‮»‬أَهْلُ‭ ‬القِبْلَةِ‮«‬

مَنْ‭ ‬هُمْ؟‭ ‬وما‭ ‬لهُمْ؟‭ ‬وما‭ ‬عليهِمْ؟ عندَ‭ ‬أَهلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجماعَةِ

الحمدُ‭ ‬للهِ،‭ ‬والصَّلاةُ‭ ‬والسَّلامُ‭ ‬على›‭ ‬رَسُولِ‭ ‬اللهِ،‭ ‬وعلى›‭ ‬آلِهِ‭ ‬وصَحْبِهِ‭ ‬ومَن‭ ‬والاهُ،‭ ‬أَمَّا‭ ‬بعدُ‭:‬

أَخي‭ ‬المسلمَ‭ ‬اللَّبيبَ‭!‬

اعلَمْ‭ - ‬وفَّقني‭ ‬اللهُ‭ ‬وإيَّاكَ‭ ‬للعلمِ‭ ‬والعَدْلِ‭ ‬والبصيرَةِ‭ - ‬أَنَّ‭ ‬بابَ‭» ‬أَهلِ‭ ‬القِبْلَةِ‬‮«‮‬‭ ‬من‭ ‬أَدقِّ‭ ‬أَبوابِ‭ ‬الاعتقادِ‭ ‬والمنهجِ؛‭ ‬لأَنَّهُ‭ ‬يتعلَّقُ‭ ‬بالحُكمِ‭ ‬على‭ ‬المنتسبينَ‭ ‬إلى‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬وبحفْظِ‭ ‬دِمائِهم‭ ‬وأَموالِهم‭ ‬وأَعراضِهم،‭ ‬وبيانِ‭ ‬ما‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬حقوقِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬وما‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬واجباتِهِ؛‭ ‬معَ‭ ‬القيامِ‭ ‬بواجِبِ‭ ‬البيانِ،‭ ‬والتَّحذيرِ‭ ‬منَ‭ ‬البِدَعِ‭ ‬والأَهواءِ،‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬غُلُوٍّ‭ ‬في‭ ‬التَّكفيرِ،‭ ‬ولا‭ ‬تمييعٍ‭ ‬لحدودِ‭ ‬الدِّينِ‭.‬

وقدْ‭ ‬ضلَّ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البابِ‭ ‬طائفتانِ‭:‬

‭- ‬طائفَةٌ‭ ‬غلَتْ؛‭ ‬فكفَّرَتْ‭ ‬بالذُّنوبِ‭ ‬والمشتبِهاتِ،‭ ‬واستحلَّتْ‭ ‬حُرُماتِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬بالشُّبَهِ‭ ‬والظُّنونِ‭.‬

‭- ‬وطائفَةٌ‭ ‬فرَّطَتْ؛‭ ‬فجعلَتْ‭ ‬مجرَّدَ‭ ‬الانتسابِ‭ ‬إلى‭ ‬الإسلامِ‭ ‬مانعًا‭ ‬من‭ ‬بيانِ‭ ‬الباطلِ،‭ ‬أَو‭ ‬ردِّ‭ ‬البِدَعِ،‭ ‬أَو‭ ‬التَّحذيرِ‭ ‬من‭ ‬دعاةِ‭ ‬الضَّلالِ‭.‬

وأَهْلُ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجَماعَةِ‭ ‬وَسَطٌ‭ ‬بينَ‭ ‬الغُلاةِ‭ ‬والجُفاةِ؛‭ ‬يحفظونَ‭ ‬حُرمَةَ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬ويحفظونَ‭ - ‬في‭ ‬الوقتِ‭ ‬نفسِهِ‭ - ‬حُرمَةَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬والدِّينِ‭.‬

أَوَّلًا‭- ‬مَنْ‭ ‬هُمْ ‭»‬أَهْلُ‭ ‬القِبْلَةِ«‬؟

يُرادُ‭ ‬بـ‭ ‬‮‬»أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬‭ ‬في‭ ‬اصطلاحِ‭ ‬علماءِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭:‬

مَن‭ ‬ثَبَتَ‭ ‬لَهُ‭ ‬حُكمُ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬ظاهرًا؛‭ ‬بإظهارِ‭ ‬الشَّهادتَينِ،‭ ‬والانتسابِ‭ ‬إلى›‭ ‬دِينِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬والإقرارِ‭ ‬بأُصولِهِ،‭ ‬ولم‭ ‬يَثبُتْ‭ ‬في‭ ‬حقِّهِ‭ ‬ناقِضٌ‭ ‬صريحٌ‭ ‬من‭ ‬نواقِضِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬على‭ ‬الوجْهِ‭ ‬المعتبَرِ‭ ‬شرْعًا‭.‬

فليسَ‭ ‬المرادُ‭ ‬مجرَّدَ‭ ‬الاتِّجاهِ‭ ‬إلى‭ ‬الكعبَةِ‭ ‬اتِّجاهًا‭ ‬حِسِّيًّا؛‭ ‬إذْ‭ ‬قدْ‭ ‬يستقبلُها‭ ‬مَن‭ ‬لا‭ ‬يؤْمِنُ‭ ‬بالإسلامِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬المرادُ‭ ‬مَنِ‭ ‬اسْتقبَلَ‭ ‬قِبلَةَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬باعتبارِها‭ ‬شَعيرَةً‭ ‬من‭ ‬شعائرِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬وأَظهَرَ‭ ‬الانقيادَ‭ ‬العامَّ‭ ‬لهذا‭ ‬الدِّينِ‭.‬

قالَ‭ ‬النَّبيُّ ‭ :#‬»مَنْ‭ ‬صَلَّى›‭ ‬صَلاتَنا‭ ‬واسْتَقبَلَ‭ ‬قِبلَتَنا،‭ ‬وأَكَلَ‭ ‬ذَبيحَتَنا‭ ‬فَذ›لِكَ‭ ‬المُسْلِمُ‭ ‬الَّذِي‭ ‬لَهُ‭ ‬ذِمَّةُ‭ ‬اللهِ‭ ‬وذِمَّةُ‭ ‬رَسُولَِهُ؛‭ ‬فلا‭ ‬تُخْفِروا‭ ‬اللهَ‭ ‬في‭ ‬ذِمَّتِهِ« [البخاري: ٣٩١].

وقالَ‭ ‬الإمامُ‭ ‬الطَّحاويُّ‭ - ‬رحمه‭ ‬الله‭ - ‬في‭ ‬متنِ‭» ‬‮‬العقيدَةِ‭ ‬الطحاويَّةِ«‮‬‭:‬

‭‬ونُسمِّي‭ ‬أَهْلَ‭ ‬قِبلتِنا‭ ‬مسلمينَ‭ ‬مؤْمنينَ؛‭ ‬ما‭ ‬دامُوا‭ ‬بما‭ ‬جاءَ‭ ‬بهِ‭ ‬النَّبيُّ‭ # ‬معترفينَ،‭ ‬ولَهُ‭ ‬بكُلِّ‭ ‬ما‭ ‬قالَ‭ ‬وأَخبرَ‭ ‬مصدِّقينَ‭.‬

والأَحكامُ‭ ‬الدُّنيويَّةُ‭ ‬مبناها‭ ‬على‭ ‬الظَّاهرِ،‭ ‬وأَمَّا‭ ‬السَّرائِرُ‭ ‬فإلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›؛‭ ‬فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬تفتيشُ‭ ‬قلوبِ‭ ‬النَّاسِ،‭ ‬ولا‭ ‬بناءُ‭ ‬الأَحكامِ‭ ‬على‭ ‬التُّهَمِ‭ ‬والظُّنونِ‭.‬

قالَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬إِذَا‭ ‬ضَرَبْتُمْ‭ ‬فِي‭ ‬سَبِيلِ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬فَتَبَيَّنُوا‭ ‬وَلَا‭ ‬تَقُولُوا‭ ‬لِمَنْ‭ ‬أَلْقَى‭ ‬إِلَيْكُمُ‭ ‬السَّلَامَ‭ ‬لَسْتَ‭ ‬مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤].

