حكمُ لباسِ التَّخرُّجِ الجامِعيِّ »الجُبَّةُ السَّوداءُ والقُبَّعَةُ«
حكمُ لباسِ التَّخرُّجِ الجامِعيِّ »الجُبَّةُ السَّوداءُ والقُبَّعَةُ«
الحمدُ ،$ والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُولِ ا$ِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن والاهُ.
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلَمْ - وفَّقكَ ا$ُ وسدَّدَكَ - أَنَّ مِنَ المسائِلِ الَّتي يكثُرُ السُّؤَالُ عنها في هذا العصرِ:
»حُكْمُ لُبسِ زيِّ التَّخرُّجِ في الجامعاتِ، وهو» الجُبَّةُ السَّوداءُ والقُبَّعَةُ المعروفَةُ«؛ هل يَدخُلُ ذلكَ في التَّشَبُّهِ المحرَّمِ بغيرِ المسلمينَ، أَمْ هو مِنَ العاداتِ الأَكاديميَّةِ الجائزَةِ؟«
وهذِهِ المسأَلَةُ لا ينبغي أَنْ تُعالَجَ بالعاطفَةِ، ولا بمُجرَّدِ الإِنكارِ العامِّ، ولا بمُجرَّدِ التَّساهُلِ بحُجَّةِ شُيوعِها؛ بلْ تُرَدُّ إلى أُصولِ الشَّريعَةِ وقواعِدِها: أَصْلِ الإِباحَةِ في اللِّباسِ، وضابِطِ التَّشَبُّهِ، وحُكمِ العُرفِ، ومناطِ الشِّعارِ الدِّينيِّ، وما قدْ يُلابِسُ الحفلَ مِن مَحاذيرَ شرعيَّةٍ.
أَوَّلًا- الأَصْلُ في اللِّباسِ الإِباحَةُ:
الأَصْلُ في الملابِسِ والعاداتِ الإِباحَةُ؛ ما لم يَدُلَّ دليلٌ شرعيٌّ على التَّحريمِ.
قالَ ا$ُ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقالَ النَّبيُّ #: »كُلُوا، واشرَبُوا، وتَصَدَّقُوا، والبَسُوا؛ ما لم يُخالِطْهُ إِسرافٌ أَو مَخيلَةٌ«. [النَّسائيُّ: ٩٥٥٢].
فليسَ كُلُّ لباسٍ جديدٍ، أَو وافِدٍ، أَو لم يكُنْ معروفًا في بلادِ المسلمينَ قديمًا؛ يكونُ محرَّمًا لذاتِهِ؛ لأَنَّ العاداتِ تتغيَّرُ، والملابِسَ تختَلِفُ باختلافِ البُلدانِ والأَزمانِ.
لكنَّ هذِهِ الإِباحَةَ ليسَتْ مطلَقَةً؛ بلْ تقيَّدُ بضوابِطِ الشَّرعِ، ومن أَهمِّها:
السَّترُ، وانتفاءُ الإِسرافِ والخُيلاءِ، وأَلَّا يكونَ اللِّباسُ مشتَمِلًا على شعارٍ دينيٍّ باطِلٍ، أَو معنى محرَّمٍ، أَو تشبُّهٍ خاصٍّ بالكفَّارِ في شعائِرِهم وأَلبستِهم الخاصَّةِ.
ثانيًا- ضابِطُ التَّشبُّهِ المحرَّمِ:
التَّشبُّهُ المنهيُّ عنهُ هو: أَنْ يُشابِهَ المسلمُ غيرَ المسلمينَ فيما هو من خصائِصِهم وشعائِرِهم، أَو فيما صارَ علامَةً ظاهرَةً عليهم، بحيثُ إذا رُئيَ فاعِلُهُ نُسِبَ إليهم، أَو إلى شعائِرِهم.
قالَ النَّبيُّ #: »مَنْ تَشَبَّهَ بِقَومٍ فَهُوَ مِنهُم«. [أبو داود ١٣٠٤].
وقالَ # لعبدِ ا$ِ بنِ عَمروٍ - رضيَ ا$ُ عنهُما - لمَّا رأَى عليهِ ثَوبَينِ مُعَصْفَرَينِ:
»إِنَّ هذِهِ مِنْ ثِيابِ الكُفَّارِ؛ فَلَا تَلبَسْها«.
ولهذا قرَّرَ أَهلُ العلْمِ؛ أَنَّ التَّشبُّهَ المحرَّمَ لا يكونُ في كلِّ أَمرٍ اشتركَ فيهِ المسلمونَ وغيرُهم، وإِنَّما يكونُ فيما اختَصَّ بهِ غيرُ المسلمينَ، أَو كانَ شِعارًا ظاهِرًا لهم، أَو قُصِدَ بهِ التَّشبُّهُ والتَّعظيمُ.
