بينَ‭ ‬ضروراتِ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬وأَمانَةِ‭ ‬الثَّورَةِ

‮‬»واجبُ‭ ‬العلماءِ‭ ‬الربَّانيِّينَ‭ ‬الكبارِ‭ ‬في‭ ‬ترشيدِ‭ ‬المسارِ‭ ‬السُّوريِّ«‬

الحمدُ‭ ‬للهِ،‭ ‬والصَّلاةُ‭ ‬والسَّلامُ‭ ‬على›‭ ‬رسولِ‭ ‬اللهِ،‭ ‬وعلى›‭ ‬آلهِ‭ ‬وصحبِهِ‭ ‬ومَن‭ ‬والاه،‭ ‬أَمَّا‭ ‬بعدُ‭:‬

أَخي‭ ‬المُسلِمَ‭ ‬اللَّبيبَ‭ ‬البَصير‭!‬

اعلمْ‭ ‬‭- ‬وفَّقني‭ ‬اللهُ‭ ‬وإيَّاكَ‭ ‬لفقهِ‭ ‬الشَّرعِ‭ ‬والبصيرَةِ‭ ‬في‭ ‬الواقعِ‭ -‬‭ ‬أَنَّ‭ ‬‮‬»سُوريا«‮‬‭ ‬اليومَ‭ ‬لا‭ ‬تعيشُ‭ ‬حالَ‭ ‬دولَةٍ‭ ‬مستقرَّةٍ‭ ‬مكتملَةِ‭ ‬السِّيادَةِ‭ ‬والقوَّةِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تمرُّ‭ ‬بمرحلَةٍ‭ ‬انتقاليَّةٍ‭ ‬شديدَةِ‭ ‬الحساسيَّةِ؛‭ ‬خرجتْ‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬حربٍ‭ ‬طويلَةٍ،‭ ‬وانهيارٍ‭ ‬مؤَسَّسيٍّ‭ ‬واقتصاديٍّ‭ ‬وعسكريٍّ،‭ ‬وتحيطُ‭ ‬بها‭ ‬أَخطارٌ‭ ‬داخليَّةٌ‭ ‬وخارجيَّةٌ‭ ‬متعدِّدَةٌ‭.‬

فالبلدُ‭ ‬لا‭ ‬يزالُ‭ ‬محتاجًا‭ ‬إلى‭ ‬بناءِ‭ ‬جيشِهِ‭ ‬ومؤَسَّساتِهِ،‭ ‬واستعادَةِ‭ ‬أَمنِهِ‭ ‬وسيادتِهِ،‭ ‬وجمعِ‭ ‬سلاحِهِ،‭ ‬ومعالجَةِ‭ ‬آثارِ‭ ‬الحربِ‭ ‬والنُّزوحِ‭ ‬والفقرِ‭ ‬والانقسامِ،‭ ‬في‭ ‬ظلِّ‭ ‬اعتداءاتٍ‭ ‬إسرائيليَّةٍ،‭ ‬وضغوطٍ‭ ‬دوليَّةٍ،‭ ‬وتدخُّلاتٍ‭ ‬إقليميَّةٍ،‭ ‬وملفَّاتٍ‭ ‬عالقَةٍ‭ ‬تتعلَّقُ‭ ‬بالأَقليَّاتِ‭ ‬والمناطقِ‭ ‬الخارجَةِ‭ ‬عن‭ ‬سيطرَةِ‭ ‬الدَّولَةِ‭.‬

ولهذا؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬فقهَ‭ ‬المرحلةِ‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬الأُمنياتِ‭ ‬المجرَّدَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬تنزيلِ‭ ‬أَحكامِ‭ ‬حالِ‭ ‬التمكينِ‭ ‬الكاملِ‭ ‬على‭ ‬واقعِ‭ ‬الضَّعفِ‭ ‬والاضطرارِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬معرفَةِ‭ ‬الواجبِ،‭ ‬وتقديرِ‭ ‬المقدورِ،‭ ‬والموازنَةِ‭ ‬بينَ‭ ‬المصالحِ‭ ‬والمفاسدِ،‭ ‬والنَّظرِ‭ ‬في‭ ‬المآلاتِ‭ ‬والعواقبِ،‭ ‬معَ‭ ‬الثَّباتِ‭ ‬على‭ ‬الأُصولِ،‭ ‬ومراعاةِ‭ ‬القدرَةِ‭ ‬والاستطاعَةِ‭.‬

قال‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى‭: ‬﴿فَاتَّقُوا‭ ‬اللَّهَ‭ ‬مَا‭ ‬اسْتَطَعْتُمْ﴾‭.‬

وقال‭ ‬تعالى‭: ‬﴿لَا‭ ‬يُكَلِّفُ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬نَفْسًا‭ ‬إِلَّا‭ ‬وُسْعَهَا﴾‭.‬

وقدْ‭ ‬قرَّرَ‭ ‬أَهلُ‭ ‬العلمِ؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬الواجباتِ‭ ‬مرتبطَةٌ‭ ‬بالقدرَةِ‭ ‬والاستطاعَةِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُدرَكُ‭ ‬كلُّهُ‭ ‬لا‭ ‬يُترَكُ‭ ‬كلُّهُ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬دفعَ‭ ‬المفسدَةِ‭ ‬العُظمى‭ ‬قدْ‭ ‬يقتضي‭ ‬تحمُّلَ‭ ‬مفسدَةٍ‭ ‬أَدْنى،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬العاجزَ‭ ‬عن‭ ‬إقامَةِ‭ ‬الواجبِ‭ ‬كاملًا‭ ‬يأْتي‭ ‬منهُ‭ ‬بما‭ ‬استطاعَ‭.‬

لكنَّ‭ ‬هذِهِ‭ ‬القواعِدَ‭ ‬العظيمَةَ؛‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تذويبَ‭ ‬ثوابتِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬ولا‭ ‬تحويلَ‭ ‬الضَّرورَةِ‭ ‬إلى‭ ‬عقيدَةٍ‭ ‬دائمَةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬تسويغَ‭ ‬‮«‬العلمانيَّةِ‮»‬‭ ‬بوصفها‭ ‬مرجعيَّةً‭ ‬نهائيَّةً‭ ‬للدَّولَةِ‭ ‬والمجتمَعِ‭.‬

وإنَّما‭ ‬تعني‭ ‬‮‬»فقّهَ‭ ‬التَّدرُّجِ‭ ‬المشروعِ«‭ ‬‮‮‬‭ ‬وتقديرَ‭ ‬الضَّروراتِ‭ ‬بقدرِها،‭ ‬والانتقالَ‭ ‬الحكيمَ‭ ‬من‭ ‬حالِ‭ ‬الضَّعفِ‭ ‬إلى‭ ‬حالِ‭ ‬القوَّةِ‭ ‬والاستقرارِ‭.‬

الثَّورَةُ‭ ‬لم‭ ‬تكنْ‭ ‬حدثًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬مجرَّدًا‭:‬