تنْبيهٌ‭ ‬منهجيٌّ‭ ‬مُهِمٌّ‭: ‬ليسَ‭ ‬مُصطلحُ‭ ‬‮‬»أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬‭ ‬مرادِفًا‭ ‬لمصطلَحِ‭» ‬‮‬أَهْلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجَماعَةِ«‮‬‭.‬

‭- ‬فكلُّ‭ ‬مَن‭ ‬كانَ‭ ‬من‭ ‬أَهْلِ‭ ‬السُّنَّةِ؛‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ‭.‬

‭- ‬وليسَ‭ ‬كلُّ‭ ‬مَن‭ ‬كانَ‭ ‬من‭ ‬‮‬»أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬‭ ‬يكونُ‭ ‬من‭ ‬أَهْلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬على‭ ‬التَّحقيقِ؛‭ ‬إذْ‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬في‭ ‬‮‬»أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬‭ ‬السُّنِّيُّ‭ ‬والمبتَدَعُ،‭ ‬والمطيعُ‭ ‬والعاصي،‭ ‬والمستقيمُ‭ ‬والمخطئُ‭.‬

وإثباتُ‭ ‬وصْفِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬لشَّخصٍ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تزكيَةَ‭ ‬جميعِ‭ ‬أَقوالِهِ‭ ‬وأَفعالِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬تصحيحَ‭ ‬مذهبِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬السُّكوتَ‭ ‬عن‭ ‬بدعتِهِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬يعني‭ ‬أَنَّ‭ ‬الأَصلَ‭ ‬بقاءُ‭ ‬حُكمِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬عليهِ؛‭ ‬حتَّى›‭ ‬يَثبُتَ‭ ‬ما‭ ‬ينقلُهُ‭ ‬عنهُ‭ ‬ثبوتًا‭ ‬شرعيًّا‭ ‬معتبرًا‭.‬

ثانيًا‭- ‬ما‭ ‬حقوقُ‭» ‬‮‬أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬؟

لأَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ‭ ‬حقوقٌ‭ ‬عظيمَةٌ؛‭ ‬تثبِتُ‭ ‬لهم‭ ‬بأَصْلِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬ما‭ ‬دامُوا‭ ‬في‭ ‬دائرتِهِ،‭ ‬ومن‭ ‬أَهمِّها‭:‬

‮‬‭-١ ‬ حِفْظُ‭ ‬الدِّماءِ‭ ‬والأَمْوالِ‭ ‬والأَعْراضِ‭:‬

فالأَصْلُ‭ ‬في‭ ‬دَمِ‭ ‬المسلمِ‭ ‬ومالِهِ‭ ‬وعِرضِهِ‭ ‬الحُرمَةُ،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬الاعتداءُ‭ ‬عليهِ‭ ‬بغيرِ‭ ‬حقٍّ‭ ‬شرعيٍّ‭.‬

قالَ‭ ‬النَّبيُّ ‭ :#‬»كُلُّ‭ ‬المُسْلِمِ‭ ‬على‭ ‬المُسْلِمِ‭ ‬حَرامٌ؛‭ ‬دَمُهُ،‭ ‬ومَالُهُ،‭ ‬وعِرْضُهُ‮«. [مسلم: ٤٦٥٢].

فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬استباحَةُ‭ ‬دماءِ‭ ‬المسلمينَ،‭ ‬ولا‭ ‬نهبُ‭ ‬أَموالِهم،‭ ‬ولا‭ ‬انتهاكُ‭ ‬أَعراضِهم،‭ ‬ولا‭ ‬رميُهم‭ ‬بالكُفرِ‭ ‬والزَّندقَةِ‭ ‬والخيانَةِ‭ ‬والعمالَةِ‭ ‬بغيرِ‭ ‬بيِّنَةٍ‭ ‬شرعيَّةٍ‭ ‬واضحَةٍ‭.‬

والتَّكفيرُ‭ ‬ليسَ‭ ‬سَبَّةً‭ ‬تُرمى›‭ ‬بها‭ ‬الخُصومُ،‭ ‬ولا‭ ‬وسيلَةً‭ ‬لإسقاطِ‭ ‬المخالفينَ‭ ‬وتصفيَةِ‭ ‬الحساباتِ‭ ‬معهُمْ‭.‬

وإنَّما‭ ‬هو‭ ‬حُكمٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬بالغُ‭ ‬الخطورَةِ،‭ ‬مردُّهُ‭ ‬إلى‭ ‬الكتابِ‭ ‬والسُّنَّةِ،‭ ‬ولَهُ‭ ‬أَسبابُهُ،‭ ‬وشروطُهُ،‭ ‬وموانعُهُ،‭ ‬وضوابطُهُ‭.‬

ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَنْ‭ ‬يتصدَّرَ‭ ‬لتَّكفيرِ‭ ‬الأَعيانِ‭ ‬الجُهَّالُ،‭ ‬ولا‭ ‬المتعصِّبونَ،‭ ‬ولا‭ ‬أَصحابُ‭ ‬الأَهواءِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬مرجعُهُ‭ ‬إلى‭ ‬العلماءِ‭ ‬الرَّاسخينَ‭ ‬المؤَهَّلينَ‭ ‬للنَّظرِ‭ ‬في‭ ‬الأَدلَّةِ،‭ ‬وتحقيقِ‭ ‬المناطِ،‭ ‬واستيفاءِ‭ ‬الشُّروطِ،‭ ‬وانتفاءِ‭ ‬الموانعِ؛‭ ‬فإنَّهم‭ ‬في‭ ‬أَحكامِهم‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭ ‬مُوقِّعونَ‭ ‬عن‭ ‬رَبِّ‭ ‬العالمينَ،‭ ‬ومسؤُولونَ‭ ‬بينَ‭ ‬يدَيهِ‭ ‬عن‭ ‬كلِّ‭ ‬حكْمٍ‭ ‬يُصدرونَهُ‭.‬

قالَ‭ ‬النَّبيُّ ‭ :#‬»أَيُّما‭ ‬رَجُلٍ‭ ‬قالَ‭ ‬لأَخيهِ‭: ‬يا‭ ‬كافِرُ‭!‬ فقَدْ‭ ‬باءَ‭ ‬بها‭ ‬أَحَدُهُما«‮. [البخاري: ٤٠١٦].

‮‬‭ -٢ ‬العَدْلُ‭ ‬والإنصافُ‭: ‬يجبُ‭ ‬العَدْلُ‭ ‬معَ‭ ‬المسلمِ؛‭ ‬سواءٌ‭ ‬أَكانَ‭ ‬موافقًا‭ ‬أَمْ‭ ‬مخالفًا،‭ ‬مُستقيمًا‭ ‬أَمْ‭ ‬مخطئًا؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬المخالفَةَ‭ ‬لا‭ ‬تُبيحُ‭ ‬الظُّلمَ،‭ ‬والبِدْعَةَ‭ ‬غيرُ‭ ‬المكفِّرَةِ‭ ‬لا‭ ‬تُسوِّغُ‭ ‬الفُجورَ‭ ‬في‭ ‬الخصومَةِ،‭ ‬والمعصيَةُ‭ ‬لا‭ ‬تُسقِطُ‭ ‬جميعَ‭ ‬حقوقِ‭ ‬الأُخوَّةِ‭ ‬الإسلاميَّةِ‭. ‬قالَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى›‭: ‬

﴿يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬كُونُوا‭ ‬قَوَّامِينَ‭ ‬بِالْقِسْطِ‭ ‬شُهَدَاءَ‭ ‬لِلَّهِ‭ ‬وَلَوْ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَنْفُسِكُمْ﴾. [النساء: ١٣٥].

