‮‬»حينَ‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬إلى‭ ‬دِينٍ‭ ‬مُوازٍ«‬

خَطَرُ‭ ‬اختزالِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬في‭ ‬مسأَلَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬جماعَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬مشروعٍ

الحمدُ‭ ‬،$‭ ‬والصَّلاةُ‭ ‬والسَّلامُ‭ ‬على›‭ ‬رسولِ‭ ‬ا$،‭ ‬وعلى›‭ ‬آلهِ‭ ‬وصحبِهِ‭ ‬ومَن‭ ‬والاه،‭ ‬أَمَّا‭ ‬بعدُ‭:‬

أَخي‭ ‬المُسلِمَ‭ ‬اللَّبيبَ‭ ‬البَصير‭!‬

اعلمْ‭ ‬‭- ‬وفَّقني‭ ‬ا$ُ ‬وإيَّاكَ‭ ‬للعلْمِ‭ ‬والعدْلِ‭ ‬والبصيرَةِ‭ -‬‭ ‬أَنَّ‭ ‬من‭ ‬أَخطرِ‭ ‬الانحرافاتِ‭ ‬المنهجيَّةِ‭ ‬في‭ ‬واقعِ‭ ‬العمَلِ‭ ‬الإسلاميِّ‭:‬

أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬التي‭ ‬تتبنَّاها‭ ‬جماعَةٌ،‭ ‬أَو‭ ‬مؤَسَّسَةٌ،‭ ‬أَو‭ ‬شخصٌ؛ »‬‭‬قضيَّةً‭ ‬عادلَةً‭ ‬في‭ ‬أَصلِها،‭ ‬وربما‭ ‬كانَ‭ ‬الدِّفاعُ‭ ‬عنها‭ ‬واجبًا‭ ‬شرعيًّا«‮ ‬ثم‭ ‬يقعُ‭ ‬الغُلُوُّ‭ ‬فيها؛‭ ‬حتَّى›‭ ‬تُختزَلَ‭ ‬رسالَةُ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬كلُّها‭ ‬في‭ ‬هذِهِ‭ ‬القضيَّةِ،‭ ‬وتُهمَلَ‭ ‬لأَجلِها‭ ‬سائِرُ‭ ‬الواجباتِ‭ ‬والقضايا‭ ‬والنَّوازلِ،‭ ‬ويُجعَلَ‭ ‬الموقِفُ‭ ‬منها‭ ‬معيارًا‭ ‬وحيدًا‭ ‬للحكْمِ‭ ‬على‭ ‬إيمانِ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬وصدقِهم‭ ‬وولائِهم‭ ‬وانتمائِهم‭ ‬إلى‭ ‬الأُمَّةِ‭.‬

بلْ‭ ‬قدْ‭ ‬يبلُغُ‭ ‬الغُلُوُّ‭ ‬ببعضِهم‭ ‬أَن‭ ‬يجعلوا‭ ‬دماءَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬في‭ ‬أَقطَارٍ‭ ‬أُخرى›،‭ ‬وحقوقَهم،‭ ‬وأَمنَهم،‭ ‬وعقائدَهم،‭ ‬وقضاياهم؛‭ ‬كلَّها‭ ‬أَثمانًا‭ ‬مباحَةً‭ ‬في‭ ‬سبيلِ‭ ‬ه›ذِهِ‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬التي‭ ‬اختزلوا‭ ‬فيها‭ ‬الإسلامَ‭ ‬والأُمَّةَ‭.‬

فيُهوِّنونَ‭ ‬من‭ ‬المذابحِ‭ ‬والجرائمِ‭ ‬الواقعَةِ‭ ‬على‭ ‬غيرِ‭ ‬أَصحابِها،‭ ‬أَو‭ ‬يصمتونَ‭ ‬عنها،‭ ‬أَو‭ ‬يلتمِسونَ‭ ‬لها‭ ‬المعاذيرَ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬مرتكبيها‭ ‬يقدِّمونَ‭ ‬دعمًا‭ ‬سياسيًّا،‭ ‬أَو‭ ‬عسكريًّا‭ ‬لقضيَّتِهم‭.‬

وعندئِذٍ‭ ‬تنتقِلُ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬من‭ ‬كونِها‭ ‬حقًّا‭ ‬يُنصَرُ‭ ‬بالحقِّ،‭ ‬إلى›‭ ‬ميزانٍ‭ ‬يُعادُ‭ ‬بهِ‭ ‬تشكيلُ‭ ‬الحلالِ‭ ‬والحرامِ،‭ ‬والعدْلِ‭ ‬والظُّلمِ،‭ ‬والولاءِ‭ ‬والبراءِ؛‭ ‬فيصبِحُ‭ ‬الحليفُ‭ ‬بريئًا‭ ‬من‭ ‬جرائمِهِ‭ ‬ما‭ ‬دامَ‭ ‬يخدمُها،‭ ‬ويصبِحُ‭ ‬النَّاقدُ‭ ‬خائنًا‭ ‬ولو‭ ‬كانَ‭ ‬نصحُهُ‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬الدَّليلِ‭ ‬والعدْلِ‭.‬

وهذا‭ ‬من‭ ‬أَخطرِ‭ ‬صُورِ‭ ‬مقولَةِ: »‬الغايَةُ‭ ‬تُبرِّرُ‭ ‬الوسيلَةَ«‮‬‭.‬

إذْ‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬شرعًا‭ ‬أَن‭ ‬تُنصَرَ‭ ‬قضيَّةٌ‭ ‬عادلَةٌ‭ ‬بظُلمِ‭ ‬قضايا‭ ‬عادلَةٍ‭ ‬أُخرى›،‭ ‬ولا‭ ‬أَن‭ ‬تُحفَظَ‭ ‬دماءُ‭ ‬طائفَةٍ‭ ‬بإهدارِ‭ ‬دماءِ‭ ‬سائرِ‭ ‬المسلمينَ،‭ ‬ولا‭ ‬أَن‭ ‬يُستعانَ‭ ‬بعدوٍّ‭ ‬على›‭ ‬حسابِ‭ ‬عقيدَةِ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬وأَمنِها‭ ‬وحقوقِها‭.‬

فالإسلامُ‭ ‬لا‭ ‬يَقبلُ‭ ‬أَن‭ ‬يُدفَعَ‭ ‬ظُلمٌ‭ ‬بظُلمٍ‭ ‬أَعظمَ‭ ‬منهُ،‭ ‬ولا‭ ‬أَن‭ ‬يُقامَ‭ ‬حقٌّ‭ ‬على›‭ ‬أَنقاضِ‭ ‬حقوقٍ‭ ‬أُخرى›‭.‬

قالَ‭ ‬ا$ ‬تعالى›‭: ‬﴿وَتَعَاوَنُوا‭ ‬عَلَى‭ ‬الْبِرِّ‭ ‬وَالتَّقْوَى‭ ‬وَلَا‭ ‬تَعَاوَنُوا‭ ‬عَلَى‭ ‬الْإثْمِ‭ ‬وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

وهُنا‭ ‬لا‭ ‬يعودُ‭ ‬الخللُ‭ ‬في‭ ‬أَصلِ‭ ‬القضيَّةِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬في‭» ‬‮‬المنزلَةِ‭ ‬التي‭ ‬أُعطيتْ‭ ‬لها«‮‬‭ ‬وفي‭ ‬الوظيفَةِ‭ ‬التي‭ ‬أُسندَتْ‭ ‬إليها‭:‬

‭- ‬إذْ‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬من‭ ‬واجبٍ‭ ‬من‭ ‬واجباتِ‭ ‬الدِّينِ‭.. ‬إلى›‭ ‬صُورَةٍ‭ ‬مختزلَةٍ‭ ‬للدِّينِ‭ ‬كلِّهِ‭.‬

‭- ‬ومن‭ ‬مسأَلَةٍ‭ ‬تقبَلُ‭ ‬النَّظَرَ‭ ‬والاجتهادَ‭ ‬في‭ ‬وسائلِها‭.. ‬إلى›‭ ‬أَصْلٍ‭ ‬يُوالَى›‭ ‬ويُعادَى›‭ ‬عليهِ‭.‬

وكأَنَّ‭ ‬مَن‭ ‬خالَفَ‭ ‬الجماعَةَ‭ ‬في‭ ‬تقديرِها،‭ ‬أَو‭ ‬وسائلِها‭ ‬قدْ‭ ‬خالفَ‭ ‬الإسلامَ‭ ‬نفسَهُ‭!‬

فالقضيَّةُ‭ ‬العادلَةُ‭ ‬لا‭ ‬تمنَحُ‭ ‬أَصحابَها‭ ‬حقَّ‭ ‬التَّضحيَةِ‭ ‬بالأُمَّةِ،‭ ‬ولا‭ ‬تجعَلُ‭ ‬أَعداءَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬أَولياءَ‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬دعمِهم‭ ‬المؤَقَّتِ‭ ‬لها‭.‬

‭ ‬ولكي‭ ‬تُوضَعَ‭ ‬ه›ذِهِ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬في‭ ‬ميزانِ‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬الغرَّاءِ،‭ ‬وتُفهَمَ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬ضغُطِ‭ ‬الشِّعاراتِ،‭ ‬وغلبَةِ‭ ‬العواطِفِ،‭ ‬وتقديسِ‭ ‬الأَشخاصِ‭ ‬والجماعاتِ؛‭ ‬فلا‭ ‬بُدَّ‭ ‬من‭ ‬تفكيكِها‭ ‬منهجيًّا،‭ ‬وبيانِ‭ ‬أُصولِها‭ ‬وضَوابطِها‭ ‬وآثارِها‭ ‬على‭ ‬النَّحوِ‭ ‬الآتي‭:‬

أَوَّلًا‭- ‬الإسلامُ‭ ‬كلٌّ‭ ‬متكامِلٌ‭ ‬لا‭ ‬يُختزَلُ‭ ‬في‭ ‬قضيَّةٍ‭ ‬واحدَةٍ‭:‬

الإسلامُ؛‭ ‬عقيدَةٌ،‭ ‬وشريعَةٌ،‭ ‬وأَخلاقٌ،‭ ‬وعباداتٌ،‭ ‬ومعاملاتٌ،‭ ‬وعدْلٌ،‭ ‬ورحمَةٌ،‭ ‬ودعوَةٌ،‭ ‬وإصلاحٌ‭.‬

وقدْ‭ ‬رَتَّبَ‭ ‬الشَّارعُ‭ ‬الحكيمُ‭ ‬أَحكامَهُ‭ ‬وواجباتِهِ؛‭ ‬فليسَ‭ ‬كلُّ‭ ‬واجبٍ‭ ‬في‭ ‬رتبَةٍ‭ ‬واحدَةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬كلُّ‭ ‬مسأَلَةٍ‭ ‬من‭ ‬أُصُولِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬ولا‭ ‬كلُّ‭ ‬نازلَةٍ‭ ‬معيارًا‭ ‬للإيمانِ‭ ‬والكُفْرِ،‭ ‬أَو‭ ‬للولاءِ‭ ‬والبراءِ‭.‬

وقدْ‭ ‬أَنكرَ‭» ‬‮‬القرآنُ‭ ‬الكريمُ«‮‬‭ ‬الانتقائيَّةَ‭ ‬في‭ ‬التَّعامُلِ‭ ‬معَ‭ ‬أَحكامِ‭ ‬الوحْي،‭ ‬فقالَ‭ ‬ا$ ‬تعالى›‭:‬

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ‭ ‬بِبَعْضِ‭ ‬الْكِتَابِ‭ ‬وَتَكْفُرُونَ‭ ‬بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].