ثالثًا- كلامُ أَهلِ العلْمِ في لباسِ التَّخرُّجِ:
اختلَفَ كلامُ أَهلِ العلمِ المعاصِرينَ في حُكمِ لباسِ التَّخرُّجِ الجامعيِّ، وهو ما يُسمَّى» الجُبَّةِ والقُبَّعَةِ«:
- فمِنهم مَن منَعَ لُبسَهُ؛ نظرًا إلى أَصلِهِ أَو صورتِهِ عندَ مَن يراهُ مِن أَلبِسَةِ غيرِ المسلمينَ الخاصَّةِ، أَو لما فيهِ - عندَهُ - مِن مشابهَةِ أَلبِسَةِ القساوِسَةِ والرُّهبانِ، والتَّشبُّهُ بالكُفَّارِ في أَلبِسَتِهم الخاصَّةِ وشعائِرِهم محرَّمٌ.
وهذا القولُ قويٌّ إذا ثبَتَ مناطُهُ، وهو:
أَنْ يكونَ هذا اللِّباسُ في بلدٍ ما شِعارًا دينيًّا خاصًّا بالقساوِسَةِ أَو الرُّهبانِ، أَو كانَ النَّاسُ يفهَمونَ منهُ معنى دينيًّا كنَسيًّا، أَو قصدَ لابِسُهُ مشابهتَهم وتعظيمَ شعائِرِهم.
- ومِن أَهلِ العلْمِ مَن جوَّزَهُ، أَو فصَّلَ في حُكمِهِ؛ نظرًا إلى أَنَّهُ في كثيرٍ مِن البلادِ قدْ صارَ زِيًّا أَكاديميًّا عامًّا، لا يحمِلُ في عُرفِ النَّاسِ دَلالَةً دينيَّةً، ولا يختَصُّ برجالِ دينٍ، ولا يُفهَمُ منهُ شِعارُ مِلَّةٍ، وإِنَّما يُفهَمُ منهُ معنى التَّخرُّجِ والتَّكريمِ الأَكاديميِّ.
وعلى هذا؛ فمرجِعُ الخِلافِ في هذِهِ المسأَلَةِ إلى تَحقيقِ المناطِ:
هل بقيَ هذا اللِّباسُ شِعارًا دينيًّا خاصًّا بغيرِ المسلمينَ، أَمْ زالَتْ عنهُ الخصوصيَّةُ، وصارَ زِيًّا أَكاديميًّا عامًّا؟ فمَن ثبَتَ عندَهُ الأَوَّلُ مَنَعَ، ومَن ثبَتَ عندَهُ الثَّاني أَجازَ أَو فصَّلَ، معَ اشتراطِ انتفاءِ القَصدِ الفاسِدِ والمحاذيرِ الشَّرعيَّةِ.
رابعًا- التَّحقيقُ في المسأَلَةِ:
الَّذي يَظهَرُ - وا$ُ أَعلَمُ - أَنَّ الحُكمَ لا يَتعلَّقُ بمُجرَّدِ كونِ »الجُبَّةِ سوداءَ«» أَو بوجودِ »قُبَّعَةٍ مُعَيَّنَةِ الشَّكلِ«؛ وإِنَّما يتعلَّقُ بالمعنى والعُرفِ والقَصدِ والاختصاصِ.
- فإنْ كانَ هذا الزِّيُّ في بيئَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ شِعارًا دينيًّا ظاهِرًا للنَّصارى، أَو للرُّهبانِ، أَو للقساوِسَةِ، أَو كانَ لابِسُهُ يَقصِدُ مُشابَهَتَهم وتعظيمَ تقاليدِهم الدِّينيَّةِ؛ فلا يجوزُ لُبسُهُ.
- أَمَّا إذا صارَ في عُرفِ النَّاسِ زِيًّا أَكاديميًّا عامًّا؛ يُلبَسُ في حفلاتِ التَّخرُّجِ، ولا يخطُرُ في أَذهانِ الحاضِرينَ أَنَّهُ شِعارٌ دينيٌّ، ولا يُقصَدُ بهِ التَّشَبُّهُ بأَهلِ دينٍ مُعيَّنٍ؛ فالأَقرَبُ جوازُهُ مِن حيثُ الأَصلُ، معَ بقاءِ الاحتياطِ في تَركِ ما يُثيرُ الشُّبهَةَ حيثُ تقوَى دَلالَةُ الشِّعارِ، ومعَ بقاءِ الأَفضليَّةِ في أَنْ يكونَ للمسلمينَ زِيٌّ يجمَعُ بينَ الوقارِ والهُويَّةِ؛ متى تيسَّرَ ذلكَ بِلا حَرَجٍ ولا مفسَدَةٍ.