وقالَ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿وَلَا‭ ‬يَجْرِمَنَّكُمْ‭ ‬شَنَآنُ‭ ‬قَوْمٍ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَلَّا‭ ‬تَعْدِلُوا‭ ‬اعْدِلُوا‭ ‬هُوَ‭ ‬أَقْرَبُ‭ ‬لِلتَّقْوَى›﴾. [المائدة: ٨].

فليسَ‭ ‬من‭ ‬منهجِ‭ ‬أَهْلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجماعَةِ؛‭ ‬أَنْ‭ ‬يُحمِّلوا‭ ‬المخالِفَ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يَقُلْهُ،‭ ‬أَو‭ ‬ينْسِبُوا‭ ‬إليهِ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يعتقدْهُ،‭ ‬أَو‭ ‬يقتَطعوا‭ ‬كلامَهُ‭ ‬عن‭ ‬سياقِهُ،‭ ‬أَو‭ ‬يردُّوا‭ ‬حسناتِهِ‭ ‬كلَّها‭ ‬بسبَبِ‭ ‬خطأٍ‭ ‬وقعَ‭ ‬فيهِ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬النَّصيحَةُ‭ ‬والرَّحمَةُ‭: ‬من‭ ‬حقِّ‭ ‬المسلمِ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُحَبَّ‭ ‬لَهُ‭ ‬الخيرُ،‭ ‬وأَنْ‭ ‬يُدعى›‭ ‬لَهُ‭ ‬بالهدايَةِ‭ ‬والصَّلاحِ،‭ ‬وأَنْ‭ ‬يُنصَحَ‭ ‬بعلْمٍ‭ ‬ورفْقٍ‭ ‬وحكْمَةٍ‭.‬

والرَّدُّ‭ ‬على‭ ‬المخالِفِ؛‭ ‬لا‭ ‬يُرادُ‭ ‬بهِ‭ ‬التَّشفِّي‭ ‬منهُ،‭ ‬ولا‭ ‬كسرُهُ،‭ ‬ولا‭ ‬الانتصارُ‭ ‬للنَّفسِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬المقصودُ‭ ‬بيانُ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬وردُّ‭ ‬الخطأِ،‭ ‬وهدايَةُ‭ ‬الخَلْقِ،‭ ‬وحمايَةُ‭ ‬الدِّينِ‭.‬

قالَ‭ ‬النَّبيُّ‭» :# ‬‮‬الدِّينُ‭ ‬النَّصيحَةُ«‮‬‭ ‬قُلْنا‭ :‬لمَنْ؟‭ ‬قالَ: »‭ ‬‮‬‭،$‬ولكِتابِهِ،‭ ‬ولرَسُولِهِ،‭ ‬ولأَئِمَّةِ‭ ‬المُسلِمينَ‭ ‬وعامَّتِهِمْ‮‬‭‬«. [مسلم: ٥٥].

‮‬‭ -٤ ‬إجراءُ‭ ‬أَحكامِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬الظَّاهِرَةِ‭ ‬عليهِمْ‭:‬

فمَنْ‭ ‬ثبَتَ‭ ‬لَهُ‭ ‬الإسلامُ‭ ‬ظاهِرًا؛‭ ‬جرَتْ‭ ‬عليهِ‭ ‬أَحكامُ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬في‭ ‬الجملَةِ‭: ‬

منَ‭ ‬السَّلامِ،‭ ‬والتَّوارثِ،‭ ‬والنِّكاحِ،‭ ‬والصَّلاةِ‭ ‬عليهِ‭ ‬بعدَ‭ ‬موتِهِ،‭ ‬والدَّفْنِ‭ ‬في‭ ‬مقابرِ‭ ‬المسلمينَ،‭ ‬وسائِرِ‭ ‬الأَحكامِ،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقمْ‭ ‬دليلٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬معتبَرٌ‭ ‬ينقلُهُ‭ ‬عن‭ ‬ه›ذا‭ ‬الأَصلِ‭.‬

ولا‭ ‬يمنَعُ‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬من‭ ‬هجْرِ‭ ‬صاحِبِ‭ ‬البِدْعَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬التَّحذيرِ‭ ‬منهُ،‭ ‬أَو‭ ‬تعزيرِهِ‭ ‬عندَ‭ ‬الحاجَةِ؛‭ ‬إذا‭ ‬اقتضَتْ‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬مصلحَةٌ‭ ‬شرعيَّةٌ‭ ‬معتبرَةٌ،‭ ‬وتولَّاهُ‭ ‬مَن‭ ‬يملكُهُ‭ ‬شرعًا؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الهجرَ‭ ‬والتَّحذيرَ‭ ‬بابٌ،‭ ‬وإخراجَ‭ ‬المسلمِ‭ ‬منَ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬بابٌ‭ ‬آخرُ‭.‬

‮‬‭ -٥ ‬التَّفريقُ‭ ‬بينَ‭ ‬أَحوالِهم‭:‬

ليسَ‭ ‬المخالفونَ‭ ‬سواءً؛‭ ‬بلْ‭ ‬يجبُ‭ ‬التَّفريقُ‭ ‬بينَ‭:‬

الجاهِلِ‭ ‬والعالِمِ‭. ‬والمُقلِّدِ‭ ‬والمنظِّرِ‭ .‬والمتأَوِّلِ‭ ‬والمكابِرِ‭ .‬والمخطئِ‭ ‬العارضِ‭ ‬وصاحِبِ‭ ‬المنهجِ‭ ‬المنحرِفِ‭ .‬ومَن‭ ‬أَسرَّ‭ ‬ببدعتِهِ،‭ ‬ومَن‭ ‬دعا‭ ‬إليها‭ .‬ومَن‭ ‬كانَ‭ ‬قليلَ‭ ‬الأَثرِ،‭ ‬ومَن‭ ‬كانَ‭ ‬صاحِبَ‭ ‬منبرٍ‭ ‬وتأْثيرٍ‭ ‬واسعٍ‭.‬

فلا‭ ‬يُسوَّى›‭ ‬بينَ‭ ‬مَن‭ ‬وقَعَ‭ ‬في‭ ‬الخطأِ‭ ‬عن‭ ‬جهْلٍ،‭ ‬أَو‭ ‬تأْويلٍ،‭ ‬وبينَ‭ ‬مَن‭ ‬عرفَ‭ ‬الحقَّ‭ ‬ثمَّ‭ ‬ردَّهُ‭ ‬تعصُّبًا،‭ ‬أَو‭ ‬عنادًا،‭ ‬ولا‭ ‬بينَ‭ ‬العامِّيِّ‭ ‬المقلِّدِ،‭ ‬وبينَ‭ ‬الدَّاعيَةِ‭ ‬الَّذي‭ ‬ينشِرُ‭ ‬الباطلَ‭ ‬ويُزيِّنُهُ‭ ‬للنَّاسِ‭.‬

ثالثًا‭ -‬ما‭ ‬واجباتُ‭» ‬‮‬أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬؟

كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬لأَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ‭ ‬حقوقًا؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬عليهم‭ ‬واجباتٍ‭ ‬عظيمَةً،‭ ‬وأَصلُها‭:‬

‮ ‬‭-١ ‬تحقيقُ‭ ‬التَّوحيدِ‭ :‬فعليهمْ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُفردوا‭ ‬اللهَ‭ ‬تعالى›‭ ‬بالعبادَةِ،‭ ‬وأَلَّا‭ ‬يصرفوا‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬أَنواعِ‭ ‬العبادَةِ‭ ‬لغيرِهِ،‭ ‬وأَنْ‭ ‬يحذَروا‭ ‬من‭ ‬الشِّركِ‭ ‬ووسائلِهِ،‭ ‬والغُلُوِّ‭ ‬في‭ ‬الأَنبياءِ‭ ‬والأَولياءِ‭ ‬والصَّالحينَ‭.‬

فالتَّوحيدُ‭ ‬أَصلُ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬ولا‭ ‬يصحُّ‭ ‬الانتسابُ‭ ‬إلى‭ ‬الإسلامِ‭ ‬معَ‭ ‬نَقْضِ‭ ‬أَصلِهِ‭ ‬الَّذي‭ ‬قامَ‭ ‬عليهِ‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬اتِّباعُ‭ ‬رَسُولِ‭ ‬اللهِ‭ ‬‭:# ‬فعليهمْ‭ ‬تصْديقُ‭ ‬النَّبيِّ‭ # ‬فيما‭ ‬أَخبَرَ،‭ ‬وطاعتُهُ‭ ‬فيما‭ ‬أَمرَ،‭ ‬واجْتِنابُ‭ ‬ما‭ ‬نهى›‭ ‬عنهُ‭ ‬وزجَرَ،‭ ‬وأَلَّا‭ ‬يُعبَدَ‭ ‬اللهُ‭ ‬إلَّا‭ ‬بما‭ ‬شرعَ‭.‬

قالَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿فَلَا‭ ‬وَرَبِّكَ‭ ‬لَا‭ ‬يُؤْمِنُونَ‭ ‬حَتَّى‭ ‬يُحَكِّمُوكَ‭ ‬فِيمَا‭ ‬شَجَرَ‭ ‬بَيْنَهُمْ﴾. [النساء: ٦٥].