ولا‭ ‬يصحُّ‭ ‬عندَ‭ ‬قراءَةِ‭ ‬المشهدِ‭ ‬السُّوريِّ‭ ‬إغفالُ‭ ‬حقيقَةٍ‭ ‬كبرى،‭ ‬وهي‭ ‬أَنَّ‭ ‬سقوطَ‭ ‬نظامِ‭ ‬الاستبدادِ‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬ثمرَةَ‭ ‬مفاوضاتٍ‭ ‬سياسيَّةٍ‭ ‬باردَةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬نتيجَةَ‭ ‬تغييرٍ‭ ‬إدارَيٍّ‭ ‬عابرٍ؛‭ ‬بلْ‭ ‬جاءَ‭ ‬بعدَ‭ ‬تضحياتٍ‭ ‬هائلَةٍ‭ ‬قدَّمَها‭ ‬الشَّعبُ‭ ‬السُّوريُّ،‭ ‬وكانَ‭ ‬للمجاهدينَ‭ ‬والمقاتلينَ‭ ‬والثَّائرينَ‭ ‬النصيبُ‭ ‬الأَكبرُ‭ ‬منها‭.‬

وقدْ‭ ‬دخلَ‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬هؤلاءِ‭ ‬ميادينَ‭ ‬الجهادِ‭ ‬وهم‭ ‬يرفعونَ‭ ‬شعاراتِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬ويرجونَ‭ ‬أَن‭ ‬تُبنى‭ ‬بعدَ‭ ‬زوالِ‭ ‬الطُّغيانِ‭ ‬دولَةٌ‭ ‬عادلَةٌ؛‭ ‬تحترمُ‭ ‬هويَّةَ‭ ‬الأُمَّةِ،‭ ‬وتحتكمُ‭ ‬إلى‭ ‬شريعتِها،‭ ‬وتصونُ‭ ‬دماءَ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬وأَعراضَهم‭ ‬وحقوقَهم‭.‬

وهؤلاءِ‭ ‬الشَّبابُ‭ ‬ليسوا‭ ‬عبئًا‭ ‬يجوزُ‭ ‬تجاهلُهُ،‭ ‬ولا‭ ‬ورقَةً‭ ‬انتهى‭ ‬دورُها‭ ‬بعدَ‭ ‬النَّصرِ،‭ ‬ولا‭ ‬جمهورًا‭ ‬يمكنُ‭ ‬إسكاتُهُ‭ ‬بالشِّعاراتِ‭ ‬العامَّةِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬هم‭ ‬جزءٌ‭ ‬أَصيلٌ‭ ‬من‭ ‬نسيجِ‭ ‬الثَّورَةِ‭ ‬والدَّولَةِ‭ ‬الجديدَةِ،‭ ‬ولهم‭ ‬آمالٌ‭ ‬ومخاوفُ‭ ‬وتساؤلاتٌ‭ ‬مشروعَةٌ‭ ‬تحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬بيانٍ‭ ‬صادقٍ‭ ‬وحوارٍ‭ ‬رشيدٍ‭.‬

ومن‭ ‬الخطإ‭ ‬أَن‭ ‬يُقالَ‭ ‬لهم‭: ‬

قاتِلوا‭ ‬وضحُّوا‭ ‬حتى‭ ‬تتحقَّقَ‭ ‬الغلبَةُ،‭ ‬ثم‭ ‬بعدَ‭ ‬ذلكَ‭ ‬لا‭ ‬شأْنَ‭ ‬لكم‭ ‬بمسارِ‭ ‬الدَّولَةِ‭ ‬وهويَّتِها‭ ‬ومرجعيَّتِها‭.‬

كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬من‭ ‬الخطإ‭ ‬المقابلِ؛‭ ‬أَن‭ ‬يُدفَعوا‭ ‬إلى‭ ‬العجلَةِ‭ ‬والصِّدامِ،‭ ‬أَو‭ ‬يُصوَّرَ‭ ‬لهم‭ ‬كلُّ‭ ‬تنازلٍ‭ ‬مرحليٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬ترتيبٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬مؤقَّتٍ‭ ‬على‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬ردَّةٌ‭ ‬عن‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬أَو‭ ‬خيانَةٌ‭ ‬للتضحياتِ‭.‬

فإنَّ‭ ‬هذا‭ ‬بابٌ‭ ‬خطيرٌ‭ ‬قدْ‭ ‬يعيدُ ‭»‬سوريا‬‮«‮‬‭ ‬إلى‭ ‬الاحترابِ‭ ‬الدَّاخليِّ‭ ‬وسفكِ‭ ‬الدِّماءِ‭ ‬وضياعِ‭ ‬ما‭ ‬تحقَّقَ‭!‬

الإقناعُ‭ ‬السِّياسيُّ‭ ‬وحدَهُ‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭:‬

قدْ‭ ‬تستطيعُ‭ ‬القيادَةُ‭ ‬السِّياسيَّةُ‭ ‬إقناعَ‭ ‬بعضِ‭ ‬القياداتِ‭ ‬العسكريَّةِ‭ ‬أَو‭ ‬الفصائليَّةِ؛‭ ‬بأَنَّ‭ ‬بعضَ‭ ‬الإجراءاتِ‭ ‬الحاليَّةِ‭ ‬تفرضُها‭ ‬ضروراتُ‭ ‬الواقعِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬الدَّولَةَ‭ ‬لا‭ ‬تستطيعُ‭ ‬في‭ ‬هذِهِ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬مواجهَةَ‭ ‬العالمِ‭ ‬كلِّهِ،‭ ‬ولا‭ ‬فتحَ‭ ‬معاركَ‭ ‬داخليَّةٍ‭ ‬وخارجيَّةٍ‭ ‬متزامنَةٍ‭.‬

وهذا‭ ‬الكلامُ‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬مفهومًا‭ ‬من‭ ‬جهَةِ‭ ‬السِّياسَةِ‭ ‬والموازناتِ‭ ‬الدَّوليَّةِ؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحدَهُ‭ ‬لمعالجَةِ‭ ‬الإشكالِ‭ ‬الشَّرعيِّ‭ ‬والنَّفسيِّ‭ ‬والفكريِّ‭ ‬لدَى‭ ‬آلافِ‭ ‬الشَّبابِ‭ ‬الذينَ‭ ‬حملوا‭ ‬السِّلاحَ،‭ ‬وبذلوا‭ ‬أَعمارَهم،‭ ‬وفقدوا‭ ‬أَهلَهم‭ ‬وأَموالَهم،‭ ‬وضحَّوا‭ ‬بمستقبلِهم‭ ‬الدِّراسيِّ‭ ‬والمهنيِّ؛‭ ‬رجاءَ‭ ‬أَن‭ ‬يروا‭ ‬ثمرَةَ‭ ‬تضحياتِهم‭ ‬في‭ ‬دولَةٍ‭ ‬عادلَةٍ‭ ‬تحفظُ‭ ‬دينَهم‭ ‬وكرامتَهم‭ ‬وحقوقَهم‭.‬