وينبغي التَّنبيهُ هُنا إلى أَنَّ قاعِدَةَ »عَمَّتْ بهِ البَلوى«:
لا تُجعَلُ مُستَنَدًا مُطلَقًا لإِباحَةِ ما ثبَتَ تحريمُهُ؛ فإِنَّ المحرَّمَ لا يصيرُ مباحًا لمجرَّدِ شُيوعِهِ، وإِنَّما العِبرَةُ هُنا بزَوالِ الخُصوصيَّةِ الدِّينيَّةِ أَو الشِّعاريَّةِ عنهُ في عُرفِ النَّاسِ، وبانتفاءِ قَصدِ التَّشَبُّهِ والتَّعظيمِ.
خامسًا- ضَوابِطُ الجَوازِ:
يقرُبُ القولُ بجوازِ لُبسِ »الجُبَّةِ والقُبَّعَةِ« في حفلاتِ التَّخرُّجِ إذا تحقَّقَتِ الضَّوابِطُ الآتيةُ:
١- أَلَّا يكونَ اللِّباسُ شِعارًا دينيًّا خاصًّا بغيرِ المسلمينَ في ذلكَ البلَدِ.
٢- أَلَّا يقصِدَ لابِسُهُ التَّشبُّهَ بالكُفَّارِ، أَو تعظيمَ شعائِرِهم وتقاليدِهم الدِّينيَّةِ.
٣- أَنْ يكونَ ساتِرًا للعورَةِ، غيرَ واصِفٍ ولا شفَّافٍ، ولا مُثيرٍ للفِتنَةِ.
٤- أَنْ تلتَزِمَ المرأَةُ فيهِ ضوابِطَ الحِجابِ الشَّرعيِّ، ولا تجعَلَ المناسبَةَ بابًا لإِظهارِ الزِّينَةِ أَمامَ الرِّجالِ الأَجانِبِ.
٥- أَلَّا يكونَ في اللِّباسِ إِسرافٌ، ولا خُيلاءُ، ولا مُباهاةٌ مَذمومَةٌ.
٦- أَنْ تُتَجَنَّبَ مُنكَراتُ الحفلِ بقَدْرِ الاستطاعَةِ؛ كالتَّبرُّجِ، والاختِلاطِ المحرَّمِ، والموسيقَى، ونحوِ ذلكَ.
٧- أَنْ يُراعَى في ذلكَ حالُ البلَدِ والعُرفِ؛ فليسَ ما زالَ شِعارًا دينيًّا في مكانٍ كما صارَ زِيًّا أَكاديميًّا عامًّا في مكانٍ آخَرَ.
الخُلاصَةُ:
لباسُ التَّخرُّجِ الجامعيُّ ليسَ مُحَرَّمًا لذاتِهِ بإطلاقٍ، ولا جائِزًا بإطلاقٍ في كُلِّ صورَةٍ؛ بلْ يُنظَرُ فيهِ إلى العُرفِ، والمعنى، والقَصدِ، والاختصاصِ.
- فإنْ كانَ شِعارًا دينيًّا خاصًّا بغيرِ المسلمينَ، أَو قُصِدَ بهِ التَّشبُّهُ بهم وتعظيمُ شعائِرِهم؛ حَرُمَ.
- وإِنْ كانَ زِيًّا أَكاديميًّا عامًّا، لا دَلالَةَ دينيَّةَ لهُ في عُرفِ النَّاسِ، ولا يُقصَدُ بهِ التَّشبُّهُ، ولا تصحَبُهُ مَحاذيرُ شرعيَّةٌ؛ فالأَقرَبُ جوازُهُ، معَ أَنَّ تركَهُ أَحوَطُ حيثُ وُجِدَتِ الشُّبهَةُ، وإِيجادَ زِيٍّ أَكاديميٍّ مُحافِظٍ أَكمَلُ وأَولى.
والأَكمَلُ للمؤسَّساتِ الإِسلاميَّةِ والجامِعاتِ في بلادِ المسلمينَ:
أَنْ تُنشِئَ أَزياءَ تخرُّجٍ راقيَةً محافِظَةً، تُعبِّرُ عن الوَقارِ والهُويَّةِ، وتجمَعُ بينَ جمالِ المناسبَةِ واحترامِ الشَّريعَةِ؛ فإِنَّ الاعتزازَ بالدِّينِ لا يُنافي الفرَحَ بالنَّجاحِ، والفرَحَ بالنَّجاحِ لا يُبيحُ ذَوبانَ الهُويَّةِ.
وا$ُ تعالى أَعلَمُ، وصلَّى ا$ وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أَجمعينَ.
والحمدُ $ِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
٢٧ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/١٣م

