»بينَ نُبْلِ الغايَةِ وطهارَةِ الوسيلَةِ«
إبطالُ مقولَةِ: »الغايَةُ تُبرِّرُ الوسيلَةَ« في ميزانِ الشَّريعَةِ
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على› رسولِ ا$، وعلى› آلهِ وصحبِهِ ومَن والاه، أَمَّا بعدُ:
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للعلْمِ والعَدْلِ والبصيرَةِ - أَنَّ من أَخطرِ القواعِدِ الَّتي تسلَّلَتْ إلى ميادينِ السِّياسَةِ والدَّعوَةِ والإعلامِ والإدارَةِ والإصلاحِ؛ مقولةَ: »الغايَةُ تُبرِّرُ الوسيلَةَ«.
ومعناها :أَنَّ الإنسانَ متى› اعتقدَ صلاحَ غايتِهِ، أَو رأَى› أَنَّ النتيجَةَ التي يسعَى إليها نافعَةٌ؛ جازَ لهُ أَن يستعمِلَ للوصولِ إليها ما شاءَ من الوسائِلِ، ولوْ كانَتْ كذبًا، أَو غدرًا، أَو ظُلمًا، أَو خيانَةً، أَو غشًّا، أَو أَكلًا للأَموالِ بالباطِلِ.
وهذِهِ المقولَةُ بهذا المعنَى :قاعدَةٌ باطلَةٌ شَرْعًا، وفاسدَةٌ عقْلًا، وخطيرَةٌ واقعًا؛ لأَنَّها تجعَلُ الإنسانَ هو الذي يحدِّدُ الغايَةَ، ثم يمنَحُ نفسَهُ باسمِها رخصَةً مفتوحَةً لانتهاكِ الحدودِ والحقوقِ والحرماتِ.
وليسَ الخطأُ في اعتبارِ الغاياتِ والمصالِحِ؛ فالشَّريعَةُ جاءَتْ بتحقيقِ المصالِحِ وتكميلِها، ودرْءِ المفاسِدِ وتقليلِها، وإنَّما الخطَأُ في» تَأْلِيهِ الغايَةِ« حتَّى› تُلغَى لأَجلِها الأَحكامُ، وتُهدَرَ الحقوقُ، ويُسمَّى الظُّلمُ حكمَةً، والخيانَةُ سياسَةً، والكذِبُ مصلحَةً، والغِشُّ ضرورَةً.
أَوَّلًا- الإسلامُ يحكمُ على الغايَةِ والوسيلَةِ معًا:
العمَلُ في» ميزانِ الإسلامِ« لا يصيرُ صالحًا بمجردِ صلاحِ النِّيَّةِ؛ بلْ لا بُدَّ فيهِ من أَمرينِ:
1- أَن يكونَ المقصَدُ مشروعًا.
2- وأَن تكونَ الوسيلَةُ المؤَدِّيَةُ إليهِ مشروعَةً.
فالإخلاصُ وحدَهُ لا يكفي؛ إذا كانَ العمَلُ مخالفًا للشَّرْعِ، كما أَنَّ موافقَةَ الظَّاهرِ للشَّرْعِ لا تنفَعُ معَ فسادِ القَصْدِ.
قالَ النَّبيُّ :# »مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنا؛ فَهُوَ رَدٌّ «[البخاري: ٢٦٩٧. ومسلم: ١٧١٨] .
أَي :مردودٌ على صاحبِهِ، ولو حَسُنَ قصدُهُ، وعظمَتْ حماستُهُ، وظنَّ أَنَّهُ يخدِمُ الدِّينَ أَو الأُمَّةَ.
وقالَ #: »إنَّ ا$ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا«] مسلم: ١٠١٥].
فالغايَةُ الطيِّبَةُ لا تُنالُ عندَ ا$ بمالٍ خبيثٍ، ولا بكذِبٍ خبيثٍ، ولا بطريقٍ محرَّمٍ؛ لأَنَّ ا$ تعالى› طيِّبٌ، ولا يتقرَّبُ إليهِ العبْدُ بما حرَّمَهُ عليهِ.
وله›ذا قرَّرَ العلماءُ؛ أَنَّ العمَلَ المقبولَ يقومُ على› أَصلينِ:
١- إخلاصِ القصْدِ $ تعالى›.
٢- وموافقَةِ العمَلِ لشرْعِ ا$ تعالى›.