فالخلَلُ‭ ‬المنهجيُّ‭ ‬يبدَأُ‭ ‬حينَ‭ ‬يُؤْخَذُ‭ ‬جانِبٌ‭ ‬من‭ ‬الدِّينِ‭ ‬ويُضخَّمُ،‭ ‬بينما‭ ‬تُهمَلُ‭ ‬جوانِبُ‭ ‬أُخرى›‭ ‬لا‭ ‬تقِلُّ‭ ‬عنهُ‭ ‬وجوبًا‭ ‬وأَثرًا؛‭ ‬فيُرفَعُ‭ ‬شعارُ‭ ‬تحريرِ‭ ‬أَرضٍ،‭ ‬مثلًا،‭ ‬ثم‭ ‬يُسكَتُ‭ ‬عن‭ ‬ظُلمٍ،‭ ‬أَو‭ ‬قتلٍ،‭ ‬أَو‭ ‬خيانَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬فسادٍ‭ ‬صادِرٍ‭ ‬من‭ ‬الحلفاءِ،‭ ‬أَو‭ ‬يُدافَعُ‭ ‬عن‭ ‬العدالَةِ‭ ‬في‭ ‬موطِنٍ‭ ‬ويُبرَّرُ‭ ‬الظُّلمُ‭ ‬في‭ ‬موطنٍ‭ ‬آخرٍ‭.‬

ومن‭ ‬فقْهِ‭ ‬النُّبوَّةِ‭ ‬ترتيبُ‭ ‬الأَولويَّاتِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬أَمرَ‭ ‬النَّبيُّ‭ # ‬معاذًا‭ ‬حينَ‭ ‬بعثَهُ‭ ‬إلى‭ ‬اليمنِ‭ ‬أَن‭ ‬يبدَأَ‭ ‬بالدَّعوَةِ‭ ‬إلى›‭ ‬توحيدِ‭ ‬ا$،‭ ‬ثم‭ ‬الصَّلاةِ،‭ ‬ثم‭ ‬الزكَّاةِ؛‭ ‬فدَلَّ‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬على›‭ ‬أَنَّ‭ ‬للدِّينِ‭ ‬مراتِبَ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬للواجباتِ‭ ‬أَولويَّاتٍ‭.‬

وأَنَّ‭ ‬الدَّاعيَةَ؛‭ ‬لا‭ ‬يملِكُ‭ ‬أَن‭ ‬يُعيدَ‭ ‬ترتيبَ‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬وفْقَ‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها،‭ ‬أَو‭ ‬المشروعِ‭ ‬الذي‭ ‬يعمَلُ‭ ‬فيهِ‭.‬

ثانيًا‭- ‬الفَرْقُ‭ ‬بينَ‭ ‬تعظيمِ‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬والغُلُوِّ‭ ‬فيها‭:‬

ليسَ‭ ‬من‭ ‬الغُلُوِّ‭ ‬أَن‭ ‬تُعظِّمَ‭ ‬قضيَّةً‭ ‬عظيمَةً،‭ ‬أَو‭ ‬تبذَلَ‭ ‬جهدَكَ‭ ‬في‭ ‬تخصُّصٍ‭ ‬دعويٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬علميٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬إنسانيٍّ‭ ‬محدَّدٍ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬يتخصَّصُ‭ ‬بعضُ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬في‭ ‬تعليمِ‭ ‬العقيدَةِ،‭ ‬وآخرونَ‭ ‬في‭ ‬الإغاثَةِ،‭ ‬وغيرُهم‭ ‬في‭ ‬الدِّفاعِ‭ ‬عن‭ ‬المظلومينَ،‭ ‬أَو‭ ‬رعايَةِ‭ ‬الأَيتامِ،‭ ‬أَو‭ ‬مقاومَةِ‭ ‬احتلالٍ‭.‬

وإنَّما‭ ‬يبدَأُ‭ ‬الغُلُوُّ‭ ‬حينَ‭ ‬تقَعُ‭ ‬التَّحوُّلاتُ‭ ‬الآتيَةِ‭:‬

١-‭ ‬أَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬الجزئيَّةُ‭ .. ‬إلى›‭ ‬تفسيرٍ‭ ‬شامِلٍ‭ ‬للإسلامِ‭.‬

٢-‭ ‬وأَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬الجماعَةُ‭ ‬الخادمَةُ‭ ‬للقضيَّةِ‭ .. ‬إلى›‭ ‬ممثِّلٍ‭ ‬حصريٍّ‭ ‬لها‭.‬

٣-‭ ‬وأَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬قراراتُ‭ ‬الجماعَةِ‭ ‬واجتهاداتُها‭.. ‬ إلى›‭ ‬أَحكامٍ‭ ‬شرعيَّةٍ‭ ‬مقدَّسَةٍ‭.‬

٤-‭ ‬وأَن‭ ‬يصبِحَ‭ ‬نقْدُ‭ ‬الوسائِلِ؛‭ ‬خيانَةً‭ ‬للغاياتِ‭.‬

٥-‭ ‬وأَن‭ ‬يصبِحَ‭ ‬الموقِفُ‭ ‬من‭ ‬الجماعَةِ؛‭ ‬هو‭ ‬عينَ‭ ‬الموقِفِ‭ ‬منَ‭ ‬الدِّينِ‭.‬

٦-‭ ‬وأَن‭ ‬يُوالَى‭ ‬النَّاسُ‭ ‬ويُعادَوا،‭ ‬ويُوثَّقوا‭ ‬ويُبدَّعوا؛‭ ‬بحسَبِ‭ ‬قربِهم‭ ‬من‭ ‬ه›ذِهِ‭ ‬القضيَّةِ،‭ ‬أَو‭ ‬بُعدِهم‭ ‬عنها‭.‬

وقدْ‭ ‬تَبْلُغُ‭ ‬المبالغَةُ‭ ‬حَدًّا‭ ‬تُعامَلُ‭ ‬فيهِ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬معاملَةَ‭» ‬‮‬المقدَّسِ‭ ‬المطلَقِ«‮‬؛‭ ‬فلا‭ ‬تُنقَدُ‭ ‬وسائلُها،‭ ‬ولا‭ ‬تُراجَعُ‭ ‬تحالفاتُها،‭ ‬ولا‭ ‬يُسأَلُ‭ ‬عن‭ ‬نتائجِها،‭ ‬ولا‭ ‬يُسمَحُ‭ ‬لأَحَدٍ‭ ‬بمناقشَةِ‭ ‬القائمينَ‭ ‬عليها‭.‬

وليسَ‭ ‬المرادُ‭ ‬بلفظِ ‭»‬الغلوِّ« ‬‭‬هُنا‭ ‬الحكمَ‭ ‬على‭ ‬الأَعيانِ‭ ‬بالشِّركِ‭ ‬أَو‭ ‬الكفرِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬المرادُ‭ ‬وصفُ‭ ‬حالَةٍ‭ ‬منهجيَّةٍ‭ ‬تتجاوزُ‭ ‬فيها‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬منزلتَها‭ ‬الشَّرعيَّةَ؛‭ ‬فيُرفَعُ‭ ‬الاجتهادُ‭ ‬البَشريُّ‭ ‬الجزئيُّ‭ ‬إلى›‭ ‬منزلَةِ‭ ‬الأَمرِ‭ ‬المطلَقِ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬نقدُهُ،‭ ‬أَو‭ ‬مراجعتُهُ،‭ ‬أَو‭ ‬مخالفتُهُ،‭ ‬ويُستدعَى‭ ‬الشَّرعُ‭ ‬لتبريرِ‭ ‬مواقفِهِ‭ ‬وخدمَةِ‭ ‬توجُّهاتِهِ؛‭ ‬بدَلًا‭ ‬من‭ ‬أَن‭ ‬تُعرَضَ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬والقائمونَ‭ ‬عليها‭ ‬ووسائلُهم‭ ‬على‭ ‬ميزانِ‭ ‬الشَّرعِ‭ ‬والعَدْلِ‭.‬

ثالثًا‭ -‬الولَاءُ‭ ‬والبراءُ‭ ‬عبادَةٌ‭ ‬للهِ‭ ‬تعالى‭ ‬لا‭ ‬أَداةٌ‭ ‬حزبيَّةٌ‭:‬

الولاءُ‭ ‬الشَّرْعيُّ‭ ‬لا‭ ‬يُبنَى›‭ ‬ابتداءً‭ ‬على‭ ‬الانتماءِ‭ ‬إلى›‭ ‬جماعَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬على›‭ ‬تبنِّي‭ ‬قضيَّةٍ‭ ‬سياسيَّةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬على›‭ ‬توقيرِ‭ ‬قائِدٍ‭ ‬أَو‭ ‬مؤَسَّسَةٍ؛‭ ‬بلْ‭ ‬أَصلُهُ‭ ‬الإيمانُ‭ ‬با$ ‬تعالى›‭ ‬ورَسُولِهِ‭ # ‬ومحبَّةُ‭ ‬المؤْمنينَ،‭ ‬ونُصرَةُ‭ ‬الحقِّ‭ ‬والعَدْلِ‭.‬

قالَ‭ ‬ا$ ‬تعالى›‭: ‬﴿وَالْمُؤْمِنُونَ‭ ‬وَالْمُؤْمِنَاتُ‭ ‬بَعْضُهُمْ‭ ‬أَوْلِيَاءُ‭ ‬بَعْضٍ‭ ‬يَأْمُرُونَ‭ ‬بِالْمَعْرُوفِ‭ ‬وَيَنْهَوْنَ‭ ‬عَنِ‭ ‬الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].

فالآيَةُ‭ ‬جعلَتْ‭ ‬رابطَةَ‭ ‬الولايَةِ‭ ‬قائمَةً‭ ‬على‭ ‬الإيمانِ،‭ ‬ومقترنَةً‭ ‬بالأَمرِ‭ ‬بالمعروفِ‭ ‬والنَّهيِ‭ ‬عنِ‭ ‬المنكرِ؛‭ ‬فلَمْ‭ ‬تجعَلِ‭ ‬المؤْمِنَ‭ ‬وليًّا‭ ‬لأَخيهِ‭ ‬مقتضيَةً‭ ‬أَن‭ ‬يسكُتَ‭ ‬عن‭ ‬خطئِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬يبرِّرَ‭ ‬ظُلمَهُ،‭ ‬أَو‭ ‬يوافقَهُ‭ ‬في‭ ‬جميعِ‭ ‬سياساتِهِ‭ ‬ومواقفِهِ‭. ‬قالَ‭ ‬النَّبيُّ‭ #:‬

‮‬»مَنْ‭ ‬أَحَبَّ‭ $‬ِ‭ ‬وأَبْغَضَ $‬ِ، ‬وأَعْطَى›‭ $‬ِ‭ ‬ومَنَعَ $‬ِ؛‭ ‬فَقَدِ‭ ‬اسْتَكْمَلَ‭ ‬الإيمانَ«. [أبو داود: ٤٦٨١].

فالمعيارُ‭ ‬هو‭ ‬ا$ ‬تعالى›‭ ‬وشرعُهُ،‭ ‬لا‭ ‬اسمُ‭ ‬الجماعَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬رايتُها،‭ ‬ولا‭ ‬قائدُها؛‭ ‬بلْ‭ ‬من‭ ‬تمامِ‭ ‬ولايَةِ‭ ‬المؤْمِنِ‭ ‬لأَخيهِ‭ ‬ونصرتِهِ‭ ‬لهُ‭ :‬أَن‭ ‬ينصرَهُ‭ ‬إذا‭ ‬أَصابَ،‭ ‬وينصحَهُ‭ ‬إذا‭ ‬أَخطأَ،‭ ‬ويمنعَهُ‭ ‬من‭ ‬الظُّلْمِ‭ ‬إذا‭ ‬ظلَمَ‭. ‬

قالَ‭» # ‬‮‬انْصُرْ‭ ‬أَخَاكَ‭ ‬ظَالِمًا‭ ‬أَو‭ ‬مَظْلُومًا«‮‬‭. ‬

فقالَ‭ ‬رَجُلٌ‭ :‬يا‭ ‬رَسُولَ‭ ‬ا$ِ!‬ أَنصُرُهُ‭ ‬إذا‭ ‬كانَ‭ ‬مَظلومًا،‭ ‬أَفَرَأَيْتَ‭ ‬إذا‭ ‬كانَ‭ ‬ظالِمًا؛‭ ‬كيفَ‭ ‬أَنصُرُهُ؟‭ ‬قالَ‭:‬

‮»‬تَحْجُزُهُ‭ - ‬أَو‭ ‬تَمنَعُهُ‭ - ‬مِنَ‭ ‬الظُّلْمِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬ذ›لِكَ‭ ‬نَصْرُهُ« [البخاري: ٦٩٥٢].

وقدْ‭ ‬قرَّر‭ ‬شيخُ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّةَ؛‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬نصبُ‭ ‬شخصٍ‭ ‬للأُمَّةِ‭ - ‬غيرِ‭ ‬النَّبيِّ‭ # - ‬يُوالَى›‭ ‬على›‭ ‬موافقتِهِ‭ ‬ويُعادَى›‭ ‬على›‭ ‬مخالفتِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬نصبُ‭ ‬كلامٍ‭ ‬أَو‭ ‬نسبَةٍ‭ ‬حزبيَّةٍ‭ ‬تكونُ‭ ‬معيارًا‭ ‬لتفريقِ‭ ‬المسلمينَ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬أَفعالِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬البدَعِ‭ ‬والفرقَةِ؛‭ ‬فقالَ رحمه ا$:

‭)‬وليسَ‭ ‬لأَحَدٍ‭ ‬أَنْ‭ ‬ينصبَ‭ ‬للأُمَّةِ‭ ‬شخصًا‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬طريقتِهِ‭ ‬ويوالي‭ ‬ويعادي‭ ‬عليها‭ ‬غيرَ‭ ‬النَّبيِّ‭ # ‬ولا‭ ‬ينصبَ‭ ‬لهم‭ ‬كلامًا‭ ‬يوالي‭ ‬عليهِ‭ ‬ويعادي‭ ‬غيرَ‭ ‬كلامِ‭ ‬ا$ِ ‬ورسولِهِ‭ ‬وما‭ ‬اجتمعَتْ‭ ‬عليهِ‭ ‬الأُمَّةُ؛‭ ‬بلْ‭ ‬ه›ذا‭ ‬منْ‭ ‬فعلِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬البدَعِ‭ ‬الذينَ‭ ‬ينصبونَ‭ ‬لهم‭ ‬شخصًا‭ ‬أَوْ‭ ‬كلامًا‭ ‬يفرِّقونَ‭ ‬بهِ‭ ‬بينَ‭ ‬الأُمَّةِ،‭ ‬يوالونَ‭ ‬بهِ‭ ‬على›‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬الكلامِ‭ ‬أَوْ‭ ‬تلكَ‭ ‬النسبَةِ‭ ‬ويعادونَ). [مجموع الفتاوى - ج٢٠، ص١٦٤].

