رسالَةٌ‭ ‬علميَّةٌ‭ ‬إلى‭ ‬الشَّيخِ‭ ‬حاتمِ‭ ‬بنِ‭ ‬عارفٍ‭ ‬العونيِّ

في‭ ‬أَدَبِ‭ ‬الحوارِ‭ ‬العلميِّ،‭ ‬وحدودِ‭ ‬التَّعاملِ‭ ‬مع‭ ‬الرأْيِ‭ ‬المخالفِ

الحمدُ‭ $‬ِ‭ ‬ربِّ‭ ‬العالمين،‭ ‬والصَّلاةُ‭ ‬والسُّلامُ‭ ‬على›‭ ‬رَسُولِ ا$‬ِ،‭ ‬وعلى›‭ ‬آلِهِ‭ ‬وصحبِهِ‭ ‬ومَنْ‭ ‬والاهُ‭.‬

أَمَّا‭ ‬بعدُ‭ :‬فهذِهِ‭ ‬رسالَةُ‭ ‬بيانٍ‭ ‬ونصيحَةٍ؛‭ ‬لا‭ ‬أُريدُ‭ ‬بها‭ ‬انتقاصَ‭ ‬شخصٍ،‭ ‬ولا‭ ‬الطَّعنَ‭ ‬في‭ ‬نيَّةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬الانتصارَ‭ ‬للنَّفسِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬أُريدُ‭ ‬تقريرَ‭ ‬أَصْلٍ‭ ‬منهجيٍّ‭ ‬يحتاجُ‭ ‬إليهِ‭ ‬طُلابُ‭ ‬العلْمِ،‭ ‬وهو‭:‬

أَنَّ‭ ‬الأَقوالَ‭ ‬العلميَّة‭ ‬تُناقَشُ‭ ‬بالحجَّةِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬النَّقدَ‭ ‬المؤدَّبَ‭ ‬لا‭ ‬يُواجَهُ‭ ‬بالإقصاءِ‭ ‬والحذْفِ؛‭ ‬ما‭ ‬دامَ‭ ‬ملتزمًا‭ ‬بحدودِ‭ ‬الشَّرعِ‭ ‬والأَدَبِ‭ ‬والموضوعيَّةِ‭.‬

والنَّصيحَةُ‭ ‬من‭ ‬أُصولِ‭ ‬هذا‭ ‬الدِّينِ‭ ‬العظيمِ‭:‬

قالَ‭ ‬النَّبيُّ‭» :# ‬‮‬الدِّينُ‭ ‬النَّصيحَةُ«‮‬‭ ‬قُلنا‭: ‬لِمَنْ؟‭ ‬قالَ‭ ‬$‬‭»ولكتابِهِ،‭ ‬ولرَسُولِهِ،‭ ‬ولأَئِمَّةِ‭ ‬المُسْلِمينَ‭ ‬وعامَّتِهِمْ«. رواه مسلم.

نشرَ‭ ‬الشَّيخُ‭ ‬حاتمُ‭ ‬بنُ‭ ‬عارفٍ‭ ‬العونيُّ‭ ‬‭- ‬غفرَ ا$ُ له ‬ولنا‭ -‬‭ ‬كلامًا‭ ‬ينتقِدُ‭ ‬فيهِ‭ ‬ما‭ ‬سمَّاهُ‭:‬

»‬السَّلفيَّةَ‭ ‬المعاصرَةَ«‮‬‭ ‬فقالَ‭:‬

‭)‬إدخالُ‭ ‬العوامِّ‭ - ‬من‭ ‬غير‭ ‬أهل‭ ‬التخصُّص‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعيَّة‭ - ‬في‭ ‬خلافات‭ ‬المتخصِّصين،‭ ‬كما‭ ‬تفعله‭ ‬السلفيَّة‭ ‬المعاصرة‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬مسائل‭ ‬الخلاف‭ ‬العقديَّة‭ ‬والفقهيَّة؛‭ ‬خيانةٌ‭ ‬للدين،‭ ‬ونوعٌ‭ ‬من‭ ‬الغوغائيَّة‭ ‬و»البلطجة«‮‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستقواء‭ ‬بالعوام؛‭ ‬فهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أنَّ‭ ‬السطحيَّة‭ ‬وعدم‭ ‬التعمُّق‭ ‬سمةُ‭ ‬العوام،‭ ‬فيستغلُّون‭ ‬هذا‭ ‬فيهم،‭ ‬وينشرون‭ ‬الفهوم‭ ‬السطحيَّة‭ ‬بينهم،‭ ‬التي‭ ‬تغرُّهم‭ ‬بظواهرها‭ ‬غير‭ ‬المرادة،‭ ‬وينفِّرونهم‭ ‬من‭ ‬الفقه‭ ‬والعمق،‭ ‬بحجَّة‭ ‬أنَّه‭ ‬تفلسفٌ‭ ‬وتمعقلٌ‭ ‬على‭ ‬الوحي،‭ ‬وتقديمٌ‭ ‬للعقل‭ ‬على‭ ‬النقل‭ .‬ويستكثرون‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الصنف‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬ويستقوون‭ ‬بهم‭ ‬على‭ ‬أهل‭ ‬العلم؛‭ ‬فيفسد‭ ‬الدين‭ ‬بذلك،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أفسدوا‭ ‬العلم‭! ‬فأيُّ‭ ‬خيانةٍ‭ ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬ذلك؟!).

فرأَيتُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬في‭ ‬أَصلِ‭ ‬هذا‭ ‬الكلامِ‭ ‬جانبًا‭ ‬منَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬ينبغي‭ ‬قبولُهُ‭.‬

وفيهِ‭ - ‬في‭ ‬الوقتِ‭ ‬نفسِهِ‭ - ‬قدَرٌ‭ ‬ظاهرٌ‭ ‬منَ‭ ‬التَّعميمِ‭ ‬والمجازفَةِ،‭ ‬وأَلفاظٌ‭ ‬شديدَةٌ‭ ‬تحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬بيِّنَةٍ‭ ‬وتحريرٍ‭.‬

فكتبْتُ‭ ‬في‭» ‬‮‬صفحتِهِ‭ ‬‮«‮‬‭ ‬ردًّا‭ ‬علميًّا‭ ‬هادئًا؛‭ ‬لم‭ ‬يتضمَّنْ‭ ‬سبًّا،‭ ‬ولا‭ ‬تجريحًا،‭ ‬ولا‭ ‬سخريَةً،‭ ‬ولا‭ ‬خروجًا‭ ‬عن‭ ‬موضوعِ‭ ‬المنشورِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬ناقشَ‭ ‬الفكرَةَ‭ ‬من‭ ‬جهَةِ‭ ‬الدَّليلِ‭ ‬والعَدْلِ‭ ‬والمنهجِ‭.‬

وكانَ‭ ‬نصُّ‭ ‬تعليقي،‭ ‬المنشورِ‭ ‬في‭ ‬تمامِ‭ ‬السَّاعَةِ‭ ‬التَّاسعَةِ‭ ‬مساءً،‭ ‬بتاريخ ٢٠٢٦/٧/١٣م:

