»حينَ تتحوَّلُ القضيَّةُ إلى دِينٍ مُوازٍ«
خَطَرُ اختزالِ الإسلامِ في مسأَلَةٍ أَو جماعَةٍ أَو مشروعٍ
الحمدُ ،$ والصَّلاةُ والسَّلامُ على› رسولِ ا$، وعلى› آلهِ وصحبِهِ ومَن والاه، أَمَّا بعدُ:
أَخي المُسلِمَ اللَّبيبَ البَصير!
اعلمْ - وفَّقني ا$ُ وإيَّاكَ للعلْمِ والعدْلِ والبصيرَةِ - أَنَّ من أَخطرِ الانحرافاتِ المنهجيَّةِ في واقعِ العمَلِ الإسلاميِّ:
أَن تكونَ القضيَّةُ التي تتبنَّاها جماعَةٌ، أَو مؤَسَّسَةٌ، أَو شخصٌ؛ »قضيَّةً عادلَةً في أَصلِها، وربما كانَ الدِّفاعُ عنها واجبًا شرعيًّا« ثم يقعُ الغُلُوُّ فيها؛ حتَّى› تُختزَلَ رسالَةُ الإسلامِ كلُّها في هذِهِ القضيَّةِ، وتُهمَلَ لأَجلِها سائِرُ الواجباتِ والقضايا والنَّوازلِ، ويُجعَلَ الموقِفُ منها معيارًا وحيدًا للحكْمِ على إيمانِ النَّاسِ وصدقِهم وولائِهم وانتمائِهم إلى الأُمَّةِ.
بلْ قدْ يبلُغُ الغُلُوُّ ببعضِهم أَن يجعلوا دماءَ المسلمينَ في أَقطَارٍ أُخرى›، وحقوقَهم، وأَمنَهم، وعقائدَهم، وقضاياهم؛ كلَّها أَثمانًا مباحَةً في سبيلِ ه›ذِهِ القضيَّةِ التي اختزلوا فيها الإسلامَ والأُمَّةَ.
فيُهوِّنونَ من المذابحِ والجرائمِ الواقعَةِ على غيرِ أَصحابِها، أَو يصمتونَ عنها، أَو يلتمِسونَ لها المعاذيرَ؛ لأَنَّ مرتكبيها يقدِّمونَ دعمًا سياسيًّا، أَو عسكريًّا لقضيَّتِهم.
وعندئِذٍ تنتقِلُ القضيَّةُ من كونِها حقًّا يُنصَرُ بالحقِّ، إلى› ميزانٍ يُعادُ بهِ تشكيلُ الحلالِ والحرامِ، والعدْلِ والظُّلمِ، والولاءِ والبراءِ؛ فيصبِحُ الحليفُ بريئًا من جرائمِهِ ما دامَ يخدمُها، ويصبِحُ النَّاقدُ خائنًا ولو كانَ نصحُهُ قائمًا على الدَّليلِ والعدْلِ.
وهذا من أَخطرِ صُورِ مقولَةِ: »الغايَةُ تُبرِّرُ الوسيلَةَ«.
إذْ لا يجوزُ شرعًا أَن تُنصَرَ قضيَّةٌ عادلَةٌ بظُلمِ قضايا عادلَةٍ أُخرى›، ولا أَن تُحفَظَ دماءُ طائفَةٍ بإهدارِ دماءِ سائرِ المسلمينَ، ولا أَن يُستعانَ بعدوٍّ على› حسابِ عقيدَةِ الأُمَّةِ وأَمنِها وحقوقِها.
فالإسلامُ لا يَقبلُ أَن يُدفَعَ ظُلمٌ بظُلمٍ أَعظمَ منهُ، ولا أَن يُقامَ حقٌّ على› أَنقاضِ حقوقٍ أُخرى›.
قالَ ا$ تعالى›: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وهُنا لا يعودُ الخللُ في أَصلِ القضيَّةِ؛ بلْ في» المنزلَةِ التي أُعطيتْ لها« وفي الوظيفَةِ التي أُسندَتْ إليها:
- إذْ تتحوَّلُ من واجبٍ من واجباتِ الدِّينِ.. إلى› صُورَةٍ مختزلَةٍ للدِّينِ كلِّهِ.
- ومن مسأَلَةٍ تقبَلُ النَّظَرَ والاجتهادَ في وسائلِها.. إلى› أَصْلٍ يُوالَى› ويُعادَى› عليهِ.
وكأَنَّ مَن خالَفَ الجماعَةَ في تقديرِها، أَو وسائلِها قدْ خالفَ الإسلامَ نفسَهُ!
فالقضيَّةُ العادلَةُ لا تمنَحُ أَصحابَها حقَّ التَّضحيَةِ بالأُمَّةِ، ولا تجعَلُ أَعداءَ المسلمينَ أَولياءَ لمجرَّدِ دعمِهم المؤَقَّتِ لها.
ولكي تُوضَعَ ه›ذِهِ القضيَّةُ في ميزانِ الشَّريعَةِ الغرَّاءِ، وتُفهَمَ بعيدًا عن ضغُطِ الشِّعاراتِ، وغلبَةِ العواطِفِ، وتقديسِ الأَشخاصِ والجماعاتِ؛ فلا بُدَّ من تفكيكِها منهجيًّا، وبيانِ أُصولِها وضَوابطِها وآثارِها على النَّحوِ الآتي:
أَوَّلًا- الإسلامُ كلٌّ متكامِلٌ لا يُختزَلُ في قضيَّةٍ واحدَةٍ:
الإسلامُ؛ عقيدَةٌ، وشريعَةٌ، وأَخلاقٌ، وعباداتٌ، ومعاملاتٌ، وعدْلٌ، ورحمَةٌ، ودعوَةٌ، وإصلاحٌ.
وقدْ رَتَّبَ الشَّارعُ الحكيمُ أَحكامَهُ وواجباتِهِ؛ فليسَ كلُّ واجبٍ في رتبَةٍ واحدَةٍ، ولا كلُّ مسأَلَةٍ من أُصُولِ الدِّينِ، ولا كلُّ نازلَةٍ معيارًا للإيمانِ والكُفْرِ، أَو للولاءِ والبراءِ.
وقدْ أَنكرَ» القرآنُ الكريمُ« الانتقائيَّةَ في التَّعامُلِ معَ أَحكامِ الوحْي، فقالَ ا$ تعالى›:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].
فالخلَلُ المنهجيُّ يبدَأُ حينَ يُؤْخَذُ جانِبٌ من الدِّينِ ويُضخَّمُ، بينما تُهمَلُ جوانِبُ أُخرى› لا تقِلُّ عنهُ وجوبًا وأَثرًا؛ فيُرفَعُ شعارُ تحريرِ أَرضٍ، مثلًا، ثم يُسكَتُ عن ظُلمٍ، أَو قتلٍ، أَو خيانَةٍ، أَو فسادٍ صادِرٍ من الحلفاءِ، أَو يُدافَعُ عن العدالَةِ في موطِنٍ ويُبرَّرُ الظُّلمُ في موطنٍ آخرٍ.