ثانيًا -القرآنُ يمنَعُ استِعمالَ الباطلِ ولَو في مواجهَةِ الباطِلِ:
قالَ ا$ُ تعالى›: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى› وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
فالآيَةُ لم تُبِحِ الإثمَ والعدوانَ لأَجلِ غايَةٍ يظنُّها أَصحابُها نافعَةً؛ بلْ نهَتْ عن التَّعاونِ على الوسيلَةِ المحرَّمَةِ نفسِها، ولو رُفعَتْ فوقَها شعاراتٌ دينيَّةٌ، أَو وطنيَّةٌ، أَو إصلاحيَّةٌ.
وقالَ تعالى›: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾] المائدة: 8].
فحتَّى› عداوَةُ الخصمِ، وظلمُهُ، وبغضُهُ؛ لا تبيحُ لنا ظلمَهُ، ولا الكذِبَ عليهِ، ولا اتهامَهُ بما ليسَ فيهِ، ولا الاعتداءَ على› حقوقِهِ؛ لأَنَّ العدْلَ قيمَةٌ شرعيَّةٌ ثابتَةٌ، لا تتغيَّرُ بتغيُّرِ الأَشخاصِ.
بلْ حتَّى الدَّعوَةُ إلى اللهِ، وهيَ من أَجَلِّ الغاياتِ؛ قيَّدها اللهُ بالوسيلَةِ الحسنَةِ، فقالَ تعالى›:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: [125
فلمْ يقُلِ ا$ تعالى›: ادعُ إلى الحقِّ بأَيِّ أُسلوبٍ؛ بل أَمرَ بالحكمَةِ والموعظَةِ الحسنَةِ والمجادلَةِ بالتي هيَ أَحسَنُ؛ لأَنَّ شَرَفَ المدْعوِّ إليهِ يقتضي شَرَفَ الطَّريقِ المؤَدِّي إليهِ.
ثالثًا -النِّيَّةُ الحسنَةُ؛ لا تُغيِّرُ حقيقَةَ الحرامِ:
- مَن سرَقَ مالًا ليتصدَّقَ بهِ؛ فقدْ سرَقَ، ولم تتحوَّلِ السَّرقَةُ إلى صدَقَةٍ.
- ومَن كذَبَ ليُحبِّبَ النَّاسَ في الدَّعوَةِ؛ فقدْ كذَبَ، ولم يتحوَّلِ الكذِبُ إلى دعوَةٍ.
- ومَن غَشَّ في الانتخاباتِ ليُوصِلَ صالحًا إلى الحكْمِ؛ فقدِ ارْتكَبَ الغِشَّ والخيانَةَ، ولم يصبحِ التَّزويرُ شُورًى ولا إصلاحًا.
- ومَنِ اخْتلقَ قصصًا وكراماتٍ وأَحاديثَ ليؤَثِّرَ في العامَّةِ؛ فقدْ كذَبَ على الدِّينِ، ولَو بكَى النَّاسُ بكلامِهِ وتأَثَّروا.
- ومَن أَخذَ أَموالَ النَّاسِ بغيرِ حقٍّ ليقيمَ بها مَشروعًا خيريًّا؛ فقدْ بنَى› خيرًا ظاهِرًا على› ظُلمٍ باطِنٍ، وما بُنيَ على الحرامِ لا تصيِّرُهُ اللافتاتُ الخيريَّةُ حلالًا.
قالَ النَّبيُّ ﷺ :»مَنْ غَشَّنَا؛ فَلَيْسَ مِنَّا« [مسلم: ٢٠١].
فلَمْ يستَثنِ الغِشَّ الذي يزعِمُ صاحبُهُ أَنَّهُ يخدِمُ مصلحَةً عامَّةً، أَو قضيَّةً عادِلَةً.
فالنِّيَّةُ الصَّالحَةُ؛ قدْ تخفِّفُ من قُبْحِ صاحبِها من جهَةِ أَنَّهُ لم يُرِدِ الشَّرَّ لذاتِهِ؛ لكنَّها لا تقلَبُ الحرامَ حلالًا، ولا الباطلَ حقًّا، ولا المعصيَةَ طاعَةً.
رابعًا -المقابِلُ الإسلاميُّ الصَّحيحِ:
ليسَ المقابِلُ الإسلاميُّ لمقولَةِ» الغايَةُ تُبرِّرُ الوسيلَةَ« هو إهمالُ الغاياتِ والنتائِجِ؛ بلِ المقابِلُ الصَّحيحُ هو:
الغايَةُ المشروعَةُ لا تُطلَبُ إلَّا بوسيلَةٍ مشروعَةٍ، معَ مُراعاةِ المصالِحِ والمفاسِدِ والمآلاتِ.
ويمكنُ تلخيصُ المنهجِ الإسلاميِّ في ثلاثَةِ أَركانٍ:
١- صلاحُ المقصَدِ.