فالإقناعُ‭ ‬القائمُ‭ ‬على‭ ‬هيبَةِ‭ ‬القائدِ،‭ ‬أَو‭ ‬الثَّقَةِ‭ ‬الشَّخصيَّةِ‭ ‬بهِ،‭ ‬أَو‭ ‬القولِ‭ ‬بأَنَّ‭ ‬هذِهِ‭ ‬مرحلَةٌ‭ ‬مؤقَّتَةٌ؛‭ ‬قدْ‭ ‬يحقِّقُ‭ ‬هدوءًا‭ ‬آنيًّا،‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬لا‭ ‬يبني‭ ‬وعيًا‭ ‬راسخًا،‭ ‬ولا‭ ‬يجيبُ‭ ‬عن‭ ‬الأَسئلَةِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭ ‬العميقَةِ‭.‬

والنَّارُ‭ ‬التي‭ ‬تُغطَّى‭ ‬بالرَّمادِ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬معالجَةٍ؛‭ ‬قدْ‭ ‬تبقى‭ ‬كامنَةً،‭ ‬ثم‭ ‬تشتعِلُ‭ ‬عندَ‭ ‬أَوَّلِ‭ ‬أَزمَةٍ‭ ‬سياسيَّةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬قرارٍ‭ ‬مثيرٍ‭ ‬للجدَلِ،‭ ‬أَو‭ ‬تدخُّلٍ‭ ‬خارجيٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬ظهورِ‭ ‬مَن‭ ‬يستثمِرُ‭ ‬مشاعرَ‭ ‬الشَّبابِ‭ ‬ويقودُهم‭ ‬إلى‭ ‬الغُلُوِّ‭ ‬والصِّدامِ‭.‬

فإذا‭ ‬غابَ‭ ‬البيانُ‭ ‬الشَّرعيُّ‭ ‬الرَّشيدُ؛‭ ‬تقدَّمَ‭ ‬أَهلُ‭ ‬الغُلُوِّ‭ ‬ليقولوا‭ ‬للشَّبابِ‭: ‬لقدْ‭ ‬خُدِعتم‭ ‬وسُرقتْ‭ ‬تضحياتُكم‭!‬

وإذا‭ ‬غابَ‭ ‬الفقهُ‭ ‬السِّياسيُّ؛‭ ‬تقدَّمَ‭ ‬أَهلُ‭ ‬التمييعِ‭ ‬ليقولوا‭: ‬لا‭ ‬مكانَ‭ ‬للدِّينِ‭ ‬في‭ ‬بناءِ‭ ‬الدَّولَةِ‭.‬

وبينَ‭ ‬غُلُوِّ‭ ‬هؤلاءِ‭ ‬وتفريطِ‭ ‬أُولئكَ؛‭ ‬قدْ‭ ‬تضيعُ‭ ‬‮»سوريا«‬‭ ‬مرَّةً‭ ‬أُخرى‭!‬

هُنا‭ ‬يأْتي‭ ‬دورُ‭ ‬العُلماءِ‭:‬

إنَّ‭ ‬المسأَلَةَ‭ ‬اليومَ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬مسؤوليَّةَ‭ ‬الرئيسِ‭ ‬أَو‭ ‬الحكومَةِ‭ ‬وحدَهما،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬شأْنٌ‭ ‬سياسيٌّ‭ ‬محضٌ‭ ‬يُترَكُ‭ ‬للدِّبلوماسيِّينَ‭ ‬والخبراءِ‭ ‬الدَّوليِّينَ؛‭ ‬بلْ‭ ‬هيَ‭ ‬من‭ ‬أَعظمِ‭ ‬المواطنِ‭ ‬التي‭ ‬يجبُ‭ ‬أَن‭ ‬يتقدَّمَ‭ ‬فيها‭ ‬العلماءُ‭ ‬الربَّانيُّونَ‭.‬

والمقصودُ‭ ‬ليسَ‭ ‬كلَّ‭ ‬مَن‭ ‬لبسَ‭ ‬لباسَ‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ،‭ ‬ولا‭ ‬كلَّ‭ ‬مَن‭ ‬حفِظَ‭ ‬بعضَ‭ ‬المتونِ،‭ ‬أَو‭ ‬تصدَّرَ‭ ‬للتدريسِ‭ ‬والمنابرِ‭ - ‬معَ‭ ‬أَهميَّةِ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الأُمورِ،‭ ‬ومن‭ ‬غيرِ‭ ‬تقليلٍ‭ ‬من‭ ‬شأْنِها‭ - ‬ولكنَّها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدَها‭ ‬للنهوضِ‭ ‬بأَعباءِ‭ ‬هذِهِ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬الدَّقيقَةِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬المقصودُ‭ ‬العلماءُ‭ ‬الذينَ‭ ‬جمعوا‭ ‬بينَ‭:‬

العلمِ‭ ‬الرَّاسخِ‭ ‬بالكتابِ‭ ‬والسُّنَّةِ،‭ ‬وفقهِ‭ ‬السِّياسَةِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ،‭ ‬ومعرفَةِ‭ ‬مقاصدِ‭ ‬الشَّريعَةِ،‭ ‬وإدراكِ‭ ‬موازينِ‭ ‬المصالحِ‭ ‬والمفاسدِ،‭ ‬والنَّظرِ‭ ‬في‭ ‬المآلاتِ،‭ ‬والخبرَةِ‭ ‬بطبيعَةِ‭ ‬الدَّولَةِ‭ ‬والعلاقاتِ‭ ‬الدَّوليَّةِ،‭ ‬ومعرفَةِ‭ ‬واقعِ‭ ‬‮«‬سوريا‮»‬‭ ‬وتركيبتِها‭ ‬الاجتماعيَّةِ‭ ‬والسِّياسيَّةِ‭ ‬والعسكريَّةِ‭.‬

ويُضافُ‭ ‬إلى‭ ‬ذلكَ‭ ‬أَن‭ ‬يكونوا‭ ‬أَهلَ‭ ‬صدْقٍ‭ ‬واستقلالٍ،‭ ‬لا‭ ‬موظَّفينَ‭ ‬لتبريرِ‭ ‬قراراتِ‭ ‬السُّلطَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬أَسرى‭ ‬لضغْطِ‭ ‬الجماهيرِ،‭ ‬ولا‭ ‬طلَّابَ‭ ‬شهرَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬مناصِبَ،‭ ‬وأَن‭ ‬تكونَ‭ ‬لهم‭ ‬ثقَةٌ‭ ‬وقبولٌ‭ ‬بينَ‭ ‬المجاهدينَ‭ ‬والعلماءِ‭ ‬وعامَّةِ‭ ‬الشَّعبِ‭.‬