ومن فقْهِ النُّبوَّةِ ترتيبُ الأَولويَّاتِ؛ فقدْ أَمرَ النَّبيُّ # معاذًا حينَ بعثَهُ إلى اليمنِ أَن يبدَأَ بالدَّعوَةِ إلى› توحيدِ ا$، ثم الصَّلاةِ، ثم الزكَّاةِ؛ فدَلَّ ذ›لكَ على› أَنَّ للدِّينِ مراتِبَ، وأَنَّ للواجباتِ أَولويَّاتٍ.
وأَنَّ الدَّاعيَةَ؛ لا يملِكُ أَن يُعيدَ ترتيبَ الشَّريعَةِ وفْقَ القضيَّةِ التي ينتمي إليها، أَو المشروعِ الذي يعمَلُ فيهِ.
ثانيًا- الفَرْقُ بينَ تعظيمِ القضيَّةِ والغُلُوِّ فيها:
ليسَ من الغُلُوِّ أَن تُعظِّمَ قضيَّةً عظيمَةً، أَو تبذَلَ جهدَكَ في تخصُّصٍ دعويٍّ، أَو علميٍّ، أَو إنسانيٍّ محدَّدٍ؛ فقدْ يتخصَّصُ بعضُ النَّاسِ في تعليمِ العقيدَةِ، وآخرونَ في الإغاثَةِ، وغيرُهم في الدِّفاعِ عن المظلومينَ، أَو رعايَةِ الأَيتامِ، أَو مقاومَةِ احتلالٍ.
وإنَّما يبدَأُ الغُلُوُّ حينَ تقَعُ التَّحوُّلاتُ الآتيَةِ:
١- أَن تتحوَّلَ القضيَّةُ الجزئيَّةُ .. إلى› تفسيرٍ شامِلٍ للإسلامِ.
٢- وأَن تتحوَّلَ الجماعَةُ الخادمَةُ للقضيَّةِ .. إلى› ممثِّلٍ حصريٍّ لها.
٣- وأَن تتحوَّلَ قراراتُ الجماعَةِ واجتهاداتُها.. إلى› أَحكامٍ شرعيَّةٍ مقدَّسَةٍ.
٤- وأَن يصبِحَ نقْدُ الوسائِلِ؛ خيانَةً للغاياتِ.
٥- وأَن يصبِحَ الموقِفُ من الجماعَةِ؛ هو عينَ الموقِفِ منَ الدِّينِ.
٦- وأَن يُوالَى النَّاسُ ويُعادَوا، ويُوثَّقوا ويُبدَّعوا؛ بحسَبِ قربِهم من ه›ذِهِ القضيَّةِ، أَو بُعدِهم عنها.
وقدْ تَبْلُغُ المبالغَةُ حَدًّا تُعامَلُ فيهِ القضيَّةُ معاملَةَ» المقدَّسِ المطلَقِ«؛ فلا تُنقَدُ وسائلُها، ولا تُراجَعُ تحالفاتُها، ولا يُسأَلُ عن نتائجِها، ولا يُسمَحُ لأَحَدٍ بمناقشَةِ القائمينَ عليها.
وليسَ المرادُ بلفظِ »الغلوِّ« هُنا الحكمَ على الأَعيانِ بالشِّركِ أَو الكفرِ، وإنَّما المرادُ وصفُ حالَةٍ منهجيَّةٍ تتجاوزُ فيها القضيَّةُ منزلتَها الشَّرعيَّةَ؛ فيُرفَعُ الاجتهادُ البَشريُّ الجزئيُّ إلى› منزلَةِ الأَمرِ المطلَقِ الذي لا يجوزُ نقدُهُ، أَو مراجعتُهُ، أَو مخالفتُهُ، ويُستدعَى الشَّرعُ لتبريرِ مواقفِهِ وخدمَةِ توجُّهاتِهِ؛ بدَلًا من أَن تُعرَضَ القضيَّةُ والقائمونَ عليها ووسائلُهم على ميزانِ الشَّرعِ والعَدْلِ.
ثالثًا -الولَاءُ والبراءُ عبادَةٌ للهِ تعالى لا أَداةٌ حزبيَّةٌ:
الولاءُ الشَّرْعيُّ لا يُبنَى› ابتداءً على الانتماءِ إلى› جماعَةِ، ولا على› تبنِّي قضيَّةٍ سياسيَّةٍ، ولا على› توقيرِ قائِدٍ أَو مؤَسَّسَةٍ؛ بلْ أَصلُهُ الإيمانُ با$ تعالى› ورَسُولِهِ # ومحبَّةُ المؤْمنينَ، ونُصرَةُ الحقِّ والعَدْلِ.
قالَ ا$ تعالى›: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].
فالآيَةُ جعلَتْ رابطَةَ الولايَةِ قائمَةً على الإيمانِ، ومقترنَةً بالأَمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المنكرِ؛ فلَمْ تجعَلِ المؤْمِنَ وليًّا لأَخيهِ مقتضيَةً أَن يسكُتَ عن خطئِهِ، أَو يبرِّرَ ظُلمَهُ، أَو يوافقَهُ في جميعِ سياساتِهِ ومواقفِهِ. قالَ النَّبيُّ #:
»مَنْ أَحَبَّ $ِ وأَبْغَضَ $ِ، وأَعْطَى› $ِ ومَنَعَ $ِ؛ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ«. [أبو داود: ٤٦٨١].
فالمعيارُ هو ا$ تعالى› وشرعُهُ، لا اسمُ الجماعَةِ، ولا رايتُها، ولا قائدُها؛ بلْ من تمامِ ولايَةِ المؤْمِنِ لأَخيهِ ونصرتِهِ لهُ :أَن ينصرَهُ إذا أَصابَ، وينصحَهُ إذا أَخطأَ، ويمنعَهُ من الظُّلْمِ إذا ظلَمَ.
قالَ» # انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَو مَظْلُومًا«.
فقالَ رَجُلٌ :يا رَسُولَ ا$ِ! أَنصُرُهُ إذا كانَ مَظلومًا، أَفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِمًا؛ كيفَ أَنصُرُهُ؟ قالَ:
»تَحْجُزُهُ - أَو تَمنَعُهُ - مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذ›لِكَ نَصْرُهُ« [البخاري: ٦٩٥٢].
وقدْ قرَّر شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ؛ أَنَّهُ لا يجوزُ نصبُ شخصٍ للأُمَّةِ - غيرِ النَّبيِّ # - يُوالَى› على› موافقتِهِ ويُعادَى› على› مخالفتِهِ، ولا نصبُ كلامٍ أَو نسبَةٍ حزبيَّةٍ تكونُ معيارًا لتفريقِ المسلمينَ؛ لأَنَّ هذا من أَفعالِ أَهلِ البدَعِ والفرقَةِ؛ فقالَ رحمه ا$:
)وليسَ لأَحَدٍ أَنْ ينصبَ للأُمَّةِ شخصًا يدعو إلى طريقتِهِ ويوالي ويعادي عليها غيرَ النَّبيِّ # ولا ينصبَ لهم كلامًا يوالي عليهِ ويعادي غيرَ كلامِ ا$ِ ورسولِهِ وما اجتمعَتْ عليهِ الأُمَّةُ؛ بلْ ه›ذا منْ فعلِ أَهلِ البدَعِ الذينَ ينصبونَ لهم شخصًا أَوْ كلامًا يفرِّقونَ بهِ بينَ الأُمَّةِ، يوالونَ بهِ على› ذ›لكَ الكلامِ أَوْ تلكَ النسبَةِ ويعادونَ). [مجموع الفتاوى - ج٢٠، ص١٦٤].