٢- ومشروعيَّةُ الوسيلَةِ.
٣- وسلامَةُ المآلِ في غالِبِ الظَّنِّ.
وقدْ قرَّرَ علماءُ الأُصُولِ قاعدَةَ» :الوسائِلُ لها أَحكامُ المقاصِدِ«.
ومعناها: أَنَّ الوسيلَةَ المباحَةَ قدْ تصيرُ واجبَةً إذا توقَّفَ عليها واجِبٌ، وقدْ تصيرُ مندوبَةً إذا أَوصلَتْ إلى مندوبٍ، وتحرمُ الوسيلَةُ إذا كانَتْ طريقًا إلى الحرامِ.
وليسَ معناها: أَنَّ الوسيلَةَ المحرَّمَةَ تصيرُ حلالًا لمجرَّدِ أَنَّ المقصَدَ حَسَنٌ؛ بلْ معناها :أَنَّ الوسائِلَ تُوزَنُ بميزانِ الشَّرْعِ، كما تُوزَنُ المقاصِدُ.
وقدْ نُسِبَ تقريرُ هذِهِ القاعِدَةِ إلى العِزِّ بنِ عبدِ السَّلامِ، والقَرافيِّ، والشَّاطِبيِّ، وغيرِهِم من أَئِمَّةِ الأُصُولِ.
- ففرْقٌ كبيرٌ بينَ قَولِنا» :الوسائِلُ لها أَحكامُ المقاصِدِ«.
- وبينَ قولِنا» :الغايَةُ تُبرِّرُ كلَّ وسيلَةٍ«.
الأُولى› قاعدَةٌ منضبطَةٌ بالوحْي، والثَّانيَةُ رُخْصَةٌ مفتوحَةٌ للهَوى.
خامسًا -من هديِ النَّبيِّ ﷺ في ضبْطِ الغاياتِ والوسائِلِ:
1- تركُ بعضِ المصالِحِ دفعًا لمفسدَةٍ أَعظمَ:
كانَ النَّبيُّ ﷺ يحبُّ أَن يعيدَ بناءَ الكعبَةِ على قواعدِ إبراهيمَ - عليهِ السَّلامُ - وهو مقصُدٌ عظيمٌ مشروعٌ؛ لكنَّهُ تركَ ذلكَ؛ لأَنَّ قريشًا كانَتْ حديثَةَ عهْدٍ بالجاهليَّةِ، وخشيَ أَن يترتَّبَ على› ذلكَ اضطرابُ القلوبِ والفتنَةِ.
فقالَ لعائشَةَ، رضي ا$ عنها» :لَولا أَنَّ قَومَكِ حَديثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ؛ لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ] «البخاري: ١٥٨٦. ومسلم: ١٣٣٣].
فلَمْ يكُنْ مجرَّدُ صلاحِ الغايَةِ كافيًا للإقدامِ؛ بلْ راعَى النَّبيُّ ﷺ استعدادَ النَّاسِ ومآلاتِ الفعْلِ.
2- الوفاءُ بالعهْدِ معَ شدَّةِ الأَلَمِ:
في »صلْحِ الحديبيَةِ« التزَمَ النَّبيُّ ﷺ بما تعاقَدَ عليهِ، وردَّ مَن جاءَهُ بحسَبِ شروطِ الصُّلْحِ، معَ ما في ذلكَ من الأَلَمِ الظَّاهِرِ.
لأَنَّ نُصْرَةَ المسلمينَ لا تكونُ بالغَدْرِ ونقْضِ العُهودِ، وقدْ شهدَ أَبو بَصيرٍ بأَنَّ النَّبيَّ ﷺ وفَّى بالتزامِهِ حينَ أَعادَهُ إليهم.
فالوفاءُ بالعُهودِ جزْءٌ من الدِّينِ، ولا يجوزُ أَن نجعلَ مصلحَةً عاجلَةً ذريعَةً إلى إهدارِ الأَماناتِ والمواثيقِ.
3- الاستثناءاتُ يحدِّدُها الشَّرْعُ لا الهوى›:
وردَ في الحديثِ الصَّحيح» :الحَرْبُ خُدْعَةٌ«.
فأَباحَ الشَّرْعُ في الحربِ من التَّوريَةِ وإخفاءِ الخُطَطِ ما يحقِّقُ مصلحَةَ القتالِ.
