‮»‬بينَ‭ ‬نُبْلِ‭ ‬الغايَةِ‭ ‬وطهارَةِ‭ ‬الوسيلَةِ‮«

‬إبطالُ‭ ‬مقولَةِ: »‬الغايَةُ‭ ‬تُبرِّرُ‭ ‬الوسيلَةَ«‮‬‭ ‬في‭ ‬ميزانِ‭ ‬الشَّريعَةِ

‭‬الحمدُ‭ ‬للهِ،‭ ‬والصَّلاةُ‭ ‬والسَّلامُ‭ ‬على›‭ ‬رسولِ‭ ‬ا$،‭ ‬وعلى›‭ ‬آلهِ‭ ‬وصحبِهِ‭ ‬ومَن‭ ‬والاه،‭ ‬أَمَّا‭ ‬بعدُ‭:‬

أَخي‭ ‬المسلمَ‭ ‬اللَّبيبَ‭!‬

اعلمْ‭ ‬‭- ‬وفَّقني‭ ‬اللهُ‭ ‬وإيَّاكَ‭ ‬للعلْمِ‭ ‬والعَدْلِ‭ ‬والبصيرَةِ‭ -‬‭ ‬أَنَّ‭ ‬من‭ ‬أَخطرِ‭ ‬القواعِدِ‭ ‬الَّتي‭ ‬تسلَّلَتْ‭ ‬إلى‭ ‬ميادينِ‭ ‬السِّياسَةِ‭ ‬والدَّعوَةِ‭ ‬والإعلامِ‭ ‬والإدارَةِ‭ ‬والإصلاحِ؛‭ ‬مقولةَ: »‬الغايَةُ‭ ‬تُبرِّرُ‭ ‬الوسيلَةَ«‮‬‭.‬

ومعناها‭ :‬أَنَّ‭ ‬الإنسانَ‭ ‬متى›‭ ‬اعتقدَ‭ ‬صلاحَ‭ ‬غايتِهِ،‭ ‬أَو‭ ‬رأَى›‭ ‬أَنَّ‭ ‬النتيجَةَ‭ ‬التي‭ ‬يسعَى‭ ‬إليها‭ ‬نافعَةٌ؛‭ ‬جازَ‭ ‬لهُ‭ ‬أَن‭ ‬يستعمِلَ‭ ‬للوصولِ‭ ‬إليها‭ ‬ما‭ ‬شاءَ‭ ‬من‭ ‬الوسائِلِ،‭ ‬ولوْ‭ ‬كانَتْ‭ ‬كذبًا،‭ ‬أَو‭ ‬غدرًا،‭ ‬أَو‭ ‬ظُلمًا،‭ ‬أَو‭ ‬خيانَةً،‭ ‬أَو‭ ‬غشًّا،‭ ‬أَو‭ ‬أَكلًا‭ ‬للأَموالِ‭ ‬بالباطِلِ‭.‬

وهذِهِ‭ ‬المقولَةُ‭ ‬بهذا‭ ‬المعنَى‭ :‬قاعدَةٌ‭ ‬باطلَةٌ‭ ‬شَرْعًا،‭ ‬وفاسدَةٌ‭ ‬عقْلًا،‭ ‬وخطيرَةٌ‭ ‬واقعًا؛‭ ‬لأَنَّها‭ ‬تجعَلُ‭ ‬الإنسانَ‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحدِّدُ‭ ‬الغايَةَ،‭ ‬ثم‭ ‬يمنَحُ‭ ‬نفسَهُ‭ ‬باسمِها‭ ‬رخصَةً‭ ‬مفتوحَةً‭ ‬لانتهاكِ‭ ‬الحدودِ‭ ‬والحقوقِ‭ ‬والحرماتِ‭.‬

وليسَ‭ ‬الخطأُ‭ ‬في‭ ‬اعتبارِ‭ ‬الغاياتِ‭ ‬والمصالِحِ؛‭ ‬فالشَّريعَةُ‭ ‬جاءَتْ‭ ‬بتحقيقِ‭ ‬المصالِحِ‭ ‬وتكميلِها،‭ ‬ودرْءِ‭ ‬المفاسِدِ‭ ‬وتقليلِها،‭ ‬وإنَّما‭ ‬الخطَأُ‭ ‬في‭» ‬‮‬تَأْلِيهِ‭ ‬الغايَةِ«‮‬‭ ‬حتَّى›‭ ‬تُلغَى‭ ‬لأَجلِها‭ ‬الأَحكامُ،‭ ‬وتُهدَرَ‭ ‬الحقوقُ،‭ ‬ويُسمَّى‭ ‬الظُّلمُ‭ ‬حكمَةً،‭ ‬والخيانَةُ‭ ‬سياسَةً،‭ ‬والكذِبُ‭ ‬مصلحَةً،‭ ‬والغِشُّ‭ ‬ضرورَةً‭.‬

أَوَّلًا‭-‬ الإسلامُ‭ ‬يحكمُ‭ ‬على‭ ‬الغايَةِ‭ ‬والوسيلَةِ‭ ‬معًا‭:‬

العمَلُ‭ ‬في‭»‬‭ ‬ميزانِ‭ ‬الإسلامِ«‮‬‭ ‬لا‭ ‬يصيرُ‭ ‬صالحًا‭ ‬بمجردِ‭ ‬صلاحِ‭ ‬النِّيَّةِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬لا‭ ‬بُدَّ‭ ‬فيهِ‭ ‬من‭ ‬أَمرينِ‭:‬

1-‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬المقصَدُ‭ ‬مشروعًا‭.‬

2-‭ ‬وأَن‭ ‬تكونَ‭ ‬الوسيلَةُ‭ ‬المؤَدِّيَةُ‭ ‬إليهِ‭ ‬مشروعَةً‭.‬

فالإخلاصُ‭ ‬وحدَهُ‭ ‬لا‭ ‬يكفي؛‭ ‬إذا‭ ‬كانَ‭ ‬العمَلُ‭ ‬مخالفًا‭ ‬للشَّرْعِ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬موافقَةَ‭ ‬الظَّاهرِ‭ ‬للشَّرْعِ‭ ‬لا‭ ‬تنفَعُ‭ ‬معَ‭ ‬فسادِ‭ ‬القَصْدِ‭.‬