فمجرَّدُ‭ ‬الانتسابِ‭ ‬إلى‭ ‬القِبلَةِ‭ ‬لا‭ ‬يُغني‭ ‬عن‭ ‬تعظيمِ‭ ‬السُّنَّةِ،‭ ‬ولا‭ ‬يبيحُ‭ ‬ردَّ‭ ‬الأَحاديثِ‭ ‬الصَّحيحَةِ‭ ‬لمخالفتِها‭ ‬الأَهواءَ،‭ ‬أَو‭ ‬العاداتِ،‭ ‬أَو‭ ‬التَّعصُّباتِ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬تعظيمُ‭ ‬الوحيَيْنِ‭ ‬الشَّريفينِ‭:‬ فعليهمِ‭ ‬الرُّجوعُ‭ ‬إلى›‭ ‬كتابِ‭ ‬اللهِ‭ ‬وسُنَّةِ‭ ‬رَسُولِهِ‭ ‬،#‭ ‬وفهمُهما‭ ‬على›‭ ‬هديِ‭ ‬الصَّحابَةِ‭ ‬والتَّابعينَ‭ ‬وأَئمَّةِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬والحذَرُ‭ ‬من‭ ‬تحريفِ‭ ‬النُّصوصِ‭ ‬لتوافقَ‭ ‬الأَهواءَ‭ ‬والمصالحَ‭ ‬الحزبيَّةَ‭ ‬والسِّياسيَّةَ‭.‬

‮‬‭ -٤ ‬القيامُ‭ ‬بفرائضِ‭ ‬الإسلامِ‭: ‬فعليهمِ‭ ‬المحافظَةُ‭ ‬على‭ ‬الصَّلاةِ‭ ‬والزَّكاةِ‭ ‬والصِّيامِ‭ ‬والحجِّ‭ ‬وسائِرِ‭ ‬الفرائِضِ،‭ ‬وتعظيمُ‭ ‬شعائرِ‭ ‬اللهِ،‭ ‬واجتنابُ‭ ‬المحرَّماتِ،‭ ‬والتَّوبَةُ‭ ‬من‭ ‬الذُّنوبِ‭.‬

ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬جعَلُ‭ ‬وصِفِ‭» ‬‮‬أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬‭ ‬ذريعَةً‭ ‬إلى‭ ‬التَّهوينِ‭ ‬منَ‭ ‬الفرائِضِ،‭ ‬أَو‭ ‬تبريرِ‭ ‬المعاصي؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬إثباتَ‭ ‬أَصلِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬للعبْدِ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬ناجٍ‭ ‬منَ‭ ‬العقوبَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬أَنَّ‭ ‬إيمانَهُ‭ ‬كامِلٌ،‭ ‬ولا‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬من‭ ‬أَولياءِ‭ ‬اللهِ‭ ‬المتَّقينَ‭.‬

‮‬‭ -٥‬قبولُ‭ ‬الحقِّ‭ ‬والنَّصيحَةِ:‭ ‬فعليهمْ‭ ‬أَلَّا‭ ‬يجعلوا‭ ‬الأَشخاصَ،‭ ‬أَو‭ ‬الجماعاتِ،‭ ‬أَو‭ ‬الأَحزابَ،‭ ‬أَو‭ ‬الطَّوائِفَ،‭ ‬أَو‭ ‬المشايخَ؛‭ ‬حِجابًا‭ ‬بينهمْ‭ ‬وبينَ‭ ‬الحقِّ‭.‬

فالحقُّ‭ ‬لا‭ ‬يُردُّ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬قائلَهُ‭ ‬مخالِفٌ،‭ ‬والباطِلُ‭ ‬لا‭ ‬يُقبَلُ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬قائلَهُ‭ ‬محبوبٌ،‭ ‬أَو‭ ‬مُتبوعٌ‭.‬

وقدْ‭ ‬اشتهرَ‭ ‬عنَ‭ ‬السَّلَفِ‭ ‬الصَّالِحِ‭ - ‬ ‬رحمهم ا$‭ - ‬قولُهم‭) ‬اعْرِفِ‭ ‬الحقَّ‭ ‬تَعرِفْ‭ ‬أَهلَهُ)‮‬‭.‬

فالميزانُ‭ ‬هو‭ ‬الكتابُ‭ ‬والسُّنَّةُ؛‭ ‬لا‭ ‬كثرةُ‭ ‬الأَتباعِ،‭ ‬ولا‭ ‬شهرَةُ‭ ‬الرِّجالِ،‭ ‬ولا‭ ‬المصالحُ‭ ‬الحزبيَّةُ‭.‬

‮‬‭ -٦ ‬الحذرُ‭ ‬من‭ ‬البِدَعِ‭ ‬والأَهواءِ‭:‬

فعليهمِ‭ ‬الحذَرُ؛‭ ‬منَ‭ ‬الغُلُوِّ‭ ‬والجفاءِ،‭ ‬والتَّعصُّبِ‭ ‬والتَّقليدِ‭ ‬الأَعمى›،‭ ‬وتقديسِ‭ ‬الرِّجالِ،‭ ‬وردِّ‭ ‬النُّصوصِ،‭ ‬واتِّباعِ‭ ‬المتشابَهِ،‭ ‬والخوضِ‭ ‬في‭ ‬الدِّينِ‭ ‬بغيرِ‭ ‬علمٍ‭.‬

والانتسابُ‭ ‬إلى‭ ‬القِبْلةِ؛‭ ‬لا‭ ‬يكونُ‭ ‬رُخعصَةً‭ ‬في‭ ‬نَقْضِ‭ ‬أُصولِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬ولا‭ ‬سِترًا‭ ‬للبِدَعِ‭ ‬المغلَّظَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬ذريعَةً‭ ‬إلى›‭ ‬إسقاطِ‭ ‬واجِبِ‭ ‬البيانِ‭ ‬والنَّصيحَةِ‭.‬

فكما‭ ‬أَنَّ‭ ‬الغُلُوَّ‭ ‬في‭ ‬التَّكفيرِ‭ ‬باطِلٌ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬تمييعَ‭ ‬الحدودِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ،‭ ‬وتسويَةَ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬بالبِدْعَةِ،‭ ‬والحقِّ‭ ‬بالباطِلِ؛‭ ‬باطلٌ‭ ‬كذ›لكَ‭.‬

رابعًا‭-‬ منهجُ‭ ‬أَهلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬في‭» ‬‮‬أَهلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬‭:‬

يقومُ‭ ‬منهجُ‭ ‬أَهْلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجَماعَةِ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البابِ‭ ‬على›‭ ‬أَصلَيْن‭ ‬عظيمَيْن‭:‬