فإذا جعَلَتْ جماعَةٌ موقِفَ النَّاسِ من قائدِها أَو مشروعِها أَو قضيَّتِها؛ ميزانَ السُّنَّةِ والبِدْعََةِ، والإيمانِ والخيانَةِ؛ فقدْ نقلَتْ مِعيارَ الولاءِ من الوحْيِ إلى التَّنظيمِ، ومنَ الإسلامِ إلى الاجتهادِ البَشَريِّ.
رابعًا- القضيَّةُ العادلَةُ لا تُصحِّحُ كلَّ ما يُفعَلُ باسمِها:
من أَعظمِ الضَوابطِ في هذا البابِ قولُ ا$ِ تعالى›:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
فلَمْ يقُلِ ا$ تعالى›: تعاونوا معَ جماعتِكم في كلِّ شَيْءٍ، ولا تعاونوا معَ مَن يحمِلُ قضيَّتَكم ولو ظلمَ أَو خانَ أَو اعتدى›.
بلْ جعَلَ التَّعاونَ تابعًا لطبيعَةِ الفعْلِ نفسِهِ: فما كانَ برًّا وتقْوَى› أُعينَ عليهِ، وما كانَ إثمًا وعدوانًا حَرُمَتِ الإعانَةُ عليهِ، ولو صدَرَ من أَقربِ النَّاسِ وأَحبِّهم.
والمنهجُ الحقُّ يقولُ: نحنُ معَ الجماعَةِ فيما وافقَتْ فيهِ الحقَّ، ولسنا معها فيما خالفَتْ فيهِ الشَّرْعِ.
- فننصُرُ المظلومَ، ولا نبرِّرُ لهُ أَن يظلمَ غيرَهُ.
- وندافِعُ عن حقِّهِ، ولا نعطيهِ عصمَةً من الخطأِ.
- ونقِفُ معهُ أَمامَ عدوِّهِ، ولا نسكُتُ عن انحرافِهِ في العقيدَةِ، أَو السِّياسَةِ، أَو الأَخلاقِ.
فالحقُّ لا يُعرفُ بالرِّجالِ، والجماعاتُ لا تتحوَّلُ بخدمَةِ قضيَّةٍ عادلَةٍ إلى كياناتٍ معصومَةٍ.
خامسًا- العَدْلُ لا يسقِطُ عندَ نُصرَةِ الأَصدقاءِ:
من علاماتِ تضخيمِ القضيَّةِ؛ أَن يُصبِحَ أَتباعُها قادرينَ على› رؤيَةِ ظُلمِ الخصومِ، عاجزينَ عن رؤيَةِ ظُلمِ الحلفاءِ؛ فيُضخَّمُ خطأُ المخالِفِ، ويُهوَّنُ خطأُ الموافِقِ، ويُتثبَّتُ من كلِّ خبرٍ ضِدَّ الجماعَةِ؛ بينما تُقبَلُ الأَخبارُ ضِدَّ خصومِها بِلا بيِّنَةٍ!
وهذا خلافُ قولِ ا$ِ تعالى›: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].
فالعَدْلُ لا تظهَرُ حقيقتُهُ حينَ تحكمُ على› عدوِّكَ فحسبُ؛ بلْ حينَ تحكمُ على› نفسِكَ وأَقرَبِ النَّاسِ إليكَ.
قالَ تعالى›: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
فإذا كانَتْ عداوَةُ الخصمِ لا تُبيحُ ظُلمَهُ؛ فإنَّ محبَّةَ الصَّديقِ لا تُبيحُ تزكيتَهُ بالباطِلِ، ولا السُّكوتَ عن ظُلمِهِ وخطئِهِ.
ومن أَظهَرِ أَمثلَةِ هذا الخلَلِ المنهجيِّ:
موقِفُ بعضِ الجماعاتِ والأَفرادِ من» إيرانَ« والجماعاتِ المسلَّحَةِ المرتبطَةِ بها؛ فإنَّهم لمَّا رأَوْا دعمَها لقضيَّةِ »فلسطينَ« وبعضِ حركاتِ المقاومَةِ، جعلوا ه›ذا الموقِفَ حسنَةً كُبرى› تذوبُ أَمامَها سائِرُ الأَخطاءِ والجرائمِ؛ فكأَنَّ الوقوفَ معَ »فلسطينَ« يمنَحُ صاحبَهُ حصانَةً من النَّقدِ والمحاسبَةِ.
وله›ذا يتجاوزونَ عن سياساتٍ إقليميَّةٍ؛ أَضرَّتْ ببلادٍ إسلاميَّةٍ عديدَةٍ، وعن انتهاكاتٍ ارتكبتْها جماعاتٌ مسلَّحَةٌ حليفةٌ لإيرانَ في العراقِ؛ من قتلٍ خارجَ القضاءِ، وخطْفٍ، وتهجيرٍ، وتدميرٍ لممتلكاتِ المدنيِّينَ، كما يتجاوزونَ عن مساندَةِ إيرانَ وحلفائِها للنِّظامِ السُّوريِّ، وما صاحَبَ الحربَ من قتلٍ وتهجيرٍ ودمارٍ واسِعٍ، وعن انتهاكاتِ الحوثيِّينَ في اليمنِ؛ لأَنَّ هذِهِ القوى› ترفَعُ شعارَ مقاومَةِ المشروعِ الصَّهيونيِّ.
وقدْ يتغاضَوْنَ كذلكَ عن الخطابِ الطَّائفيِّ، وعن الطَّعنِ في الصَّحابَةِ الكرامِ وأُمَّهاتِ المؤْمنينَ إذا صدَرَ من بعضِ الأَفرادِ أَو المنابرِ المتحالفَةِ معهم، معَ أَنَّ الواجِبَ إنكارُ ه›ذا الباطلِ حيثما ظهَرَ.
ثمَّ إذا انتقَدَ عالِمٌ أَو داعيَةٌ سياسَةً من سياساتِ إيرانَ، أَو تحالفًا من تحالفاتِها، أَو جريمَةً ارتكبتْها جماعَةٌ مواليَةٌ لها؛ أَقاموا عليهِ الدُّنيا، واتَّهموهُ بخذلانِ فلسطينَ، أَو خدمَةِ المشروعِ الصَّهيونيِّ، أَو معاداةِ المقاومَةِ؛ وكأَنَّ نصرَةَ »فلسطينَ« لا تتمُّ إلَّا بالصَّمْتِ عن دماءِ المسلمينَ في العراقِ وسوريةَ واليمنِ ولبنانَ!
وهذا ميزانٌ مختلٌّ؛ لأَنَّ العدْلَ لا يتجزَّأ، ودمُ المسلمِ في »فلسطينَ« ليسَ أَكرمَ عندَ ا$ من دمِهِ في سوريةَ أَو العراقِ أَو اليمنِ، كما أَنَّ نصرَةَ المظلومِ في موطنٍ لا تُبيحُ إعانَةَ الظالمِ، أَو تبريرَ ظلمِهِ في موطنٍ آخر.