قالَ‭ ‬النَّبيُّ‭ :# ‬‮‬»مَنْ‭ ‬عَمِلَ‭ ‬عَمَلًا‭ ‬لَيْسَ‭ ‬عَلَيهِ‭ ‬أَمْرُنا؛‭ ‬فَهُوَ‭ ‬رَدٌّ‮‬‭ «‬[البخاري: ٢٦٩٧. ‬ومسلم: ١٧١٨] .‬

أَي‭ :‬مردودٌ‭ ‬على‭ ‬صاحبِهِ،‭ ‬ولو‭ ‬حَسُنَ‭ ‬قصدُهُ،‭ ‬وعظمَتْ‭ ‬حماستُهُ،‭ ‬وظنَّ‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬يخدِمُ‭ ‬الدِّينَ‭ ‬أَو‭ ‬الأُمَّةَ‭.‬

وقالَ ‭#‬: »إنَّ‭ ‬ا$ ‬طَيِّبٌ‭ ‬لا‭ ‬يَقْبَلُ‭ ‬إلَّا‭ ‬طَيِّبًا«‮‬‭] ‬‭‬مسلم: ١٠١٥].‬

فالغايَةُ‭ ‬الطيِّبَةُ‭ ‬لا‭ ‬تُنالُ‭ ‬عندَ‭ ‬‬ا$ ‬بمالٍ‭ ‬خبيثٍ،‭ ‬ولا‭ ‬بكذِبٍ‭ ‬خبيثٍ،‭ ‬ولا‭ ‬بطريقٍ‭ ‬محرَّمٍ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬‬‬ا$ ‬تعالى›‭ ‬طيِّبٌ،‭ ‬ولا‭ ‬يتقرَّبُ‭ ‬إليهِ‭ ‬العبْدُ‭ ‬بما‭ ‬حرَّمَهُ‭ ‬عليهِ‭.‬

وله›ذا‭ ‬قرَّرَ‭ ‬العلماءُ؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬العمَلَ‭ ‬المقبولَ‭ ‬يقومُ‭ ‬على›‭ ‬أَصلينِ‭:‬

‮١- ‬إخلاصِ‭ ‬القصْدِ‭ ‬$ ‬تعالى›‭. ‬

‮٢- ‬وموافقَةِ‭ ‬العمَلِ‭ ‬لشرْعِ‭ ‬ا$ ‬تعالى›‭.‬

ثانيًا‭ -‬القرآنُ‭ ‬يمنَعُ‭ ‬استِعمالَ‭ ‬الباطلِ‭ ‬ولَو‭ ‬في‭ ‬مواجهَةِ‭ ‬الباطِلِ‭:‬

قالَ‭ ‬ا$ُ ‬تعالى›‭: ‬﴿وَتَعَاوَنُوا‭ ‬عَلَى‭ ‬الْبِرِّ‭ ‬وَالتَّقْوَى›‭ ‬وَلَا‭ ‬تَعَاوَنُوا‭ ‬عَلَى‭ ‬الْإثْمِ‭ ‬وَالْعُدْوَانِ﴾ [‬المائدة: ‭‬2]‭‬.

فالآيَةُ‭ ‬لم‭ ‬تُبِحِ‭ ‬الإثمَ‭ ‬والعدوانَ‭ ‬لأَجلِ‭ ‬غايَةٍ‭ ‬يظنُّها‭ ‬أَصحابُها‭ ‬نافعَةً؛‭ ‬بلْ‭ ‬نهَتْ‭ ‬عن‭ ‬التَّعاونِ‭ ‬على‭ ‬الوسيلَةِ‭ ‬المحرَّمَةِ‭ ‬نفسِها،‭ ‬ولو‭ ‬رُفعَتْ‭ ‬فوقَها‭ ‬شعاراتٌ‭ ‬دينيَّةٌ،‭ ‬أَو‭ ‬وطنيَّةٌ،‭ ‬أَو‭ ‬إصلاحيَّةٌ‭.‬

وقالَ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿وَلَا‭ ‬يَجْرِمَنَّكُمْ‭ ‬شَنَآنُ‭ ‬قَوْمٍ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَلَّا‭ ‬تَعْدِلُوا‭ ‬اعْدِلُوا‭ ‬هُوَ‭ ‬أَقْرَبُ‭ ‬لِلتَّقْوَى﴾‭] ‬‭‬المائدة: 8].

فحتَّى›‭ ‬عداوَةُ‭ ‬الخصمِ،‭ ‬وظلمُهُ،‭ ‬وبغضُهُ؛‭ ‬لا‭ ‬تبيحُ‭ ‬لنا‭ ‬ظلمَهُ،‭ ‬ولا‭ ‬الكذِبَ‭ ‬عليهِ،‭ ‬ولا‭ ‬اتهامَهُ‭ ‬بما‭ ‬ليسَ‭ ‬فيهِ،‭ ‬ولا‭ ‬الاعتداءَ‭ ‬على›‭ ‬حقوقِهِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬العدْلَ‭ ‬قيمَةٌ‭ ‬شرعيَّةٌ‭ ‬ثابتَةٌ،‭ ‬لا‭ ‬تتغيَّرُ‭ ‬بتغيُّرِ‭ ‬الأَشخاصِ‭.‬

بلْ‭ ‬حتَّى‭ ‬الدَّعوَةُ‭ ‬إلى‭ ‬اللهِ،‭ ‬وهيَ‭ ‬من‭ ‬أَجَلِّ‭ ‬الغاياتِ؛‭ ‬قيَّدها‭ ‬اللهُ‭ ‬بالوسيلَةِ‭ ‬الحسنَةِ،‭ ‬فقالَ‭ ‬تعالى›‭:‬

