ، ولا على› جوازِ تعريضِهم للبلاءِ في كلِّ نزاعٍ.
٨- تعميمُ المباهلَةِ في كلِّ صغيرَةٍ وكبيرَةٍ:
من أَعظَمِ الأَخطَاءِ أَن تتحوَّلَ المباهلَةُ إلى› أُسلوبٍ معتادٍ في كلِّ اختلافٍ أَو اتِّهامٍ؛ حتَّى› يباهِلَ النَّاسُ في قضايا شخصيَّةِ، ورسائِلَ مبتورَةِ، وخلافاتٍ إداريَّةٍ، ومسائِلَ فقهيَّةٍ اجتهاديَّةٍ.
وهذا يُفقِدُ المباهلَةَ هيبتَها الشَّرعيَّة، ويجرِّئُ العامَّةَ على اللَّعْنِ والدُّعاءِ بالعقوبَةِ بغيرِ علْمٍ ولا ورعٍ.
٩- تفسيرُ كلِّ مصيبَةٍ بعدَ المباهلَةِ بأَنَّها عقوبَةٌ:
قدْ يقَعُ لأَحَدِ المتباهلَينِ مرضٌ، أَو حادِثٌ، أَو فقدٌ؛ فيُسارِعُ النَّاسُ إلى القولِ:
هذِهِ نتيجَةُ المباهَلَةِ.
وهذا منَ القولِ على اللهِ بغيرِ علْمٍ!
لأَنَّ البلاءَ قدْ يصيِبُ الصَّالحَ والطَّالحَ، والمحِقَّ والمبطِلَ.
ولا يجوزُ تعيينُ سبَبِ المصيبَةِ الغيبيِّ بالظُّنونِ والتَّخميناتِ.
الثَّاني عشَرَ- المنهَجُ الشَّرعيُّ الواجِبُ قبْلَ التَّفْكيرِ في المباهَلَةِ:
قبلَ أَن يقولَ المرْءُ لمخالفِهِ: (أُباهِلُكَ) يجِبُ عليهِ أَن يسلُكَ المنهجَ الشَّرعيَّ في معالجَةِ الخلافِ، وذلكَ من خلالِ المراحِلِ الآتيَةِ:
١- التثبُّتُ من أَصْلِ القضيَّةِ ووقوعِها.
٢- تصحيحُ النَّقْلِ، وتوثيقُ الكلامِ، والرُّجوعُ إلى› مصدرِهِ وسياقِهِ.
٣- تحريرُ محلِّ النِّزاعِ، وبيانُ موضِعِ الاتِّفاقِ وموضِعِ الاختلافِ.
٤- التَّمييزُ بينَ القطعيِّ والاجتهاديِّ، وبينَ الحقائِقِ والظُّنونِ.
٥- جمعُ الأَدلَّةِ وفهمُها وفقَ مناهجِ أَهلِ العلمِ، لا وفقَ الهوى والانفعالِ.
٦- الرُّجوعُ إلى العلماءِ الرَّاسخينَ في المسأَلَةِ، ولا سيَّما عندَ اشتباهِها أَو عِظَمِ آثارِها.
٧- بذْلُ النُّصْحِ بالرّفِقِْ والحكْمَةِ، والبدْءُ بالسِّرِّ متى› كانَ ذلكَ أَنفَعَ وأَقرَبَ للإصلاحِ.
٨- إزالَةُ الشُّبهَةِ، والجوابُ عنَ الاعتراضاتِ، والتَّأْكُّدُ من فهمِ المخالِفِ للحُجَّةِ.
٩- النَّظَرُ في المصالحِ والمفاسِدِ والمآلاتِ المتوقَّعَةِ.
١٠- تركُ الخُصُومَةِ والجدَلِ إذا لم يترتَّبْ على› اسْتِمرارِهما مصلحَةٌ شرعيَّةٌ.
فإذا اسْتُنفدَتْ هذِهِ الوسائِلُ، وكانَتِ المسأَلَةُ عظيمَةً من قضايا الدِّينِ، وكانَ الحقُّ فيها ظاهِرًا بيِّنًا لا من مسائِلِ الاجتهادِ السَّائِغِ، وقامَتِ الحُجَّةُ على المخالِفِ، وظهَرَ إصرارُهُ على الباطِلِ، وكانَ لقولِهِ ضَرَرٌ متعَدٍّ، وتحقَّقَتْ في المباهَلَةِ مصلحَةٌ شرعيَّةٌ راجحَةٌ؛ فحينئِذٍ ينظَرُ أَهلُ العلْمِ والبصيرَةِ في مشروعيَّتِها وجدواها.
أَمَّا أَن يتولاها كلُّ متابِعٍ من هاتفِهِ، عندَ كلِّ خصومِةٍ أَو تعليقٍ أَو اختلافٍ؛ فليسَ من فقهِ المباهلَةِ، بلْ هو منَ التَّهوُّرِ والجرأَةِ على› مقامٍ شرعيٍّ عظيمٍ.
فالأَصْلُ في الخلافِ:
العلْمُ، والبيانُ، والحُجَّةُ، والنُّصْحُ، والصَّبْرُ، والعَدْلُ.
وأَمَّا المباهَلَةُ فمرحلَةٌ استثنائيَّةٌ لا يُلجأُ إليها إلَّا بعدَ استنفادِ ما قبلَها، وتحقُّقِ شروطِها، وانتفاءِ موانعِها.