فالمنهجُ الشَّرعيُّ يقولُ: نَقبلُ منها كلَّ موقفٍ حقٍّ تنصرُ بهِ مظلومًا، ونشكرُ لها ذ›لكَ، ونردُّ عليها كلَّ باطلٍ أَو ظُلمٍ أَو عدوانٍ يصدِرُ عنها أَو عن حلفائِها؛ فلا تحملُنا الخصومَةُ معها على إنكارِ حسناتِها، ولا يحملُنا التَّعاونُ معها في حقٍّ على تبريرِ سيِّئاتِها.
فالقضيَّةُ الفلسطينيَّةُ لا تُطهِّرُ جرائمَ الحلفاءِ، ولا تجعلُ دماءَ بقيَّةِ المسلمينَ هامشيَّةً، ولا تمنحُ أَحدًا صكًّا مفتوحًا للظُّلمِ والهيمنَةِ والطائفيَّةِ؛ بلِ الحقُّ يُقبَلُ ممَّن جاءَ بهِ، والباطلُ يُرَدُّ على مَن صدَرَ منهُ، والعدْلُ واجِبٌ معَ الصَّديقِ والخصمِ على السَّواءِ.
سادسًا- القضيَّةُ الفلسطينيَّةُ؛ مثالٌ لا حصرٌ:
القضيَّةُ الفلسطينيَّةُ من أَعظَمِ قضايا المسلمينَ والإنسانيَّةِ في عصرِنا؛ فهيَ قضيَّةُ شعْبٍ تعرَّضَ للاحتلالِ، والتَّهجيرِ، والظُّلمِ؛ بلْ للإبادَةِ، وفي أَرضِها »المسجِدُ الأَقصى›«؛ أَحَدُ المساجِدِ الثَّلاثَةِ التي تُشَدُّ إليها الرِّحالُ، وقدْ وصَفَ ا$ ما حولَهُ بالبركَةِ؛ فقال تعالى›:
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].
فنُصرَةُ أَهلِ فلسطينَ، والدِّفاعُ عن حقوقِهم، ورفضُ العدوانِ والاحتلالِ، وإغاثَةُ المنكوبينَ منهم؛ كلُّ ذ›لكَ واجِبٌ على المسلمينَ بحسَبِ القُدْرَةِ والاستطاعَةِ، وهو من أَبوابِ البرِّ والعَدْلِ ونُصرَةِ المظَلومِ.
لكنَّ هذا كلَّهُ؛ لا يعني أَن تُختزلَ فلسطينُ في حركَةٍ واحدَةٍ، ولا أَن تُختزلَ الحركَةُ في قيادتِها، ولا أَن يُختزلَ الإسلامُ في الموقِفِ من ه›ذِهِ القيادَةِ.
ومن هُنا؛ يجِبُ التَّفريقُ بينَ أُمورٍ أَربعَةٍ:
فلسطينُ، والشَّعبُ الفلسطينيُّ، ومقاومَةُ الاحتلالِ، وحركاتُ المقاومَةِ.
فه›ذِهِ الأُمورُ بينها ارتباطٌ وثيقٌ، ولكنَّها ليسَتْ شيئًا واحدًا؛ ففلسطينُ أَوسَعُ من حركَةٍ، والشَّعْبُ الفلسطينيُّ أَوسَعُ من تنظيمٍ، ومقاومَةُ الاحتلالِ حقٌّ مشروعٌ لا تحتكرُهُ جماعَةٌ بعينِها.
فليسَ كلُّ مَن انتقدَ قرارًا سياسيًّا، أَو تحالفًا، أَو وسيلَةً اتَّخذتها إحْدى› حركاتِ المقاومَةِ؛ معاديًا لفلسطينَ، أَو خاذلًا لأَهلِها، كما أَنَّ كلَّ مَن نصرَ فلسطينَ لا يلزمُ أَن يكونَ موافقًا لتلكَ الحركاتِ في جميعِ اجتهاداتِها ومواقفِها وتحالفاتِها.
ويجوزُ للمسلمِ أَن يقولَ بوضوحٍ:
نحنُ معَ مقاومة في مقاومتِها للاحتلالِ ودفاعِها عن أَهلِ فلسطينَ، ونُصرَةِ المظلومينَ، ولسنا ملزمينَ شرعًا بتصويبِ كلِّ قراراتِها، أَو تحالفاتِها، أَو مواقفِها، أَو وسائلِها.
فعدالةُ القضيَّةِ؛ لا تعني عصمَةَ كلِّ مَن ينتسبُ إليها، ولا صحَّةَ كلِّ قولٍ يُرفَعُ باسمِها، ولا جوازَ كلِّ وسيلَةٍ تُتَّخذُ لنُصرتِها، ولا أَن تتحوَّلَ إلى الميزانِ الوحيدِ الذي تُوزَنُ بهِ عقائِدُ النَّاسِ ومناهجُهم ومواقفُهم.
كما لا يجوزُ أَن تُستعمَلَ فلسطينُ مبرِّرًا للتَّنازلِ عن أَصلٍ عقديٍّ، أَو السُّكوتِ عن دماءِ المسلمينَ في بلادٍ أُخرى›، أَو التَّعاونِ على ظُلمٍ وعدوانٍ، أَو تبريرِ جرائمِ حليفٍ سياسيٍّ بحجَّةِ دعمِهِ للمقاومَةِ؛ فإنَّ الظُّلمَ لا يصيرُ عدْلًا بتغيُّرِ فاعلِهِ، والباطِلَ لا يصيرُ حقًّا؛ لأَنَّ صاحبَهُ نصَرَ قضيَّةً عادلَةً في موضعٍ آخرَ.
والقاعدُةُ الجامعَةُ في ذلكَ:
أنَّ القضيَّةَ العادلَةَ نخدمُها ولا نقدِّسُها، وننصرُ أَهلَها ولا نمنحُ أَحدًا باسمِها العصمَةَ، ونفرِّقُ بينَ حقِّ الشَّعبِ المظلومِ، وبينَ اجتهاداتِ الحركاتِ والجماعاتِ والقياداتِ البشَّريَّةِ التي تُصيبُ وتخطئُ؛ فتُشكَرُ على صوابِها، وتُناصَحُ في خطئِها، ويُقبَلُ منها ما وافقَ الشَّرعَ، ويُردُّ عليها ما خالفَهُ.
فالقضيَّةُ الفلسطينيَّةُ: تخضعُ للإسلامِ، ولا يخضَعُ الإسلامُ لها؛ وتُخدَمُ بأَحكامِ الشَّريعَةِ، ولا تُعطَّلُ أَحكامُ الشَّريعَةِ باسمِها.
ولا يجوزُ أَن تتحوَّلَ إلى دينٍ موازٍ يُوالَى ويُعادَى› عليهِ، أَو تُلغَى› بسببَهِ بقيَّةُ قضايا المسلمينَ وحقوقِهم ودمائِهم.