﴿ادْعُ‭ ‬إِلَى‭ ‬سَبِيلِ‭ ‬رَبِّكَ‭ ‬بِالْحِكْمَةِ‭ ‬وَالْمَوْعِظَةِ‭ ‬الْحَسَنَةِ‭ ‬وَجَادِلْهُمْ‭ ‬بِالَّتِي‭ ‬هِيَ‭ ‬أَحْسَنُ﴾‭ ‬[النحل: ‭[125‭‬

فلمْ‭ ‬يقُلِ‭ ‬ا$ ‬تعالى›‭: ‬ادعُ‭ ‬إلى‭ ‬الحقِّ‭ ‬بأَيِّ‭ ‬أُسلوبٍ؛‭ ‬بل‭ ‬أَمرَ‭ ‬بالحكمَةِ‭ ‬والموعظَةِ‭ ‬الحسنَةِ‭ ‬والمجادلَةِ‭ ‬بالتي‭ ‬هيَ‭ ‬أَحسَنُ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬شَرَفَ‭ ‬المدْعوِّ‭ ‬إليهِ‭ ‬يقتضي‭ ‬شَرَفَ‭ ‬الطَّريقِ‭ ‬المؤَدِّي‭ ‬إليهِ‭.‬

ثالثًا‭ -‬النِّيَّةُ‭ ‬الحسنَةُ؛‭ ‬لا‭ ‬تُغيِّرُ‭ ‬حقيقَةَ‭ ‬الحرامِ‭:‬

‭- ‬مَن‭ ‬سرَقَ‭ ‬مالًا‭ ‬ليتصدَّقَ‭ ‬بهِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬سرَقَ،‭ ‬ولم‭ ‬تتحوَّلِ‭ ‬السَّرقَةُ‭ ‬إلى‭ ‬صدَقَةٍ‭.‬

‭- ‬ومَن‭ ‬كذَبَ‭ ‬ليُحبِّبَ‭ ‬النَّاسَ‭ ‬في‭ ‬الدَّعوَةِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬كذَبَ،‭ ‬ولم‭ ‬يتحوَّلِ‭ ‬الكذِبُ‭ ‬إلى‭ ‬دعوَةٍ‭.‬

‭- ‬ومَن‭ ‬غَشَّ‭ ‬في‭ ‬الانتخاباتِ‭ ‬ليُوصِلَ‭ ‬صالحًا‭ ‬إلى‭ ‬الحكْمِ؛‭ ‬فقدِ‭ ‬ارْتكَبَ‭ ‬الغِشَّ‭ ‬والخيانَةَ،‭ ‬ولم‭ ‬يصبحِ‭ ‬التَّزويرُ‭ ‬شُورًى‭ ‬ولا‭ ‬إصلاحًا‭.‬

‭- ‬ومَنِ‭ ‬اخْتلقَ‭ ‬قصصًا‭ ‬وكراماتٍ‭ ‬وأَحاديثَ‭ ‬ليؤَثِّرَ‭ ‬في‭ ‬العامَّةِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬كذَبَ‭ ‬على‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬ولَو‭ ‬بكَى‭ ‬النَّاسُ‭ ‬بكلامِهِ‭ ‬وتأَثَّروا‭.‬

‭- ‬ومَن‭ ‬أَخذَ‭ ‬أَموالَ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬بغيرِ‭ ‬حقٍّ‭ ‬ليقيمَ‭ ‬بها‭ ‬مَشروعًا‭ ‬خيريًّا؛‭ ‬فقدْ‭ ‬بنَى›‭ ‬خيرًا‭ ‬ظاهِرًا‭ ‬على›‭ ‬ظُلمٍ‭ ‬باطِنٍ،‭ ‬وما‭ ‬بُنيَ‭ ‬على‭ ‬الحرامِ‭ ‬لا‭ ‬تصيِّرُهُ‭ ‬اللافتاتُ‭ ‬الخيريَّةُ‭ ‬حلالًا‭.‬

قالَ‭ ‬النَّبيُّ‭ ‬ﷺ‭ ‬‮:‬»مَنْ‭ ‬غَشَّنَا؛‭ ‬فَلَيْسَ‭ ‬مِنَّا«‮‬‭ ‬[مسلم:‭ ‬‮ ٢٠١].‬

فلَمْ‭ ‬يستَثنِ‭ ‬الغِشَّ‭ ‬الذي‭ ‬يزعِمُ‭ ‬صاحبُهُ‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬يخدِمُ‭ ‬مصلحَةً‭ ‬عامَّةً،‭ ‬أَو‭ ‬قضيَّةً‭ ‬عادِلَةً‭.‬

فالنِّيَّةُ‭ ‬الصَّالحَةُ؛‭ ‬قدْ‭ ‬تخفِّفُ‭ ‬من‭ ‬قُبْحِ‭ ‬صاحبِها‭ ‬من‭ ‬جهَةِ‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬لم‭ ‬يُرِدِ‭ ‬الشَّرَّ‭ ‬لذاتِهِ؛‭ ‬لكنَّها‭ ‬لا‭ ‬تقلَبُ‭ ‬الحرامَ‭ ‬حلالًا،‭ ‬ولا‭ ‬الباطلَ‭ ‬حقًّا،‭ ‬ولا‭ ‬المعصيَةَ‭ ‬طاعَةً‭.‬

رابعًا‭ -‬المقابِلُ‭ ‬الإسلاميُّ‭ ‬الصَّحيحِ‭:‬

ليسَ‭ ‬المقابِلُ‭ ‬الإسلاميُّ‭ ‬لمقولَةِ‭» ‬‮‬الغايَةُ‭ ‬تُبرِّرُ‭ ‬الوسيلَةَ«‮‬‭ ‬هو‭ ‬إهمالُ‭ ‬الغاياتِ‭ ‬والنتائِجِ؛‭ ‬بلِ‭ ‬المقابِلُ‭ ‬الصَّحيحُ‭ ‬هو‭:‬