‭)‬هذا‭ ‬الكلامُ‭ ‬منَ‭ ‬الشَّيخِ‭ - ‬غفرَ‭ ‬ا$ُ ‬لهُ‭ - ‬فيهِ‭ ‬شيءٌ‭ ‬منَ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬وفيهِ‭ ‬قدرٌ‭ ‬كبيرٌ‭ ‬منَ‭ ‬التَّعميمِ‭ ‬والمجازفَةِ؛‭ ‬ولذلكَ‭ ‬لا‭ ‬يصحُّ‭ ‬إطلاقُهُ‭ ‬بهذهِ‭ ‬الصِّيغَةِ‭.‬‭ ‬ويمكنُ‭ ‬التَّفريقُ‭ ‬بينَ‭ ‬أُمورٍ‭:‬

إنَّ‭ ‬إشغالَ‭ ‬العوامِّ‭ ‬بالخلافاتِ‭ ‬العلميَّةِ‭ ‬الدَّقيقَةِ‭ ‬في‭ ‬أَبوابِ‭ ‬العقيدَةِ‭ ‬والفقهِ‭ ‬والأُصولِ،‭ ‬وإقحامَهم‭ ‬في‭ ‬منازعاتِ‭ ‬المتخصِّصينَ؛‭ ‬خطأٌ‭ ‬تربويٌّ‭ ‬ومنهجيٌّ،‭ ‬وقدْ‭ ‬نبَّهَ‭ ‬عليهِ‭ ‬العلماءُ‭ ‬قديمًا‭ ‬وحديثًا؛‭ ‬فليسَ‭ ‬كلُّ‭ ‬ما‭ ‬يبحثُ‭ ‬في‭ ‬مجالسِ‭ ‬التَّحقيقِ‭ ‬العلميِّ‭ ‬يصلحُ‭ ‬أَنْ‭ ‬يطرحَ‭ ‬لعامَّةِ‭ ‬النَّاسِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬المقصودَ‭ ‬هدايتُهم،‭ ‬وتعليمُهم‭ ‬ما‭ ‬يحتاجونَ‭ ‬إليهِ،‭ ‬لا‭ ‬إدخالُهم‭ ‬في‭ ‬جدالاتٍ‭ ‬تشتِّتُ‭ ‬قلوبَهم،‭ ‬وتربكُ‭ ‬تصوُّرَهم‭ ‬للدِّينِ‭.‬

قالَ‭ ‬عليٌّ‭ ‬رضيَ‭ ‬ا$ُ ‬عنهُ‭:‬ (حدِّثوا‭ ‬النَّاسَ‭ ‬بما‭ ‬يعرفونَ؛‭ ‬أَتحبُّونَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُكذَّبَ‭ ‬ا$ُ ‬ورسولُهُ؟‭(‬ رواهُ‭ ‬البخاريُّ‭.‬‭ ‬

وقالَ‭ ‬عبدُ‭ ‬ا$ِ ‬بنُ‭ ‬مسعودٍ‭ ‬رضيَ‭ ‬ا$ُ ‬عنهُ: (ما‭ ‬أَنتَ‭ ‬بمحدِّثٍ‭ ‬قومًا‭ ‬حديثًا‭ ‬لا‭ ‬تبلغُهُ‭ ‬عقولُهم‭ ‬إلَّا‭ ‬كانَ‭ ‬لبعضِهم‭ ‬فتنَةً)‭ ‬رواهُ‭ ‬مسلمٌ‭ ‬في‭ ‬مقدِّمةِ‭ ‬صحيحِهِ‭.‬

نسبةُ‭ ‬هذا‭ ‬المسلكِ‭ ‬إلى ‭»‬السَّلفيَّةِ‭ ‬المعاصرَةِ«‮‬‭ ‬بإطلاقٍ‭ ‬ليستْ‭ ‬منصفَةً؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬المنتسبينَ‭ ‬إلى‭ ‬السَّلفيَّةِ‭ ‬ليسوا‭ ‬مدرسَةً‭ ‬واحدَةً‭ ‬في‭ ‬واقعِهم‭ ‬ومناهجِهم‭ ‬وخطابِهم؛‭ ‬ففيهم‭ ‬علماءُ‭ ‬ودعاةٌ‭ ‬ينهونَ‭ ‬عن‭ ‬إشغالِ‭ ‬العامَّةِ‭ ‬بدقائقِ‭ ‬الخلافِ،‭ ‬ويفرِّقونَ‭ ‬بينَ‭ ‬خطابِ‭ ‬العامَّةِ،‭ ‬وخطابِ‭ ‬طلَّابِ‭ ‬العلمِ،‭ ‬وخطابِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬التَّخصُّصِ‭.‬

وفي‭ ‬المقابلِ؛‭ ‬قدْ‭ ‬يوجدُ‭ ‬أَفرادٌ‭ ‬أَو‭ ‬تيَّاراتٌ‭ ‬ينتسبونَ‭ ‬إلى‭ ‬السَّلفيَّةِ،‭ ‬يغلبُ‭ ‬على‭ ‬خطابِهم‭ ‬تحويلُ‭ ‬بعضِ‭ ‬المسائلِ‭ ‬العلميَّةِ‭ ‬إلى‭ ‬معاركَ‭ ‬جماهيريَّةٍ؛‭ ‬لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬المسلكَ‭ ‬لا‭ ‬يختصُّ‭ ‬بمنتسبينَ‭ ‬إلى‭ ‬اتِّجاهٍ‭ ‬واحدٍ،‭ ‬بلْ‭ ‬قدْ‭ ‬يوجدُ‭ ‬عندَ‭ ‬سلفيٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬أَشعريٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬صوفيٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬مذهبيٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬حركيٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬غيرِهم‭.‬

والعَدْلُ‭ ‬يقتضي‭ ‬أَنْ‭ ‬ينسَبَ‭ ‬الخطأُ‭ ‬إلى‭ ‬منْ‭ ‬وقعَ‭ ‬فيهِ،‭ ‬وأَنْ‭ ‬يوصفَ‭ ‬بقدرِهِ،‭ ‬منْ‭ ‬غيرِ‭ ‬تعميمٍ‭ ‬على‭ ‬طوائِفَ‭ ‬واسعَةٍ؛‭ ‬قالَ‭ ‬تعالى‭: ‬﴿ولا‭ ‬يجرمنَّكم‭ ‬شنآنُ‭ ‬قومٍ‭ ‬على‭ ‬ألَّا‭ ‬تعدلوا‭ ‬اعدلوا‭ ‬هوَ‭ ‬أقربُ‭ ‬للتَّقوى﴾ [المائدة: ٨].