فإذا‭ ‬جعَلَتْ‭ ‬جماعَةٌ‭ ‬موقِفَ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬من‭ ‬قائدِها‭ ‬أَو‭ ‬مشروعِها‭ ‬أَو‭ ‬قضيَّتِها؛‭ ‬ميزانَ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والبِدْعََةِ،‭ ‬والإيمانِ‭ ‬والخيانَةِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬نقلَتْ‭ ‬مِعيارَ‭ ‬الولاءِ‭ ‬من‭ ‬الوحْيِ‭ ‬إلى‭ ‬التَّنظيمِ،‭ ‬ومنَ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬إلى‭ ‬الاجتهادِ‭ ‬البَشَريِّ‭.‬

رابعًا‭- ‬القضيَّةُ‭ ‬العادلَةُ‭ ‬لا‭ ‬تُصحِّحُ‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬يُفعَلُ‭ ‬باسمِها‭:‬

من‭ ‬أَعظمِ‭ ‬الضَوابطِ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البابِ‭ ‬قولُ‭ ‬ا$ِ ‬تعالى›‭:‬

﴿وَتَعَاوَنُوا‭ ‬عَلَى‭ ‬الْبِرِّ‭ ‬وَالتَّقْوَى‭ ‬وَلَا‭ ‬تَعَاوَنُوا‭ ‬عَلَى‭ ‬الْإثْمِ‭ ‬وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

فلَمْ‭ ‬يقُلِ‭ ‬ا$ ‬تعالى›‭: ‬تعاونوا‭ ‬معَ‭ ‬جماعتِكم‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬شَيْءٍ،‭ ‬ولا‭ ‬تعاونوا‭ ‬معَ‭ ‬مَن‭ ‬يحمِلُ‭ ‬قضيَّتَكم‭ ‬ولو‭ ‬ظلمَ‭ ‬أَو‭ ‬خانَ‭ ‬أَو‭ ‬اعتدى›‭.‬

بلْ‭ ‬جعَلَ‭ ‬التَّعاونَ‭ ‬تابعًا‭ ‬لطبيعَةِ‭ ‬الفعْلِ‭ ‬نفسِهِ‭: ‬فما‭ ‬كانَ‭ ‬برًّا‭ ‬وتقْوَى›‭ ‬أُعينَ‭ ‬عليهِ،‭ ‬وما‭ ‬كانَ‭ ‬إثمًا‭ ‬وعدوانًا‭ ‬حَرُمَتِ‭ ‬الإعانَةُ‭ ‬عليهِ،‭ ‬ولو‭ ‬صدَرَ‭ ‬من‭ ‬أَقربِ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬وأَحبِّهم‭.‬

والمنهجُ‭ ‬الحقُّ‭ ‬يقولُ‭: ‬نحنُ‭ ‬معَ‭ ‬الجماعَةِ‭ ‬فيما‭ ‬وافقَتْ‭ ‬فيهِ‭ ‬الحقَّ،‭ ‬ولسنا‭ ‬معها‭ ‬فيما‭ ‬خالفَتْ‭ ‬فيهِ‭ ‬الشَّرْعِ‭.‬

‭- ‬فننصُرُ‭ ‬المظلومَ،‭ ‬ولا‭ ‬نبرِّرُ‭ ‬لهُ‭ ‬أَن‭ ‬يظلمَ‭ ‬غيرَهُ‭.‬

‭- ‬وندافِعُ‭ ‬عن‭ ‬حقِّهِ،‭ ‬ولا‭ ‬نعطيهِ‭ ‬عصمَةً‭ ‬من‭ ‬الخطأِ‭. ‬

‭- ‬ونقِفُ‭ ‬معهُ‭ ‬أَمامَ‭ ‬عدوِّهِ،‭ ‬ولا‭ ‬نسكُتُ‭ ‬عن‭ ‬انحرافِهِ‭ ‬في‭ ‬العقيدَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬السِّياسَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬الأَخلاقِ‭.‬

فالحقُّ‭ ‬لا‭ ‬يُعرفُ‭ ‬بالرِّجالِ،‭ ‬والجماعاتُ‭ ‬لا‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬بخدمَةِ‭ ‬قضيَّةٍ‭ ‬عادلَةٍ‭ ‬إلى‭ ‬كياناتٍ‭ ‬معصومَةٍ‭.‬

خامسًا‭- ‬العَدْلُ‭ ‬لا‭ ‬يسقِطُ‭ ‬عندَ‭ ‬نُصرَةِ‭ ‬الأَصدقاءِ‭:‬

من‭ ‬علاماتِ‭ ‬تضخيمِ‭ ‬القضيَّةِ؛‭ ‬أَن‭ ‬يُصبِحَ‭ ‬أَتباعُها‭ ‬قادرينَ‭ ‬على›‭ ‬رؤيَةِ‭ ‬ظُلمِ‭ ‬الخصومِ،‭ ‬عاجزينَ‭ ‬عن‭ ‬رؤيَةِ‭ ‬ظُلمِ‭ ‬الحلفاءِ؛‭ ‬فيُضخَّمُ‭ ‬خطأُ‭ ‬المخالِفِ،‭ ‬ويُهوَّنُ‭ ‬خطأُ‭ ‬الموافِقِ،‭ ‬ويُتثبَّتُ‭ ‬من‭ ‬كلِّ‭ ‬خبرٍ‭ ‬ضِدَّ‭ ‬الجماعَةِ؛‭ ‬بينما‭ ‬تُقبَلُ‭ ‬الأَخبارُ‭ ‬ضِدَّ‭ ‬خصومِها‭ ‬بِلا‭ ‬بيِّنَةٍ‭!‬

وهذا‭ ‬خلافُ‭ ‬قولِ‭ ‬ا$ِ ‬تعالى›‭: ‬﴿يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬كُونُوا‭ ‬قَوَّامِينَ‭ ‬بِالْقِسْطِ‭ ‬شُهَدَاءَ‭ ‬لِلَّهِ‭ ‬وَلَوْ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَنْفُسِكُمْ‭ ‬أَوِ‭ ‬الْوَالِدَيْنِ‭ ‬وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].

فالعَدْلُ‭ ‬لا‭ ‬تظهَرُ‭ ‬حقيقتُهُ‭ ‬حينَ‭ ‬تحكمُ‭ ‬على›‭ ‬عدوِّكَ‭ ‬فحسبُ؛‭ ‬بلْ‭ ‬حينَ‭ ‬تحكمُ‭ ‬على›‭ ‬نفسِكَ‭ ‬وأَقرَبِ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬إليكَ‭.‬

قالَ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿وَلَا‭ ‬يَجْرِمَنَّكُمْ‭ ‬شَنَآنُ‭ ‬قَوْمٍ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَلَّا‭ ‬تَعْدِلُوا‭ ‬اعْدِلُوا‭ ‬هُوَ‭ ‬أَقْرَبُ‭ ‬لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].

فإذا‭ ‬كانَتْ‭ ‬عداوَةُ‭ ‬الخصمِ‭ ‬لا‭ ‬تُبيحُ‭ ‬ظُلمَهُ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬محبَّةَ‭ ‬الصَّديقِ‭ ‬لا‭ ‬تُبيحُ‭ ‬تزكيتَهُ‭ ‬بالباطِلِ،‭ ‬ولا‭ ‬السُّكوتَ‭ ‬عن‭ ‬ظُلمِهِ‭ ‬وخطئِهِ‭.‬

ومن‭ ‬أَظهَرِ‭ ‬أَمثلَةِ‭ ‬هذا‭ ‬الخلَلِ‭ ‬المنهجيِّ‭:‬

موقِفُ‭ ‬بعضِ‭ ‬الجماعاتِ‭ ‬والأَفرادِ‭ ‬من‭» ‬‮‬إيرانَ«‮‬‭ ‬والجماعاتِ‭ ‬المسلَّحَةِ‭ ‬المرتبطَةِ‭ ‬بها؛‭ ‬فإنَّهم‭ ‬لمَّا‭ ‬رأَوْا‭ ‬دعمَها‭ ‬لقضيَّةِ ‭»‬فلسطينَ‬‮«‬‭ ‬وبعضِ‭ ‬حركاتِ‭ ‬المقاومَةِ،‭ ‬جعلوا‭ ‬ه›ذا‭ ‬الموقِفَ‭ ‬حسنَةً‭ ‬كُبرى›‭ ‬تذوبُ‭ ‬أَمامَها‭ ‬سائِرُ‭ ‬الأَخطاءِ‭ ‬والجرائمِ؛‭ ‬فكأَنَّ‭ ‬الوقوفَ‭ ‬معَ‭ ‬‮ ‮»‬فلسطينَ‬‮«‬‭ ‬يمنَحُ‭ ‬صاحبَهُ‭ ‬حصانَةً‭ ‬من‭ ‬النَّقدِ‭ ‬والمحاسبَةِ‭.‬

وله›ذا‭ ‬يتجاوزونَ‭ ‬عن‭ ‬سياساتٍ‭ ‬إقليميَّةٍ؛‭ ‬أَضرَّتْ‭ ‬ببلادٍ‭ ‬إسلاميَّةٍ‭ ‬عديدَةٍ،‭ ‬وعن‭ ‬انتهاكاتٍ‭ ‬ارتكبتْها‭ ‬جماعاتٌ‭ ‬مسلَّحَةٌ‭ ‬حليفةٌ‭ ‬لإيرانَ‭ ‬في‭ ‬العراقِ؛‭ ‬من‭ ‬قتلٍ‭ ‬خارجَ‭ ‬القضاءِ،‭ ‬وخطْفٍ،‭ ‬وتهجيرٍ،‭ ‬وتدميرٍ‭ ‬لممتلكاتِ‭ ‬المدنيِّينَ،‭ ‬كما‭ ‬يتجاوزونَ‭ ‬عن‭ ‬مساندَةِ‭ ‬إيرانَ‭ ‬وحلفائِها‭ ‬للنِّظامِ‭ ‬السُّوريِّ،‭ ‬وما‭ ‬صاحَبَ‭ ‬الحربَ‭ ‬من‭ ‬قتلٍ‭ ‬وتهجيرٍ‭ ‬ودمارٍ‭ ‬واسِعٍ،‭ ‬وعن‭ ‬انتهاكاتِ‭ ‬الحوثيِّينَ‭ ‬في‭ ‬اليمنِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬هذِهِ‭ ‬القوى›‭ ‬ترفَعُ‭ ‬شعارَ‭ ‬مقاومَةِ‭ ‬المشروعِ‭ ‬الصَّهيونيِّ‭.‬

وقدْ‭ ‬يتغاضَوْنَ‭ ‬كذلكَ‭ ‬عن‭ ‬الخطابِ‭ ‬الطَّائفيِّ،‭ ‬وعن‭ ‬الطَّعنِ‭ ‬في‭ ‬الصَّحابَةِ‭ ‬الكرامِ‭ ‬وأُمَّهاتِ‭ ‬المؤْمنينَ‭ ‬إذا‭ ‬صدَرَ‭ ‬من‭ ‬بعضِ‭ ‬الأَفرادِ‭ ‬أَو‭ ‬المنابرِ‭ ‬المتحالفَةِ‭ ‬معهم،‭ ‬معَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬الواجِبَ‭ ‬إنكارُ‭ ‬ه›ذا‭ ‬الباطلِ‭ ‬حيثما‭ ‬ظهَرَ‭.‬

ثمَّ‭ ‬إذا‭ ‬انتقَدَ‭ ‬عالِمٌ‭ ‬أَو‭ ‬داعيَةٌ‭ ‬سياسَةً‭ ‬من‭ ‬سياساتِ‭ ‬إيرانَ،‭ ‬أَو‭ ‬تحالفًا‭ ‬من‭ ‬تحالفاتِها،‭ ‬أَو‭ ‬جريمَةً‭ ‬ارتكبتْها‭ ‬جماعَةٌ‭ ‬مواليَةٌ‭ ‬لها؛‭ ‬أَقاموا‭ ‬عليهِ‭ ‬الدُّنيا،‭ ‬واتَّهموهُ‭ ‬بخذلانِ‭ ‬فلسطينَ،‭ ‬أَو‭ ‬خدمَةِ‭ ‬المشروعِ‭ ‬الصَّهيونيِّ،‭ ‬أَو‭ ‬معاداةِ‭ ‬المقاومَةِ؛‭ ‬وكأَنَّ‭ ‬نصرَةَ ‭»‬فلسطينَ«‮‬‭ ‬لا‭ ‬تتمُّ‭ ‬إلَّا‭ ‬بالصَّمْتِ‭ ‬عن‭ ‬دماءِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬في‭ ‬العراقِ‭ ‬وسوريةَ‭ ‬واليمنِ‭ ‬ولبنانَ‭!‬