وليسَتْ فلسطينُ وحدَها المقصودَةَ بهذِهِ القاعدَةِ؛ بلْ هيَ مثالٌ ظاهرٌ على خطَرِ الاختزالِ، والحكمُ يشمِلُ كلَّ قضيَّةٍ، أَو جماعَةٍ، أَو مشروعٍ، أَو شخصٍ يُرفَعُ فوقَ منزلتِهِ؛ حتَّى› يكادَ يتحوَّلُ في نفوسِ أَتباعِهِ إلى› دينٍ موازٍ، تُعطَّلُ لأَجلِهِ موازينُ الوحيِ والعَدْلِ والإنصافِ.
وليسَ »اختزالُ الإسلامِ« خاصًّا بالقضيَّةِ الفلسطينيَّةِ؛ بلْ هو انحرافٌ منهجيٌّ قدْ يقعُ فيهِ أَطرافُ الخصومَةِ جميعًا، كلٌّ بحسَبِ تعصُّبِهِ وغُلُوِّهِ وطريقتَهِ في النَّظَرِ والحكمِ:
- فطائفَةٌ تجعَلُ الموقِفَ منَ المقاومَةِ معيارَ الدِّينِ، وكأَنَّ مَن خالفَها في وسيلَةٍ، أَو توقيتٍ، أَو تحالفٍ؛ قدْ خانَ الإسلامَ.
- وطائفَةٌ تجعَلُ طاعَةَ الحاكمِ المسأَلَةَ الكُبرى› في الإسلامِ؛ حتَّى› تكادَ تختزلُ الدِّينَ فيها، وتزِنُ العلماءَ والدُّعاةَ بمدى› موافقتِهم لها.
- وطائفَةٌ تجعَلُ الخروجَ على الحاكمِ، أَو الثَّورَةَ عليهِ؛ ميزانَ الصِّدْقِ والشَّجاعَةِ؛ فكلُّ مَن راعى القُدْرَةَ والمآلاتِ عندَها جبانٌ، أَو مداهِنٌ.
- وطائفَةٌ تجعَلُ موقفَ النَّاسِ من شيخٍ، أَو داعيَةٍ، أَو حزْبٍ؛ معيارًا للسُّنَّةِ والبِدْعَةِ.
- ومؤَسَّسَةٌ تجعَلُ المحافظَةَ على› وحدتِها؛ مُبرِّرًا لإخفاءِ الفسادِ، وإسْكاتِ النَّاصحينَ، ومنْعِ المحاسبَةِ.
وهكذا تختلفُ القضايا، ويبقى المرضُ واحدًا: تحويلُ الاجتهادِ البَشريِّ إلى› أَصلٍ دينيٍّ، وتحويلُ التَّنظيمِ إلى› جماعَةِ المسلمينَ، وتحويلُ المخالفَةِ إلى› خيانَةِ.
سابعًا- حينَ يُختزَلُ الإسلامُ في الجهادِ والمقاومَةِ:
الجهادُ في سبيلِ ا$ ذروةُ سنامِ الإسلامِ، وشعيرَةٌ عظيمَةٌ من شعائرِ الدِّينِ، والدِّفاعُ عن الدِّينِ والأَرضِ والعِرضِ والبلادِ، وردُّ المعتدي، وحمايَةُ المستضعفينَ؛ من أَشرفِ الأَعمالِ إذا قامَ على العلمِ والشَّرعِ والعدْلِ، ورُوعِيَتْ فيهِ شروطُهُ وضوابطُهُ ومآلاتُهُ.
والمجاهدونَ الصَّادقونَ؛ الذينَ بذلوا دماءَهم وأَموالَهم دفاعًا عن أَوطانِهم وأَعراضِهم، وتحريرًا لأَرضِهم من المحتلِّ والمعتدي؛ لهم حقُّ النُّصرةِ والدُّعاءِ والتَّقديرِ، ولا يجوزُ جحدُ فضلِهم، أَو التَّهوينُ من تضحياتِهم.
لكنَّ الجهادَ بابٌ من أَبوابِ الإسلامِ، وليسَ هو الإسلامَ كلَّهُ؛ فالإسلامُ عقيدَةٌ وعبادَةٌ، وعلمٌ ودعوَةٌ، وأَخلاقٌ وعدْلٌ، وتربيَةٌ وإِصلاحٌ، وأَمرٌ بالمعروفِ ونهيٌ عن المنكرِ، وقيامٌ بحقوقِ الخالقِ والخلقِ.
ومِنَ الخللِ أَن يتحوَّلَ حملُ السِّلاحِ وحدَهُ إلى معيارِ الإيمانِ والصِّدقِ، وأَن يُحتقَرَ العلماءُ والمربُّونَ والدُّعاةُ والمصلحونَ، وأَن يُتَّهَمَ كلُّ مَن ناقشَ وسيلَةً، أَو خطَّةً، أَو تحالفًا؛ بأَنَّهُ يُحاربُ الجهادَ، أَو يخذلُ المجاهدينَ.
فالجهادُ المشروعُ يُنصَرُ؛ لكنَّهُ لا يعصمُ أَفرادَهُ وقياداتِهِ من الخطإِ، ولا يجعلُ كلَّ اجتهادٍ عسكريٍّ حكمًا شرعيًّا مقدَّسًا، ولا يُبيحُ الظُّلمَ، ولا نقضَ العهودِ، ولا الاعتداءَ على الأَبرياءِ، ولا تعطيلَ بقيَّةِ أَحكامِ الشَّريعَةِ.
ومَن جعلَ الجهادَ ذريعَةً لإِسقاطِ العلمِ والشُّورى والعدْلِ وفقهِ المآلاتِ؛ فقدْ يضرُّ بالجهادِ وهو يظنُّ أَنَّهُ ينصرُهُ، ويحمِّلُ هذِهِ الشَّعيرَةَ العظيمَةَ أَخطاءَ البشَرِ وسوءَ اجتهاداتِهم.
ثامنًا- حينَ يتحوَّلُ الحزبُ أَو المشروعُ الإسلاميُّ إلى دِينٍ موازٍ:
وقد يقعُ الاختزالُ في »الحزبِ أَو الحركَةِ أَو المشروعِ الإسلاميِّ«؛ فيظنُّ بعضُ المنتسبينَ إليهِ أَنَّ جماعتَهُم هي الإسلامُ، وأَنَّ تاريخَها هو تاريخُ الدَّعوَةِ، وأَنَّ قيادتَها هي المرجعيَّةُ التي لا تُراجَعُ، وأَنَّ مصلحتَها هي مصلحَةُ الأُمَّةِ كلِّها.
ولا شكَّ أَنَّ كثيرًا من الأَحزابِ والحركاتِ والمشروعاتِ الإسلاميَّةِ؛ قدْ قامَتْ بجهودٍ معتبرَةٍ في الدَّعوَةِ والتَّربيَةِ والإِصلاحِ، وحفظِ هويَّةِ المسلمينَ، ومقاومَةِ الظُّلمِ والاستبدادِ، والمشاركَةِ في الشَّأْنِ العامِّ، وقدَّمَتْ تضحياتٍ لا يجوزُ جحدُها.
لكنَّ الحزبَ وسيلَةٌ لا غايَةٌ، والمشروعَ البَشريَّ اجتهادٌ لا وحيٌ، والقيادَةَ أَمانَةٌ لا عصمَةٌ، والانتسابَ إلى جماعَةٍ لا يجعلُ صاحبَهَا أَقربَ إلى الحقِّ من غيرِهِ؛ إلَّا بقدْرِ علمِهِ وتقواهُ واستقامتِهِ.