الأَصلُ‭ ‬الأَوَّلُ‭ :‬حِفْظُ‭ ‬حُرمةِ‭ ‬الإسلامِ‭:‬

فلا‭ ‬يُخرَجُ‭ ‬المسلمُ‭ ‬منَ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬بمجرَّدِ‭ ‬الذَّنْبِ‭ ‬الَّذي‭ ‬هو‭ ‬دونَ‭ ‬الكُفْرِ،‭ ‬ولا‭ ‬بمجرَّدِ‭ ‬الخطأِ‭ ‬أَو‭ ‬التَّأْويلِ،‭ ‬ولا‭ ‬بالظُّنونِ‭ ‬والاحتمالاتِ،‭ ‬ولا‭ ‬باللَّوازمِ‭ ‬غيرِ‭ ‬البيِّنَةِ‭.‬

قالَ‭ ‬الإمامُ‭ ‬الطَّحاويُّ‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭:‬ (ولا‭ ‬نُكفِّرُ‭ ‬أَحَدًا‭ ‬من‭ ‬‮‬»أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬‭ ‬بذَنْبٍ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يستحلَّهُ)‭.‬

ومعنى›‭ ‬هذهِ‭ ‬العبارَةِ‭:‬ أَنَّ‭ ‬الذَّنْبَ‭ ‬الَّذي‭ ‬هو‭ ‬دونَ‭ ‬الكُفْرِ‭ ‬في‭ ‬ذاتِهِ؛‭ ‬لا‭ ‬يُخرِجُ‭ ‬صاحبَهُ‭ ‬منَ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬بمجرَّدِ‭ ‬ارتكابِهِ؛‭ ‬خلافًا‭ ‬للخوارجِ‭ ‬الَّذينَ‭ ‬كفَّروا‭ ‬أَصحابَ‭ ‬الكبائِرِ‭.‬

وليسَ‭ ‬معناها‭ :‬أَنَّ‭ ‬الاستحلالَ‭ ‬القلبيَّ‭ ‬أَو‭ ‬اللَّفظيَّ‭ ‬شرطٌ‭ ‬في‭ ‬جميعِ‭ ‬صُورِ‭ ‬الكُفْرِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬منَ‭ ‬الأَقوالِ‭ ‬والأَفعالِ‭ ‬ما‭ ‬دلَّ‭ ‬الشَّرعُ‭ ‬على›‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬‮‬»كُفْرٌ‭ ‬أَكبرُ«‮‬‭ ‬في‭ ‬نفسِهِ؛‭ ‬كجَحْدِ‭ ‬معلومٍ‭ ‬منَ‭ ‬الدِّينِ‭ ‬بالضَّرورَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬الاستهزاءِ‭ ‬الصَّريحِ‭ ‬باللهِ‭ ‬وآياتِهِ‭ ‬ورَسُولِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬صرْفِ‭ ‬العبادَةِ‭ ‬لغيرِ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭.‬

لكنْ‭ ‬يبقى›‭ ‬بعدَ‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬التَّفريقُ‭ ‬واجبًا‭: ‬

‭- ‬بينَ: ‭» ‬‮‬الحُكمِ‭ ‬على‭ ‬القولِ‭ ‬أَو‭ ‬الفعْلِ‭ ‬من‭ ‬حيثُ‭ ‬هو«‮‬‭.‬

‭- ‬وبينَ‭ ‬‮: »الحُكمِ‭ ‬على‭ ‬الشَّخصِ‭ ‬المعيَّنِ‭ ‬الَّذي‭ ‬صَدَرَ‭ ‬منهُ«‬‮‬‭‮‬‭.‬

الأَصلُ‭ ‬الثَّاني‭ :‬حِفْظُ‭ ‬حُرمَةِ‭ ‬الحقِّ‭:‬

فلا‭ ‬يُسكَتُ‭ ‬عن‭ ‬الباطِلِ‭ ‬باسمِ‭ ‬الأُخوَّةِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُتركُ‭ ‬البِدَعُ‭ ‬تنتشِرُ‭ ‬باسمِ‭ ‬سَعَةِ‭ ‬الصَّدْرِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُعطَّلُ‭ ‬النَّصيحَةُ‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬غضَبِ‭ ‬النَّاسِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬يُبيَّنُ‭ ‬الحقُّ،‭ ‬وتُرَدُّ‭ ‬المخالفَةُ،‭ ‬ويُحذَّرُ‭ ‬منَ‭ ‬الضَّلالِ‭ ‬وأَسبابِهِ؛‭ ‬بعلْمٍ‭ ‬وعدْلٍ‭ ‬وإنْصافٍ‭ ‬وحكمَةٍ،‭ ‬معَ‭ ‬مُراعاةِ‭ ‬المصالحِ‭ ‬والمفاسِدِ‭ ‬والمآلاتِ‭.‬

فالرَّحمَةُ‭ ‬بالمخالِفِ؛‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تصحيحَ‭ ‬خطئِهِ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬ردَّ‭ ‬الخطأِ؛‭ ‬لا‭ ‬يقتضي‭ ‬ظُلْمَ‭ ‬صاحبِهِ‭.‬

ولهذا‭ ‬كانَ‭ ‬أَهْلُ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجماعَةِ؛‭ ‬وسَطًا‭ ‬بينَ‭ ‬طرفَيْنِ‭:‬

‭- ‬بينَ‭ ‬خوارجَ؛‭ ‬غَلَوا‭ ‬في‭ ‬التَّكفيرِ‭ ‬واستباحَةِ‭ ‬الدِّماءِ‭.‬

‭- ‬وبينَ‭ ‬أَهْلِ‭ ‬الإرجاءِ‭ ‬والتَّمييعِ؛‭ ‬الَّذينَ‭ ‬هوَّنوا‭ ‬من‭ ‬شأْنِ‭ ‬الأَعمالِ،‭ ‬أَو‭ ‬جعَلوا‭ ‬الانتسابَ‭ ‬إلى‭ ‬الإسلامِ‭ ‬مانعًا‭ ‬من‭ ‬الإنكارِ‭ ‬والبيانِ‭.‬

فأَهْلُ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجماعَةِ؛‭ ‬لا‭ ‬يُكفِّرونَ‭ ‬بكُلِّ‭ ‬ذنْبٍ،‭ ‬ولا‭ ‬يحكمونَ‭ ‬على›‭ ‬كُلِّ‭ ‬مُخْطئٍ‭ ‬بأَنَّهُ‭ ‬مُبْتَدعٌ،‭ ‬ولا‭ ‬يُسقطونَ‭ ‬كلَّ‭ ‬مخالِفٍ‭ ‬بإطلاقٍ‭.‬

وفي‭ ‬الوقْتِ‭ ‬نفسِهِ؛‭ ‬لا‭ ‬يُسوُّونَ‭ ‬بينَ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والبِدْعَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬بينَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬والباطِلِ،‭ ‬ولا‭ ‬بينَ‭ ‬زلَّةِ‭ ‬العالمِ‭ ‬المجتهدِ،‭ ‬وبينَ‭ ‬منهجِ‭ ‬صاحِبِ‭ ‬الهَوى‭ ‬الدَّاعي‭ ‬إلى›‭ ‬ضلالِهِ‭.‬

خامسًا‭ -‬ضوابِطُ‭ ‬الحُكمِ‭ ‬على› ‭»‬أَهْلِ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬‭:‬

‮ ‬‭-١ ‬التَّفريقُ‭ ‬بينَ‭ ‬الحُكْمِ‭ ‬على‭ ‬القولِ‭ ‬والحُكْمِ‭ ‬على‭ ‬القائِلِ‭:‬

قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬القولُ،‭ ‬أَو‭ ‬الفعْلُ‭ ‬كُفْرًا،‭ ‬أَو‭ ‬بِدْعَةً،‭ ‬أَو‭ ‬ضلالًا‭ ‬من‭ ‬حيثُ‭ ‬الوصْفُ‭ ‬العامُّ،‭ ‬ولا‭ ‬يلزمُ‭ ‬من‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يكونَ‭ ‬كلُّ‭ ‬مَن‭ ‬صدَرَ‭ ‬منهُ‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬كافرًا،‭ ‬أَو‭ ‬مبتدعًا‭ ‬بعينِهِ‭.‬