فهؤلاءِ‭ ‬يجبُ‭ ‬عليهم‭ ‬أَن‭ ‬يجتمعوا،‭ ‬ويتشاوروا،‭ ‬ويدرسوا‭ ‬الواقعَ‭ ‬دراسَةً‭ ‬كاملَةً،‭ ‬ويستمعوا‭ ‬إلى‭ ‬أَهلِ‭ ‬السِّياسَةِ‭ ‬والاقتصادِ‭ ‬والعسكرِ‭ ‬والقانونِ،‭ ‬ثم‭ ‬يصدروا‭ ‬بيانًا‭ ‬شرعيًّا‭ ‬علميًّا‭ ‬واضحًا‭ ‬يجيبُ‭ ‬عن‭ ‬الأَسئلَةِ‭ ‬الكُبرى‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يجبُ‭ ‬أَن‭ ‬يبيِّنَهُ‭ ‬العلماءُ؟

ينبغي‭ ‬للعلماءِ‭ ‬أَن‭ ‬يبيِّنوا‭ ‬للشَّبابِ‭ ‬ولعامَّةِ‭ ‬النَّاسِ؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬الشَّريعَةَ‭ ‬لا‭ ‬تأْمرُ‭ ‬بما‭ ‬يؤدِّي‭ ‬إلى‭ ‬انهيارِ‭ ‬الدَّولَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬استباحةِ‭ ‬الدِّماءِ،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬تمكينِ‭ ‬الأَعداءِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬حفظَ‭ ‬كيانِ‭ ‬البلدِ،‭ ‬ومنعَ‭ ‬الحربِ‭ ‬الأَهليَّةِ،‭ ‬وجمعَ‭ ‬الكلمَةِ،‭ ‬وبناءَ‭ ‬القوَّةِ؛‭ ‬كلُّها‭ ‬من‭ ‬المقاصدِ‭ ‬الكُبرى‭ ‬التي‭ ‬يجبُ‭ ‬مراعاتُها‭.‬

ويبيِّنوا‭ ‬أَنَّ‭ ‬الانتقالَ‭ ‬من‭ ‬واقعٍ‭ ‬مدمَّرٍ‭ ‬إلى‭ ‬دولَةٍ‭ ‬مستقرَّةٍ‭ ‬لا‭ ‬يتمُّ‭ ‬في‭ ‬يومٍ‭ ‬وليلةٍ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬التَّدرُّجَ‭ ‬في‭ ‬بناءِ‭ ‬المؤَسَّساتِ‭ ‬وتطبيقِ‭ ‬الأَحكامِ؛‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬واجبًا‭ ‬حينَ‭ ‬يتعذَّرُ‭ ‬التَّطبيقُ‭ ‬الكامِلُ‭ ‬أَو‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬شرٍّ‭ ‬أَعظمَ‭.‬

لكنْ‭ ‬يجبُ‭ ‬عليهم‭ - ‬في‭ ‬الوقتِ‭ ‬نفسِهِ‭ - ‬أَن‭ ‬يقرِّروا‭ ‬بوضوحٍ‭ ‬أَنَّ‭ ‬التَّدرُّجَ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إسقاطَ‭ ‬الغايَةِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬الضَّرورَةَ‭ ‬لا‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬إلى‭ ‬أَصلٍ‭ ‬دائمٍ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬المرحليَّةَ‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬ستارًا‭ ‬لتثبيتِ‭ ‬نظامٍ‭ ‬يعزلُ‭ ‬الإسلامَ‭ ‬عن‭ ‬حياةِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬وتشريعاتِهم‭.‬

‭- ‬فثَمَّ‭ ‬فرقٌ‭ ‬كبيرٌ‭ ‬بينَ‭ ‬أَن‭ ‬تعجزَ‭ ‬الدَّولَةُ‭ ‬مؤقَّتًا‭ ‬عن‭ ‬تحقيقِ‭ ‬بعضِ‭ ‬أَحكامِ‭ ‬الشَّريعَةِ،‭ ‬وبينَ‭ ‬أَن‭ ‬تتبنَّى‭ ‬عقيدَةً‭ ‬سياسيَّةً‭ ‬تقرِّر‭ ‬أَنَّ‭ ‬الشَّريعَةَ‭ ‬لا‭ ‬حقَّ‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬توجيهِ‭ ‬التَّشريعِ‭ ‬أَصلًا‭.‬

‭- ‬وفرقٌ‭ ‬بينَ‭ ‬قبولِ‭ ‬ترتيباتٍ‭ ‬انتقاليَّةٍ‭ ‬لدفعِ‭ ‬الفوضى‭ ‬والعدوانِ،‭ ‬وبينَ‭ ‬الرِّضا‭ ‬بأَن‭ ‬تصبحَ‭ ‬العلمانيَّةُ‭ ‬هي‭ ‬المرجعيَّةَ‭ ‬النهائيَّةَ‭ ‬للدَّولَةِ‭.‬

‭- ‬وفرقٌ‭ ‬بينَ‭ ‬مراعاةِ‭ ‬حقوقِ‭ ‬الأَقليَّاتِ‭ ‬وحمايتِها،‭ ‬وهو‭ ‬واجبٌ‭ ‬شرعيٌّ،‭ ‬وبينَ‭ ‬محوِ‭ ‬هويَّةِ‭ ‬الأَكثريَّةِ‭ ‬المسلمَةِ‭ ‬وإقصاءِ‭ ‬شريعتِها‭ ‬من‭ ‬المجالِ‭ ‬العامِّ‭.‬

لا‭ ‬بُدَّ‭ ‬من‭ ‬عقْدٍ‭ ‬واضحٍ‭ ‬معَ‭ ‬الشَّعبِ‭:‬

ومن‭ ‬أَخطَرِ‭ ‬ما‭ ‬يهدِّدُ‭ ‬المرحلَةَ‭ ‬الانتقاليَّةَ‭: ‬الغُموضُ،‭ ‬وتأْجيلُ‭ ‬الأَسئلَةِ‭ ‬الكُبرى،‭ ‬والاعتمادُ‭ ‬على‭ ‬الثِّقَةِ‭ ‬الشَّخصيَّةِ‭ ‬في‭ ‬القيادَةِ‭ ‬دونَ‭ ‬وجودِ‭ ‬ضماناتٍ‭ ‬ومؤَسَّساتٍ‭ ‬ومسارٍ‭ ‬معلنٍ‭.‬

فالنَّاسُ‭ ‬يحتاجونَ‭ ‬إلى‭ ‬وضوحٍ‭ ‬في‭ ‬الإجابَةِ‭ ‬عن‭ ‬مسائلَ‭ ‬جوهريَّةٍ‭:‬

‭- ‬هل‭ ‬هذِهِ‭ ‬التَّرتيباتُ‭ ‬مؤقَّتةٌ‭ ‬أَمْ‭ ‬دائمةٌ؟

‭- ‬وما‭ ‬حدودُ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬الانتقاليَّةِ‭ ‬ومدَّتُها؟

‭- ‬وما‭ ‬المرجعيَّةُ‭ ‬التي‭ ‬سيقومُ‭ ‬عليها‭ ‬الدَّستورُ‭ ‬الدائمُ؟

‭- ‬وما‭ ‬موقعُ‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬الإسلاميَّةِ‭ ‬من‭ ‬التَّشريعِ؟