فإذا صارَ الولاءُ للحزبِ مقدَّمًا على الولاءِ للحقِّ، وصارَ خطأُ القيادَةِ يُبرَّرُ، ونقدُها يُجرَّمُ، ومخالفُها يُتَّهَمُ في دينِهِ ونيَّتِهِ، وحُجِبَتْ محاسبتُها باسمِ وحدَةِ الصَّفِّ؛ فقدْ تحوَّلَ المشروعُ من خادمٍ للإسلامِ إلى منافسٍ لهُ في الولاءِ والطَّاعَةِ.
والحزبُ الإسلاميُّ الرَّاشدُ؛ هو الذي يربِّي أَتباعَهُ على› أَنَّ الحقَّ أَكبرُ منهُ، وأَنَّ الأُمَّةَ أَوسعُ من تنظيمِهِ، وأَنَّ الإسلامَ باقٍ ولو زالَ الحزبُ، وأَنَّ نقدَ الخطإ نصيحَةٌ لا خيانَةٌ، وأَنَّ الاعترافَ بالتَّقصيرِ قوَّةٌ لا هزيمَةٌ.
تاسعًا- حينَ يتحوَّلُ العالِمُ أَو الدَّاعيَةُ إلى معيارٍ للدِّينِ:
وقد يقعُ الاختزالُ في شخصِ» عالِمٍ أَو داعيَةٍ أَو قائدٍ مشهورٍ«؛ فيتحوَّلُ عندَ بعضِ محبِّيهِ من عالِمٍ يُستفادُ منهُ ويُدعى لهُ إلى معيارٍ يُعرَفُ بهِ الحقُّ والباطلُ، ويُوالَى النَّاسُ ويُعادَونَ بحسبِ قربِهم منهُ أَو مخالفتِهم لهُ.
ولا شكَّ أَنَّ للعلماءِ والدُّعاةِ والمربِّينَ حقوقًا عظيمَةً؛ من التَّوقيرِ، وحفظِ المكانَةِ، ومعرفَةِ الفضلِ، والدِّفاعِ عن أَعراضِهم منَ البهتانِ، والتِّماسِ العذرِ لهم فيما يسوغُ فيهِ الاجتهادُ.
لكنَّ توقيرَ العلماءِ لا يعني تقديسَهم، ومحبتَهم لا تعني اتِّباعَهم في الخطإِ، والدِّفاعَ عنهم لا يعني ردَّ الأَدلَّةِ الصَّحيحَةِ أَو الطَّعنَ في كلِّ ناصحٍ لهم.
فكلُّ عالِمٍ يُؤخَذُ من قولِهِ ويُترَكُ؛ إلَّا رَسُولَ ا$ِ # ولا قداسَةَ إلَّا للوحيِ، ولا عصمَةَ بعدَ الأَنبياءِ لأَحدٍ منَ البشَرِ.
ومِن أَخطرِ العصبيَّةِ؛ أَن يُقبَلَ القولُ لأَنَّ الشَّيخَ قالَهُ، ويُردَّ القولُ لأَنَّ مخالفَهُ قالَهُ، وأَن تُسوَّغَ تناقضاتُ المشهورِ، بينما تُفتَّشُ كلماتُ مخالفيهِ بحثًا عن الزَّلَّاتِ.
والعالمُ الرَّبانيُّ الحقُّ؛ لا يصنعُ من تلامذتِهِ أَتباعًا لشخصِهِ، بلْ يربِّيهم على اتِّباعِ الدَّليلِ، وتعظيمِ الوحيِ، والعدلِ مع الموافقِ والمخالفِ، ومعرفَةِ أَقدارِ الرِّجالِ من غيرِ غلوٍّ ولا جفاءٍ.
عاشرًا- حينَ تتحوَّلُ الجمعيَّةُ أَو المؤسَّسَةُ إلى غايَةٍ في ذاتِها:
وكذلكَ الجمعيَّاتُ والمؤسَّساتُ الدَّعويَّةُ والعلميَّةُ والخيريَّةُ؛ هي وسائلُ لخدمَةِ الدِّينِ والنَّاسِ، وليستْ غاياتٍ مقدَّسَةً في ذاتِها.
فما دامتْ قائمَةً بالعلمِ والأَمانَةِ والشُّورى› والعدلِ، محقِّقَةً لمقاصدِها، حافظةً لأَموالِ المسلمينَ وحقوقِهم؛ وجبَ دعمُها، والتَّعاونُ معها، وشكرُ العاملينَ فيها.
أَمَّا إذا تحوَّلَ حفظُ اسمِ المؤَسَّسَةِ وسمعتِها ومناصبِها إلى غايَةٍ، وصارَ التَّستُّرُ على الخللِ مقدَّمًا على إِصلاحِهِ، وصارَ نقدُها يُعَدُّ طعنًا في الدِّينِ؛ فقد انقلبتِ الوسيلَةُ إلى غايَةٍ، وصارَ بقاءُ البناءِ أَهمَّ من تحقيقِ الرِّسالَةِ التي أُنشِئَ من أَجلِها.
فالمؤسَّسَةُ الإسلاميَّةُ تُحفَظُ بالحقِّ، لا بالتَّستُّرِ على الباطلِ، وتقوى بالمراجعَةِ والمحاسبَةِ، لا بصناعَةِ الهالَةِ حولَ القياداتِ والأَسماءِ.
القاعدَةُ الجامعَةُ:
- القضيَّةُ العادلَةُ ننصرُها، ولا نجعلُها دِينًا مستقلًّا.
- والجهادُ المشروعُ نؤيِّدُهُ، ولا نجعلُ كلَّ تصرُّفاتِ القائمينَ بهِ معصومَةً.
- والحزبُ الصَّالحُ نتعاونُ معهُ، ولا نختزلُ الإسلامَ في تنظيمِهِ.
- والعالِمُ نوقِّرُهُ، ولا نقدِّسُهُ.
- والدَّاعيَةُ ننتفعُ بهِ، ولا نجعلُ شهرتَهُ دليلًا على صوابِ كلِّ مواقفِهِ.
- والمؤسَّسَةُ ندعمُها ما خدمتِ الحقَّ، ولا نخدمُ باطلَها من أَجلِ بقاءِ اسمِها.
= فالإسلامُ هو الأَصلُ، والقضايا والجماعاتُ والمشروعاتُ والأَشخاصُ والمؤسَّساتُ وسائلُ لخدمتِهِ؛ فما وافقَ الوحيَ منها قُبِلَ وشُكِرَ، وما خالفَهُ رُدَّ ونُصِحَ، من غيرِ ظلمٍ ولا جحودٍ ولا عصبيَّةٍ.
ومَن عرفَ هذه القاعدَةَ:
أَحبَّ القضايا العادلَةَ من غيرِ غُلُوٍّ، ونصرَ الجماعاتِ الصَّالحَةَ من غيرِ تعصُّبٍ، ووقَّرَ العلماءَ من غيرِ تقديسٍ، وخدمَ المؤسَّساتِ من غيرِ عبوديَّةٍ لها، وبقيَ ولاؤُهُ الأَعلى $ِ ولرسولِهِ وللحقِّ الذي أَنزلَهُ.