وصفُ‭ ‬هذا‭ ‬المسلكِ‭ ‬بأَنَّهُ‭» ‬‮‬خيانَةٌ‭ ‬للدِّينِ«‭!‬‮‬‭ ‬و»بلطجَةٌ‭!«‬؛‭ ‬فهوَ‭ ‬وصفٌ‭ ‬شديدٌ‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬إطلاقُهُ‭ ‬على‭ ‬طائفَةٍ‭ ‬واسعَةٍ‭ ‬بسببِ‭ ‬أَخطاءِ‭ ‬بعضِ‭ ‬أَفرادِها‭ ‬أَو‭ ‬اتِّجاهاتِها؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأَحكامَ‭ ‬العامَّةَ‭ ‬يجبُ‭ ‬أَنْ‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬الاستقراءِ‭ ‬والبيِّنَةِ‭ ‬والعدْلِ،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الغضَبِ‭ ‬والانفعالِ‭.‬

ولا‭ ‬شكَّ‭ ‬أَنَّ‭ ‬استغلالَ‭ ‬العامَّةِ،‭ ‬وتعبئتَهم‭ ‬للانتصارِ‭ ‬لمذهبٍ،‭ ‬أَو‭ ‬جماعَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬شخصٍ؛‭ ‬مسلكٌ‭ ‬مذمومٌ‭ ‬متى‭ ‬وقع،‭ ‬أَيًّا‭ ‬كانَ‭ ‬فاعلُهُ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬الحقَّ‭ ‬أَبلجُ،‭ ‬ولا‭ ‬يُعرَفُ‭ ‬بكثرَةِ‭ ‬الأَتباع،‭ ‬ولا‭ ‬بارتفاعِ‭ ‬أَصواتِ‭ ‬الجماهيرِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يُعرَفُ‭ ‬بالدَّليلِ‭ ‬والبرهانِ،‭ ‬ويُقامُ‭ ‬بالعدْلِ‭ ‬والإنصافِ‭.‬

والإشكالُ‭ ‬الحقيقيُّ‭ ‬ليسَ‭ ‬في‭ ‬تعليمِ‭ ‬العامَّةِ‭ ‬ما‭ ‬يحتاجونَ‭ ‬إليهِ‭ ‬منْ‭ ‬أُصولِ‭ ‬العقيدَةِ‭ ‬وأَحكامِ‭ ‬الفقهِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذا‭ ‬منْ‭ ‬واجبِ‭ ‬العلماءِ‭ ‬والدُّعاةِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬الإشكالُ‭ ‬في‭:‬

‮١- ‬نقلِ‭ ‬الخلافاتِ‭ ‬العلميَّةِ‭ ‬الدَّقيقةِ‭ ‬إليهم؛‭ ‬منْ‭ ‬غيرِ‭ ‬حاجَةٍ‭.‬

٢- ‬‭ ‬تصويرِ‭ ‬المسائلِ‭ ‬الاجتهاديَّةِ؛‭ ‬كأَنَّها‭ ‬منْ‭ ‬أُصولِ‭ ‬الإيمانِ‭ ‬والكفرِ‭.‬

‮٣- ‬تعبئَةِ‭ ‬الجماهيرِ‭ ‬ضدَّ‭ ‬العلماءِ‭ ‬المخالفينَ‭.‬

‮٤‬- ‬تحويلِ‭ ‬البحثِ‭ ‬العلميِّ؛‭ ‬إلى‭ ‬صراعٍ‭ ‬جماهيريٍّ‭ ‬وعصبيَّةٍ‭ ‬مذهبيَّةٍ‭ ‬أَو‭ ‬جماعيَّةٍ‭.‬

‭ = ‬فالواجبُ‭ ‬نقدُ‭ ‬هذا‭ ‬المسلكِ‭ ‬حيثما‭ ‬وجدَ،‭ ‬منْ‭ ‬غيرِ‭ ‬ظلمٍ،‭ ‬ولا‭ ‬تعميمٍ،‭ ‬ولا‭ ‬استعمالِ‭ ‬أَلفاظٍ‭ ‬تتجاوزُ‭ ‬قدرَ‭ ‬الخطأِ‭(‬.

حذفُ‭ ‬التَّعليقُ‭ ‬الأَوَّلِ‭!‬

وبحسبِ‭ ‬ما‭ ‬وقعَ‭ ‬معي،‭ ‬لم‭ ‬يلبثْ‭ ‬هذا‭ ‬التَّعليقُ‭ ‬طويلًا؛‭ ‬بلْ‭ ‬حُذفَ‭ ‬بعدَ‭ ‬مدَّةٍ‭ ‬وجيزَةٍ،‭ ‬ثم‭ ‬حُظرَ‭ ‬حسابي‭ ‬من‭ ‬المشاركَةِ‭ ‬في‭ ‬‮»‬الصَّفحَةِ‮« ‬‭!‬‭ ‬معَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬التَّعليقَ‭ - ‬كما‭ ‬يظهرُ‭ ‬من‭ ‬نصِّهِ‭ - ‬لم‭ ‬يتضمَّنَ‭ ‬إساءَةً‭ ‬شخصيَّةً،‭ ‬ولا‭ ‬تجريحًا،‭ ‬وإنَّما‭ ‬اشتمِلَ‭ ‬على‭ ‬موافقَةٍ‭ ‬في‭ ‬موضعٍ،‭ ‬ومخالفَةٍ‭ ‬علميَّةٍ‭ ‬مؤَدَّبَةٍ‭ ‬في‭ ‬موضعٍ‭ ‬آخرَ‭.‬

وفي‭ ‬اليومِ‭ ‬التَّالي؛‭ ‬كتبتُ‭ ‬من‭ ‬حسابٍ‭ ‬آخرَ‭ ‬لي‭ ‬تعليقًا‭ ‬مؤَدَّبًا،‭ ‬نُشِر‭ ‬في‭ ‬تمامِ‭ ‬السَّاعَةِ‭ ‬الثَّانيَةَ‭ ‬عشرَةَ‭ ‬والنُّصفِ‭ ‬ظهرًا،‭ ‬بتاريخ ٢٠٢٦/٧/١٤م،‭ ‬وكان‭ ‬نصُّهُ‭:‬

‭)‬السَّلامُ‭ ‬عليكمْ‭ ‬ورحمةُ‭ ‬اللهِ‭ ‬وبركاتُهُ‭.. ‬كتبتُ‭ ‬بالأَمسِ‭ ‬عندَكمْ‭ ‬تعليقًا‭ ‬معتَدِلًا،‭ ‬لم‭ ‬يتضمَّنْ‭ ‬إساءَةً‭ ‬ولا‭ ‬تجريحًا،‭ ‬ثمَّ‭ ‬فوجئْتُ‭ ‬بحذفِهِ،‭ ‬معَ‭ ‬حظرِ‭ ‬حسابي‭ ‬منَ‭ ‬المشاركَةِ‭ ‬في ‭»‬الصَّفحَةِ«‬‭‬!

وأَرى‭ ‬أَنَّ‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬ينسجمُ‭ ‬معَ‭ ‬مقتضى‭ ‬البحثِ‭ ‬العلميِّ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحوارَ‭ ‬يقومُ‭ ‬على‭ ‬سماعِ‭ ‬الرأْيِ،‭ ‬ومناقشَةِ‭ ‬الدَّليلِ‭ ‬بالدَّليلِ،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬إبقاءِ‭ ‬ما‭ ‬يوافقُ‭ ‬صاحبَ‭ ‬الصَّفحَةِ،‭ ‬وإخفاءِ‭ ‬كلِّ‭ ‬ما‭ ‬يخالفُهُ‭.‬

فإنْ‭ ‬كانَ‭ ‬ما‭ ‬كتبتُهُ‭ ‬خطأً؛‭ ‬فبيِّنوا‭ ‬خطأَه‭ ‬بالحجَّةِ،‭ ‬وإنْ‭ ‬كانَ‭ ‬صوابًا‭ ‬أَو‭ ‬محتملًا‭ ‬للنِّقاشِ؛‭ ‬فالأُولى‭ ‬أَنْ‭ ‬يتركَ‭ ‬ليطَّلعَ‭ ‬القرَّاءُ‭ ‬على‭ ‬وجهاتِ‭ ‬النَّظرِ،‭ ‬ويكونَ‭ ‬الفيصلُ‭ ‬هوَ‭ ‬الدَّليلُ‭.‬