وهذا‭ ‬ميزانٌ‭ ‬مختلٌّ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬العدْلَ‭ ‬لا‭ ‬يتجزَّأ،‭ ‬ودمُ‭ ‬المسلمِ‭ ‬في ‭»‬فلسطينَ‬‮«‮‬‭ ‬ليسَ‭ ‬أَكرمَ‭ ‬عندَ‭ ‬ا$ ‬من‭ ‬دمِهِ‭ ‬في‭ ‬سوريةَ‭ ‬أَو‭ ‬العراقِ‭ ‬أَو‭ ‬اليمنِ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬نصرَةَ‭ ‬المظلومِ‭ ‬في‭ ‬موطنٍ‭ ‬لا‭ ‬تُبيحُ‭ ‬إعانَةَ‭ ‬الظالمِ،‭ ‬أَو‭ ‬تبريرَ‭ ‬ظلمِهِ‭ ‬في‭ ‬موطنٍ‭ ‬آخر‭.‬

فالمنهجُ‭ ‬الشَّرعيُّ‭ ‬يقولُ‭: ‬نَقبلُ‭ ‬منها‭ ‬كلَّ‭ ‬موقفٍ‭ ‬حقٍّ‭ ‬تنصرُ‭ ‬بهِ‭ ‬مظلومًا،‭ ‬ونشكرُ‭ ‬لها‭ ‬ذ›لكَ،‭ ‬ونردُّ‭ ‬عليها‭ ‬كلَّ‭ ‬باطلٍ‭ ‬أَو‭ ‬ظُلمٍ‭ ‬أَو‭ ‬عدوانٍ‭ ‬يصدِرُ‭ ‬عنها‭ ‬أَو‭ ‬عن‭ ‬حلفائِها؛‭ ‬فلا‭ ‬تحملُنا‭ ‬الخصومَةُ‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬إنكارِ‭ ‬حسناتِها،‭ ‬ولا‭ ‬يحملُنا‭ ‬التَّعاونُ‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬حقٍّ‭ ‬على‭ ‬تبريرِ‭ ‬سيِّئاتِها‭.‬

فالقضيَّةُ‭ ‬الفلسطينيَّةُ‭ ‬لا‭ ‬تُطهِّرُ‭ ‬جرائمَ‭ ‬الحلفاءِ،‭ ‬ولا‭ ‬تجعلُ‭ ‬دماءَ‭ ‬بقيَّةِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬هامشيَّةً،‭ ‬ولا‭ ‬تمنحُ‭ ‬أَحدًا‭ ‬صكًّا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للظُّلمِ‭ ‬والهيمنَةِ‭ ‬والطائفيَّةِ؛‭ ‬بلِ‭ ‬الحقُّ‭ ‬يُقبَلُ‭ ‬ممَّن‭ ‬جاءَ‭ ‬بهِ،‭ ‬والباطلُ‭ ‬يُرَدُّ‭ ‬على‭ ‬مَن‭ ‬صدَرَ‭ ‬منهُ،‭ ‬والعدْلُ‭ ‬واجِبٌ‭ ‬معَ‭ ‬الصَّديقِ‭ ‬والخصمِ‭ ‬على‭ ‬السَّواءِ‭.‬

سادسًا‭- ‬القضيَّةُ‭ ‬الفلسطينيَّةُ؛‭ ‬مثالٌ‭ ‬لا‭ ‬حصرٌ‭:‬

القضيَّةُ‭ ‬الفلسطينيَّةُ‭ ‬من‭ ‬أَعظَمِ‭ ‬قضايا‭ ‬المسلمينَ‭ ‬والإنسانيَّةِ‭ ‬في‭ ‬عصرِنا؛‭ ‬فهيَ‭ ‬قضيَّةُ‭ ‬شعْبٍ‭ ‬تعرَّضَ‭ ‬للاحتلالِ،‭ ‬والتَّهجيرِ،‭ ‬والظُّلمِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬للإبادَةِ،‭ ‬وفي‭ ‬أَرضِها ‭»‬المسجِدُ‭ ‬الأَقصى›‮‬‮«‬؛‭ ‬أَحَدُ‭ ‬المساجِدِ‭ ‬الثَّلاثَةِ‭ ‬التي‭ ‬تُشَدُّ‭ ‬إليها‭ ‬الرِّحالُ،‭ ‬وقدْ‭ ‬وصَفَ‭ ‬ا$ ‬ما‭ ‬حولَهُ‭ ‬بالبركَةِ؛‭ ‬فقال‭ ‬تعالى›‭:‬

﴿إِلَى‭ ‬الْمَسْجِدِ‭ ‬الْأَقْصَى‭ ‬الَّذِي‭ ‬بَارَكْنَا‭ ‬حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].

فنُصرَةُ‭ ‬أَهلِ‭ ‬فلسطينَ،‭ ‬والدِّفاعُ‭ ‬عن‭ ‬حقوقِهم،‭ ‬ورفضُ‭ ‬العدوانِ‭ ‬والاحتلالِ،‭ ‬وإغاثَةُ‭ ‬المنكوبينَ‭ ‬منهم؛‭ ‬كلُّ‭ ‬ذ›لكَ‭ ‬واجِبٌ‭ ‬على‭ ‬المسلمينَ‭ ‬بحسَبِ‭ ‬القُدْرَةِ‭ ‬والاستطاعَةِ،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أَبوابِ‭ ‬البرِّ‭ ‬والعَدْلِ‭ ‬ونُصرَةِ‭ ‬المظَلومِ‭.‬

لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬كلَّهُ؛‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أَن‭ ‬تُختزلَ‭ ‬فلسطينُ‭ ‬في‭ ‬حركَةٍ‭ ‬واحدَةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬أَن‭ ‬تُختزلَ‭ ‬الحركَةُ‭ ‬في‭ ‬قيادتِها،‭ ‬ولا‭ ‬أَن‭ ‬يُختزلَ‭ ‬الإسلامُ‭ ‬في‭ ‬الموقِفِ‭ ‬من‭ ‬ه›ذِهِ‭ ‬القيادَةِ‭.‬

ومن‭ ‬هُنا؛‭ ‬يجِبُ‭ ‬التَّفريقُ‭ ‬بينَ‭ ‬أُمورٍ‭ ‬أَربعَةٍ‭:‬

فلسطينُ،‭ ‬والشَّعبُ‭ ‬الفلسطينيُّ،‭ ‬ومقاومَةُ‭ ‬الاحتلالِ،‭ ‬وحركاتُ‭ ‬المقاومَةِ‭.‬

فه›ذِهِ‭ ‬الأُمورُ‭ ‬بينها‭ ‬ارتباطٌ‭ ‬وثيقٌ،‭ ‬ولكنَّها‭ ‬ليسَتْ‭ ‬شيئًا‭ ‬واحدًا؛‭ ‬ففلسطينُ‭ ‬أَوسَعُ‭ ‬من‭ ‬حركَةٍ،‭ ‬والشَّعْبُ‭ ‬الفلسطينيُّ‭ ‬أَوسَعُ‭ ‬من‭ ‬تنظيمٍ،‭ ‬ومقاومَةُ‭ ‬الاحتلالِ‭ ‬حقٌّ‭ ‬مشروعٌ‭ ‬لا‭ ‬تحتكرُهُ‭ ‬جماعَةٌ‭ ‬بعينِها‭.‬

فليسَ‭ ‬كلُّ‭ ‬مَن‭ ‬انتقدَ‭ ‬قرارًا‭ ‬سياسيًّا،‭ ‬أَو‭ ‬تحالفًا،‭ ‬أَو‭ ‬وسيلَةً‭ ‬اتَّخذتها‭ ‬إحْدى›‭ ‬حركاتِ‭ ‬المقاومَةِ؛‭ ‬معاديًا‭ ‬لفلسطينَ،‭ ‬أَو‭ ‬خاذلًا‭ ‬لأَهلِها،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬كلَّ‭ ‬مَن‭ ‬نصرَ‭ ‬فلسطينَ‭ ‬لا‭ ‬يلزمُ‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬موافقًا‭ ‬لتلكَ‭ ‬الحركاتِ‭ ‬في‭ ‬جميعِ‭ ‬اجتهاداتِها‭ ‬ومواقفِها‭ ‬وتحالفاتِها‭.‬

ويجوزُ‭ ‬للمسلمِ‭ ‬أَن‭ ‬يقولَ‭ ‬بوضوحٍ‭:‬

نحنُ‭ ‬معَ‭ ‬مقاومة‭ ‬في‭ ‬مقاومتِها‭ ‬للاحتلالِ‭ ‬ودفاعِها‭ ‬عن‭ ‬أَهلِ‭ ‬فلسطينَ،‭ ‬ونُصرَةِ‭ ‬المظلومينَ،‭ ‬ولسنا‭ ‬ملزمينَ‭ ‬شرعًا‭ ‬بتصويبِ‭ ‬كلِّ‭ ‬قراراتِها،‭ ‬أَو‭ ‬تحالفاتِها،‭ ‬أَو‭ ‬مواقفِها،‭ ‬أَو‭ ‬وسائلِها‭.‬

فعدالةُ‭ ‬القضيَّةِ؛‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬عصمَةَ‭ ‬كلِّ‭ ‬مَن‭ ‬ينتسبُ‭ ‬إليها،‭ ‬ولا‭ ‬صحَّةَ‭ ‬كلِّ‭ ‬قولٍ‭ ‬يُرفَعُ‭ ‬باسمِها،‭ ‬ولا‭ ‬جوازَ‭ ‬كلِّ‭ ‬وسيلَةٍ‭ ‬تُتَّخذُ‭ ‬لنُصرتِها،‭ ‬ولا‭ ‬أَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬إلى‭ ‬الميزانِ‭ ‬الوحيدِ‭ ‬الذي‭ ‬تُوزَنُ‭ ‬بهِ‭ ‬عقائِدُ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬ومناهجُهم‭ ‬ومواقفُهم‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬تُستعمَلَ‭ ‬فلسطينُ‭ ‬مبرِّرًا‭ ‬للتَّنازلِ‭ ‬عن‭ ‬أَصلٍ‭ ‬عقديٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬السُّكوتِ‭ ‬عن‭ ‬دماءِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬في‭ ‬بلادٍ‭ ‬أُخرى›،‭ ‬أَو‭ ‬التَّعاونِ‭ ‬على‭ ‬ظُلمٍ‭ ‬وعدوانٍ،‭ ‬أَو‭ ‬تبريرِ‭ ‬جرائمِ‭ ‬حليفٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬بحجَّةِ‭ ‬دعمِهِ‭ ‬للمقاومَةِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الظُّلمَ‭ ‬لا‭ ‬يصيرُ‭ ‬عدْلًا‭ ‬بتغيُّرِ‭ ‬فاعلِهِ،‭ ‬والباطِلَ‭ ‬لا‭ ‬يصيرُ‭ ‬حقًّا؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬صاحبَهُ‭ ‬نصَرَ‭ ‬قضيَّةً‭ ‬عادلَةً‭ ‬في‭ ‬موضعٍ‭ ‬آخرَ‭.‬

والقاعدُةُ‭ ‬الجامعَةُ‭ ‬في‭ ‬ذلكَ‭:‬

أنَّ‭ ‬القضيَّةَ‭ ‬العادلَةَ‭ ‬نخدمُها‭ ‬ولا‭ ‬نقدِّسُها،‭ ‬وننصرُ‭ ‬أَهلَها‭ ‬ولا‭ ‬نمنحُ‭ ‬أَحدًا‭ ‬باسمِها‭ ‬العصمَةَ،‭ ‬ونفرِّقُ‭ ‬بينَ‭ ‬حقِّ‭ ‬الشَّعبِ‭ ‬المظلومِ،‭ ‬وبينَ‭ ‬اجتهاداتِ‭ ‬الحركاتِ‭ ‬والجماعاتِ‭ ‬والقياداتِ‭ ‬البشَّريَّةِ‭ ‬التي‭ ‬تُصيبُ‭ ‬وتخطئُ؛‭ ‬فتُشكَرُ‭ ‬على‭ ‬صوابِها،‭ ‬وتُناصَحُ‭ ‬في‭ ‬خطئِها،‭ ‬ويُقبَلُ‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬وافقَ‭ ‬الشَّرعَ،‭ ‬ويُردُّ‭ ‬عليها‭ ‬ما‭ ‬خالفَهُ‭.‬

فالقضيَّةُ‭ ‬الفلسطينيَّةُ‭: ‬تخضعُ‭ ‬للإسلامِ،‭ ‬ولا‭ ‬يخضَعُ‭ ‬الإسلامُ‭ ‬لها؛‭ ‬وتُخدَمُ‭ ‬بأَحكامِ‭ ‬الشَّريعَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُعطَّلُ‭ ‬أَحكامُ‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬باسمِها‭.‬

ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬إلى‭ ‬دينٍ‭ ‬موازٍ‭ ‬يُوالَى‭ ‬ويُعادَى›‭ ‬عليهِ،‭ ‬أَو‭ ‬تُلغَى›‭ ‬بسببَهِ‭ ‬بقيَّةُ‭ ‬قضايا‭ ‬المسلمينَ‭ ‬وحقوقِهم‭ ‬ودمائِهم‭.‬

وليسَتْ‭ ‬فلسطينُ‭ ‬وحدَها‭ ‬المقصودَةَ‭ ‬بهذِهِ‭ ‬القاعدَةِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬هيَ‭ ‬مثالٌ‭ ‬ظاهرٌ‭ ‬على‭ ‬خطَرِ‭ ‬الاختزالِ،‭ ‬والحكمُ‭ ‬يشمِلُ‭ ‬كلَّ‭ ‬قضيَّةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬جماعَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬مشروعٍ،‭ ‬أَو‭ ‬شخصٍ‭ ‬يُرفَعُ‭ ‬فوقَ‭ ‬منزلتِهِ؛‭ ‬حتَّى›‭ ‬يكادَ‭ ‬يتحوَّلُ‭ ‬في‭ ‬نفوسِ‭ ‬أَتباعِهِ‭ ‬إلى›‭ ‬دينٍ‭ ‬موازٍ،‭ ‬تُعطَّلُ‭ ‬لأَجلِهِ‭ ‬موازينُ‭ ‬الوحيِ‭ ‬والعَدْلِ‭ ‬والإنصافِ‭.‬

وليسَ ‭»‬اختزالُ‭ ‬الإسلامِ‬‮«‮‬‭ ‬خاصًّا‭ ‬بالقضيَّةِ‭ ‬الفلسطينيَّةِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬هو‭ ‬انحرافٌ‭ ‬منهجيٌّ‭ ‬قدْ‭ ‬يقعُ‭ ‬فيهِ‭ ‬أَطرافُ‭ ‬الخصومَةِ‭ ‬جميعًا،‭ ‬كلٌّ‭ ‬بحسَبِ‭ ‬تعصُّبِهِ‭ ‬وغُلُوِّهِ‭ ‬وطريقتَهِ‭ ‬في‭ ‬النَّظَرِ‭ ‬والحكمِ‭:‬

‭- ‬فطائفَةٌ‭ ‬تجعَلُ‭ ‬الموقِفَ‭ ‬منَ‭ ‬المقاومَةِ‭ ‬معيارَ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬وكأَنَّ‭ ‬مَن‭ ‬خالفَها‭ ‬في‭ ‬وسيلَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬توقيتٍ،‭ ‬أَو‭ ‬تحالفٍ؛‭ ‬قدْ‭ ‬خانَ‭ ‬الإسلامَ‭.‬

‭- ‬وطائفَةٌ‭ ‬تجعَلُ‭ ‬طاعَةَ‭ ‬الحاكمِ‭ ‬المسأَلَةَ‭ ‬الكُبرى›‭ ‬في‭ ‬الإسلامِ؛‭ ‬حتَّى›‭ ‬تكادَ‭ ‬تختزلُ‭ ‬الدِّينَ‭ ‬فيها،‭ ‬وتزِنُ‭ ‬العلماءَ‭ ‬والدُّعاةَ‭ ‬بمدى›‭ ‬موافقتِهم‭ ‬لها‭.‬

‭- ‬وطائفَةٌ‭ ‬تجعَلُ‭ ‬الخروجَ‭ ‬على‭ ‬الحاكمِ،‭ ‬أَو‭ ‬الثَّورَةَ‭ ‬عليهِ؛‭ ‬ميزانَ‭ ‬الصِّدْقِ‭ ‬والشَّجاعَةِ؛‭ ‬فكلُّ‭ ‬مَن‭ ‬راعى‭ ‬القُدْرَةَ‭ ‬والمآلاتِ‭ ‬عندَها‭ ‬جبانٌ،‭ ‬أَو‭ ‬مداهِنٌ‭.‬

‭- ‬وطائفَةٌ‭ ‬تجعَلُ‭ ‬موقفَ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬من‭ ‬شيخٍ،‭ ‬أَو‭ ‬داعيَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬حزْبٍ؛‭ ‬معيارًا‭ ‬للسُّنَّةِ‭ ‬والبِدْعَةِ‭.‬

‭- ‬ومؤَسَّسَةٌ‭ ‬تجعَلُ‭ ‬المحافظَةَ‭ ‬على›‭ ‬وحدتِها؛‭ ‬مُبرِّرًا‭ ‬لإخفاءِ‭ ‬الفسادِ،‭ ‬وإسْكاتِ‭ ‬النَّاصحينَ،‭ ‬ومنْعِ‭ ‬المحاسبَةِ‭.‬

وهكذا‭ ‬تختلفُ‭ ‬القضايا،‭ ‬ويبقى‭ ‬المرضُ‭ ‬واحدًا‭: ‬تحويلُ‭ ‬الاجتهادِ‭ ‬البَشريِّ‭ ‬إلى›‭ ‬أَصلٍ‭ ‬دينيٍّ،‭ ‬وتحويلُ‭ ‬التَّنظيمِ‭ ‬إلى›‭ ‬جماعَةِ‭ ‬المسلمينَ،‭ ‬وتحويلُ‭ ‬المخالفَةِ‭ ‬إلى›‭ ‬خيانَةِ‭.‬

سابعًا‭- ‬حينَ‭ ‬يُختزَلُ‭ ‬الإسلامُ‭ ‬في‭ ‬الجهادِ‭ ‬والمقاومَةِ‭:‬

الجهادُ‭ ‬في‭ ‬سبيلِ‭ ‬ا$ ‬ذروةُ‭ ‬سنامِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬وشعيرَةٌ‭ ‬عظيمَةٌ‭ ‬من‭ ‬شعائرِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬والدِّفاعُ‭ ‬عن‭ ‬الدِّينِ‭ ‬والأَرضِ‭ ‬والعِرضِ‭ ‬والبلادِ،‭ ‬وردُّ‭ ‬المعتدي،‭ ‬وحمايَةُ‭ ‬المستضعفينَ؛‭ ‬من‭ ‬أَشرفِ‭ ‬الأَعمالِ‭ ‬إذا‭ ‬قامَ‭ ‬على‭ ‬العلمِ‭ ‬والشَّرعِ‭ ‬والعدْلِ،‭ ‬ورُوعِيَتْ‭ ‬فيهِ‭ ‬شروطُهُ‭ ‬وضوابطُهُ‭ ‬ومآلاتُهُ‭.‬

والمجاهدونَ‭ ‬الصَّادقونَ؛‭ ‬الذينَ‭ ‬بذلوا‭ ‬دماءَهم‭ ‬وأَموالَهم‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬أَوطانِهم‭ ‬وأَعراضِهم،‭ ‬وتحريرًا‭ ‬لأَرضِهم‭ ‬من‭ ‬المحتلِّ‭ ‬والمعتدي؛‭ ‬لهم‭ ‬حقُّ‭ ‬النُّصرةِ‭ ‬والدُّعاءِ‭ ‬والتَّقديرِ،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬جحدُ‭ ‬فضلِهم،‭ ‬أَو‭ ‬التَّهوينُ‭ ‬من‭ ‬تضحياتِهم‭.‬

لكنَّ‭ ‬الجهادَ‭ ‬بابٌ‭ ‬من‭ ‬أَبوابِ‭ ‬الإسلامِ،‭ ‬وليسَ‭ ‬هو‭ ‬الإسلامَ‭ ‬كلَّهُ؛‭ ‬فالإسلامُ‭ ‬عقيدَةٌ‭ ‬وعبادَةٌ،‭ ‬وعلمٌ‭ ‬ودعوَةٌ،‭ ‬وأَخلاقٌ‭ ‬وعدْلٌ،‭ ‬وتربيَةٌ‭ ‬وإِصلاحٌ،‭ ‬وأَمرٌ‭ ‬بالمعروفِ‭ ‬ونهيٌ‭ ‬عن‭ ‬المنكرِ،‭ ‬وقيامٌ‭ ‬بحقوقِ‭ ‬الخالقِ‭ ‬والخلقِ‭.‬

ومِنَ‭ ‬الخللِ‭ ‬أَن‭ ‬يتحوَّلَ‭ ‬حملُ‭ ‬السِّلاحِ‭ ‬وحدَهُ‭ ‬إلى‭ ‬معيارِ‭ ‬الإيمانِ‭ ‬والصِّدقِ،‭ ‬وأَن‭ ‬يُحتقَرَ‭ ‬العلماءُ‭ ‬والمربُّونَ‭ ‬والدُّعاةُ‭ ‬والمصلحونَ،‭ ‬وأَن‭ ‬يُتَّهَمَ‭ ‬كلُّ‭ ‬مَن‭ ‬ناقشَ‭ ‬وسيلَةً،‭ ‬أَو‭ ‬خطَّةً،‭ ‬أَو‭ ‬تحالفًا؛‭ ‬بأَنَّهُ‭ ‬يُحاربُ‭ ‬الجهادَ،‭ ‬أَو‭ ‬يخذلُ‭ ‬المجاهدينَ‭.‬

فالجهادُ‭ ‬المشروعُ‭ ‬يُنصَرُ؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬لا‭ ‬يعصمُ‭ ‬أَفرادَهُ‭ ‬وقياداتِهِ‭ ‬من‭ ‬الخطإِ،‭ ‬ولا‭ ‬يجعلُ‭ ‬كلَّ‭ ‬اجتهادٍ‭ ‬عسكريٍّ‭ ‬حكمًا‭ ‬شرعيًّا‭ ‬مقدَّسًا،‭ ‬ولا‭ ‬يُبيحُ‭ ‬الظُّلمَ،‭ ‬ولا‭ ‬نقضَ‭ ‬العهودِ،‭ ‬ولا‭ ‬الاعتداءَ‭ ‬على‭ ‬الأَبرياءِ،‭ ‬ولا‭ ‬تعطيلَ‭ ‬بقيَّةِ‭ ‬أَحكامِ‭ ‬الشَّريعَةِ‭.‬

ومَن‭ ‬جعلَ‭ ‬الجهادَ‭ ‬ذريعَةً‭ ‬لإِسقاطِ‭ ‬العلمِ‭ ‬والشُّورى‭ ‬والعدْلِ‭ ‬وفقهِ‭ ‬المآلاتِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬يضرُّ‭ ‬بالجهادِ‭ ‬وهو‭ ‬يظنُّ‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬ينصرُهُ،‭ ‬ويحمِّلُ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الشَّعيرَةَ‭ ‬العظيمَةَ‭ ‬أَخطاءَ‭ ‬البشَرِ‭ ‬وسوءَ‭ ‬اجتهاداتِهم‭.‬

ثامنًا‭- ‬حينَ‭ ‬يتحوَّلُ‭ ‬الحزبُ‭ ‬أَو‭ ‬المشروعُ‭ ‬الإسلاميُّ‭ ‬إلى‭ ‬دِينٍ‭ ‬موازٍ‭:‬

وقد‭ ‬يقعُ‭ ‬الاختزالُ‭ ‬في »‬الحزبِ‭ ‬أَو‭ ‬الحركَةِ‭ ‬أَو‭ ‬المشروعِ‭ ‬الإسلاميِّ«‮‬؛‭ ‬فيظنُّ‭ ‬بعضُ‭ ‬المنتسبينَ‭ ‬إليهِ‭ ‬أَنَّ‭ ‬جماعتَهُم‭ ‬هي‭ ‬الإسلامُ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬تاريخَها‭ ‬هو‭ ‬تاريخُ‭ ‬الدَّعوَةِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬قيادتَها‭ ‬هي‭ ‬المرجعيَّةُ‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُراجَعُ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬مصلحتَها‭ ‬هي‭ ‬مصلحَةُ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬كلِّها‭.‬

ولا‭ ‬شكَّ‭ ‬أَنَّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الأَحزابِ‭ ‬والحركاتِ‭ ‬والمشروعاتِ‭ ‬الإسلاميَّةِ؛‭ ‬قدْ‭ ‬قامَتْ‭ ‬بجهودٍ‭ ‬معتبرَةٍ‭ ‬في‭ ‬الدَّعوَةِ‭ ‬والتَّربيَةِ‭ ‬والإِصلاحِ،‭ ‬وحفظِ‭ ‬هويَّةِ‭ ‬المسلمينَ،‭ ‬ومقاومَةِ‭ ‬الظُّلمِ‭ ‬والاستبدادِ،‭ ‬والمشاركَةِ‭ ‬في‭ ‬الشَّأْنِ‭ ‬العامِّ،‭ ‬وقدَّمَتْ‭ ‬تضحياتٍ‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬جحدُها‭.‬