‭- ‬وكيفَ‭ ‬ستُحفظُ‭ ‬هويَّةُ‭ ‬الشَّعبِ‭ ‬المسلمِ‭ ‬معَ‭ ‬ضمانِ‭ ‬حقوقِ‭ ‬سائرِ‭ ‬المواطنينَ؟

‭- ‬وكيفَ‭ ‬سيشاركُ‭ ‬أَهلُ‭ ‬العلمِ‭ ‬والخبرَةِ‭ ‬والمجاهدونَ‭ ‬وسائرُ‭ ‬القوى‭ ‬المجتمعيَّةِ‭ ‬في‭ ‬صناعَةِ‭ ‬المستقبلِ؟

‭=‬ إنَّ‭ ‬الوضوحَ‭ ‬في‭ ‬هذِهِ‭ ‬القضايا‭ ‬لا‭ ‬يُضعِفُ‭ ‬الدَّولَةَ؛‭ ‬بلْ‭ ‬يقوِّيها،‭ ‬ولا‭ ‬يحرجُ‭ ‬القيادَةَ؛‭ ‬بلْ‭ ‬يحميها‭ ‬من‭ ‬الشَّائعاتِ‭ ‬وسوءِ‭ ‬الظنِّ‭ ‬والاستغلالِ‭ ‬المتطرِّفِ‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أَن‭ ‬يُطلَبَ‭ ‬من‭ ‬الشَّبابِ‭ ‬صبرٌ‭ ‬بِلا‭ ‬أُفقٍ،‭ ‬ولا‭ ‬ثقَةٌ‭ ‬بِلا‭ ‬بيانٍ،‭ ‬ولا‭ ‬طاعَةٌ‭ ‬بِلا‭ ‬مشاركَةٍ‭ ‬ونصيحَةٍ‭ ‬ومحاسبَةٍ‭.‬

العالمُ‭ ‬الربَّانيُّ‭ ‬لا‭ ‬يهيِّجُ‭ ‬ولا‭ ‬يبرِّرِ‭:‬

العالمُ‭ ‬الربَّانيُّ؛‭ ‬ليسَ‭ ‬مَن‭ ‬يكتفي‭ ‬بتسويغِ‭ ‬كلِّ‭ ‬ما‭ ‬تفعلَهُ‭ ‬السُّلطةُ‭ ‬باسمِ‭ ‬الضَّرورَةِ‭ ‬والمصلحَةِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬العالمَ‭ ‬الذي‭ ‬يتحوَّلُ‭ ‬إلى‭ ‬لسانٍ‭ ‬رسميٍّ‭ ‬يفقِدُ‭ ‬ثقَةَ‭ ‬النَّاسِ،‭ ‬ولو‭ ‬كانَ‭ ‬ما‭ ‬يقولُهُ‭ ‬صحيحًا‭ ‬في‭ ‬بعضِ‭ ‬المواضعِ‭.‬

وليسَ‭ ‬العالمُ‭ ‬الربَّانيُّ؛‭ ‬مَن‭ ‬يهيِّجُ‭ ‬الشَّبابَ‭ ‬ويختزلُ‭ ‬المسائلَ‭ ‬المعقَّدَةَ‭ ‬في‭ ‬كلماتِ‭ ‬الكفرِ‭ ‬والخيانَةِ،‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬اعتبارٍ‭ ‬للقدرَةِ‭ ‬والمآلاتِ‭ ‬والبدائلِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬كلمَةً‭ ‬طائشَةً‭ ‬قدْ‭ ‬تشعلُ‭ ‬حربًا،‭ ‬وتسفِكُ‭ ‬دماءً،‭ ‬وتفتحُ‭ ‬أَبوابَ‭ ‬البلادِ‭ ‬للأَعداءِ‭.‬

‭- ‬ولكنَّهُ‭ ‬العالمُ‭ ‬الذي‭ ‬يقولُ‭ ‬للسُّلطَةِ‭: ‬

لا‭ ‬تجعلوا‭ ‬الضَّرورَةَ‭ ‬دائمَةً،‭ ‬ولا‭ ‬تُقصوا‭ ‬هويَةَ‭ ‬الأُمَّةِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُهملوا‭ ‬مَن‭ ‬بذلوا‭ ‬دماءَهم،‭ ‬ولا‭ ‬تصنعوا‭ ‬القراراتِ‭ ‬المصيريَّةَ‭ ‬في‭ ‬دوائرَ‭ ‬مغلقَةٍ‭.‬

‭- ‬ويقولُ‭ ‬للشَّبابِ‭: ‬

لا‭ ‬تستعجلوا‭ ‬الثمرَةَ‭ ‬قبلَ‭ ‬أَوانِها،‭ ‬ولا‭ ‬تهدموا‭ ‬الدَّولَةَ‭ ‬التي‭ ‬ضحَّيتم‭ ‬لبنائِها،‭ ‬ولا‭ ‬تكونوا‭ ‬وقودًا‭ ‬لدعاةِ‭ ‬الفتنَةِ‭ ‬والغُلُوِّ،‭ ‬واصبروا‭ ‬صبرَ‭ ‬بصيرَةٍ‭ ‬لا‭ ‬صبرَ‭ ‬غفلَةٍ،‭ ‬وانصحوا‭ ‬نصيحَةَ‭ ‬صدْقٍ‭ ‬لا‭ ‬اندفاعَ‭ ‬غضَبٍ‭.‬

‭- ‬ويقولُ‭ ‬للمجتمَعِ‭ ‬الدُّوليِّ‭: ‬

استقرارُ‭ ‬‮‬»سوريا«‮ ‬لا‭ ‬يكونُ‭ ‬بفرْضِ‭ ‬هويَةٍ‭ ‬غريبَةٍ‭ ‬عن‭ ‬شعبِها،‭ ‬ولا‭ ‬بابتزازِها‭ ‬بينَ‭ ‬العقوباتِ‭ ‬والفوضى،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يكونُ‭ ‬باحترامِ‭ ‬إرادَةِ‭ ‬السُّوريينَ،‭ ‬ووحدتِهم،‭ ‬ودينِهم،‭ ‬واستقلالِ‭ ‬قرارِهم‭.‬

الخطرُ‭ ‬في‭ ‬تحوُّلِ‭ ‬المؤقَّتِ‭ ‬إلى‭ ‬دائمٍ‭:‬

إنَّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الانحرافاتِ‭ ‬السِّياسيَّةِ‭ ‬تبدَأُ‭ ‬بشعارِ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬المؤقَّتَةِ،‭ ‬ثم‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬معَ‭ ‬الزَّمنِ‭ ‬إلى‭ ‬واقعٍ‭ ‬مستقَرٍّ‭ ‬ومصالحَ‭ ‬وشبكاتٍ‭ ‬ومؤَسَّساتٍ‭ ‬يصعبُ‭ ‬تغييرُها‭.‬

ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أَن‭ ‬يُقالَ‭: ‬

هذِهِ‭ ‬مرحلَةٌ‭ ‬وستنتهي؛‭ ‬بلْ‭ ‬لا‭ ‬بُدَّ‭ ‬من‭ ‬علاماتٍ‭ ‬عمليَّةٍ‭ ‬تدُلُّ‭ ‬على‭ ‬أَنَّها‭ ‬مرحلَةٌ‭ ‬حقًّا‭:‬

بناءُ‭ ‬المؤَسَّساتِ‭ ‬المنتخبَةِ،‭ ‬وتوسيعُ‭ ‬الشُّورى،‭ ‬وإشراكُ‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والخبرَةِ،‭ ‬وتحديدُ‭ ‬المددِ،‭ ‬ومنعُ‭ ‬الاستبدادِ،‭ ‬وإطلاقُ‭ ‬حوارٍ‭ ‬وطنيٍّ‭ ‬حقيقيٍّ،‭ ‬ووضعُ‭ ‬جدولٍ‭ ‬واضحٍ‭ ‬لصناعَةِ‭ ‬الدَّستورِ‭ ‬الدَّائمِ،‭ ‬وضمانُ‭ ‬أَلَّا‭ ‬تُفرَضَ‭ ‬على‭ ‬الشَّعبِ‭ ‬مرجعيَّةٌ‭ ‬تخالفُ‭ ‬هويَّتَهُ‭ ‬وإرادتَهُ‭.‬

فإنْ‭ ‬رأَتِ‭ ‬القاعدَةُ‭ ‬الشَّعبيَّةُ‭ ‬والمجاهدَةُ‭ ‬خطواتٍ‭ ‬صادقَةً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطَّريقِ؛‭ ‬أَمكنَ‭ ‬إقناعُها‭ ‬بالصَّبرِ‭ ‬والتَّدرُّجِ‭.‬

أَمَّا‭ ‬إذا‭ ‬طالَ‭ ‬الغموضُ،‭ ‬وتوسَّعَ‭ ‬الإقصاءُ،‭ ‬واستُعمَلَ‭ ‬خطابُ‭ ‬الضَّرورَةِ‭ ‬لتبريرِ‭ ‬كلِّ‭ ‬شيءٍ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الثِّقَةَ‭ ‬ستتآكلُ،‭ ‬وسيجِدُ‭ ‬دعاةُ‭ ‬الغُلُوِّ‭ ‬بيئَةً‭ ‬خصبَةً‭ ‬لاستقطابِ‭ ‬الغاضبينَ‭.‬

لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬إعادَةُ‭ ‬‮‮ »‬‭‬سوريا‬‮«‮‬‭ ‬إلى‭ ‬المربَّعِ‭ ‬الأَوَّلِ‭:‬

لقدْ‭ ‬دفعَ‭ ‬السُّوريُّونَ‭ ‬من‭ ‬دمائِهم‭ ‬وديارِهم‭ ‬وأَعمارِهم‭ ‬ما‭ ‬يكفي،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬لعاقلٍ‭ ‬أَو‭ ‬عالمٍ‭ ‬أَو‭ ‬قائدٍ‭ ‬أَن‭ ‬يفتحَ‭ ‬عليهم‭ ‬أَبوابَ‭ ‬حربٍ‭ ‬داخليَّةٍ‭ ‬جديدَةٍ‭.‬

ولذلكَ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬المحافظَةَ‭ ‬على‭ ‬وحدَةِ‭ ‬‮«‬سوريا‮»‬‭ ‬واستقرارِها‭ ‬وبناءِ‭ ‬مؤسَّساتِها‭ ‬مقصدٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬عظيمٌ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬المحافظةَ‭ ‬على‭ ‬هويَّتِها‭ ‬الإسلاميَّةِ‭ ‬وأَمانَةِ‭ ‬تضحياتِ‭ ‬أَهلِها‭ ‬مقصدٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬إهدارُهُ‭.‬

وليسَ‭ ‬بينَ‭ ‬المقصدينِ‭ ‬تعارضٌ‭ ‬لازمٌ؛‭ ‬بلْ‭ ‬يمكنُ‭ ‬بناءُ‭ ‬دولَةٍ‭ ‬عادلَةٍ‭ ‬قويَّةٍ،‭ ‬تستمِدُّ‭ ‬قيمَها‭ ‬وأُصولَها‭ ‬من‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬وتحفظُ‭ ‬حقوقَ‭ ‬جميعِ‭ ‬مواطنيها،‭ ‬وتمنعُ‭ ‬الاستبدادَ‭ ‬والانتقامَ‭ ‬والطائفيَّةَ،‭ ‬وتشاركُ‭ ‬فيها‭ ‬الأُمَّةُ‭ ‬بالشُّورى‭ ‬والرَّقابَةِ‭ ‬والمحاسبَةِ‭.‬

فالإسلامُ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬دولَةَ‭ ‬الفوضى‭ ‬أَو‭ ‬الإكراهِ‭ ‬أَو‭ ‬الظُّلمِ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬الدَّولَةَ‭ ‬المدنيَّةَ‭ ‬المؤسَّسيَّةَ‭ ‬لا‭ ‬يلزمُ‭ ‬أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬دولَةً‭ ‬علمانيَّةً‭ ‬تعزلُ‭ ‬الوحيَ‭ ‬عن‭ ‬التَّشريعِ‭ ‬والحياةِ‭.‬

نداءٌ‭ ‬صادقٌ‭ ‬إلى‭ ‬علماءِ‭» ‬‮‬سوريا«‮‬‭ ‬والأُمَّةِ‭ ‬الربَّانيِّينَ‭:‬

يا‭ ‬علماءَ‭ ‬‮‬»سوريا«‮‬‭ ‬ويا‭ ‬أَهلَ‭ ‬الفقهِ‭ ‬والبصيرَةِ‭!‬

إنَّ‭ ‬ميدانَ‭ ‬العلماءِ‭ ‬في‭ ‬هذِهِ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬واسعٌ‭ ‬ومهمٌّ،‭ ‬ولا‭ ‬سيَّما‭ ‬بعدَ‭ ‬اتِّساعِ‭ ‬مساحَةِ‭ ‬الحرِّيَّةِ‭ ‬الَّتي‭ ‬كانَ‭ ‬العلماءُ‭ ‬والدُّعاةُ‭ ‬يفتقرونَ‭ ‬إليها‭. ‬

غيرَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬هذهِ‭ ‬الحرِّيَّةَ‭ ‬ينبغي‭ ‬أَلَّا‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬إلى‭ ‬ساحَةٍ‭ ‬يتسابقُ‭ ‬فيها‭ ‬كلُّ‭ ‬حزبٍ،‭ ‬أَو‭ ‬جماعَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬تيَّارٍ،‭ ‬لإثباتِ‭ ‬وجودِهِ‭ ‬والتَّرويجِ‭ ‬لفكرِهِ‭ ‬ومذهبِهِ‭ ‬على‭ ‬حسابِ‭ ‬فقهِ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬وحاجاتِ‭ ‬الشَّعبِ‭.‬