أَمَّا‭ ‬فتحُ‭ ‬البابِ‭ ‬للرأْيِ‭ ‬الموافقِ،‭ ‬وإغلاقُهُ‭ ‬أَمامَ‭ ‬النَّقدِ‭ ‬العلميِّ‭ ‬المؤَدَّبِ؛‭ ‬فليسَ‭ ‬منْ‭ ‬أَدبِ‭ ‬البحثِ،‭ ‬ولا‭ ‬ممَّا‭ ‬يعينُ‭ ‬على‭ ‬الوصولِ‭ ‬إلى‭ ‬الحقِّ‭.‬

ولذلكَ‭ ‬أَقولُ‭ ‬بكلِّ‭ ‬صراحَةٍ‭ ‬واحترامٍ‭: ‬لقدْ‭ ‬غيَّرَ‭ ‬هذا‭ ‬التَّصرُّفُ‭ ‬انطباعي‭ ‬عنْ‭ ‬طريقَةِ‭ ‬إدارَةِ‭ ‬الحوارِ‭ ‬في‭ ‬الصَّفحَةِ؛‭ ‬إذْ‭ ‬أَوحى‭ ‬بأَنَّ‭ ‬العنايَةَ‭ ‬بإبقاءِ‭ ‬الأَصواتِ‭ ‬المؤيِّدَةِ‭ ‬مقدَّمَةٌ‭ ‬على‭ ‬فتحِ‭ ‬بابِ‭ ‬النِّقاشِ‭ ‬العلميِّ‭.‬

وطالبُ‭ ‬الحقِّ‭ ‬لا‭ ‬يضيقُ‭ ‬بالنَّقدِ‭ ‬المؤدَّبِ،‭ ‬بلْ‭ ‬ينتفعُ‭ ‬بهِ؛‭ ‬فإنْ‭ ‬كانَ‭ ‬الحقُّ‭ ‬معَهُ‭ ‬ظهرَ‭ ‬دليلُهُ،‭ ‬وإنْ‭ ‬كانَ‭ ‬قدْ‭ ‬أَخطأَ‭ ‬انتفعَ‭ ‬بمنْ‭ ‬نبَّهَهُ‭ ‬إلى‭ ‬خطئِهِ‭.‬

أَسأَلُ‭ ‬اللهَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يرزقَني‭ ‬وإيَّاكمُ‭ ‬الإخلاصَ‭ ‬والإنصافَ،‭ ‬وأَنْ‭ ‬يجعلَ‭ ‬غايتَنا‭ ‬الوصولَ‭ ‬إلى‭ ‬الحقِّ‭ ‬واتِّباعَهُ‭(‬.

ثمَّ‭ ‬لَمْ‭ ‬تمضِ‭ - ‬بحسبِ‭ ‬ما‭ ‬ظهرَ‭ ‬لي‭ - ‬إلَّا‭ ‬دقائِقُ‭ ‬معدودَةٌ؛‭ ‬حتَّى‭ ‬حُذِفَ‭ ‬التَّعليقُ‭ ‬الثَّاني،‭ ‬وحظرَ‭ ‬الحسابُ‭ ‬الآخرُ‭ ‬منَ‭ ‬المشاركَةِ‭ ‬في‭ ‬الصَّفحَةِ‭!!‬

وقفاتٌ‭ ‬منهجيَّةٌ‭ ‬وفقهيَّةٌ؛‭ ‬معَ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الحادثَةِ‭ ‬المؤلمَةِ‭:‬

ولستُ‭ ‬أَذكرُ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الواقعَةَ‭ ‬للتَّشهيرِ‭ ‬بشخصٍ،‭ ‬ولا‭ ‬للحكمِ‭ ‬على‭ ‬باطنِهِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬النِّيَّاتِ‭ ‬مردُّها‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬لنا‭ ‬أَن‭ ‬نجزمَ‭ ‬بأَنَّ‭ ‬فلانًا‭ ‬لا‭ ‬يريدُ‭ ‬الحقَّ،‭ ‬أَو‭ ‬لا‭ ‬يطلبُهُ؛‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬تصرُّفٍ‭ ‬أَخطأَ‭ ‬فيهِ‭.‬

ولكنَّ‭ ‬الفعلَ‭ ‬الظَّاهرَ‭ ‬يجوزُ‭ ‬وصفُهُ‭ ‬ونقدُهُ‭ ‬بقدرِهِ؛‭ ‬فالواجبُ‭ ‬التَّفريقُ‭ ‬بينَ‭ ‬نقدِ‭ ‬التَّصرُّفِ‭ ‬الظَّاهرِ،‭ ‬والحكمِ‭ ‬على‭ ‬النِّيَّةِ‭ ‬والقصْدِ؛‭ ‬فالأَوَّلُ‭ ‬مبناهُ‭ ‬على‭ ‬البيِّنَةِ‭ ‬والمشاهدَةِ،‭ ‬وأَمَّا‭ ‬الثَّاني‭ ‬فمردُّهُ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى،‭ ‬العليمِ‭ ‬بما‭ ‬تُخفي‭ ‬الصُّدور‭.‬

أَوَّلًا‭- ‬حقُّ‭ ‬صاحبِ ‭»‬الصَّفحَةِ«‮‬‭ ‬في‭ ‬إدارتِها‭ ‬لا‭ ‬يمنعُ‭ ‬من‭ ‬نقدِ‭ ‬منهجِهِ‭ ‬في‭ ‬إدارَةِ‭ ‬الحوارِ‭:‬

لا‭ ‬شكَّ‭ ‬أَنَّ‭ ‬لصاحبِ‭ ‬الصَّفحَةِ‭ ‬الحقَّ‭ ‬في‭ ‬إدارتِها،‭ ‬وحذفِ‭ ‬السَّبِّ‭ ‬والشَّتمِ،‭ ‬والطَّعنِ‭ ‬في‭ ‬الأَعراضِ،‭ ‬والتَّكرارِ‭ ‬المزعجِ،‭ ‬والدِّعاياتِ،‭ ‬والكلامِ‭ ‬الخارجِ‭ ‬عن‭ ‬الموضوعِ،‭ ‬والجدالِ‭ ‬العقيمِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬قدْ‭ ‬يكون‭ ‬حذفُ‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬حُسنِ‭ ‬الإدارَةِ،‭ ‬وصيانَةِ‭ ‬النِّقاشِ،‭ ‬وحفظِهِ‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬والإساءَةِ‭.‬

كما‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬ليسَ‭ ‬مُلزمًا‭ ‬شرعًا‭ ‬ولا‭ ‬عقلًا‭ ‬بإبقاءِ‭ ‬كلِّ‭ ‬تعليقٍ‭ ‬يُكتب‭ ‬في‭ ‬صفحتِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬بتحويلِها‭ ‬إلى‭ ‬ساحةٍ‭ ‬مفتوحةٍ‭ ‬لكلِّ‭ ‬خصومَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬منازعَةٍ‭.‬