الخُلاصَةُ الفِقهيَّةُ:
المباهَلَةُ: مشروعَةٌ في أَصلِها، ولكنَّها مقامٌ استثنائيٌّ، وليسَتْ أَصْلًا مطَّردًا ولا وسيلَةً معتادَةً في معالجَةِ الخلافاتِ والخُصُوماتِ.
ولا يُصارُ إليها؛ إلَّا إذا اجْتَمَعَتْ جملَةٌ منَ الشُّروطِ والضَّوابطِ، من أَهمِّها:
-١ أَن تكونَ القضيَّةُ عظيمًةً من قضايا الدِّينِ.
-٢ أَن يكونَ الحقُّ فيها ظاهرًا بيِّنًا، لا مبنيًّا على الظُّنونِ والاحتمالاتِ.
-٣ أَن تقومَ الحُجَّةُ على المخالِفِ قيامًا صحيحًا.
-٤ أَن تُزالَ شُبهتُهُ، ويُبذَلَ لَهُ النُّصْحُ والبيانُ.
-٥ أَن يظهَرَ منهُ الإصرارُ على الباطِلِ بعدَ قيامِ الحُجَّةِ.
-٦ أَلَّا تكونَ المسأَلَةُ من مسائِلِ الاجتهادِ السَّائِغِ.
-٧ أَن يُخلِصَ طالِبُ المباهَلَةِ قصْدَهُ للهِ تعالى›.
- ٨ أَن يكونَ من أَهلِ العلْمِ والبصيرَةِ والصَّلاحِ.
٩- أَن ترجِحَ مصلحتُها، وأَلَّا يترتَّبَ عليها منَ الفتنَةِ والفسادِ ما هو أَعظمُ.
-١٠ أَن يكونَ محَلُّ المباهلَةِ محدَّدًا واضحًا منضبطًا، لا إجمالَ فيهِ ولا اشتباهَ.
أَمَّا ما يجري في وسائِلِ التَّواصِلِ الاجتماعيِّ منَ الدَّعوَةِ إلى المباهلَةِ عندَ كلِّ صغيرَةٍ وكبيرَةٍ، وفي الأَخبارِ غيرِ الموثَّقَةِ، والنِّيَّاتِ الخفيَّةِ، والمسائِلِ الاجتهاديَّةِ، وتقويمِ الأَشخاصِ، والخُصُوماتِ الشَّخصيَّةِ والحزبيَّةِ؛ فهو في غالبِهِ:
جهْلٌ بحقيقَةِ المباهَلَةِ، وجرأَةٌ على الدُّعاءِ باللَّعنَةِ، وتوسُّعٌ مذمومٌ في اسْتِعمالِ حكمٍ شرعيٍّ في غيرِ موضعِهِ.
فليتَّقِ اللهَ! مَن يعرِّضُ نفسَهُ، أَو غيرَهُ للَّعنَةِ والعقوبَةِ، وليعلَمْ أَنَّ الحقَّ لا يثبُتُ بالصِّياحِ والاستعراضِ والتَّحدِّي، وإنَّما يثبُتُ بالعلْمِ، والحُجَّةِ، والعَدْلِ، والتَّثبُّتِ، والورعِ.
والعالِمُ الربَّانيُّ؛ لا يستعجِلُ الدُّعاءَ باللَّعْنِ والهلاكِ، ولا يجعَلُ المباهلَةَ أَوَّلَ أَدواتِهِ في الخلافِ؛ بلْ يبدَأُ بالعلْمِ والبيانِ، ثم بالنُّصْحِ والرِّفْقِ، ثم بالصَّبْرِ وإزالَةِ الشُّبَهِ، ويدفَعُ الباطِلَ بالَّتي هيَ أَحْسَنُ، ولا ينتقِلُ إلى المقاماتِ الشَّرعيَّةِ الاسْتثثنائيَّةِ الخطيرَةِ إلَّا بقدرِها، وبعدَ تحقُّقِ شروطِها وانتفاءِ موانعِها والنَّظَرِ في مآلاتِها.
فالمباهلَةُ ليسَتْ دليلًا على› قوَّةِ مَن دعا إليها، ولا الامْتِناعُ عنها دليلًا على› بطلانِ مَن رفضَها؛ وإنَّما الميزانُ هو صحَّةُ الدَّليلِ، ووضوحُ الحُجَّةِ، وسلامَةُ القصْدِ، وموافقَةُ الشَّرْعِ.
نسأَلُ اللهَ تعالى أَن يُرِيَنا الحقَّ حقًّا ويرزقَنا اتِّباعَهُ، وأَن يُرِيَنا الباطِلَ باطلًا ويرزقَنا اجتنابَهُ، وأَن يطهِّرَ أَلسنتَنا وقلوبَنا منَ الهوى والظُّلمِ والتَّعصُّبِ، وأَن يرزقَنا العلْمَ النَّافِعَ، والعَدْلَ في القولِ والعمَلِ، وأَن يجعلَنا مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِّ؛ إنَّهُ سميعٌ قريبٌ مجيبُ.
واللهُ أَعلمُ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على› نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى› آلِه وصحبِهِ أَجمعينَ.
والحمدُ $ِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
١٣ صفر ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/٢٩م