فليسَ‭ ‬المطلوبُ‭ ‬اليومَ‭ ‬أَنْ‭ ‬ينشغِلَ‭ ‬كلُّ‭ ‬عالمٍ‭ ‬بتقديمِ‭ ‬حزبِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬جماعتِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬مذهبِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬أَنْ‭ ‬يبدَأَ‭ ‬بدعوَةِ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬إلى‭ ‬مشروعِهِ‭ ‬الخاصِّ،‭ ‬ويشرحَ‭ ‬لهمْ‭ ‬لوائحَهُ‭ ‬وأَفكارَهُ،‭ ‬وكأَنَّ‭ ‬السَّاحَةَ‭ ‬ميدانُ‭ ‬تنافسٍ‭ ‬حزبيٍّ‭ ‬أَو‭ ‬مذهبيٍّ؛‭ ‬إنَّ‭ ‬هذا‭ ‬ليسَ‭ ‬من‭ ‬فقهِ‭ ‬المرحلَةِ،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬بالنِّسبَةِ‭ ‬إلى‭ ‬كبارِ‭ ‬العلماءِ‭.‬

إنَّ‭ ‬من‭ ‬فقهِ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬أَن‭ ‬ينزلَ‭ ‬العلماءُ‭ ‬إلى‭ ‬السَّاحَةِ،‭ ‬وأَن‭ ‬يقتربوا‭ ‬منَ‭ ‬الشَّعبِ،‭ ‬ويخالطوا‭ ‬الشَّبابَ،‭ ‬ويزوروا‭ ‬المعسكراتِ،‭ ‬ويحضروا‭ ‬في‭ ‬المساجدِ‭ ‬والدُّروسِ‭ ‬والمجالسِ‭ ‬العامَّةِ؛‭ ‬ليبيِّنوا‭ ‬للنَّاسِ‭ ‬ما‭ ‬تقتضيهِ‭ ‬السِّياسَةُ‭ ‬الشَّرعيَّةُ،‭ ‬وما‭ ‬تفرضُهُ‭ ‬المرحلَةُ‭ ‬من‭ ‬واجباتٍ‭ ‬ومسؤوليَّاتٍ،‭ ‬وأن‭ ‬يجيبوا‭ ‬عنِ‭ ‬الإشكالاتِ‭ ‬والشُّبهاتِ‭ ‬بعلْمٍ‭ ‬وحكمَةٍ‭ ‬وبصيرَةٍ‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أَن‭ ‬يُترَكَ‭ ‬هذا‭ ‬الميدانُ‭ ‬الخطيرُ‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬تكتملْ‭ ‬أَدواتُهُ‭ ‬العلميَّةُ،‭ ‬أَو‭ ‬لم‭ ‬تنضجْ‭ ‬خبرتُهُ‭ ‬بالواقعِ،‭ ‬أَو‭ ‬لم‭ ‬تتَّسعْ‭ ‬تجربتُهُ‭ ‬في‭ ‬فقهِ‭ ‬المصالحِ‭ ‬والمفاسدِ‭ ‬والمآلاتِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬حُسنَ‭ ‬القصدِ‭ ‬وحدَهُ‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬في‭ ‬النَّوازلِ‭ ‬الكبرى،‭ ‬والحماسةُ‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يضبطْها‭ ‬العلمُ‭ ‬والخبرَةُ‭ ‬قدْ‭ ‬تزيدُ‭ ‬الإشكالَ‭ ‬تعقيدًا‭ ‬بدلَ‭ ‬أَن‭ ‬تُسهمَ‭ ‬في‭ ‬علاجِهِ‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلكَ‭ ‬التَّقليلَ‭ ‬من‭ ‬شأْنِ‭ ‬الدَّعوةِ‭ ‬إلى‭ ‬التَّوحيدِ،‭ ‬أَو‭ ‬تعليمِ‭ ‬الفقهِ،‭ ‬أَو‭ ‬بيانِ‭ ‬المذاهبِ‭ ‬الشَّافعيَّةِ‭ ‬والحنفيَّةِ،‭ ‬أَو‭ ‬مناهجِ‭ ‬السَّلفيَّةِ‭ ‬والصُّوفيَّةِ؛‭ ‬فكلُّ‭ ‬هذِهِ‭ ‬مجالاتٌ‭ ‬مهمَّةٌ،‭ ‬ولكلِّ‭ ‬عالمٍ‭ ‬أَنْ‭ ‬يدعوَ‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يراهُ‭ ‬حقًّا‭ ‬بالحكمَةِ‭ ‬والموعظَةِ‭ ‬الحسنَةِ‭.‬

ولكنْ‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أَنْ‭ ‬تُنسيَ‭ ‬هذِهِ‭ ‬القضايا‭ ‬كبارَ‭ ‬العلماءِ‭ ‬العقلاءَ‭ ‬الرَّبَّانيِّينَ،‭ ‬واجبَهمْ‭ ‬في‭ ‬توعيَةِ‭ ‬الشَّعبِ‭ ‬بفقهِ‭ ‬المرحلَةِ،‭ ‬والسِّياسةِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ،‭ ‬وحمايَةِ‭ ‬المجتمعِ‭ ‬منَ‭ ‬الفوضى‭ ‬والغُلُوِّ‭ ‬والانقسامِ‭.‬

إنَّ‭ ‬المرحلةََ‭ ‬لا‭ ‬تحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬متكلِّمينَ‭ ‬يحفظونَ‭ ‬المتونَ‭ ‬فحسبْ؛‭ ‬بلْ‭ ‬تحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬علماءَ‭ ‬حقيقيِّينَ‭ ‬يفهمونَ‭ ‬الواقعَ،‭ ‬ويدركونَ‭ ‬مآلاتِ‭ ‬الأُمورِ،‭ ‬ويخاطبونَ‭ ‬الشَّعبَ‭ ‬بلغَةٍ‭ ‬واضحَةٍ،‭ ‬ويقدِّمونَ‭ ‬لهُ‭ ‬فهمًا‭ ‬شرعيًّا‭ ‬رشيدًا‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬حولَهُ‭.‬

إنَّ‭ ‬صمتَكمْ‭ ‬في‭ ‬هذِهِ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬ليسَ‭ ‬حيادًا،‭ ‬وغيابَكمْ‭ ‬يتركُ‭ ‬السَّاحَةَ‭ ‬بينَ‭ ‬خطابينِ‭ ‬خطيرينِ‭: ‬