لكنْ‭ ‬إذا‭ ‬نشرَ‭ ‬طالبُ‭ ‬العلمِ‭ ‬قولًا‭ ‬عامًّا‭ ‬في‭ ‬مسأَلةٍ‭ ‬علميَّةٍ،‭ ‬وفتحَ‭ ‬بابَ‭ ‬التَّعليقاتِ،‭ ‬وأَبقى‭ ‬كلماتِ‭ ‬المدحِ‭ ‬والموافقَةِ،‭ ‬ثمَّ‭ ‬حذفَ‭ ‬اعتراضًا‭ ‬علميًّا‭ ‬مؤدَّبًا‭ ‬متعلِّقًا‭ ‬بعينِ‭ ‬كلامِهِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬منْ‭ ‬حقِّ‭ ‬المتابعينَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يتساءلوا‭ ‬عنْ‭ ‬معيارِ‭ ‬إدارةِ‭ ‬الحوارِ،‭ ‬وَأنْ‭ ‬ينقدوا‭ ‬هذا‭ ‬المسلكَ‭ ‬منَ‭ ‬النَّاحيَةِ‭ ‬المنهجيَّةِ،‭ ‬ما‭ ‬دامَ‭ ‬نقدُهم‭ ‬منضبطًا‭ ‬بالعدْلِ‭ ‬والأَدبِ‭.‬

فالمشكلَةُ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬في‭ ‬مجرَّدِ‭ ‬استعمالِ‭ ‬خاصيَّةِ‭ ‬الحذفِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬في‭ ‬أَنْ‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الخاصيَّةُ‭ ‬إلى‭ ‬وسيلَةٍ‭ ‬لإقصاءِ‭ ‬الرأيِ‭ ‬المخالفِ،‭ ‬أَو‭ ‬لإظهارِ‭ ‬القولِ‭ ‬وكأَنَّهُ‭ ‬محلُّ‭ ‬قبولٍ‭ ‬واتِّفاقٍ،‭ ‬بعدَ‭ ‬إزالةِ‭ ‬الردودِ‭ ‬العلميَّةِ‭ ‬الَّتي‭ ‬تناقشُهُ‭ ‬أَو‭ ‬تعترضُ‭ ‬عليهِ‭.‬

ثانيًا‭- ‬حذفُ‭ ‬الاعتراضِ؛‭ ‬لا‭ ‬يُعَدُّ‭ ‬جوابًا‭ ‬عنهُ‭:‬

إنَّ‭ ‬حذفَ‭ ‬الكلامِ‭ ‬المخالفِ‭ ‬لا‭ ‬يُبطلُ‭ ‬حجَّتَهُ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬منعَ‭ ‬صاحبِهِ‭ ‬من‭ ‬التَّعليقِ‭ ‬لا‭ ‬يُثبتُ‭ ‬خطأَهُ؛‭ ‬فالحجَّةُ‭ ‬لا‭ ‬تسقطُ‭ ‬إلَّا‭ ‬بحجَّةِ،‭ ‬والخطأُ‭ ‬لا‭ ‬يتبيَّنُ‭ ‬إلَّا‭ ‬بالدَّليلِ‭ ‬والبرهانِ‭.‬

وطالبُ‭ ‬العلمِ‭ ‬إذا‭ ‬رأَى‭ ‬في‭ ‬كلامِ‭ ‬مخالفِهِ‭ ‬خطأً؛‭ ‬فبينَ‭ ‬يديهِ‭ ‬مسالكُ‭ ‬علميَّةٌ‭ ‬واضحة‭: ‬

‭- ‬إمَّا‭ ‬أَن‭ ‬يُجيبَ‭ ‬عنهُ،‭ ‬أَو‭ ‬يبيِّنَ‭ ‬موضعَ‭ ‬الخللِ‭ ‬فيهِ،‭ ‬أَو‭ ‬يعتذرَ‭ ‬عن‭ ‬الدُّخولِ‭ ‬في‭ ‬النِّقاشِ،‭ ‬أَو‭ ‬يوضِّحَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬صفحتَهُ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬مخصَّصَةً‭ ‬للمناظراتِ‭ ‬والمجادلاتِ‭ ‬المطوَّلَةِ‭.‬

‭- ‬أَمَّا‭ ‬حذفُ‭ ‬النَّقدِ‭ ‬العلميِّ‭ ‬الهادئ،‭ ‬مع‭ ‬إبقاءِ‭ ‬كلماتِ‭ ‬التَّأْييدِ‭ ‬والثَّناءِ؛‭ ‬فإنَّهُ‭ ‬لا‭ ‬يحسمُ‭ ‬المسأَلَةَ‭ ‬العلميَّةَ،‭ ‬ولا‭ ‬يُغني‭ ‬عن‭ ‬الجوابِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬قدْ‭ ‬يُورثُ‭ ‬لدى‭ ‬القارئِ‭ ‬انطباعًا‭ ‬بأَنَّ‭ ‬صاحبَ‭ ‬الرأْي‭ ‬يضيقُ‭ ‬بالمناقشَةِ‭ ‬المخالفَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬لا‭ ‬يرغَبُ‭ ‬في‭ ‬إبقاءِ‭ ‬ما‭ ‬يعترضُ‭ ‬على‭ ‬قولِهِ،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬قصدَهُ‭ ‬في‭ ‬حقيقَةِ‭ ‬الأَمرِ‭.‬

ثالثًا‭-‬ منْ‭ ‬ينتقدُ‭ ‬الاستقواءَ‭ ‬بالجمهورِ‭ ‬أَولى‭ ‬باحتمالِ‭ ‬النَّقدِ‭ ‬العلميِّ‭:‬

كانَ‭ ‬أَصلُ‭ ‬كلامِ‭ ‬الشَّيخِ‭ ‬نقدَ‭ ‬منْ‭ ‬يستقوي‭ ‬بالعوامِّ،‭ ‬ويحوِّلُ‭ ‬المسائلَ‭ ‬العلميَّةَ‭ ‬إلى‭ ‬تعبئَةٍ‭ ‬جماهيريَّةٍ؛‭ ‬وهذا‭ ‬المعنى‭ - ‬منْ‭ ‬حيثُ‭ ‬الأَصلِ‭ - ‬صحيحٌ‭ ‬وجديرٌ‭ ‬بالتَّأْكيدِ‭.‬

غيرَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬مقتضى‭ ‬هذا‭ ‬الأَصلِ‭ ‬أَنْ‭ ‬يفسحَ‭ ‬المجالُ‭ ‬للنَّقدِ‭ ‬العلميِّ‭ ‬المتخصِّصِ،‭ ‬وأَنْ‭ ‬تقابلَ‭ ‬الحجَّةُ‭ ‬بالحجَّةِ؛‭ ‬حتَّى‭ ‬لا‭ ‬يتحوَّلَ‭ ‬المنشورُ‭ ‬نفسُهُ‭ ‬إلى‭ ‬خطابٍ‭ ‬أُحاديٍّ،‭ ‬يسمعُ‭ ‬فيهِ‭ ‬الجمهورُ‭ ‬دعوى‭ ‬الاتِّهامِ،‭ ‬ثمَّ‭ ‬لا‭ ‬يطَّلعونَ‭ ‬على‭ ‬الرَّدِّ‭ ‬العلميِّ‭ ‬عليها‭.‬

فلا‭ ‬يستقيمُ‭ ‬منهجيًّا‭ ‬أَنْ‭ ‬نذمَّ‭ ‬بعضَ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬لاستقوائِهم‭ ‬بالجماهيرِ،‭ ‬ثمَّ‭ ‬نعرضَ‭ ‬على‭ ‬الجمهورِ‭ ‬كلامًا‭ ‬شديدًا‭ ‬في‭ ‬طائفَةٍ‭ ‬واسعَةٍ،‭ ‬ونحذفَ‭ ‬منْ‭ ‬يطلبُ‭ ‬التَّقييدَ،‭ ‬والعدْلَ،‭ ‬والتَّحريرَ،‭ ‬وإقامَةَ‭ ‬الدَّعوى‭ ‬على‭ ‬البيِّنةِ‭ ‬والبرهانِ‭.‬