لكنَّ‭ ‬الحزبَ‭ ‬وسيلَةٌ‭ ‬لا‭ ‬غايَةٌ،‭ ‬والمشروعَ‭ ‬البَشريَّ‭ ‬اجتهادٌ‭ ‬لا‭ ‬وحيٌ،‭ ‬والقيادَةَ‭ ‬أَمانَةٌ‭ ‬لا‭ ‬عصمَةٌ،‭ ‬والانتسابَ‭ ‬إلى‭ ‬جماعَةٍ‭ ‬لا‭ ‬يجعلُ‭ ‬صاحبَهَا‭ ‬أَقربَ‭ ‬إلى‭ ‬الحقِّ‭ ‬من‭ ‬غيرِهِ؛‭ ‬إلَّا‭ ‬بقدْرِ‭ ‬علمِهِ‭ ‬وتقواهُ‭ ‬واستقامتِهِ‭.‬

فإذا‭ ‬صارَ‭ ‬الولاءُ‭ ‬للحزبِ‭ ‬مقدَّمًا‭ ‬على‭ ‬الولاءِ‭ ‬للحقِّ،‭ ‬وصارَ‭ ‬خطأُ‭ ‬القيادَةِ‭ ‬يُبرَّرُ،‭ ‬ونقدُها‭ ‬يُجرَّمُ،‭ ‬ومخالفُها‭ ‬يُتَّهَمُ‭ ‬في‭ ‬دينِهِ‭ ‬ونيَّتِهِ،‭ ‬وحُجِبَتْ‭ ‬محاسبتُها‭ ‬باسمِ‭ ‬وحدَةِ‭ ‬الصَّفِّ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬تحوَّلَ‭ ‬المشروعُ‭ ‬من‭ ‬خادمٍ‭ ‬للإسلامِ‭ ‬إلى‭ ‬منافسٍ‭ ‬لهُ‭ ‬في‭ ‬الولاءِ‭ ‬والطَّاعَةِ‭.‬

والحزبُ‭ ‬الإسلاميُّ‭ ‬الرَّاشدُ؛‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يربِّي‭ ‬أَتباعَهُ‭ ‬على›‭ ‬أَنَّ‭ ‬الحقَّ‭ ‬أَكبرُ‭ ‬منهُ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬الأُمَّةَ‭ ‬أَوسعُ‭ ‬من‭ ‬تنظيمِهِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬الإسلامَ‭ ‬باقٍ‭ ‬ولو‭ ‬زالَ‭ ‬الحزبُ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬نقدَ‭ ‬الخطإ‭ ‬نصيحَةٌ‭ ‬لا‭ ‬خيانَةٌ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬الاعترافَ‭ ‬بالتَّقصيرِ‭ ‬قوَّةٌ‭ ‬لا‭ ‬هزيمَةٌ‭.‬

تاسعًا‭- ‬حينَ‭ ‬يتحوَّلُ‭ ‬العالِمُ‭ ‬أَو‭ ‬الدَّاعيَةُ‭ ‬إلى‭ ‬معيارٍ‭ ‬للدِّينِ‭:‬

وقد‭ ‬يقعُ‭ ‬الاختزالُ‭ ‬في‭ ‬شخصِ‭» ‬‮‬عالِمٍ‭ ‬أَو‭ ‬داعيَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬قائدٍ‭ ‬مشهورٍ‮«‬؛‭ ‬فيتحوَّلُ‭ ‬عندَ‭ ‬بعضِ‭ ‬محبِّيهِ‭ ‬من‭ ‬عالِمٍ‭ ‬يُستفادُ‭ ‬منهُ‭ ‬ويُدعى‭ ‬لهُ‭ ‬إلى‭ ‬معيارٍ‭ ‬يُعرَفُ‭ ‬بهِ‭ ‬الحقُّ‭ ‬والباطلُ،‭ ‬ويُوالَى‭ ‬النَّاسُ‭ ‬ويُعادَونَ‭ ‬بحسبِ‭ ‬قربِهم‭ ‬منهُ‭ ‬أَو‭ ‬مخالفتِهم‭ ‬لهُ‭.‬

ولا‭ ‬شكَّ‭ ‬أَنَّ‭ ‬للعلماءِ‭ ‬والدُّعاةِ‭ ‬والمربِّينَ‭ ‬حقوقًا‭ ‬عظيمَةً؛‭ ‬من‭ ‬التَّوقيرِ،‭ ‬وحفظِ‭ ‬المكانَةِ،‭ ‬ومعرفَةِ‭ ‬الفضلِ،‭ ‬والدِّفاعِ‭ ‬عن‭ ‬أَعراضِهم‭ ‬منَ‭ ‬البهتانِ،‭ ‬والتِّماسِ‭ ‬العذرِ‭ ‬لهم‭ ‬فيما‭ ‬يسوغُ‭ ‬فيهِ‭ ‬الاجتهادُ‭.‬

لكنَّ‭ ‬توقيرَ‭ ‬العلماءِ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تقديسَهم،‭ ‬ومحبتَهم‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬اتِّباعَهم‭ ‬في‭ ‬الخطإِ،‭ ‬والدِّفاعَ‭ ‬عنهم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ردَّ‭ ‬الأَدلَّةِ‭ ‬الصَّحيحَةِ‭ ‬أَو‭ ‬الطَّعنَ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬ناصحٍ‭ ‬لهم‭.‬

فكلُّ‭ ‬عالِمٍ‭ ‬يُؤخَذُ‭ ‬من‭ ‬قولِهِ‭ ‬ويُترَكُ؛‭ ‬إلَّا‭ ‬رَسُولَ‭ ‬ا$ِ # ‬ولا‭ ‬قداسَةَ‭ ‬إلَّا‭ ‬للوحيِ،‭ ‬ولا‭ ‬عصمَةَ‭ ‬بعدَ‭ ‬الأَنبياءِ‭ ‬لأَحدٍ‭ ‬منَ‭ ‬البشَرِ‭.‬

ومِن‭ ‬أَخطرِ‭ ‬العصبيَّةِ؛‭ ‬أَن‭ ‬يُقبَلَ‭ ‬القولُ‭ ‬لأَنَّ‭ ‬الشَّيخَ‭ ‬قالَهُ،‭ ‬ويُردَّ‭ ‬القولُ‭ ‬لأَنَّ‭ ‬مخالفَهُ‭ ‬قالَهُ،‭ ‬وأَن‭ ‬تُسوَّغَ‭ ‬تناقضاتُ‭ ‬المشهورِ،‭ ‬بينما‭ ‬تُفتَّشُ‭ ‬كلماتُ‭ ‬مخالفيهِ‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬الزَّلَّاتِ‭.‬

والعالمُ‭ ‬الرَّبانيُّ‭ ‬الحقُّ؛‭ ‬لا‭ ‬يصنعُ‭ ‬من‭ ‬تلامذتِهِ‭ ‬أَتباعًا‭ ‬لشخصِهِ،‭ ‬بلْ‭ ‬يربِّيهم‭ ‬على‭ ‬اتِّباعِ‭ ‬الدَّليلِ،‭ ‬وتعظيمِ‭ ‬الوحيِ،‭ ‬والعدلِ‭ ‬مع‭ ‬الموافقِ‭ ‬والمخالفِ،‭ ‬ومعرفَةِ‭ ‬أَقدارِ‭ ‬الرِّجالِ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬غلوٍّ‭ ‬ولا‭ ‬جفاءٍ‭.‬

عاشرًا‭- ‬حينَ‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬الجمعيَّةُ‭ ‬أَو‭ ‬المؤسَّسَةُ‭ ‬إلى‭ ‬غايَةٍ‭ ‬في‭ ‬ذاتِها‭:‬

وكذلكَ‭ ‬الجمعيَّاتُ‭ ‬والمؤسَّساتُ‭ ‬الدَّعويَّةُ‭ ‬والعلميَّةُ‭ ‬والخيريَّةُ؛‭ ‬هي‭ ‬وسائلُ‭ ‬لخدمَةِ‭ ‬الدِّينِ‭ ‬والنَّاسِ،‭ ‬وليستْ‭ ‬غاياتٍ‭ ‬مقدَّسَةً‭ ‬في‭ ‬ذاتِها‭.‬

فما‭ ‬دامتْ‭ ‬قائمَةً‭ ‬بالعلمِ‭ ‬والأَمانَةِ‭ ‬والشُّورى›‭ ‬والعدلِ،‭ ‬محقِّقَةً‭ ‬لمقاصدِها،‭ ‬حافظةً‭ ‬لأَموالِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬وحقوقِهم؛‭ ‬وجبَ‭ ‬دعمُها،‭ ‬والتَّعاونُ‭ ‬معها،‭ ‬وشكرُ‭ ‬العاملينَ‭ ‬فيها‭.‬

أَمَّا‭ ‬إذا‭ ‬تحوَّلَ‭ ‬حفظُ‭ ‬اسمِ‭ ‬المؤَسَّسَةِ‭ ‬وسمعتِها‭ ‬ومناصبِها‭ ‬إلى‭ ‬غايَةٍ،‭ ‬وصارَ‭ ‬التَّستُّرُ‭ ‬على‭ ‬الخللِ‭ ‬مقدَّمًا‭ ‬على‭ ‬إِصلاحِهِ،‭ ‬وصارَ‭ ‬نقدُها‭ ‬يُعَدُّ‭ ‬طعنًا‭ ‬في‭ ‬الدِّينِ؛‭ ‬فقد‭ ‬انقلبتِ‭ ‬الوسيلَةُ‭ ‬إلى‭ ‬غايَةٍ،‭ ‬وصارَ‭ ‬بقاءُ‭ ‬البناءِ‭ ‬أَهمَّ‭ ‬من‭ ‬تحقيقِ‭ ‬الرِّسالَةِ‭ ‬التي‭ ‬أُنشِئَ‭ ‬من‭ ‬أَجلِها‭.‬

فالمؤسَّسَةُ‭ ‬الإسلاميَّةُ‭ ‬تُحفَظُ‭ ‬بالحقِّ،‭ ‬لا‭ ‬بالتَّستُّرِ‭ ‬على‭ ‬الباطلِ،‭ ‬وتقوى‭ ‬بالمراجعَةِ‭ ‬والمحاسبَةِ،‭ ‬لا‭ ‬بصناعَةِ‭ ‬الهالَةِ‭ ‬حولَ‭ ‬القياداتِ‭ ‬والأَسماءِ‭.‬

القاعدَةُ‭ ‬الجامعَةُ‭:‬

‭- ‬القضيَّةُ‭ ‬العادلَةُ‭ ‬ننصرُها،‭ ‬ولا‭ ‬نجعلُها‭ ‬دِينًا‭ ‬مستقلًّا‭.‬

‭- ‬والجهادُ‭ ‬المشروعُ‭ ‬نؤيِّدُهُ،‭ ‬ولا‭ ‬نجعلُ‭ ‬كلَّ‭ ‬تصرُّفاتِ‭ ‬القائمينَ‭ ‬بهِ‭ ‬معصومَةً‭.‬

‭- ‬والحزبُ‭ ‬الصَّالحُ‭ ‬نتعاونُ‭ ‬معهُ،‭ ‬ولا‭ ‬نختزلُ‭ ‬الإسلامَ‭ ‬في‭ ‬تنظيمِهِ‭.‬

‭- ‬والعالِمُ‭ ‬نوقِّرُهُ،‭ ‬ولا‭ ‬نقدِّسُهُ‭.‬

‭- ‬والدَّاعيَةُ‭ ‬ننتفعُ‭ ‬بهِ،‭ ‬ولا‭ ‬نجعلُ‭ ‬شهرتَهُ‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬صوابِ‭ ‬كلِّ‭ ‬مواقفِهِ‭.‬

‭- ‬والمؤسَّسَةُ‭ ‬ندعمُها‭ ‬ما‭ ‬خدمتِ‭ ‬الحقَّ،‭ ‬ولا‭ ‬نخدمُ‭ ‬باطلَها‭ ‬من‭ ‬أَجلِ‭ ‬بقاءِ‭ ‬اسمِها‭.‬

‭= ‬فالإسلامُ‭ ‬هو‭ ‬الأَصلُ،‭ ‬والقضايا‭ ‬والجماعاتُ‭ ‬والمشروعاتُ‭ ‬والأَشخاصُ‭ ‬والمؤسَّساتُ‭ ‬وسائلُ‭ ‬لخدمتِهِ؛‭ ‬فما‭ ‬وافقَ‭ ‬الوحيَ‭ ‬منها‭ ‬قُبِلَ‭ ‬وشُكِرَ،‭ ‬وما‭ ‬خالفَهُ‭ ‬رُدَّ‭ ‬ونُصِحَ،‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬ظلمٍ‭ ‬ولا‭ ‬جحودٍ‭ ‬ولا‭ ‬عصبيَّةٍ‭.‬