‭- ‬خطابِ‭ ‬التَّبريرِ‭ ‬المطلقِ‭.‬

‭- ‬وخطابِ‭ ‬التَّكفيرِ‭ ‬والتَّفجيرِ‭.‬

فاجتمعوا‭ ‬قبلَ‭ ‬أَنْ‭ ‬تتفرَّقَ‭ ‬القلوبُ،‭ ‬وتكلَّموا‭ ‬قبلَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يتكلَّمَ‭ ‬الجهلاءُ،‭ ‬واكتبوا‭ ‬قبلَ‭ ‬أَنْ‭ ‬تملأَ‭ ‬الشَّائعاتُ‭ ‬عقولَ‭ ‬الشَّبابِ‭.‬

وقدِّموا‭ ‬للأُمَّةِ‭ ‬دراسَةً‭ ‬شرعيَّةً‭ ‬واقعيَّةً‭ ‬تبيِّنُ‭ ‬أَحكامَ‭ ‬المرحلَةِ‭ ‬الانتقاليَّةِ،‭ ‬وحدودَ‭ ‬الضَّرورَةِ،‭ ‬وفقهَ‭ ‬التَّدرُّجِ،‭ ‬وواجباتِ‭ ‬الحاكمِ‭ ‬والمحكومِ،‭ ‬وموقعَ‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬منَ‭ ‬الدَّولَةِ،‭ ‬وحرمةَ‭ ‬الدِّماءِ،‭ ‬وخطرَ‭ ‬الصِّدامِ‭ ‬الدَّاخليِّ‭.‬

ولا‭ ‬تجعلوا‭ ‬بيانَكمْ‭ ‬فتوى‭ ‬سياسيَّةً‭ ‬جاهزَةً‭ ‬لتزكيَةِ‭ ‬أَشخاصٍ‭ ‬أَو‭ ‬قراراتٍ؛‭ ‬بلِ‭ ‬اجعلوهُ‭ ‬ميثاقًا‭ ‬شرعيًّا‭ ‬يحفظُ‭ ‬الدَّولَةَ‭ ‬منَ‭ ‬الفوضى،‭ ‬ويحفظُ‭ ‬الثَّورَةَ‭ ‬منَ‭ ‬السَّرقَةِ،‭ ‬ويحفظُ‭ ‬القيادَةَ‭ ‬منَ‭ ‬الاستبدادِ،‭ ‬ويحفظُ‭ ‬الشَّبابَ‭ ‬منَ‭ ‬الغُلُوِّ‭ ‬واليأْسِ‭.‬

الخلاصَةُ‭:‬

‭- ‬إنَّ‭ ‬‮‬»سوريا«‮‬‭ ‬اليومَ‭ ‬تحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬صبرٍ‭ ‬سياسيٍّ؛‭ ‬لكنَّها‭ ‬تحتاجُ‭ ‬معهُ‭ ‬إلى‭ ‬وضوحٍ‭ ‬شرعيٍّ‭.‬

‭- ‬وتحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬مراعاةِ‭ ‬الضُّغوطِ‭ ‬الدَّوليَّةِ؛‭ ‬لكنْ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬بيعِ‭ ‬هويَّتِها‭ ‬وإرادتِها‭.‬

‭- ‬وتحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬حفْظِ‭ ‬الدَّولَةِ؛‭ ‬لكنْ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬إهمالِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬التَّضحياتِ‭ ‬أَو‭ ‬تحقيرِ‭ ‬تطلُّعاتِهم‭.‬

‭- ‬وتحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬قيادَةٍ‭ ‬قويَّةٍ؛‭ ‬لكنْ‭ ‬تحيطُ‭ ‬بها‭ ‬الشُّورى‭ ‬والنَّصيحَةُ‭ ‬والمحاسبَةُ‭ ‬والمؤسَّساتُ‭.‬

‭- ‬وتحتاجُ‭ ‬قبلَ‭ ‬ذلكَ‭ ‬كلِّهِ‭ ‬إلى‭ ‬علماءَ‭ ‬ربَّانيِّين،‭ ‬يقولونَ‭ ‬الحقَّ‭ ‬بعلْمٍ،‭ ‬ويراعونَ‭ ‬الواقعَ‭ ‬بحكمَةٍ،‭ ‬ويحفظونَ‭ ‬الدِّماءَ‭ ‬ببصيرَةٍ،‭ ‬ويجمعونَ‭ ‬بينَ‭ ‬ثوابتِ‭ ‬الوحيِ‭ ‬وفقهِ‭ ‬المآلاتِ‭.‬

فالمرحليَّةُ‭ ‬قدْ‭ ‬تكونُ‭ ‬من‭ ‬فقهِ‭ ‬السِّياسةِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ،‭ ‬أَمَّا‭ ‬تحويلُها‭ ‬إلى‭ ‬تنازلٍ‭ ‬دائمٍ‭ ‬عن‭ ‬مرجعيَّةِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬فليسَ‭ ‬من‭ ‬الفقهِ‭ ‬في‭ ‬شيءٍ‭.‬

والتَّدرُّجُ‭ ‬قدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬طريقًا‭ ‬إلى‭ ‬إقامَةِ‭ ‬الواجبِ،‭ ‬أَمَّا‭ ‬أَن‭ ‬يتحوَّلَ‭ ‬إلى‭ ‬طريقٍ‭ ‬لإسقاطِهِ‭ ‬ونسيانِهِ؛‭ ‬فذلكَ‭ ‬هو‭ ‬الخطرُ‭ ‬العظيمُ‭.‬

فاللَّهُمَّ‭ !‬احفظْ‭» ‬‮‬سوريا«‮‬‭ ‬وأَهلَها،‭ ‬واجمعْ‭ ‬كلمتَهم‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭ ‬والعَدْلِ،‭ ‬وارزقْ‭ ‬قادتَها‭ ‬الصِّدْقَ‭ ‬والبصيرَةَ‭ ‬والشُّورى،‭ ‬وهيِّئْ‭ ‬لها‭ ‬علماءَ‭ ‬ربَّانيِّين‭ ‬ينصحونَ‭ ‬ولا‭ ‬يبرِّرونَ،‭ ‬ويُصلحونَ‭ ‬ولا‭ ‬يهيِّجونَ،‭ ‬ويهدونَ‭ ‬بنورِ‭ ‬الوحيِ‭ ‬في‭ ‬ظُلماتِ‭ ‬الفتنِ،‭ ‬وجنِّبْها‭ ‬الفوضى‭ ‬والاقتتالَ‭ ‬والاستبدادَ‭ ‬والتبعيَّةَ،‭ ‬واجعلْ‭ ‬مستقبلَها‭ ‬أَمنًا‭ ‬وعدْلًا‭ ‬وإيمانًا‭ ‬ورشادًا‭.. ‬آمين‭!‬

والحمدُ‭ $‬ِ‭ ‬الَّذي‭ ‬بنعمتِهِ‭ ‬تتمُّ‭ ‬الصَّالحاتُ‭.‬

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

٢٩ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/١٥م

***

Next
Next

حكمُ‭ ‬لباسِ‭ ‬التَّخرُّجِ‭ ‬الجامِعيِّ ‮‮»‬الجُبَّةُ‭ ‬السَّوداءُ‭ ‬والقُبَّعَةُ«‬