فقدْ‭ ‬يصدُرُ‭ ‬القولُ‭ ‬عن‭ ‬جهِلٍ،‭ ‬أَو‭ ‬خطأٍ،‭ ‬أَو‭ ‬إكراهٍ،‭ ‬أَو‭ ‬اضطرابٍ‭ ‬في‭ ‬العبارَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬تأْويلٍ،‭ ‬أَو‭ ‬عدَمِ‭ ‬قصْدٍ‭ ‬للمعنى‭ ‬الكُفْريِّ‭ .‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬بُدَّ‭ ‬منَ‭ ‬التَّثبُّتِ‭ ‬من‭ ‬حقيقَةِ‭ ‬القولِ،‭ ‬وثبوتِهِ‭ ‬على›‭ ‬صاحبِهِ،‭ ‬وفهْمِ‭ ‬مرادِهِ،‭ ‬والنَّظرِ‭ ‬في‭ ‬حالِهِ،‭ ‬قبْلَ‭ ‬تنزيلِ‭ ‬الحُكمِ‭ ‬عليهِ‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬ثبوتُ‭ ‬القولِ‭ ‬أَو‭ ‬الفعلِ‭:‬

فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬بناءُ‭ ‬الأَحكامِ‭ ‬على‭ ‬الشَّائعاتِ،‭ ‬أَو‭ ‬المقاطِعِ‭ ‬المبتورَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬النُّقولِ‭ ‬غيرِ‭ ‬الموثَّقَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬كلامِ‭ ‬الخُصُومِ‭.‬‭ ‬قالَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى›‭:‬ ﴿يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬إِنْ‭ ‬جَاءَكُمْ‭ ‬فَاسِقٌ‭ ‬بِنَبَإٍ‭ ‬فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].

فإذا‭ ‬كانَ‭ ‬التَّثبُّتُ‭ ‬واجبًا‭ ‬في‭ ‬عمومِ‭ ‬الأَخبارِ؛‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬بابِ‭ ‬الدِّماءِ‭ ‬والأَعراضِ‭ ‬والتَّكْفيرِ‭ ‬أَوجَبُ‭ ‬وأَشَدُّ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬تحقُّقُ‭ ‬دلالَةِ‭ ‬القولِ‭:‬

ليسَ‭ ‬كلُّ‭ ‬لفْظٍ‭ ‬محتمِلٍ‭ ‬يُحمَلُ‭ ‬على›‭ ‬أَقْبَحِ‭ ‬معانيهِ،‭ ‬ولا‭ ‬كلُّ‭ ‬لازمٍ‭ ‬يُنسَبُ‭ ‬إلى›‭ ‬صاحِبِ‭ ‬القولِ؛‭ ‬فلا‭ ‬يُكفَّرُ‭ ‬المسلمُ‭ ‬باللَّوازمِ‭ ‬المحتملَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يلتزمْهُ،‭ ‬ولا‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدُلُّ‭ ‬كلامُهُ‭ ‬عليهِ‭ ‬دلالَةً‭ ‬ظاهرَةً‭ ‬معتبرَةً‭. ‬

والواجِبُ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُفسَّرَ‭ ‬كلامُهُ‭ ‬بما‭ ‬يوافِقُ‭ ‬مجموعَ‭ ‬أَقوالِهِ‭ ‬وقرائنِ‭ ‬حالِهِ،‭ ‬لا‭ ‬بما‭ ‬يوافِقُ‭ ‬رغبَةَ‭ ‬خصمِهِ‭ ‬في‭ ‬إسقاطِهِ‭.‬

‮‬‭ -٤ ‬استيفاءُ‭ ‬الشُّروطِ‭ ‬وانتفاءُ‭ ‬الموانِعِ‭:‬

الحُكمُ‭ ‬على‭ ‬المعيَّنِ‭ ‬بالكُفْرِ؛‭ ‬لا‭ ‬يكونُ‭ ‬بمجرَّدِ‭ ‬وقوعِهِ‭ ‬في‭ ‬قولٍ‭ ‬أَو‭ ‬فعْلٍ‭ ‬كُفْريٍّ؛‭ ‬بلْ‭ ‬لا‭ ‬بُدَّ‭ ‬من‭ ‬استيفاءِ‭ ‬الشُّروطِ‭ ‬وانتفاءِ‭ ‬الموانعِ‭ ‬المعتبرَةِ‭ ‬شرعًا،‭ ‬بحسَبِ‭ ‬المسأَلَةِ‭ ‬وحالِ‭ ‬صاحبِها‭.‬

ومن‭ ‬ذلكَ:‭ ‬تحقُّقُ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والقصْدِ‭ ‬والاختيارِ،‭ ‬وقيامُ‭ ‬الحُجَّةِ‭ ‬على‭ ‬الوجْهِ‭ ‬المعتبَرِ،‭ ‬وانتفاءُ‭ ‬الإكراهِ‭ ‬والخطأِ‭ ‬والتَّأْويلِ‭ ‬والجهلِ‭ ‬المعتبَرِ؛‭ ‬بحسَبِ‭ ‬اختلافِ‭ ‬المسائِلِ‭ ‬والأَشخاصِ‭ ‬والبيئاتِ‭.‬

وليسَ‭ ‬معنى›‭ ‬ذ›لكَ؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬كلَّ‭ ‬مَن‭ ‬ادَّعى‭ ‬الجهلَ‭ ‬أَو‭ ‬التَّأْويلَ‭ ‬يُعذَرُ‭ ‬مُطلقًا،‭ ‬وإنَّما‭ ‬المرجَعُ‭ ‬في‭ ‬تقديرِ‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬إلى›‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ‭ ‬الرَّاسخينَ؛‭ ‬الَّذينَ‭ ‬يجمعونَ‭ ‬بينَ‭ ‬معرفَةِ‭ ‬النُّصوصِ،‭ ‬وفهمِ‭ ‬الواقِعِ،‭ ‬وتحقيقِ‭ ‬المناطِ‭.‬

‮‬‭-٥ ‬ عدمُ‭ ‬التَّسرُّعِ‭ ‬في‭ ‬تكفيرِ‭ ‬المعيَّنِ‭:‬

بابُ‭ ‬التَّكفيرِ‭ ‬من‭ ‬أَخطَرِ‭ ‬أَبوابِ‭ ‬الدِّينِ؛‭ ‬لأَنَّهُ‭ ‬يترتَّبُ‭ ‬عليهِ‭ ‬أَحكامٌ‭ ‬عظيمَةٌ‭ ‬في‭ ‬الدَّمِ‭ ‬والمالِ‭ ‬والنِّكاحِ‭ ‬والميراثِ‭ ‬والجنائزِ‭ ‬وغيرِها؛‭ ‬فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَنْ‭ ‬يتولاَّهُ‭ ‬كلُّ‭ ‬أَحَدٍ،‭ ‬ولا‭ ‬أَنْ‭ ‬يكونَ‭ ‬مادَةً‭ ‬للمجادلاتِ‭ ‬العامَّةِ‭ ‬و»مواقِعِ‭ ‬التَّواصِلِ«‮‬‭ ‬ولا‭ ‬أَنْ‭ ‬يُصدِرَ‭ ‬فيهِ‭ ‬الأَحكامَ‭ ‬مَن‭ ‬لم‭ ‬يرسَخْ‭ ‬في‭ ‬العلْمِ‭.‬

والواجِبُ‭ ‬رَدُّ‭ ‬النَّوازِلِ‭ ‬المعيَّنَةِ‭ ‬إلى‭ ‬العلماءِ‭ ‬الرَّاسخينَ‭ ‬والقضاءِ‭ ‬الشَّرعيِّ‭ ‬المعتبَرِ؛‭ ‬حيثُ‭ ‬وُجِدَ‭.‬