الحادي عشر- آثارُ هذا الانحرافِ:
إذا استولى› هذا المنهَجُ على› جماعَةٍ، أَو مؤَسَّسَةٍ؛ ظهرَتْ آثارُهُ الخطيرَةُ:
أَوَّلُها- تهميشُ بقيَّةِ قضايا الأُمَّةِ:
فلا تكادُ تُذكَرُ عقيدَةٌ، ولا عبادَةٌ، ولا تربيَةٌ، ولا فسادٌ أَخلاقيٌّ، أَو اقتصاديٌّ، أَو اجتماعيٌّ؛ إلَّا من خلالِ القضيَّةِ المركزيَّةِ.
وثانيها- سقوطُ العَدْلِ:
لأَنَّ الأَخطاءَ تُوزَنُ بأَسماءِ أَصحابِها، لا بحقائقِها.
وثالثُها- تبريرُ الوسائِلِ المحرَّمَةِ:
من كذِبٍ، وتضليلٍ، وخيانَةٍ أَمانَةٍ، وتحالِفٍ محرَّمٍ، بحجَّةِ خدمَةِ القضيَّةِ.
ورابعُها- صناعَةُ العقولِ الأُحاديَّةِ:
التي لا تعرفُ منَ الإسلامِ إلَّا ملفًّا واحدًا، ولا ترى العالمَ إلَّا من خلالِهِ.
وخامسُها- تمزيقُ الأُمَّةِ:
لأَنَّ ملايينَ المسلمينَ يُصنَّفونَ بحسَبِ موقفِهم من جماعَةٍ، أَو قرارٍ سياسيٍّ، بدَلَ أَن تجمعَهم أُخوَّةُ الإيمانِ. قالَ تعالى›: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
وسادِسُها- إغلاقُ بابِ المراجعَةِ:
لأَنَّ النَّقدَ يصبَحُ خيانَةً، والنَّاصِحُ عدوًّا، والمراجعَةُ تراجعًا عنِ الثَّوابتِ.
وحينَ تُمنَعُ الجماعَةُ من نقدِ نفسِها؛ تبدَأُ أَخطاؤُها صغيرَةً، ثم تتحوَّلُ إلى› منهَجٍ راسخٍ؛ لأَنَّها لم تعدْ ترى› مرجعًا فوقَ تجربتِها.
الثَّاني عشر- الضَّوابطُ الإسلاميَّةُ الصَّحيحَةُ:
الموقفُ المنهجيُّ العادِلُ يقومُ على› أُصُولٍ:
١- إعطاءُ كلِّ مسأَلَةٍ منزلتَها الشَّرعيَّةِ:
فلا يُجعَلُ الفرَعُ أَصْلًا، ولا الاجتهاديُّ قطعيًّا، ولا المختلَفُ فيهِ مجمعًا عليهِ، ولا الواجِبُ الكفائيُّ وحدَهُ ممثِّلًا لجميعِ واجباتِ الدِّينِ.
٢- الفصْلُ بينَ القضيَّةِ وحاملِها:
فعدالَةُ القضيَّةِ لا تعني عصمَةَ مَن يحملُها، كما أَنَّ خطأَ بعضِ حملتِها لا يُبطلُ أَصلَها.
ففلسطينُ حقٌّ؛ ولو أَخطأَتْ حركةٌ فلسطينيَّةٌ، والعَدْلُ حقٌّ؛ ولو ظلمَ بعضُ المتكلِّمينَ باسمِهِ، والدَّعوَةُ حقٌّ؛ ولو انحرَفَ بعضُ الدُّعاةُ.
٣- الفصْلُ بينَ نُصرَةِ الحقِّ وتزكيَةِ الأَشخاصِ:
قدْ تنصُرُ مُسلمًا في مظلمتِهِ، ثم تخالفُهِ في بدعتِهِ، أَو خطئِهِ.
وقدْ تدفَعُ عنهُ عدوانًا، ثم تنصحُهُ وترِدُّ عليهِ.
فالعَدْلُ لا يعني الموافقَةَ المطلقَةَ، والمخالفَةُ في مسأَلَةٍ لا تعني إسقاطَ جميعِ الحقوقِ.
٤- التَّعاونُ الجزئيُّ لا يقتضي الولاءَ المطلَقِ:
يجوزُ التَّعاونُ معَ شخَصٍ أَو جماعَةٍ في عمَلٍ مَشروعٍ، دونَ الموافقَةِ على› جميعِ أَفكارِها وسياساتِها، بشرطِ أَلَّا يكونَ التَّعاونُ إعانَةً على› إثمٍ أَو عدوانٍ.
٥- بقاءُ الشَّرْعِ فوْقَ القضيَّةِ:
فلا يجوزُ أَن تُعطَّلَ العقيدَةُ من أَجلِ السِّياسَةِ، ولا العدالَةُ من أَجْلِ المقاومَةِ، ولا حقوقُ المسلمينَ من أَجْلِ التَّحالفاتِ، ولا الصِّدْقُ من أَجْلِ الإعلامِ.
٦- فتحُ بابِ النَّقْدِ والمراجعَةِ:
فالمشروعُ الذي لا يقبَلُ النُّصْحَ يتحوَّلُ معَ الزَّمنِ إلى› صنَمٍ تنظيميٍّ، والقيادَةُ التي تعتبِرُ مراجعَةَ قراراتِها خيانَةً؛ تُهيِّئُ أَسبابَ فشلِها بيدِها.
٧- ضبْطُ الولاءِ والبراءِ بالوحْي:
فنحِبُّ المؤْمِنَ لإيمانِهِ وطاعتِهِ، ونكرَهُ ما عندَهُ من معصيَةٍ أَو ظُلْمٍ، ولا نجعَلُ حركَةً، أَو شعارًا، أَو نازلَةً ميزانًا شامِلًا للحكْمِ على› جميعِ النَّاسِ.
الثَّالث عشر- ليسَ المقصودُ التَّهوينَ من القضايا الكُبرى› ولا هدمَ وسائلِ العمَلِ الإسلاميِّ:
ينبغي أَلَّا تُستعمَلَ هذِهِ المقالَةُ ذريعَةً إلى التَّخلِّي عن القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ، أَو التَّهوينِ من الاحتلالِ والعدوانِ، أَو مساواةِ الظَّالمِ بالمظلومِ، أَو إدانَةِ المقاومَةِ المشروعَةِ من أَصلِها.
كما لا يجوزُ أَن تُتَّخذَ مبرِّرًا لتركِ الجهادِ المشروعِ، أَو إضعافِ العمَلِ الجماعيِّ والمؤسَّسيِّ، أَو الطَّعنِ في الأَحزابِ والمشروعاتِ الإسلاميَّةِ بإطلاقٍ، أَو إسقاطِ مكانَةِ العلماءِ والدُّعاةِ والمصلحينَ.
فالمقالَةُ لا تدعو إلى› هدْمِ هذِهِ الأَعمالِ، وإنَّما تدعو إلى ضبطِها بميزانِ الوحْي، ووضعِ كلِّ قضيَّةٍ وشخصٍ وجماعَةٍ ومؤَسَّسَةٍ في منزلتِها الشَّرعيَّةِ؛ فلا تُظلَمُ، ولا تُهمَلُ، ولا تُرفَعُ فوقَ قدرِها.