رابعًا‭ -‬العدْلُ‭ ‬معَ‭ ‬المخالفِ؛‭ ‬عبادَةٌ‭ ‬لا‭ ‬مجاملَةٌ‭:‬

ليسَ‭ ‬العدْلُ‭ ‬أَن‭ ‬نُنصِفَ‭ ‬الموافقَ‭ ‬وحدَهُ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬حقيقةُ‭ ‬العدْلِ‭ ‬أَن‭ ‬نُنصِفَ‭ ‬مَن‭ ‬نُخالفُهُ،‭ ‬وأَلَّا‭ ‬يحملَنا‭ ‬الغضبُ‭ ‬منهُ،‭ ‬أَو‭ ‬النُّفورُ‭ ‬من‭ ‬طائفتِهِ،‭ ‬على‭ ‬ظلمِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬التَّعميمِ‭ ‬عليهِ،‭ ‬أَو‭ ‬تحميلِهِ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقلْهُ‭ ‬ولم‭ ‬يفعلْهُ‭.‬

قالَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى‭: ‬﴿يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬كُونُوا‭ ‬قَوَّامِينَ‭ ‬لِلَّهِ‭ ‬شُهَدَاءَ‭ ‬بِالْقِسْطِ‭ ‬وَلَا‭ ‬يَجْرِمَنَّكُمْ‭ ‬شَنَآنُ‭ ‬قَوْمٍ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَلَّا‭ ‬تَعْدِلُوا‭ ‬اعْدِلُوا‭ ‬هُوَ‭ ‬أَقْرَبُ‭ ‬لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].

وقالَ‭ ‬تعالى‭: ‬﴿يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬كُونُوا‭ ‬قَوَّامِينَ‭ ‬بِالْقِسْطِ‭ ‬شُهَدَاءَ‭ ‬لِلَّهِ‭ ‬وَلَوْ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].

فالعدْلُ‭ ‬واجبٌ‭ ‬في‭ ‬الحكمِ‭ ‬على‭ ‬الأَشخاصِ‭ ‬والطوائفِ‭ ‬والأَقوالِ‭ ‬والأَخطاء،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬واجبٌ‭ ‬في‭ ‬نقلِ‭ ‬كلامِ‭ ‬المخالفِ‭ ‬وتوصيفِهِ‭ ‬والردِّ‭ ‬عليهِ؛‭ ‬فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬نستعمَلَ‭ ‬معَ‭ ‬مخالِفينا‭ ‬من‭ ‬الأَلفاظِ‭ ‬والأَحكامِ‭ ‬ما‭ ‬نستنكرُهُ‭ ‬إذا‭ ‬استُعملَ‭ ‬معنا،‭ ‬ولا‭ ‬أَن‭ ‬نجعلَ‭ ‬موافقتَنا‭ ‬أَو‭ ‬مخالفتَنا‭ ‬سببًا‭ ‬لتغييرِ‭ ‬ميزانِ‭ ‬الحقِّ‭ ‬والإنصافِ‭.‬

خامسًا‭ -‬الحوارُ‭ ‬العلميُّ؛‭ ‬ليسَ‭ ‬انتصارًا‭ ‬للنَّفسِ‭:‬

الحوارُ‭ ‬العلميُّ‭ ‬الرَّاشدُ‭ ‬ليسَ‭ ‬ميدانًا‭ ‬لإثباتِ‭ ‬الغلبَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬لتكثيرِ‭ ‬المؤيِّدينَ،‭ ‬ولا‭ ‬لحمايَةِ‭ ‬الصُّورَةِ‭ ‬الشَّخصيَّةِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬هوَ‭ ‬سبيلٌ‭ ‬للتَّعاونِ‭ ‬على‭ ‬معرفَةِ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬وتمييزِ‭ ‬الصَّوابِ‭ ‬منَ‭ ‬الخطإِ،‭ ‬وردِّ‭ ‬الأَقوالِ‭ ‬إلى‭ ‬ميزانِ‭ ‬الدَّليلِ‭ ‬والبرهانِ‭.‬

وقدْ‭ ‬أَثنى‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬الَّذينَ‭ ‬يستمعونَ‭ ‬الأَقوالَ،‭ ‬ثمَّ‭ ‬يميِّزونَ‭ ‬بينها؛‭ ‬فيتَّبعونَ‭ ‬أحسنَها،‭ ‬فقالَ‭ ‬تعالى‭:‬

﴿فَبَشِّرْ‭ ‬عِبَادِ‭ * ‬الَّذِينَ‭ ‬يَسْتَمِعُونَ‭ ‬الْقَوْلَ‭ ‬فَيَتَّبِعُونَ‭ ‬أَحْسَنَهُ‭ ‬أُولَئِكَ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬هَدَاهُمُ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬وَأُولَئِكَ‭ ‬هُمْ‭ ‬أُولُو‭ ‬الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨].

كما‭ ‬أَمرَ‭ ‬سبحانهُ؛‭ ‬أَنْ‭ ‬يكونَ‭ ‬الجدالُ‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬الحكمةِ،‭ ‬والحُسنى،‭ ‬وحسنِ‭ ‬البيانِ،‭ ‬فقالَ‭: ‬﴿ادْعُ‭ ‬إِلَى‭ ‬سَبِيلِ‭ ‬رَبِّكَ‭ ‬بِالْحِكْمَةِ‭ ‬وَالْمَوْعِظَةِ‭ ‬الْحَسَنَةِ‭ ‬وَجَادِلْهُمْ‭ ‬بِالَّتِي‭ ‬هِيَ‭ ‬أَحْسَنُ﴾ [النَّحل: ١٢٥].

وليسَ‭ ‬المقصودُ‭ ‬منْ‭ ‬ذلكَ‭ ‬فتحَ‭ ‬أَبوابِ‭ ‬الجدَلِ‭ ‬الَّذي‭ ‬لا‭ ‬ينتهي،‭ ‬ولا‭ ‬إضاعَةَ‭ ‬الأَوقاتِ‭ ‬في‭ ‬الخصوماتِ‭ ‬العقيمَةِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬المقصودُ‭ ‬التَّمييزُ‭ ‬بينَ‭ ‬المهاترَةِ‭ ‬والنَّقدِ،‭ ‬وبينَ‭ ‬الإساءَةِ‭ ‬والمناقشَةِ،‭ ‬وبينَ‭ ‬منْ‭ ‬يريدُ‭ ‬التَّشويشَ‭ ‬وإثارَةَ‭ ‬الخصومَةِ،‭ ‬ومنْ‭ ‬يطلبُ‭ ‬تحريرَ‭ ‬المسأَلَةِ،‭ ‬وبيانَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬فيها‭ ‬بالدَّليلِ‭ ‬والأَدبِ‭.‬