الغايَةُ‭ ‬المشروعَةُ‭ ‬لا‭ ‬تُطلَبُ‭ ‬إلَّا‭ ‬بوسيلَةٍ‭ ‬مشروعَةٍ،‭ ‬معَ‭ ‬مُراعاةِ‭ ‬المصالِحِ‭ ‬والمفاسِدِ‭ ‬والمآلاتِ‭.‬

ويمكنُ‭ ‬تلخيصُ‭ ‬المنهجِ‭ ‬الإسلاميِّ‭ ‬في‭ ‬ثلاثَةِ‭ ‬أَركانٍ‭:‬

‮١- ‬‭ ‬صلاحُ‭ ‬المقصَدِ‭.‬

‮٢- ‬‭ ‬ومشروعيَّةُ‭ ‬الوسيلَةِ‭.‬

‮٣- ‬‭ ‬وسلامَةُ‭ ‬المآلِ‭ ‬في‭ ‬غالِبِ‭ ‬الظَّنِّ‭.‬

وقدْ‭ ‬قرَّرَ‭ ‬علماءُ‭ ‬الأُصُولِ‭ ‬قاعدَةَ‭» ‬‮:‬الوسائِلُ‭ ‬لها‭ ‬أَحكامُ‭ ‬المقاصِدِ«‮‬‭.‬

ومعناها: ‬أَنَّ‭ ‬الوسيلَةَ‭ ‬المباحَةَ‭ ‬قدْ‭ ‬تصيرُ‭ ‬واجبَةً‭ ‬إذا‭ ‬توقَّفَ‭ ‬عليها‭ ‬واجِبٌ،‭ ‬وقدْ‭ ‬تصيرُ‭ ‬مندوبَةً‭ ‬إذا‭ ‬أَوصلَتْ‭ ‬إلى‭ ‬مندوبٍ،‭ ‬وتحرمُ‭ ‬الوسيلَةُ‭ ‬إذا‭ ‬كانَتْ‭ ‬طريقًا‭ ‬إلى‭ ‬الحرامِ‭.‬

وليسَ‭ ‬معناها: ‬أَنَّ‭ ‬الوسيلَةَ‭ ‬المحرَّمَةَ‭ ‬تصيرُ‭ ‬حلالًا‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬أَنَّ‭ ‬المقصَدَ‭ ‬حَسَنٌ؛‭ ‬بلْ‭ ‬معناها‭ :‬أَنَّ‭ ‬الوسائِلَ‭ ‬تُوزَنُ‭ ‬بميزانِ‭ ‬الشَّرْعِ،‭ ‬كما‭ ‬تُوزَنُ‭ ‬المقاصِدُ‭.‬

وقدْ‭ ‬نُسِبَ‭ ‬تقريرُ‭ ‬هذِهِ‭ ‬القاعِدَةِ‭ ‬إلى‭ ‬العِزِّ‭ ‬بنِ‭ ‬عبدِ‭ ‬السَّلامِ،‭ ‬والقَرافيِّ،‭ ‬والشَّاطِبيِّ،‭ ‬وغيرِهِم‭ ‬من‭ ‬أَئِمَّةِ‭ ‬الأُصُولِ‭.‬

‭- ‬ففرْقٌ‭ ‬كبيرٌ‭ ‬بينَ‭ ‬قَولِنا‭» :‬‮‬الوسائِلُ‭ ‬لها‭ ‬أَحكامُ‭ ‬المقاصِدِ«‮‬‭.‬

‭- ‬وبينَ‭ ‬قولِنا‭» ‬‮:‬الغايَةُ‭ ‬تُبرِّرُ‭ ‬كلَّ‭ ‬وسيلَةٍ«‮‬‭.‬

الأُولى›‭ ‬قاعدَةٌ‭ ‬منضبطَةٌ‭ ‬بالوحْي،‭ ‬والثَّانيَةُ‭ ‬رُخْصَةٌ‭ ‬مفتوحَةٌ‭ ‬للهَوى‭.‬

خامسًا‭ -‬من‭ ‬هديِ‭ ‬النَّبيِّ‭ ‬ﷺ‭ ‬في‭ ‬ضبْطِ‭ ‬الغاياتِ‭ ‬والوسائِلِ‭:‬

1-‭ ‬تركُ‭ ‬بعضِ‭ ‬المصالِحِ‭ ‬دفعًا‭ ‬لمفسدَةٍ‭ ‬أَعظمَ‭:‬

كانَ‭ ‬النَّبيُّ‭ ‬ﷺ‭ ‬يحبُّ‭ ‬أَن‭ ‬يعيدَ‭ ‬بناءَ‭ ‬الكعبَةِ‭ ‬على‭ ‬قواعدِ‭ ‬إبراهيمَ‭ - ‬عليهِ‭ ‬السَّلامُ‭ - ‬وهو‭ ‬مقصُدٌ‭ ‬عظيمٌ‭ ‬مشروعٌ؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬تركَ‭ ‬ذلكَ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬قريشًا‭ ‬كانَتْ‭ ‬حديثَةَ‭ ‬عهْدٍ‭ ‬بالجاهليَّةِ،‭ ‬وخشيَ‭ ‬أَن‭ ‬يترتَّبَ‭ ‬على›‭ ‬ذلكَ‭ ‬اضطرابُ‭ ‬القلوبِ‭ ‬والفتنَةِ‭.‬

فقالَ‭ ‬لعائشَةَ،‭ ‬رضي‭ ‬ا$ ‬عنها‭» ‬‮:‬لَولا‭ ‬أَنَّ‭ ‬قَومَكِ‭ ‬حَديثُو‭ ‬عَهْدٍ‭ ‬بِشِرْكٍ؛‭ ‬لَهَدَمْتُ‭ ‬الكَعْبَةَ‭]‬‮‬‭ ‬‭«‬البخاري: ١٥٨٦. ‬ومسلم: ١٣٣٣].‬