‮ ‬‭-٦ ‬التَّفريقُ‭ ‬بينَ‭ ‬دَرَجاتِ‭ ‬المخالفَةِ‭:‬

ليسَتِ‭ ‬الأَخطاءُ‭ ‬والبِدَعُ‭ ‬في‭ ‬درجَةٍ‭ ‬واحدَةٍ؛‭ ‬فمنها‭:‬

الخطأُ‭ ‬الاجتهاديُّ‭ ‬المغفورُ،‭ ‬والزَّلَّةُ‭ ‬العارضَةُ،‭ ‬والمعصيَةُ،‭ ‬والبِدْعَةُ‭ ‬الخفيفَةُ،‭ ‬والبِدْعَةُ‭ ‬المغلَّظَةُ،‭ ‬والبِدْعَةُ‭ ‬المكفِّرَةُ،‭ ‬والكُفْرُ‭ ‬الصَّريحُ‭ ‬النَّاقلُ‭ ‬عنَ‭ ‬الملَّةِ‭.‬

وكلُّ‭ ‬درجَةٍ‭ ‬لها‭ ‬حُكْمُها،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬تسويَةُ‭ ‬الصَّغائِرِ‭ ‬بالكبائِرِ،‭ ‬ولا‭ ‬المعاصي‭ ‬بالبِدَعِ،‭ ‬ولا‭ ‬البِدَعِ‭ ‬غيرِ‭ ‬المكفِّرَةِ‭ ‬بالكُفْرِ‭ ‬الأَكبرِ‭.‬

‮‬‭ -٧ ‬التَّفريقُ‭ ‬بينَ‭ ‬الخطأِ‭ ‬العارِضِ‭ ‬والمنهجِ‭ ‬المستقَرِّ‭:‬

مَن‭ ‬وقَعَ‭ ‬في‭ ‬زلَّةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬أَخطأَ‭ ‬في‭ ‬مسأَلَةٍ؛‭ ‬لا‭ ‬يُجعَلُ‭ ‬من‭ ‬أَهْلِ‭ ‬الأَهواءِ‭ ‬بسبَبِ‭ ‬خطأٍ‭ ‬واحِدٍ،‭ ‬ولا‭ ‬تُهدَرُ‭ ‬مكانتُهُ‭ ‬وحسناتُهُ‭ ‬كلُّها‭.‬

أَمَّا‭ ‬مَن‭ ‬بُنيَ‭ ‬منهجُهُ‭ ‬على›‭ ‬مخالفَةِ‭ ‬السُّنَّةِ،‭ ‬والدَّعوَةِ‭ ‬إلى‭ ‬البِدْعَةِ،‭ ‬والطَّعنِ‭ ‬في‭ ‬أُصُولِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬وتزيينِ‭ ‬الباطِلِ‭ ‬للنَّاسِ؛‭ ‬فليسَ‭ ‬كصاحِبِ‭ ‬الزَّلَّةِ‭ ‬العارضَةِ،‭ ‬بلْ‭ ‬يُحذَّرُ‭ ‬من‭ ‬منهجِهِ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬خطرِهِ‭ ‬وتأْثيرِهِ‭.‬

سادسًا‭ -‬مراتِبُ‭ ‬البيانِ‭ ‬والنَّصيحَةِ‭:‬

ليسَ‭ ‬كلُّ‭ ‬خطأٍ‭ ‬يُعالَجُ‭ ‬بالطَّريقَةِ‭ ‬نفسِها؛‭ ‬بلِ‭ ‬البيانُ‭ ‬والنَّصيحَةُ‭ ‬مراتِبُ،‭ ‬منها‭:‬

‮ ‬‭-١ ‬التَّعليمُ:‬ وذ›لكَ‭ ‬معَ‭ ‬الجاهِلِ،‭ ‬أَو‭ ‬مَن‭ ‬لم‭ ‬يبلُغْهُ‭ ‬الدَّليلُ؛‭ ‬فيُعلَّمُ‭ ‬بالحكْمَةِ‭ ‬والرِّفْقِ‭.‬

‮‬‭ -٢ ‬النَّصيحَةُ‭ ‬الخاصَّةُ‭ :‬وذ›لكَ‭ ‬إذا‭ ‬كانَ‭ ‬الخطأُ‭ ‬خاصًّا،‭ ‬أَو‭ ‬كانَ‭ ‬صاحبُهُ‭ ‬ممَّن‭ ‬يُرجى›‭ ‬قبولُهُ‭ ‬للنَّصيحَةِ‭ ‬السِّرِّيَّةِ،‭ ‬ولم‭ ‬يترتَّبْ‭ ‬على›‭ ‬خطئِهِ‭ ‬ضَرَرٌ‭ ‬عامٌّ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬الرَّدُّ‭ ‬العلميُّ‭ ‬العلنيُّ‭ :‬إذا‭ ‬كانَ‭ ‬الخطأُ‭ ‬منشورًا‭ ‬مؤَثِّرًا‭ ‬في‭ ‬النَّاسِ؛‭ ‬فإنَّهُ‭ ‬يُبيَّنُ‭ ‬علنًا‭ ‬بقدْرِ‭ ‬علانيَتِهِ‭ ‬وتأْثيرِهِ،‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬تعَدٍّ‭ ‬ولا‭ ‬فُجُورٍ‭.‬

‮‬‭ -٤ ‬التَّحذيرُ‭ ‬العامُّ‭ ‬منَ‭ ‬المقالَةِ‭ :‬وذ›لكَ‭ ‬ببيانِ‭ ‬بطلانِ‭ ‬القولِ‭ ‬وخطرِهِ؛‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬حاجَةٍ‭ ‬إلى‭ ‬ذكرِ‭ ‬الأَسماءِ،‭ ‬إذا‭ ‬تحقَّقَ‭ ‬المقصودُ‭ ‬بذ›لكَ‭.‬

‮‬‭ -٥ ‬التَّحذيرُ‭ ‬منَ‭ ‬المعيَّنِ‭:‬

إذا‭ ‬كانَ‭ ‬شخْصٌ‭ ‬يدْعو‭ ‬إلى›‭ ‬باطِلٍ‭ ‬ظاهِرٍ،‭ ‬وينشُرُ‭ ‬بدعتَهُ،‭ ‬ويتأَثَّرُ‭ ‬بهِ‭ ‬النَّاسُ؛‭ ‬جازَ‭ ‬التَّحذِيرُ‭ ‬منهِ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬الحاجَةِ،‭ ‬بشرطِ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والعَدْلِ‭ ‬وصدْقِ‭ ‬القصْدِ،‭ ‬وأَلَّا‭ ‬يتحوَّلَ‭ ‬التَّحذيرُ‭ ‬إلى›‭ ‬تشَفٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬افتراءٍ،‭ ‬أَو‭ ‬انْتقامٍ‭ ‬شخصيٍّ‭.‬

فلكلِّ‭ ‬مقامٍ‭ ‬مقالُهُ،‭ ‬ولكلِّ‭ ‬حالٍ‭ ‬خطابُها،‭ ‬وليسَ‭ ‬منَ‭ ‬الحكْمَةِ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُعامِلَ‭ ‬الجاهِلُ‭ ‬معاملَةَ‭ ‬المعانِدِ،‭ ‬أَو‭ ‬العامِّيُّ‭ ‬معاملَةَ‭ ‬الدَّاعيَةِ‭ ‬المنظِّرِ،‭ ‬أَو‭ ‬الخطأُ‭ ‬الخفيُّ‭ ‬معاملَةَ‭ ‬الضَّلالِ‭ ‬العلنيِّ‭.‬

سابعًا‭ -‬لا‭ ‬تعارُضَ‭ ‬بينَ‭ ‬العَدْلِ‭ ‬والبيانِ‭:‬

قدْ‭ ‬يظنُّ‭ ‬بعضُ‭ ‬النَّاسِ؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬العَدْلَ‭ ‬معَ‭ ‬المخالِفِ‭ ‬يقتضي‭ ‬السُّكوتَ‭ ‬عن‭ ‬خطئِهِ‭.‬