ومَن‭ ‬عرفَ‭ ‬هذه‭ ‬القاعدَةَ‭:‬

أَحبَّ‭ ‬القضايا‭ ‬العادلَةَ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬غُلُوٍّ،‭ ‬ونصرَ‭ ‬الجماعاتِ‭ ‬الصَّالحَةَ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬تعصُّبٍ،‭ ‬ووقَّرَ‭ ‬العلماءَ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬تقديسٍ،‭ ‬وخدمَ‭ ‬المؤسَّساتِ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬عبوديَّةٍ‭ ‬لها،‭ ‬وبقيَ‭ ‬ولاؤُهُ‭ ‬الأَعلى‭ ‬$ِ ‬ولرسولِهِ‭ ‬وللحقِّ‭ ‬الذي‭ ‬أَنزلَهُ‭.‬

الحادي‭ ‬عشر‭- ‬آثارُ‭ ‬هذا‭ ‬الانحرافِ‭:‬

إذا‭ ‬استولى›‭ ‬هذا‭ ‬المنهَجُ‭ ‬على›‭ ‬جماعَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬مؤَسَّسَةٍ؛‭ ‬ظهرَتْ‭ ‬آثارُهُ‭ ‬الخطيرَةُ‭:‬

أَوَّلُها‭- ‬تهميشُ‭ ‬بقيَّةِ‭ ‬قضايا‭ ‬الأُمَّةِ‭:‬

فلا‭ ‬تكادُ‭ ‬تُذكَرُ‭ ‬عقيدَةٌ،‭ ‬ولا‭ ‬عبادَةٌ،‭ ‬ولا‭ ‬تربيَةٌ،‭ ‬ولا‭ ‬فسادٌ‭ ‬أَخلاقيٌّ،‭ ‬أَو‭ ‬اقتصاديٌّ،‭ ‬أَو‭ ‬اجتماعيٌّ؛‭ ‬إلَّا‭ ‬من‭ ‬خلالِ‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬المركزيَّةِ‭.‬

وثانيها‭- ‬سقوطُ‭ ‬العَدْلِ‭:‬

لأَنَّ‭ ‬الأَخطاءَ‭ ‬تُوزَنُ‭ ‬بأَسماءِ‭ ‬أَصحابِها،‭ ‬لا‭ ‬بحقائقِها‭.‬

وثالثُها‭- ‬تبريرُ‭ ‬الوسائِلِ‭ ‬المحرَّمَةِ‭:‬

من‭ ‬كذِبٍ،‭ ‬وتضليلٍ،‭ ‬وخيانَةٍ‭ ‬أَمانَةٍ،‭ ‬وتحالِفٍ‭ ‬محرَّمٍ،‭ ‬بحجَّةِ‭ ‬خدمَةِ‭ ‬القضيَّةِ‭.‬

ورابعُها‭- ‬صناعَةُ‭ ‬العقولِ‭ ‬الأُحاديَّةِ‭:‬

التي‭ ‬لا‭ ‬تعرفُ‭ ‬منَ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬إلَّا‭ ‬ملفًّا‭ ‬واحدًا،‭ ‬ولا‭ ‬ترى‭ ‬العالمَ‭ ‬إلَّا‭ ‬من‭ ‬خلالِهِ‭.‬

وخامسُها‭- ‬تمزيقُ‭ ‬الأُمَّةِ‭:‬

لأَنَّ‭ ‬ملايينَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬يُصنَّفونَ‭ ‬بحسَبِ‭ ‬موقفِهم‭ ‬من‭ ‬جماعَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬قرارٍ‭ ‬سياسيٍّ،‭ ‬بدَلَ‭ ‬أَن‭ ‬تجمعَهم‭ ‬أُخوَّةُ‭ ‬الإيمانِ‭. ‬قالَ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿إِنَّمَا‭ ‬الْمُؤْمِنُونَ‭ ‬إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].

وسادِسُها‭-‬‭ ‬إغلاقُ‭ ‬بابِ‭ ‬المراجعَةِ‭:‬

لأَنَّ‭ ‬النَّقدَ‭ ‬يصبَحُ‭ ‬خيانَةً،‭ ‬والنَّاصِحُ‭ ‬عدوًّا،‭ ‬والمراجعَةُ‭ ‬تراجعًا‭ ‬عنِ‭ ‬الثَّوابتِ‭.‬

وحينَ‭ ‬تُمنَعُ‭ ‬الجماعَةُ‭ ‬من‭ ‬نقدِ‭ ‬نفسِها؛‭ ‬تبدَأُ‭ ‬أَخطاؤُها‭ ‬صغيرَةً،‭ ‬ثم‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬إلى›‭ ‬منهَجٍ‭ ‬راسخٍ؛‭ ‬لأَنَّها‭ ‬لم‭ ‬تعدْ‭ ‬ترى›‭ ‬مرجعًا‭ ‬فوقَ‭ ‬تجربتِها‭.‬

الثَّاني‭ ‬عشر‭- ‬الضَّوابطُ‭ ‬الإسلاميَّةُ‭ ‬الصَّحيحَةُ‭:‬

الموقفُ‭ ‬المنهجيُّ‭ ‬العادِلُ‭ ‬يقومُ‭ ‬على›‭ ‬أُصُولٍ‭:‬

١-‭ ‬إعطاءُ‭ ‬كلِّ‭ ‬مسأَلَةٍ‭ ‬منزلتَها‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭:‬

فلا‭ ‬يُجعَلُ‭ ‬الفرَعُ‭ ‬أَصْلًا،‭ ‬ولا‭ ‬الاجتهاديُّ‭ ‬قطعيًّا،‭ ‬ولا‭ ‬المختلَفُ‭ ‬فيهِ‭ ‬مجمعًا‭ ‬عليهِ،‭ ‬ولا‭ ‬الواجِبُ‭ ‬الكفائيُّ‭ ‬وحدَهُ‭ ‬ممثِّلًا‭ ‬لجميعِ‭ ‬واجباتِ‭ ‬الدِّينِ‭.‬

٢-‭ ‬الفصْلُ‭ ‬بينَ‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬وحاملِها‭:‬

فعدالَةُ‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬عصمَةَ‭ ‬مَن‭ ‬يحملُها،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬خطأَ‭ ‬بعضِ‭ ‬حملتِها‭ ‬لا‭ ‬يُبطلُ‭ ‬أَصلَها‭.‬

ففلسطينُ‭ ‬حقٌّ؛‭ ‬ولو‭ ‬أَخطأَتْ‭ ‬حركةٌ‭ ‬فلسطينيَّةٌ،‭ ‬والعَدْلُ‭ ‬حقٌّ؛‭ ‬ولو‭ ‬ظلمَ‭ ‬بعضُ‭ ‬المتكلِّمينَ‭ ‬باسمِهِ،‭ ‬والدَّعوَةُ‭ ‬حقٌّ؛‭ ‬ولو‭ ‬انحرَفَ‭ ‬بعضُ‭ ‬الدُّعاةُ‭.‬

٣-‭ ‬الفصْلُ‭ ‬بينَ‭ ‬نُصرَةِ‭ ‬الحقِّ‭ ‬وتزكيَةِ‭ ‬الأَشخاصِ‭:‬

قدْ‭ ‬تنصُرُ‭ ‬مُسلمًا‭ ‬في‭ ‬مظلمتِهِ،‭ ‬ثم‭ ‬تخالفُهِ‭ ‬في‭ ‬بدعتِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬خطئِهِ‭.‬

وقدْ‭ ‬تدفَعُ‭ ‬عنهُ‭ ‬عدوانًا،‭ ‬ثم‭ ‬تنصحُهُ‭ ‬وترِدُّ‭ ‬عليهِ‭.‬

فالعَدْلُ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الموافقَةَ‭ ‬المطلقَةَ،‭ ‬والمخالفَةُ‭ ‬في‭ ‬مسأَلَةٍ‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬إسقاطَ‭ ‬جميعِ‭ ‬الحقوقِ‭.‬

٤-‭ ‬التَّعاونُ‭ ‬الجزئيُّ‭ ‬لا‭ ‬يقتضي‭ ‬الولاءَ‭ ‬المطلَقِ‭:‬

يجوزُ‭ ‬التَّعاونُ‭ ‬معَ‭ ‬شخَصٍ‭ ‬أَو‭ ‬جماعَةٍ‭ ‬في‭ ‬عمَلٍ‭ ‬مَشروعٍ،‭ ‬دونَ‭ ‬الموافقَةِ‭ ‬على›‭ ‬جميعِ‭ ‬أَفكارِها‭ ‬وسياساتِها،‭ ‬بشرطِ‭ ‬أَلَّا‭ ‬يكونَ‭ ‬التَّعاونُ‭ ‬إعانَةً‭ ‬على›‭ ‬إثمٍ‭ ‬أَو‭ ‬عدوانٍ‭.‬

٥-‭ ‬بقاءُ‭ ‬الشَّرْعِ‭ ‬فوْقَ‭ ‬القضيَّةِ‭:‬

فلا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬تُعطَّلَ‭ ‬العقيدَةُ‭ ‬من‭ ‬أَجلِ‭ ‬السِّياسَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬العدالَةُ‭ ‬من‭ ‬أَجْلِ‭ ‬المقاومَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬حقوقُ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬من‭ ‬أَجْلِ‭ ‬التَّحالفاتِ،‭ ‬ولا‭ ‬الصِّدْقُ‭ ‬من‭ ‬أَجْلِ‭ ‬الإعلامِ‭.‬

٦-‭ ‬فتحُ‭ ‬بابِ‭ ‬النَّقْدِ‭ ‬والمراجعَةِ‭:‬

فالمشروعُ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقبَلُ‭ ‬النُّصْحَ‭ ‬يتحوَّلُ‭ ‬معَ‭ ‬الزَّمنِ‭ ‬إلى›‭ ‬صنَمٍ‭ ‬تنظيميٍّ،‭ ‬والقيادَةُ‭ ‬التي‭ ‬تعتبِرُ‭ ‬مراجعَةَ‭ ‬قراراتِها‭ ‬خيانَةً؛‭ ‬تُهيِّئُ‭ ‬أَسبابَ‭ ‬فشلِها‭ ‬بيدِها‭.‬

٧-‭ ‬ضبْطُ‭ ‬الولاءِ‭ ‬والبراءِ‭ ‬بالوحْي‭:‬

فنحِبُّ‭ ‬المؤْمِنَ‭ ‬لإيمانِهِ‭ ‬وطاعتِهِ،‭ ‬ونكرَهُ‭ ‬ما‭ ‬عندَهُ‭ ‬من‭ ‬معصيَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬ظُلْمٍ،‭ ‬ولا‭ ‬نجعَلُ‭ ‬حركَةً،‭ ‬أَو‭ ‬شعارًا،‭ ‬أَو‭ ‬نازلَةً‭ ‬ميزانًا‭ ‬شامِلًا‭ ‬للحكْمِ‭ ‬على›‭ ‬جميعِ‭ ‬النَّاسِ‭.‬

الثَّالث‭ ‬عشر‭- ‬ليسَ‭ ‬المقصودُ‭ ‬التَّهوينَ‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الكُبرى›‭ ‬ولا‭ ‬هدمَ‭ ‬وسائلِ‭ ‬العمَلِ‭ ‬الإسلاميِّ‭:‬

‭ ‬ينبغي‭ ‬أَلَّا‭ ‬تُستعمَلَ‭ ‬هذِهِ‭ ‬المقالَةُ‭ ‬ذريعَةً‭ ‬إلى‭ ‬التَّخلِّي‭ ‬عن‭ ‬القضيَّةِ‭ ‬الفلسطينيَّةِ،‭ ‬أَو‭ ‬التَّهوينِ‭ ‬من‭ ‬الاحتلالِ‭ ‬والعدوانِ،‭ ‬أَو‭ ‬مساواةِ‭ ‬الظَّالمِ‭ ‬بالمظلومِ،‭ ‬أَو‭ ‬إدانَةِ‭ ‬المقاومَةِ‭ ‬المشروعَةِ‭ ‬من‭ ‬أَصلِها‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬تُتَّخذَ‭ ‬مبرِّرًا‭ ‬لتركِ‭ ‬الجهادِ‭ ‬المشروعِ،‭ ‬أَو‭ ‬إضعافِ‭ ‬العمَلِ‭ ‬الجماعيِّ‭ ‬والمؤسَّسيِّ،‭ ‬أَو‭ ‬الطَّعنِ‭ ‬في‭ ‬الأَحزابِ‭ ‬والمشروعاتِ‭ ‬الإسلاميَّةِ‭ ‬بإطلاقٍ،‭ ‬أَو‭ ‬إسقاطِ‭ ‬مكانَةِ‭ ‬العلماءِ‭ ‬والدُّعاةِ‭ ‬والمصلحينَ‭.‬

فالمقالَةُ‭ ‬لا‭ ‬تدعو‭ ‬إلى›‭ ‬هدْمِ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الأَعمالِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬ضبطِها‭ ‬بميزانِ‭ ‬الوحْي،‭ ‬ووضعِ‭ ‬كلِّ‭ ‬قضيَّةٍ‭ ‬وشخصٍ‭ ‬وجماعَةٍ‭ ‬ومؤَسَّسَةٍ‭ ‬في‭ ‬منزلتِها‭ ‬الشَّرعيَّةِ؛‭ ‬فلا‭ ‬تُظلَمُ،‭ ‬ولا‭ ‬تُهمَلُ،‭ ‬ولا‭ ‬تُرفَعُ‭ ‬فوقَ‭ ‬قدرِها‭.‬