فلَمْ‭ ‬يكُنْ‭ ‬مجرَّدُ‭ ‬صلاحِ‭ ‬الغايَةِ‭ ‬كافيًا‭ ‬للإقدامِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬راعَى‭ ‬النَّبيُّ‭ ‬ﷺ‭ ‬استعدادَ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬ومآلاتِ‭ ‬الفعْلِ‭.‬

2-‭ ‬الوفاءُ‭ ‬بالعهْدِ‭ ‬معَ‭ ‬شدَّةِ‭ ‬الأَلَمِ‭:‬

في‭ ‬‮‬»صلْحِ‭ ‬الحديبيَةِ«‮‬‭ ‬التزَمَ‭ ‬النَّبيُّ‭ ‬ﷺ‭ ‬بما‭ ‬تعاقَدَ‭ ‬عليهِ،‭ ‬وردَّ‭ ‬مَن‭ ‬جاءَهُ‭ ‬بحسَبِ‭ ‬شروطِ‭ ‬الصُّلْحِ،‭ ‬معَ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬ذلكَ‭ ‬من‭ ‬الأَلَمِ‭ ‬الظَّاهِرِ‭.‬

لأَنَّ‭ ‬نُصْرَةَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬لا‭ ‬تكونُ‭ ‬بالغَدْرِ‭ ‬ونقْضِ‭ ‬العُهودِ،‭ ‬وقدْ‭ ‬شهدَ‭ ‬أَبو‭ ‬بَصيرٍ‭ ‬بأَنَّ‭ ‬النَّبيَّ‭ ‬ﷺ‭ ‬وفَّى‭ ‬بالتزامِهِ‭ ‬حينَ‭ ‬أَعادَهُ‭ ‬إليهم‭.‬

فالوفاءُ‭ ‬بالعُهودِ‭ ‬جزْءٌ‭ ‬من‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬نجعلَ‭ ‬مصلحَةً‭ ‬عاجلَةً‭ ‬ذريعَةً‭ ‬إلى‭ ‬إهدارِ‭ ‬الأَماناتِ‭ ‬والمواثيقِ‭.‬

3-‭ ‬الاستثناءاتُ‭ ‬يحدِّدُها‭ ‬الشَّرْعُ‭ ‬لا‭ ‬الهوى›‭:‬

وردَ‭ ‬في‭ ‬الحديثِ‭ ‬الصَّحيح‭» ‬‮:‬الحَرْبُ‭ ‬خُدْعَةٌ«‮‬‭.‬

فأَباحَ‭ ‬الشَّرْعُ‭ ‬في‭ ‬الحربِ‭ ‬من‭ ‬التَّوريَةِ‭ ‬وإخفاءِ‭ ‬الخُطَطِ‭ ‬ما‭ ‬يحقِّقُ‭ ‬مصلحَةَ‭ ‬القتالِ‭.‬

لكنَّ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الرُّخصَةَ‭ ‬لم‭ ‬يضعْها‭ ‬قائِدٌ‭ ‬سياسيٌّ‭ ‬لهواهُ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬ثبتَتْ‭ ‬بالنَّصِّ‭ ‬الشَّرعيِّ،‭ ‬وتبقَى‭ ‬محكومَةً‭ ‬بسائِرِ‭ ‬الأَحكامِ؛‭ ‬فلا‭ ‬تُبيحُ‭ ‬قتلَ‭ ‬مَن‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬قتلُهُ،‭ ‬ولا‭ ‬نقْضَ‭ ‬العَهْدِ،‭ ‬ولا‭ ‬استباحَةَ‭ ‬كلِّ‭ ‬محرَّمٍ‭.‬

وهُنا‭ ‬يظهَرُ‭ ‬الفَرْقُ‭:‬

‭- ‬بينَ ‭»‬الرُّخصَةِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭ ‬المنضبطَةِ«‮‬‭.‬

‭- ‬وبينَ‭ ‬قاعدَةِ‭» ‬‮‬الغايَةُ‭ ‬تُبرِّر‭ ‬الوسيلَةَ«‮ ‬المنفلِتَةَ‭.‬

سادسًا‭ -‬تطبيقاتٌ‭ ‬معاصرَةٌ‭ ‬للقاعدَةِ‭ ‬الباطلَةِ‭:‬

تظهَرُ‭ ‬هذِهِ‭ ‬المقولَةُ‭ ‬في‭ ‬صورٍ‭ ‬كثيرَةٍ،‭ ‬منها‭:‬

‮١- ‬‭ ‬في‭ ‬الدَّعوَةِ‭: ‬أَن‭ ‬يكذِبَ‭ ‬الدَّاعيَةُ‭ ‬في‭ ‬نقلِ‭ ‬الأَخبارِ،‭ ‬أَو‭ ‬يختلِقَ‭ ‬القِصَصَ،‭ ‬أَو‭ ‬ينسَبَ‭ ‬إلى‭ ‬خصمِهِ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقلْ،‭ ‬بحجَّةِ‭ ‬حمايَةِ‭ ‬المنهجِ‭ ‬ونُصرَةِ‭ ‬الحقِّ‭.‬

‮٢- ‬‭ ‬في‭ ‬السِّياسَةِ‭: ‬أَن‭ ‬يُستعمَلَ‭ ‬التَّزويرُ،‭ ‬وشراءُ‭ ‬الذِّمَمِ،‭ ‬ونقْضُ‭ ‬الوعودِ،‭ ‬والتَّجسُّسُ‭ ‬المحرَّمِ،‭ ‬وتشويهُ‭ ‬الأَبرياءِ؛‭ ‬بحجَّةِ‭ ‬الوصُولِ‭ ‬إلى‭ ‬الحكمِ‭ ‬لإصلاحِ‭ ‬المجتمَعِ‭.‬