ويظُنُّ‭ ‬آخرونَ؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬بيانَ‭ ‬خطئِهِ‭ ‬يبيحُ‭ ‬ظلمَهُ،‭ ‬والطَّعنَ‭ ‬في‭ ‬نيَّتِهِ‭.‬

وكِلَا‭ ‬المسلكَيْنِ‭ ‬خطأٌ؛‭ ‬فالعَدْلُ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تصحيحَ‭ ‬الباطِلِ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬بيانَ‭ ‬الباطِلِ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ظلمَ‭ ‬صاحبِهِ؛‭ ‬بل‭ ‬المنهجُ‭ ‬الرَّاشدُ‭ ‬يجمعُ‭ ‬بينَ‭: ‬الرَّحمةِ‭ ‬بالخَلْقِ،‭ ‬والتَّعظيمِ‭ ‬للحقِّ،‭ ‬والإنصافِ‭ ‬معَ‭ ‬المخالِفِ،‭ ‬والصَّراحَةِ‭ ‬في‭ ‬بيانِ‭ ‬الخطأِ،‭ ‬وحفْظِ‭ ‬حُرمَةِ‭ ‬المسلمِ،‭ ‬وحمايةِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬من‭ ‬التَّحريفِ‭ ‬والتَّمييعِ‭.‬

ومَن‭ ‬جمعَ‭ ‬بينَ‭ ‬العَدْلِ‭ ‬والبيانِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬سَلَكَ‭ ‬طريقَ‭ ‬أَهلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجماعَةِ،‭ ‬ومَن‭ ‬عطَّلَ‭ ‬أَحدَهما؛‭ ‬اخْتلَّ‭ ‬منهجُهُ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬ما‭ ‬عطَّلَ‭.‬

ثامنًا‭ -‬خُلاصَةُ‭ ‬المنهجِ‭:‬

الخُلاصَةُ‭ ‬الجامعةُ‭ :‬أَنَّ‭» ‬‮‬أَهْلَ‭ ‬القِبْلَةِ«‮‬‭ ‬هُمْ‭ ‬مَن‭ ‬ثَبَتَ‭ ‬لهم‭ ‬حُكْمُ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬ظاهِرًا،‭ ‬ولم‭ ‬يَثْبُتْ‭ ‬في‭ ‬حقِّهم‭ ‬ناقِضٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬ينقلُهم‭ ‬عنهُ؛‭ ‬فتُحفَظُ‭ ‬لهم‭ ‬حُرمَةُ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬وتُصانُ‭ ‬دماؤُهم‭ ‬وأَموالُهم‭ ‬وأَعراضُهم،‭ ‬وتُراعى›‭ ‬حقوقُهم،‭ ‬ويُعامَلونَ‭ ‬بالعَدْلِ‭ ‬والنَّصيحَةِ‭ ‬والرَّحمَةِ‭.‬

وعليهم‭ ‬في‭ ‬المقابِلِ؛‭ ‬أَنْ‭ ‬يُحقِّقوا‭ ‬التَّوحيدَ،‭ ‬ويتَّبعوا‭ ‬الرَّسُولَ #،‭‬ ويُعظِّموا‭ ‬الكتابَ‭ ‬والسُّنَّةَ،‭ ‬ويقيمُوا‭ ‬فرائضَ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬ويحذَروا‭ ‬منَ‭ ‬الشِّركِ‭ ‬والبِدَعِ‭ ‬والأَهواءِ‭ ‬والتَّعصُّبِ‭ ‬للرِّجالِ‭ ‬والجماعاتِ‭.‬

‭- ‬فمَن‭ ‬أَخطأَ‭ ‬منهم؛‭ ‬عُلِّمَ‭ ‬ونُصِحَ‭.‬

‭- ‬ومَن‭ ‬وقَعَ‭ ‬في‭ ‬معصيَةٍ؛‭ ‬لم‭ ‬يُكفَّرْ‭ ‬بها‭ ‬ما‭ ‬دامَتْ‭ ‬دونَ‭ ‬الكفرِ‭.‬

‭- ‬ومَن‭ ‬ابْتَدَعَ؛‭ ‬رُدَّتْ‭ ‬بدعتُهُ،‭ ‬وبُيِّنَ‭ ‬خطؤُهُ‭.‬

‭- ‬ومَن‭ ‬دعا‭ ‬إلى›‭ ‬ضلالٍ‭ ‬ظاهِرٍ؛‭ ‬حُذِّرَ‭ ‬من‭ ‬ضلالِهِ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬ضررِهِ‭.‬

‭- ‬ومَن‭ ‬وقعَ‭ ‬في‭ ‬قولٍ‭ ‬أَو‭ ‬فعلٍ‭ ‬كُفْريٍّ؛‭ ‬لم‭ ‬يُحكَمْ‭ ‬عليهِ‭ ‬بعينِهِ‭ ‬حتَّى›‭ ‬يَثبُتَ‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬عليهِ،‭ ‬وتتحقَّقَ‭ ‬دلالتُهُ،‭ ‬وتُستوفى‭ ‬الشُّروطُ،‭ ‬وتنتفي‭ ‬الموانِعُ،‭ ‬ويتولَّى‭ ‬الحُكمَ‭ ‬مَن‭ ‬كانَ‭ ‬من‭ ‬أَهلِهِ‭.‬

فليسَ‭ ‬منهجُ‭ ‬أَهْلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجماعَةِ؛‭ ‬إسْقاطَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬بالتُّهَمِ‭ ‬والظُّنونِ،‭ ‬ولا‭ ‬تبريرَ‭ ‬الباطِلِ‭ ‬باسمِ‭ ‬السَّعَةِ‭ ‬والأُخوَّةِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬منهجُهم‭: ‬إسلامٌ‭ ‬محفوظُ‭ ‬الحُرمَةِ،‭ ‬وحقٌّ‭ ‬محفوظُ‭ ‬المكانَةِ،‭ ‬ونصيحَةٌ‭ ‬بِلا‭ ‬مداهنَةٍ،‭ ‬وتحذيرٌ‭ ‬بِلا‭ ‬فجورٍ،‭ ‬ورَدٌّ‭ ‬بِلا‭ ‬ظُلْمٍ،‭ ‬وعَدْلٌ‭ ‬لا‭ ‬يُعطِّلُ‭ ‬البيانَ،‭ ‬وبيانٌ‭ ‬لا‭ ‬يهدِمُ‭ ‬العَدْلَ‭.‬

اللَّهُمَّ‭ !‬اجعلْنا‭ ‬من‭ ‬أَهْلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجماعَةَ‭ ‬والعَدْلِ‭ ‬والبصيرَةِ،‭ ‬وثبِّتْنا‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭ ‬بِلا‭ ‬غُلُوٍّ‭ ‬ولا‭ ‬جفاءٍ،‭ ‬وبِلا‭ ‬إفراطٍ‭ ‬ولا‭ ‬تفريطٍ‭.‬

اللَّهُمَّ‭!‬ ارزقْنا‭ ‬علمًا‭ ‬نافعًا،‭ ‬وقلبًا‭ ‬خاشعًا،‭ ‬ولسانًا‭ ‬صادِقًا‭ ‬عادْلًا،‭ ‬واجعَلْ‭ ‬أَقوالَنا‭ ‬نُصْرَةً‭ ‬لدينِكَ،‭ ‬ورحمَةً‭ ‬بعبادِكَ،‭ ‬وهدايةً‭ ‬للحائرينَ،‭ ‬وحُجَّةً‭ ‬لنا‭ ‬لا‭ ‬علينا‭.‬

والحمدُ‭ $‬ِ‭ ‬الَّذي‭ ‬بنعمتِهِ‭ ‬تتمُّ‭ ‬الصَّالحاتُ‭.‬

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ - ٢٠٢٦/٥/١٠م

***

Previous
Previous

‮»‬فقهُ‭ ‬المُباهلَةِ‭ ‬في‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬الإِسلاميَّةِ«‮‬

Next
Next

بينَ‭ ‬ضروراتِ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬وأَمانَةِ‭ ‬الثَّورَةِ