سادسًا‭ -‬الأَلقابُ‭ ‬والأَنسابُ؛‭ ‬لا‭ ‬تمنَحُ‭ ‬الأَقوالَ‭ ‬عصمَةً‭:‬

الأَلقابُ‭ ‬العلميَّةُ،‭ ‬والمكانَةُ‭ ‬الاجتماعيَّةُ،‭ ‬وشرفُ‭ ‬النَّسبِ؛‭ ‬أُمورٌ‭ ‬لها‭ ‬حقوقُها،‭ ‬ويجبُ‭ ‬أَنْ‭ ‬تراعى‭ ‬فيها‭ ‬حرمَةُ‭ ‬المسلمِ‭ ‬وأَدَبُ‭ ‬الخطابِ؛‭ ‬فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَنْ‭ ‬تكونَ‭ ‬محلَّ‭ ‬سخريَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬انتقاصٍ‭.‬

لكنَّها‭ ‬لا‭ ‬تمنَحُ‭ ‬صاحبَها‭ ‬عصمَةً‭ ‬منَ‭ ‬الخطإِ،‭ ‬ولا‭ ‬تجعَلُ‭ ‬أَقوالَهُ‭ ‬فوقَ‭ ‬النَّقدِ‭ ‬العلميِّ؛‭ ‬فميزانُ‭ ‬الأَقوالِ‭ ‬هوَ‭ ‬الدَّليلُ،‭ ‬وكلُّ‭ ‬أَحدٍ‭ ‬يؤْخَذُ‭ ‬منْ‭ ‬قولِهِ‭ ‬ويردُّ‭ ‬عليهِ؛‭ ‬سوى‭ ‬رَسُولِ‭ ‬اللهِ‭ #.‬

وقدْ‭ ‬جعَلَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى‭ ‬ميزانَ‭ ‬الكرامةَِ‭ ‬الحقيقيَّةِ‭ ‬في‭ ‬التَّقوى،‭ ‬فقالَ‭ ‬سبحانَهُ‭:‬

﴿إنَّ‭ ‬أَكرمَكمْ‭ ‬عندَ‭ ‬اللهِ‭ ‬أَتقاكمْ﴾ [الحجرات: ١٣].

فشرَفُ‭ ‬النَّسبِ‭ ‬فضيلةٌ؛‭ ‬إذا‭ ‬اقترنَ‭ ‬بالإيمانِ‭ ‬والتَّقوى‭ ‬والعمَلِ‭ ‬الصَّالحِ،‭ ‬وليسَ‭ ‬حجَّةً‭ ‬على‭ ‬صحَّةِ‭ ‬الأَقوالِ،‭ ‬ولا‭ ‬مانعًا‭ ‬منْ‭ ‬مناقشتِها‭ ‬ونقدِها‭ ‬بالعلمِ‭ ‬والعدْلِ‭ ‬والأَدبِ‭.‬

كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬حجَّةَ‭ ‬المخالفِ‭ ‬لا‭ ‬تسقطُ‭ ‬لقلَّةِ‭ ‬أَتباعِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬تقوى‭ ‬حجَّةُ‭ ‬الإنسانِ‭ ‬بكثرَةِ‭ ‬منْ‭ ‬يصفِّقُ‭ ‬لَهُ‭ ‬أَو‭ ‬يؤيِّدُهُ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحقَّ‭ ‬أَبلجُ،‭ ‬وقوَّتُهُ‭ ‬في‭ ‬دليلِهِ‭ ‬وبرهانِهِ،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬اسمِ‭ ‬قائلِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬لقبِهِ‭ ‬أَو‭ ‬نسبِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬كثرَةِ‭ ‬مؤَيِّديهِ‭.‬

كلمَةٌ‭ ‬مباشرَةٌ‭ ‬إلى‭ ‬الشَّيخِ‭:‬

فضيلةَ‭ ‬الشَّيخِ‭ ‬حاتمَ‭ ‬بنَ‭ ‬عارفٍ‭ ‬العونيِّ‭!‬

لقدْ‭ ‬وافقتُكمْ‭ ‬على‭ ‬أَصلٍ‭ ‬مهمٍّ،‭ ‬وهوَ‭ ‬خطأُ‭ ‬إقحامِ‭ ‬العامَّةِ‭ ‬في‭ ‬دقائقِ‭ ‬خلافاتِ‭ ‬المتخصِّصينَ،‭ ‬واعترضتُ‭ ‬عليكمْ‭ ‬في‭ ‬مواضعَ‭ ‬محدَّدةٍ‭: ‬في‭ ‬التَّعميمِ،‭ ‬وفي‭ ‬شدَّةِ‭ ‬بعضِ‭ ‬الأَلفاظِ،‭ ‬وفي‭ ‬نسبَةِ‭ ‬مسلكٍ‭ ‬مذمومٍ‭ ‬إلى‭ ‬طائفَةٍ‭ ‬واسعَةٍ‭ ‬منْ‭ ‬غيرِ‭ ‬تفصيلٍ‭ ‬ولا‭ ‬تقييدٍ‭.‬

وكانَ‭ ‬المنتظرُ‭ ‬منكمْ‭ ‬أَحدَ‭ ‬أُمورٍ‭ ‬ثلاثَةٍ‭: ‬

‭- ‬إمَّا‭ ‬أَنْ‭ ‬تبيِّنوا‭ ‬خطأَ‭ ‬كلامي‭ ‬بالدَّليلِ‭.‬

‭- ‬وإمَّا‭ ‬أَنْ‭ ‬تقبلوا‭ ‬ما‭ ‬فيهِ‭ ‬منْ‭ ‬صوابٍ‭.‬

‭- ‬وإمَّا‭ ‬أَنْ‭ ‬تتركوهُ‭ ‬للقرَّاءِ؛‭ ‬ليزنوا‭ ‬القولينِ‭ ‬بميزانِ‭ ‬العلمِ‭ ‬والعدْلِ‭ ‬والبرهانِ‭.‬

أَمَّا‭ ‬حذفُ‭ ‬الردَّينِ،‭ ‬ثمَّ‭ ‬حظرُ‭ ‬الحسابينِ،‭ ‬منْ‭ ‬غيرِ‭ ‬بيانِ‭ ‬خطأٍ‭ ‬علميٍّ،‭ ‬ولا‭ ‬إثباتِ‭ ‬إساءَةٍ‭ ‬أَدبيَّةٍ‭.‬

فليسَ‭ ‬حلًّا‭ ‬للمسأَلةِ،‭ ‬ولا‭ ‬جوابًا‭ ‬عنِ‭ ‬الاعتراضِ،‭ ‬ولا‭ ‬ينسجمُ‭ - ‬في‭ ‬نظري‭ - ‬معَ‭ ‬مقتضى‭ ‬الحوارِ‭ ‬العلميِّ‭ ‬الَّذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أَنْ‭ ‬يتَّسعَ‭ ‬لهُ‭ ‬صدرُ‭ ‬طالبِ‭ ‬العلمِ‭.‬

وأَنا‭ ‬لا‭ ‬أَزعمُ‭ ‬أَنَّكمْ‭ ‬لا‭ ‬تريدونَ‭ ‬الحقَّ،‭ ‬ولا‭ ‬أَحكمُ‭ ‬على‭ ‬نيَّتِكمْ؛‭ ‬فذلكَ‭ ‬ممَّا‭ ‬استأْثرَ‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى‭ ‬بعلمِهِ،‭ ‬ولكنِّي‭ ‬أَقولُ‭: ‬إنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التَّصرُّفَ‭ ‬الظَّاهرَ‭ ‬لا‭ ‬يخدمُ‭ ‬منهجَ‭ ‬الباحثِ‭ ‬عنِ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬ولا‭ ‬يعزِّزُ‭ ‬الثِّقَةَ‭ ‬في‭ ‬عدالَةِ‭ ‬إدارَةِ‭ ‬النِّقاشِ،‭ ‬ولا‭ ‬يبعثُ‭ ‬رسالَةً‭ ‬مطمئنَّةً‭ ‬إلى‭ ‬المخالفِ‭ ‬المؤدَّبِ‭.‬