‮٣- ‬‭ ‬في‭ ‬المؤَسَّساتِ‭: ‬أَن‭ ‬تُخفى‭ ‬الحساباتُ،‭ ‬وتُزوَّرَ‭ ‬المحاضِرُ،‭ ‬ويُقصى‭ ‬الأَكفاءُ،‭ ‬وتُغيَّرَ‭ ‬اللَّوائِحُ؛‭ ‬بحجَّةِ‭ ‬المحافظَةِ‭ ‬على‭ ‬وحدَةِ‭ ‬المؤَسَّسَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬استمرارِ‭ ‬مشروعِها‭.‬

‮٤- ‬‭ ‬في‭ ‬الإعلامِ‭: ‬أَن‭ ‬يُنشرَ‭ ‬خبرٌ‭ ‬غيرُ‭ ‬متحقَّقٍ‭ ‬منهُ؛‭ ‬لأَنَّهُ‭ ‬يخدِمُ‭ ‬قضيَّةً‭ ‬عادلَةً،‭ ‬أَو‭ ‬يفضَحُ‭ ‬خصمًا‭ ‬ظالمًا‭.‬

‮٥- ‬‭ ‬في‭ ‬طلَبِ‭ ‬العلْمِ‭: ‬أَن‭ ‬يغِشَّ‭ ‬الطَّالِبُ‭ ‬في‭ ‬الامتحانِ؛‭ ‬ليحصلَ‭ ‬على›‭ ‬شهادَةٍ‭ ‬يزعُمُ‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬سيخْدِمُ‭ ‬بها‭ ‬الإسلامَ‭ ‬والمسلمينَ‭.‬

‮٦- ‬‭ ‬في‭ ‬المالِ‭: ‬أَن‭ ‬تُستعمَلَ‭ ‬الأَموالُ‭ ‬المحرَّمَةُ،‭ ‬أَو‭ ‬المسروقَةُ،‭ ‬أَو‭ ‬المختلسَةُ‭ ‬في‭ ‬بناءِ‭ ‬مسجدٍ،‭ ‬أَو‭ ‬مدرسَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬إعانَةِ‭ ‬الفقراءِ‭.‬

وهذِهِ‭ ‬الصُّورُ‭ ‬كلُّها‭ ‬تجمَعُ‭ ‬بينَ »‬غايَةٍ‭ ‬قدْ‭ ‬تكونُ‭ ‬مشروعَةً،‭ ‬ووسيلَةٍ‭ ‬محرَّمَةٍ‬‮«‬؛‭ ‬فلا‭ ‬تصيرُ‭ ‬مشروعَةً‭ ‬باجتماعِها‭.‬

بلْ‭ ‬إنَّ‭ ‬مِنْ‭ ‬سُنَنِ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬المشروعَ‭ ‬الذي‭ ‬يقومُ‭ ‬على‭ ‬الكذْبِ‭ ‬والخيانَةِ‭ ‬والظُّلمِ‭ ‬يحمِلُ‭ ‬في‭ ‬داخلِهِ‭ ‬أَسبابَ‭ ‬فسادِهِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬الوسائِلَ‭ ‬الخبيثَةَ‭ ‬لا‭ ‬تبقى›‭ ‬خارجَ‭ ‬المشروعِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬تتسلَّلُ‭ ‬إلى›‭ ‬روحِهِ،‭ ‬ثم‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬من‭ ‬استثناءٍ‭ ‬مؤقَّتٍ‭ ‬إلى‭ ‬منهجٍ‭ ‬دائمٍ‭.‬

‮١- ‬‭ ‬ومَن‭ ‬اعتادَ‭ ‬الكذِبَ‭ ‬للوصُولِ‭ ‬إلى‭ ‬الحكْمِ؛‭ ‬كذَبَ‭ ‬بعدَ‭ ‬وصولِهِ‭.‬

‮٢- ‬‭ ‬ومَن‭ ‬ظلمَ‭ ‬خصومَهُ‭ ‬ليقيمَ‭ ‬العَدْلَ؛‭ ‬ظلمَ‭ ‬النَّاسَ‭ ‬حينَ‭ ‬تمكَّنَ‭.‬

‮٣- ‬‭ ‬ومَن‭ ‬عطَّلَ‭ ‬الشُّورى›‭ ‬بحجَّةِ‭ ‬حمايَةِ‭ ‬المؤَسَّسَةِ؛‭ ‬حوَّلَ‭ ‬المؤَسَّسَةَ‭ ‬إلى‭ ‬ملكيَّةٍ‭ ‬شخصيَّةٍ‭.‬

سابعًا‭-‬ ماذا‭ ‬عن‭ ‬الضَّرورَةِ‭ ‬وارتكابِ‭ ‬أَخَفِّ‭ ‬الضَّررينِ؟‭:‬

قدْ‭ ‬يظنُّ‭ ‬بعضُ‭ ‬النَّاسِ؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬قواعِدَ‭ ‬الضَّرورَةِ‭ ‬والموازنَةِ‭ ‬بينَ‭ ‬المصالحِ‭ ‬والمفاسِدِ‭ ‬صُورَةٌ‭ ‬من‭ ‬صُورِ ‭»‬الغايَةُ‭ ‬تُبرِّرُ‭ ‬الوسيلَةَ‬‮«‮‬‮‬‭ ‬وليسَ‭ ‬الأَمرُ‭ ‬كذلك‭.‬

فالضَّرورَةُ‭ ‬في‭ ‬الشَّريعَةِ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬هوًى‭ ‬شخصيًّا،‭ ‬ولا‭ ‬مصلحَةً‭ ‬متوهَّمَةً،‭ ‬ولا‭ ‬شعارًا‭ ‬يُرفَعُ‭ ‬كلَّما‭ ‬ضاقَ‭ ‬الإنسانُ‭ ‬بالحكمِ‭ ‬الشَّرعيِّ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬هيَ‭ ‬حالَةٌ‭ ‬حقيقيَّةٌ‭ ‬يخشَى›‭ ‬معها‭ ‬ضرَرٌ‭ ‬معتبَرٌ،‭ ‬ولا‭ ‬يوجَدُ‭ ‬لدفعِهِ‭ ‬طريقٌ‭ ‬مباحٌ‭.‬