‭- ‬فالحيادُ‭ ‬بين‭ ‬الظَّالمِ‭ ‬والمظْلومِ؛‭ ‬ليسَ‭ ‬عدْلًا‭.‬

‭- ‬والسُّكوتُ‭ ‬عن‭ ‬الاحتلالِ‭ ‬والعدوانِ؛‭ ‬ليسَ‭ ‬فقهًا‭.‬

‭- ‬وخذْلانُ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬تحتَ‭ ‬القصفِ‭ ‬والحصارِ؛‭ ‬ليسَ‭ ‬توسُّطًا‭.‬

‭- ‬والتَّقاعسُ‭ ‬عن‭ ‬نصرَةِ‭ ‬المستضعفينَ؛‭ ‬ليسَ‭ ‬حكمَةً‭.‬

‭- ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬تركَ‭ ‬العمَلِ‭ ‬الجماعيِّ‭ ‬والمؤَسَّسيِّ؛‭ ‬ليسَ‭ ‬إصلاحًا‭.‬

‭- ‬وإسقاطَ‭ ‬جهودِ‭ ‬الأَحزابِ‭ ‬والحركاتِ‭ ‬والجمعيَّاتِ‭ ‬بسبَبِ‭ ‬أَخطاءٍ‭ ‬تقَعُ‭ ‬فيها؛‭ ‬ليسَ‭ ‬إنصافًا‭.‬

‭- ‬والطَّعنَ‭ ‬في‭ ‬العلماءِ‭ ‬والدُّعاةِ‭ ‬لأَجلِ‭ ‬زلَّةٍ‭ ‬أَو‭ ‬اجتهادٍ؛‭ ‬ليسَ‭ ‬اتِّباعًا‭ ‬للحقِّ‭.‬

‭- ‬والتَّهوينَ‭ ‬من‭ ‬تضحياتِ‭ ‬المجاهدينَ‭ ‬والمصلحينَ؛‭ ‬ليسَ‭ ‬اعتدالًا‭.‬

ولكنَّ‭ ‬نصرَةَ‭ ‬القضايا‭ ‬العادلَةِ‭ ‬تكونُ‭ ‬بالحقِّ‭ ‬والعدْلِ‭ ‬والشَّرعِ،‭ ‬لا‭ ‬بتحويلِها‭ ‬إلى‭ ‬دينٍ‭ ‬مُوازٍ،‭ ‬ولا‭ ‬بإعطاءِ‭ ‬القائمينَ‭ ‬عليها‭ ‬عصمَةً،‭ ‬ولا‭ ‬بجعلِها‭ ‬مبرِّرًا‭ ‬لتعطيلِ‭ ‬بقيَّةِ‭ ‬حقوقِ‭ ‬اللهِ‭ ‬وحقوقِ‭ ‬العبادِ‭.‬

‭- ‬والجهادُ‭ ‬المشروعُ‭ ‬يُنصَرُ؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬يُضبَطُ‭ ‬بأَحكامِ‭ ‬الشَّريعَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُسوَّغُ‭ ‬باسمِهِ‭ ‬كلُّ‭ ‬وسيلَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬تحالفٍ‭.‬

‭- ‬والعمَلُ‭ ‬الجماعيُّ‭ ‬والمؤَسَّسيُّ‭ ‬يُدعَمُ؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬يبقى‭ ‬وسيلَةً‭ ‬لخدمَةِ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬لا‭ ‬غايَةً‭ ‬تُعطَّلُ‭ ‬لأَجلِ‭ ‬بقائِها‭ ‬المحاسبَةُ‭ ‬والشُّورى‭ ‬والنَّصيحَةُ‭.‬

‭- ‬والأَحزابُ‭ ‬والحركاتُ‭ ‬الإسلاميَّةُ؛‭ ‬يُشكَرُ‭ ‬صوابُها‭ ‬وتُحفَظُ‭ ‬جهودُها،‭ ‬ولا‭ ‬تُمنَحُ‭ ‬بسبَبِ‭ ‬ذلكَ‭ ‬عصمَةً‭ ‬من‭ ‬النَّقدِ‭ ‬والمراجعَةِ‭.‬

‭- ‬والعلماءُ‭ ‬والدُّعاةُ‭ ‬يُوقَّرونَ‭ ‬ويُعرَفُ‭ ‬فضلُهم؛‭ ‬لكنَّ‭ ‬أَقوالَهم‭ ‬واجتهاداتِهم‭ ‬تُعرَضُ‭ ‬على‭ ‬الكتابِ‭ ‬والسُّنَّةِ،‭ ‬ولا‭ ‬يُجعَلُ‭ ‬أَحدٌ‭ ‬منهم‭ ‬معيارًا‭ ‬مستقلًّا‭ ‬للحقِّ‭ ‬والباطلِ‭.‬

فالوسطُ‭ ‬الحقُّ؛‭ ‬هو‭ ‬أَن‭ ‬نعظِّمَ‭ ‬القضيَّةَ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬ما‭ ‬عظَّمَها‭ ‬الشَّرعُ،‭ ‬وأَن‭ ‬ننصُرَ‭ ‬المظْلُومَ،‭ ‬ونؤَيِّدَ‭ ‬الجهادَ‭ ‬المشروعَ،‭ ‬وندعَمَ‭ ‬العمَلَ‭ ‬الدَّعويَّ‭ ‬والجماعيَّ‭ ‬والمؤَسَّسيَّ،‭ ‬ونوقِّرَ‭ ‬العلماءَ‭ ‬والدُّعاةَ؛‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬أَن‭ ‬نختزلَ‭ ‬الإسلامَ‭ ‬في‭ ‬قضيَّةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬نجعَلَ‭ ‬جماعَةً‭ ‬مرادفَةً‭ ‬للأُمَّةِ،‭ ‬أَو‭ ‬نرفَعَ‭ ‬مؤَسَّسَةً‭ ‬فوقَ‭ ‬المحاسبَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬نمنحَ‭ ‬قائدًا،‭ ‬أَو‭ ‬عالمًا،‭ ‬أَو‭ ‬داعيَةً‭ ‬عصمَةً‭ ‬لا‭ ‬تكونُ‭ ‬إلَّا‭ ‬للأَنبياءِ‭ ‬عليهمِ‭ ‬الصَّلاةُ‭ ‬والسَّلامُ‭.‬

فالإسلامُ‭ ‬لا‭ ‬يُحفَظُ‭ ‬بهدْمِ‭ ‬وسائِلِ‭ ‬خدمتِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬بتقديسِها؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬يُحفَظُ‭ ‬بأَن‭ ‬تبقى‭ ‬جميعُ‭ ‬القضايا‭ ‬والجماعاتِ‭ ‬والمشروعاتِ‭ ‬والمؤَسَّساتِ‭ ‬والأَشخاصِ‭ ‬تحتَ‭ ‬سلطانِ‭ ‬الوحيِ،‭ ‬وميزانِ‭ ‬العَدْلِ‭ ‬والإنصافِ‭.‬

الخاتمَةُ‭:‬

إنَّ‭ ‬الإسلامَ‭ ‬أَكبرُ‭ ‬منَ‭ ‬الجماعاتِ،‭ ‬وأَبقى›‭ ‬منَ‭ ‬المؤَسَّساتِ،‭ ‬وأَوسَعُ‭ ‬منَ‭ ‬القضايا‭ ‬الجزئيَّةِ،‭ ‬وأَعْدَلُ‭ ‬منْ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُختزَلَ‭ ‬في‭ ‬موقفٍ‭ ‬سياسيٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬شعارٍ‭ ‬تنظيميِّ؛‭ ‬فالإسلامُ‭ ‬هو‭ ‬الأَصْلُ‭ ‬والغايَةُ،‭ ‬وه›ذِهِ‭ ‬الجماعاتُ‭ ‬والمؤَسَّساتُ‭ ‬والقضايا؛‭ ‬إنَّما‭ ‬هيَ‭ ‬وسائِلُ‭ ‬لخدمتِهِ،‭ ‬تُوزَنُ‭ ‬بميزانِهِ،‭ ‬وتُقبَلُ،‭ ‬أَو‭ ‬تُرَدُّ‭ ‬بقَدْرِ‭ ‬موافقتِها‭ ‬لَهُ‭.‬

فالقضيَّةُ‭ ‬العادلَةُ‭ ‬نخدمُها‭ ‬ولا‭ ‬نعْبُدُها،‭ ‬والجماعَةُ‭ ‬الصَّالحَةُ‭ ‬نتعاونُ‭ ‬معها‭ ‬ولا‭ ‬نعطيها‭ ‬العصمَةَ،‭ ‬والقائِدُ‭ ‬النَّافِعُ‭ ‬نوقِّرُهُ‭ ‬ولا‭ ‬نجعَلُ‭ ‬كلامَهُ‭ ‬معيارًا‭ ‬للدِّينِ،‭ ‬والمقاومَةُ‭ ‬المشروعَةُ‭ ‬ننصرُها‭ ‬ولا‭ ‬نبرِّرُ‭ ‬باسمِها‭ ‬كلَّ‭ ‬وسيلَةٍ‭ ‬أَو‭ ‬تحالُفٍ،‭ ‬ولا‭ ‬نُسقِطُ‭ ‬لأَجلِها‭ ‬أَحكامَ‭ ‬الشَّرْعِ‭ ‬وحقوقَ‭ ‬الأُمَّةِ‭.‬

ومَن‭ ‬جعَلَ‭ ‬الإسلامَ‭ ‬تابعًا‭ ‬لقضيَّتِهِ؛‭ ‬لم‭ ‬ينصُرِ‭ ‬الإسلامَ؛‭ ‬بلْ‭ ‬ضيَّقَ‭ ‬سعتَهُ،‭ ‬وشوَّهَ‭ ‬عدْلَهُ،‭ ‬وحوَّلَ‭ ‬الوحْيَ‭ ‬من‭ ‬ميزانٍ‭ ‬حاكمٍ‭ ‬إلى›‭ ‬أَداةٍ‭ ‬لتبريرِ‭ ‬المواقِفِ‭.‬

فالواجِبُ‭ ‬أَن‭ ‬تبقى›‭ ‬قضايا‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬كلُّها‭ ‬تحتَ‭ ‬ميزانِ‭ ‬الوحْي‭.‬

وأَن‭ ‬نقولَ‭ ‬للمحسنِ‭: ‬أَحسنْتَ،‭ ‬وللمخطئِ‭: ‬أَخطأْتَ‭.‬

وللمظْلُومِ‭: ‬نحنُ‭ ‬معكَ،‭ ‬وللظَّالمِ‭ - ‬ولو‭ ‬كانَ‭ ‬من‭ ‬جماعتِنا‭ -: ‬لا‭ ‬نعينُكَ‭ ‬على›‭ ‬ظُلمِكَ‭.‬

فاللَّهُمَّ! ‬ارزقنا‭ ‬بصيرَةً‭ ‬تُعرِّفنا‭ ‬مراتِبَ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬وعدْلًا‭ ‬لا‭ ‬يتغيَّرُ‭ ‬معَ‭ ‬الأَصدقاءِ‭ ‬والخصومِ،‭ ‬وصدْقًا‭ ‬يمنعُنا‭ ‬من‭ ‬تبريرِ‭ ‬الباطلِ‭ ‬باسمِ‭ ‬القضايا‭ ‬العادلَةِ؛‭ ‬واجعَلْ‭ ‬ولاءَنا‭ ‬لكَ‭ ‬ولرسولِكَ‭ ‬وللمؤْمنينَ،‭ ‬ولا‭ ‬تجعَلْ‭ ‬جماعاتِنا‭ ‬ومشاريعَنا‭ ‬حجابًا‭ ‬بيننا‭ ‬وبينَ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬واهدِنا‭ ‬لما‭ ‬اختُلِفَ‭ ‬فيهِ‭ ‬منَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬بإذنِكَ؛‭ ‬إنَّكَ‭ ‬تهدي‭ ‬مَن‭ ‬تشاءُ‭ ‬إلى›‭ ‬صراطٍ‭ ‬مستقيمٍ‭.. ‬آمين‭!‬

والحمدُ‭ $‬ِ‭ ‬الَّذي‭ ‬بنعمتِهِ‭ ‬تتمُّ‭ ‬الصَّالحاتُ‭.‬

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

٢٦ محرم ١٤٤٨هـ - ١٢/٧/٢٠٢٦م

***

Previous
Previous

رسالَةٌ‭ ‬علميَّةٌ‭ ‬إلى‭ ‬الشَّيخِ‭ ‬حاتمِ‭ ‬بنِ‭ ‬عارفٍ‭ ‬العونيِّ

Next
Next

‮»‬بينَ‭ ‬نُبْلِ‭ ‬الغايَةِ‭ ‬وطهارَةِ‭ ‬الوسيلَةِ‮«