- فالحيادُ بين الظَّالمِ والمظْلومِ؛ ليسَ عدْلًا.
- والسُّكوتُ عن الاحتلالِ والعدوانِ؛ ليسَ فقهًا.
- وخذْلانُ المسلمينَ تحتَ القصفِ والحصارِ؛ ليسَ توسُّطًا.
- والتَّقاعسُ عن نصرَةِ المستضعفينَ؛ ليسَ حكمَةً.
- كما أَنَّ تركَ العمَلِ الجماعيِّ والمؤَسَّسيِّ؛ ليسَ إصلاحًا.
- وإسقاطَ جهودِ الأَحزابِ والحركاتِ والجمعيَّاتِ بسبَبِ أَخطاءٍ تقَعُ فيها؛ ليسَ إنصافًا.
- والطَّعنَ في العلماءِ والدُّعاةِ لأَجلِ زلَّةٍ أَو اجتهادٍ؛ ليسَ اتِّباعًا للحقِّ.
- والتَّهوينَ من تضحياتِ المجاهدينَ والمصلحينَ؛ ليسَ اعتدالًا.
ولكنَّ نصرَةَ القضايا العادلَةِ تكونُ بالحقِّ والعدْلِ والشَّرعِ، لا بتحويلِها إلى دينٍ مُوازٍ، ولا بإعطاءِ القائمينَ عليها عصمَةً، ولا بجعلِها مبرِّرًا لتعطيلِ بقيَّةِ حقوقِ اللهِ وحقوقِ العبادِ.
- والجهادُ المشروعُ يُنصَرُ؛ لكنَّهُ يُضبَطُ بأَحكامِ الشَّريعَةِ، ولا تُسوَّغُ باسمِهِ كلُّ وسيلَةٍ أَو تحالفٍ.
- والعمَلُ الجماعيُّ والمؤَسَّسيُّ يُدعَمُ؛ لكنَّهُ يبقى وسيلَةً لخدمَةِ الدِّينِ، لا غايَةً تُعطَّلُ لأَجلِ بقائِها المحاسبَةُ والشُّورى والنَّصيحَةُ.
- والأَحزابُ والحركاتُ الإسلاميَّةُ؛ يُشكَرُ صوابُها وتُحفَظُ جهودُها، ولا تُمنَحُ بسبَبِ ذلكَ عصمَةً من النَّقدِ والمراجعَةِ.
- والعلماءُ والدُّعاةُ يُوقَّرونَ ويُعرَفُ فضلُهم؛ لكنَّ أَقوالَهم واجتهاداتِهم تُعرَضُ على الكتابِ والسُّنَّةِ، ولا يُجعَلُ أَحدٌ منهم معيارًا مستقلًّا للحقِّ والباطلِ.
فالوسطُ الحقُّ؛ هو أَن نعظِّمَ القضيَّةَ بقدْرِ ما عظَّمَها الشَّرعُ، وأَن ننصُرَ المظْلُومَ، ونؤَيِّدَ الجهادَ المشروعَ، وندعَمَ العمَلَ الدَّعويَّ والجماعيَّ والمؤَسَّسيَّ، ونوقِّرَ العلماءَ والدُّعاةَ؛ من غيرِ أَن نختزلَ الإسلامَ في قضيَّةٍ، أَو نجعَلَ جماعَةً مرادفَةً للأُمَّةِ، أَو نرفَعَ مؤَسَّسَةً فوقَ المحاسبَةِ، أَو نمنحَ قائدًا، أَو عالمًا، أَو داعيَةً عصمَةً لا تكونُ إلَّا للأَنبياءِ عليهمِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فالإسلامُ لا يُحفَظُ بهدْمِ وسائِلِ خدمتِهِ، ولا بتقديسِها؛ وإنَّما يُحفَظُ بأَن تبقى جميعُ القضايا والجماعاتِ والمشروعاتِ والمؤَسَّساتِ والأَشخاصِ تحتَ سلطانِ الوحيِ، وميزانِ العَدْلِ والإنصافِ.
الخاتمَةُ:
إنَّ الإسلامَ أَكبرُ منَ الجماعاتِ، وأَبقى› منَ المؤَسَّساتِ، وأَوسَعُ منَ القضايا الجزئيَّةِ، وأَعْدَلُ منْ أَنْ يُختزَلَ في موقفٍ سياسيٍّ، أَو شعارٍ تنظيميِّ؛ فالإسلامُ هو الأَصْلُ والغايَةُ، وه›ذِهِ الجماعاتُ والمؤَسَّساتُ والقضايا؛ إنَّما هيَ وسائِلُ لخدمتِهِ، تُوزَنُ بميزانِهِ، وتُقبَلُ، أَو تُرَدُّ بقَدْرِ موافقتِها لَهُ.
فالقضيَّةُ العادلَةُ نخدمُها ولا نعْبُدُها، والجماعَةُ الصَّالحَةُ نتعاونُ معها ولا نعطيها العصمَةَ، والقائِدُ النَّافِعُ نوقِّرُهُ ولا نجعَلُ كلامَهُ معيارًا للدِّينِ، والمقاومَةُ المشروعَةُ ننصرُها ولا نبرِّرُ باسمِها كلَّ وسيلَةٍ أَو تحالُفٍ، ولا نُسقِطُ لأَجلِها أَحكامَ الشَّرْعِ وحقوقَ الأُمَّةِ.
ومَن جعَلَ الإسلامَ تابعًا لقضيَّتِهِ؛ لم ينصُرِ الإسلامَ؛ بلْ ضيَّقَ سعتَهُ، وشوَّهَ عدْلَهُ، وحوَّلَ الوحْيَ من ميزانٍ حاكمٍ إلى› أَداةٍ لتبريرِ المواقِفِ.
فالواجِبُ أَن تبقى› قضايا الأُمَّةِ كلُّها تحتَ ميزانِ الوحْي.
وأَن نقولَ للمحسنِ: أَحسنْتَ، وللمخطئِ: أَخطأْتَ.
وللمظْلُومِ: نحنُ معكَ، وللظَّالمِ - ولو كانَ من جماعتِنا -: لا نعينُكَ على› ظُلمِكَ.
فاللَّهُمَّ! ارزقنا بصيرَةً تُعرِّفنا مراتِبَ الحقِّ، وعدْلًا لا يتغيَّرُ معَ الأَصدقاءِ والخصومِ، وصدْقًا يمنعُنا من تبريرِ الباطلِ باسمِ القضايا العادلَةِ؛ واجعَلْ ولاءَنا لكَ ولرسولِكَ وللمؤْمنينَ، ولا تجعَلْ جماعاتِنا ومشاريعَنا حجابًا بيننا وبينَ الحقِّ، واهدِنا لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ؛ إنَّكَ تهدي مَن تشاءُ إلى› صراطٍ مستقيمٍ.. آمين!
والحمدُ $ِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ.
كتبهُ: عبد الله بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
٢٦ محرم ١٤٤٨هـ - ١٢/٧/٢٠٢٦م