قالَ‭ ‬ا‭$‬ُ‭ ‬تعالى›‭: ‬﴿فَمَنِ‭ ‬اضْطُرَّ‭ ‬غَيْرَ‭ ‬بَاغٍ‭ ‬وَلَا‭ ‬عَادٍ‭ ‬فَلَا‭ ‬إِثْمَ‭ ‬عَلَيْهِ﴾‭ ‬‭‬[البقرة: ١٧٣].‬

فقيَّدَ‭ ‬الرُّخصَةَ‭ ‬بأَلَّا‭ ‬يكونَ‭ ‬الإنسانُ‭ ‬باغيًا،‭ ‬ولا‭ ‬متجاوزًا‭ ‬قدْرَ‭ ‬ضرورتِهِ‭.‬

ومن‭ ‬ضَوابطِ‭ ‬الضَّرورَةِ‭:‬

‮١- ‬‭ ‬أَن‭ ‬تكونَ‭ ‬حقيقيَّةً،‭ ‬أَو‭ ‬غالبَةَ‭ ‬الوقوعِ‭.‬

‮٢- ‬‭ ‬وأَلَّا‭ ‬توجَدَ‭ ‬وسيلَةٌ‭ ‬مباحَةٌ‭ ‬لدفعِها‭.‬

‮٣- ‬‭ ‬وأَن‭ ‬يُقتصَرَ‭ ‬على‭ ‬قدْرِ‭ ‬الحاجَةِ‭.‬

‮٤- ‬‭ ‬وأَلَّا‭ ‬يُدفَعَ‭ ‬الضَّرَرُ‭ ‬بضَرَرٍ‭ ‬مساوٍ‭ ‬لَهُ،‭ ‬أَو‭ ‬أَشَدَّ‭.‬

‮٥- ‬‭ ‬وأَن‭ ‬يُرجَعَ‭ ‬في‭ ‬النَّوازلِ‭ ‬العامَّةِ‭ ‬إلى‭ ‬أَهلِ‭ ‬العلْمِ‭ ‬والخبرَةِ،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬حماسَةِ‭ ‬الأَفرادِ‭.‬

فمَن‭ ‬أَكلَ‭ ‬منَ‭ ‬الميتَةِ‭ ‬لئلَّا‭ ‬يموتَ‭ ‬جوعًا‭ ‬لم‭ ‬يقلْ‭: ‬إنَّ‭ ‬غايَةَ‭ ‬البقاءِ‭ ‬تُبرِّرُ‭ ‬كلَّ‭ ‬محرَّمٍ؛‭ ‬بلِ‭ ‬اللهُ‭ ‬نفسُهُ‭ ‬رخَّصَ‭ ‬لهُ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬الضَّرورَةِ‭.‬

وهذا؛‭ ‬حكمٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬استثنائيٌّ‭ ‬منضبِطٌ،‭ ‬لا‭ ‬قاعدَةٌ‭ ‬نفعيَّةٌ‭ ‬مطلقَةٌ‭.‬

ثامنًا‭-‬ ميزانٌ‭ ‬عمليٌّ‭ ‬لفحْصِ‭ ‬الوسائِلِ‭:‬

قبلَ‭ ‬أَن‭ ‬تستعمِلَ‭ ‬وسيلَةً‭ ‬لتحقيقِ‭ ‬غايةٍ‭ ‬تراها‭ ‬حسنَةً؛‭ ‬فاسأَلْ‭ ‬نفسَكَ‭:‬

‮١- ‬‭ ‬هلِ‭ ‬الغايَةُ‭ ‬نفسُها‭ ‬مشروعَةٌ،‭ ‬أَمْ‭ ‬أَنَّها‭ ‬رغبَةٌ‭ ‬شخصيَّةٌ‭ ‬أَلبستُها‭ ‬لباسَ‭ ‬المصلحَةِ؟

‮٢- ‬‭ ‬هلِ‭ ‬الوسيلَةُ‭ ‬مباحَةٌ‭ ‬في‭ ‬أَصلِها،‭ ‬أَمْ‭ ‬فيها‭ ‬كذِبٌ،‭ ‬أَو‭ ‬ظُلمٌ،‭ ‬أَو‭ ‬غِشٌّ،‭ ‬أَو‭ ‬خيانَةٌ،‭ ‬أَو‭ ‬عدوانٌ؟

‮٣- ‬‭ ‬هلْ‭ ‬يوجَدُ‭ ‬طريقٌ‭ ‬مباحٌ‭ ‬يحقِّقُ‭ ‬المقصُودَ،‭ ‬ولَوْ‭ ‬كانَ‭ ‬أَطولَ‭ ‬وأَشقَّ؟

‮٤‬‭ ‬- هلِ‭ ‬المصلحَةُ‭ ‬متحقِّقةٌ‭ ‬أَو‭ ‬غالبَةُ‭ ‬الظَّنِّ،‭ ‬أَمْ‭ ‬هيَ‭ ‬مجرَّدُ‭ ‬توهُّمٍ‭ ‬وحماسَةٍ؟

‮٥- ‬‭ ‬هلْ‭ ‬ستؤَدِّي‭ ‬الوسيلَةُ‭ ‬إلى‭ ‬مفسدَةٍ‭ ‬أَكبرَ‭ ‬منَ‭ ‬المصلحَةِ‭ ‬المرجوَّةِ؟

‮٦‬‭ - ‬هلْ‭ ‬أَرضى‭ ‬أَن‭ ‬يستعمَلَ‭ ‬خصْمي‭ ‬هذِهِ‭ ‬الوسيلَةَ‭ ‬نفسَها‭ ‬ضدِّيِّ؟