والرُّجوعُ‭ ‬عنِ‭ ‬الخطإِ‭ ‬فضيلَةٌ،‭ ‬وتوضيحُ‭ ‬سببِ‭ ‬الحذفِ‭ ‬يرفعُ‭ ‬الإشكالَ،‭ ‬والجوابُ‭ ‬عنِ‭ ‬النَّقدِ‭ ‬بالحجَّةِ‭ ‬أَجدرُ‭ ‬بمقامِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلمِ‭ ‬منْ‭ ‬إغلاقِ‭ ‬بابِ‭ ‬الحوارِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحقَّ‭ ‬لا‭ ‬يضرُّهُ‭ ‬السُّؤالُ،‭ ‬ولا‭ ‬تضعفُهُ‭ ‬المناقشَةُ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يزدادُ‭ ‬ظهورًا‭ ‬بالدَّليلِ‭ ‬والبيانِ‭.‬

خلاصَةُ‭ ‬الرِّسالَةِ‭:‬

إنَّ‭ ‬إدارَ ةَ‭»‬الصَّفحاتِ‮‬‮«‬؛‭ ‬ليسَتْ‭ ‬إدارَةً‭ ‬للحقائقِ‭.‬

وحذفَ‭ ‬الرَّأْيِ‭ ‬المخالفِ؛‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬سقوطَ‭ ‬حجَّتِهِ‭.‬

كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬كثرةَ‭ ‬المؤيِّدينَ؛‭ ‬لا‭ ‬تدلُّ‭ ‬بذاتِها‭ ‬على‭ ‬صحَّةِ‭ ‬القولِ‭!‬

فالحقُّ‭ ‬لا‭ ‬يعرفُ‭ ‬بالأَشخاصِ،‭ ‬ولا‭ ‬بكثرَةِ‭ ‬الأَتباعِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يعرفُ‭ ‬بالدَّليلِ‭ ‬والبرهانِ‭.‬

والباحِثُ‭ ‬الصَّادقُ‭ ‬عنِ‭ ‬الحقِّ‭ ‬لا‭ ‬يشترطُ‭ ‬على‭ ‬النَّاسِ‭ ‬أَنْ‭ ‬يوافقوهُ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬ما‭ ‬يقولُ،‭ ‬ولا‭ ‬يضيقُ‭ ‬بكلِّ‭ ‬اعتراضٍ‭ ‬على‭ ‬رأْيهِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬يعرضُ‭ ‬حجَّتَهُ،‭ ‬ويسمَعُ‭ ‬حجَّةَ‭ ‬مخالفِهِ،‭ ‬ثمَّ‭ ‬يردُّ‭ ‬الجميعُ‭ ‬ما‭ ‬تنازعوا‭ ‬فيهِ‭ ‬إلى‭ ‬الوحيِ‭ ‬الصَّحيحِ،‭ ‬والدَّليلِ‭ ‬الصَّريحِ،‭ ‬وميزانِ‭ ‬العدْلِ‭ ‬والإنصافِ‭.‬

‭- ‬فما‭ ‬كانَ‭ ‬منَ‭ ‬التَّعليقاتِ‭ ‬سبًّا،‭ ‬أَو‭ ‬تجريحًا،‭ ‬أَو‭ ‬طعنًا‭ ‬في‭ ‬الأَعراضِ،‭ ‬أَو‭ ‬تشويشًا‭ ‬متعمَّدًا؛‭ ‬فحذفُهُ‭ ‬حقٌّ،‭ ‬وقدْ‭ ‬يكونُ‭ ‬منَ‭ ‬الحكمَةِ‭ ‬وحسنِ‭ ‬الإدارَةِ‭.‬

‭- ‬أَمَّا‭ ‬ما‭ ‬كانَ‭ ‬نقدًا‭ ‬علميًّا‭ ‬مؤدَّبًا،‭ ‬متعلِّقًا‭ ‬بعينِ‭ ‬الكلامِ،‭ ‬ملتزمًا‭ ‬بالعدْلِ‭ ‬والأَدبِ؛‭ ‬فالأَصلُ‭ ‬أَنْ‭ ‬يقابلَ‭ ‬بالحجَّةِ‭ ‬والبيانِ،‭ ‬لا‭ ‬بالإقصاءِ‭ ‬والكتمانِ‭.‬

فإنَّ‭ ‬الأَقوالَ‭ ‬لا‭ ‬تصانُ‭ ‬منَ‭ ‬الخطإِ‭ ‬بالحذفِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تمحَّصُ‭ ‬بالنَّقدِ؛‭ ‬والحقائقَ‭ ‬لا‭ ‬يحرسُها‭ ‬المنعُ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يحرسُها‭ ‬الدَّليلُ‭ ‬والبرهانُ‭.‬

اللَّهُمَّ‭ ! ‬ارزقْنا‭ ‬الإخلاصَ‭ ‬في‭ ‬القصْدِ،‭ ‬والعدْلَ‭ ‬في‭ ‬الحكمِ،‭ ‬والإنصافَ‭ ‬معَ‭ ‬الموافقِ‭ ‬والمخالفِ،‭ ‬واجعلِ‭ ‬الحقَّ‭ ‬أَحبَّ‭ ‬إلينا‭ ‬منْ‭ ‬أَنفسِنا،‭ ‬وأَقوالِنا،‭ ‬وأَتباعِنا،‭ ‬ولا‭ ‬تجعلْ‭ ‬حظوظَ‭ ‬النَّفسِ‭ ‬حجابًا‭ ‬بينَنا‭ ‬وبينَ‭ ‬قبولِ‭ ‬الصَّوابِ،‭ ‬واهدِنا‭ ‬لما‭ ‬اختلفَ‭ ‬فيهِ‭ ‬منَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬بإذنِكَ؛‭ ‬إنَّكَ‭ ‬تهدي‭ ‬منْ‭ ‬تشاءُ‭ ‬إلى‭ ‬صراطٍ‭ ‬مستقيمٍ‭.‬

واللهُ‭ ‬أَعلمُ،‭ ‬وصلَّى‭ ‬اللهُ‭ ‬وسلَّمَ‭ ‬على‭ ‬نبيِّنا‭ ‬محمَّدٍ،‭ ‬وعلى‭ ‬آلِه‭ ‬وصحبَِه‭ ‬أَجمعينَ‭.‬

والحمدُ‭ $‬ِ‭ ‬الَّذي‭ ‬بنعمتِهِ‭ ‬تتمُّ‭ ‬الصَّالحاتُ‭.‬

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

٢٨ محرم ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٧/١٤م

***

Previous
Previous

حكمُ‭ ‬لباسِ‭ ‬التَّخرُّجِ‭ ‬الجامِعيِّ ‮‮»‬الجُبَّةُ‭ ‬السَّوداءُ‭ ‬والقُبَّعَةُ«‬

Next
Next

‮‬»حينَ‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬إلى‭ ‬دِينٍ‭ ‬مُوازٍ«‬