‮٧- ‬‭ ‬وهلْ‭ ‬أَستطيعُ‭ ‬أَن‭ ‬أَقفَ‭ ‬بينَ‭ ‬يدي‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى›‭ ‬وأَقولَ‭ ‬بصدْقٍ‭: ‬سلكْتُ‭ ‬هذا‭ ‬الطَّريقَ‭ ‬لأَنَّ‭ ‬شرعَكَ‭ ‬أَباحَهُ،‭ ‬لا‭ ‬لأَنَّ‭ ‬نفسي‭ ‬اشتهتْهُ؟

الخلاصَةُ‭:‬

إنَّ‭ ‬الإسلامَ‭ ‬لا‭ ‬يفصِلُ‭ ‬بينَ‭ ‬نُبلِ‭ ‬الغايَةِ‭ ‬وطهارَةِ‭ ‬الوسيلَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬يسمَحُ‭ ‬للعبدِ‭ ‬أَن‭ ‬يعصيَ‭ ‬اللهَ‭ ‬ليزعمَ‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬ينصرُ‭ ‬دينَ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى‭.‬

فلا‭ ‬تُنصَرُ‭ ‬السُّنَّةُ‭ ‬بالكَذِبِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُقامُ‭ ‬العدالَةُ‭ ‬بالظُّلمِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُحمَى‭ ‬الدَّعوَةُ‭ ‬بالخيانَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬تُبنَى‭ ‬المؤَسَّساتُ‭ ‬بالغِشِّ،‭ ‬ولا‭ ‬يُوصَلُ‭ ‬إلى‭ ‬الإصلاحِ‭ ‬بإفسادِ‭ ‬الضَّمائِرِ‭.‬

والقاعدَةُ‭ ‬الجامعَةُ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البابِ‭ ‬هيَ‭:‬

ليس‭ ‬َكلُّ‭ ‬ما‭ ‬أَوصَلَ‭ ‬إلى‭ ‬مصلحَةٍ‭ ‬مشروعًا،‭ ‬وإنَّما‭ ‬المشروعُ‭ ‬ما‭ ‬كانَتْ‭ ‬غايتُهُ‭ ‬مشروعَةً،‭ ‬ووسيلتُهُ‭ ‬مباحَةً،‭ ‬ومصلحتُهُ‭ ‬راجحَةً،‭ ‬ومآلُهُ‭ ‬مأْمونًا‭ ‬في‭ ‬غالبِ‭ ‬الظَّنِّ‭.‬

‮١- ‬‭ ‬فمَن‭ ‬طلبَ‭ ‬الحقَّ‭ ‬بالباطلِ؛‭ ‬أَفسدَ‭ ‬الحقَّ‭ ‬والباطلَ‭ ‬معًا‭. ‬

‮٢‬‭ ‬- ومَن‭ ‬أَرادَ‭ ‬إقامَةَ‭ ‬العدْلِ‭ ‬بالظُّلمِ؛‭ ‬أَقامَ‭ ‬ظُلمًا‭ ‬جديدًا‭ ‬يحمِلُ‭ ‬اسمَ‭ ‬العدالَةِ‭.‬

‮٣- ‬‭ ‬ومَنِ‭ ‬استعجَلَ‭ ‬النَّصرَ‭ ‬بمعصيَةِ‭ ‬اللهِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬يَهْزِمُ‭ ‬خصمَهُ‭ ‬زمنًا،‭ ‬ولكنَّهُ‭ ‬يَهْزِمُ‭ ‬المنهجَ‭ ‬في‭ ‬نُفوسِ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬أَعوامًا‭.‬

فالغايَةُ‭ ‬في‭ ‬الإسلامِ‭ ‬لا‭ ‬تُبرِّرُ‭ ‬الوسيلَةَ؛‭ ‬بلِ‭ ‬الغايَةُ‭ ‬المشروعَةُ‭ ‬تفرضُ‭ ‬اختيارَ‭ ‬الوسيلَةِ‭ ‬المشروعَةِ؛‭ ‬لأَنَّنا‭ ‬متعبَّدونَ‭ ‬للهِ‭ ‬بالمقاصِدِ‭ ‬والوسائِلِ‭ ‬والمآلاتِ‭ ‬جميعًا‭.‬

فاللَّهُمَّ‭!‬ ارزقنا‭ ‬صدْقَ‭ ‬المقاصِدِ،‭ ‬وطهارَةَ‭ ‬الوسائِلِ،‭ ‬وبصيرَةً‭ ‬في‭ ‬المآلاتِ،‭ ‬ولا‭ ‬تجعَلْ‭ ‬غيرتَنا‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭ ‬بابًا‭ ‬إلى‭ ‬الظُّلمِ،‭ ‬ولا‭ ‬حرصَنا‭ ‬على‭ ‬الإصلاحِ‭ ‬ذريعَةً‭ ‬إلى‭ ‬الفسادِ،‭ ‬واهدِنا‭ ‬لأَقومِ‭ ‬الطُّرُقِ‭ ‬وأَعدلِها‭ ‬وأَرضاها‭ ‬عندكَ؛‭ ‬إنَّكَ‭ ‬وليُّ‭ ‬ذلكَ‭ ‬والقادِرُ‭ ‬عليهِ‭.‬

والحمدُ‭ $‬ِ‭ ‬الَّذي‭ ‬بنعمتِهِ‭ ‬تتمُّ‭ ‬الصَّالحاتُ‭.‬

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

٢٥ محرم ١٤٤٨هـ - ١١/٧/٢٠٢٦م

***

Previous
Previous

‮‬»حينَ‭ ‬تتحوَّلُ‭ ‬القضيَّةُ‭ ‬إلى‭ ‬دِينٍ‭ ‬مُوازٍ«‬

Next
Next

‮‬»سعيدُ‭ ‬النُّورسيُّ‮«