لكنَّ هذِهِ الرُّخصَةَ لم يضعْها قائِدٌ سياسيٌّ لهواهُ، وإنَّما ثبتَتْ بالنَّصِّ الشَّرعيِّ، وتبقَى محكومَةً بسائِرِ الأَحكامِ؛ فلا تُبيحُ قتلَ مَن لا يجوزُ قتلُهُ، ولا نقْضَ العَهْدِ، ولا استباحَةَ كلِّ محرَّمٍ.
وهُنا يظهَرُ الفَرْقُ:
- بينَ »الرُّخصَةِ الشَّرعيَّةِ المنضبطَةِ«.
- وبينَ قاعدَةِ» الغايَةُ تُبرِّر الوسيلَةَ« المنفلِتَةَ.
سادسًا -تطبيقاتٌ معاصرَةٌ للقاعدَةِ الباطلَةِ:
تظهَرُ هذِهِ المقولَةُ في صورٍ كثيرَةٍ، منها:
١- في الدَّعوَةِ: أَن يكذِبَ الدَّاعيَةُ في نقلِ الأَخبارِ، أَو يختلِقَ القِصَصَ، أَو ينسَبَ إلى خصمِهِ ما لم يقلْ، بحجَّةِ حمايَةِ المنهجِ ونُصرَةِ الحقِّ.
٢- في السِّياسَةِ: أَن يُستعمَلَ التَّزويرُ، وشراءُ الذِّمَمِ، ونقْضُ الوعودِ، والتَّجسُّسُ المحرَّمِ، وتشويهُ الأَبرياءِ؛ بحجَّةِ الوصُولِ إلى الحكمِ لإصلاحِ المجتمَعِ.
٣- في المؤَسَّساتِ: أَن تُخفى الحساباتُ، وتُزوَّرَ المحاضِرُ، ويُقصى الأَكفاءُ، وتُغيَّرَ اللَّوائِحُ؛ بحجَّةِ المحافظَةِ على وحدَةِ المؤَسَّسَةِ، أَو استمرارِ مشروعِها.
٤- في الإعلامِ: أَن يُنشرَ خبرٌ غيرُ متحقَّقٍ منهُ؛ لأَنَّهُ يخدِمُ قضيَّةً عادلَةً، أَو يفضَحُ خصمًا ظالمًا.
٥- في طلَبِ العلْمِ: أَن يغِشَّ الطَّالِبُ في الامتحانِ؛ ليحصلَ على› شهادَةٍ يزعُمُ أَنَّهُ سيخْدِمُ بها الإسلامَ والمسلمينَ.
٦- في المالِ: أَن تُستعمَلَ الأَموالُ المحرَّمَةُ، أَو المسروقَةُ، أَو المختلسَةُ في بناءِ مسجدٍ، أَو مدرسَةٍ، أَو إعانَةِ الفقراءِ.
وهذِهِ الصُّورُ كلُّها تجمَعُ بينَ »غايَةٍ قدْ تكونُ مشروعَةً، ووسيلَةٍ محرَّمَةٍ«؛ فلا تصيرُ مشروعَةً باجتماعِها.
بلْ إنَّ مِنْ سُنَنِ اللهِ تعالى›؛ أَنَّ المشروعَ الذي يقومُ على الكذْبِ والخيانَةِ والظُّلمِ يحمِلُ في داخلِهِ أَسبابَ فسادِهِ؛ لأَنَّ الوسائِلَ الخبيثَةَ لا تبقى› خارجَ المشروعِ؛ بلْ تتسلَّلُ إلى› روحِهِ، ثم تتحوَّلُ من استثناءٍ مؤقَّتٍ إلى منهجٍ دائمٍ.
١- ومَن اعتادَ الكذِبَ للوصُولِ إلى الحكْمِ؛ كذَبَ بعدَ وصولِهِ.
٢- ومَن ظلمَ خصومَهُ ليقيمَ العَدْلَ؛ ظلمَ النَّاسَ حينَ تمكَّنَ.
٣- ومَن عطَّلَ الشُّورى› بحجَّةِ حمايَةِ المؤَسَّسَةِ؛ حوَّلَ المؤَسَّسَةَ إلى ملكيَّةٍ شخصيَّةٍ.
سابعًا- ماذا عن الضَّرورَةِ وارتكابِ أَخَفِّ الضَّررينِ؟:
قدْ يظنُّ بعضُ النَّاسِ؛ أَنَّ قواعِدَ الضَّرورَةِ والموازنَةِ بينَ المصالحِ والمفاسِدِ صُورَةٌ من صُورِ »الغايَةُ تُبرِّرُ الوسيلَةَ« وليسَ الأَمرُ كذلك.
فالضَّرورَةُ في الشَّريعَةِ ليسَتْ هوًى شخصيًّا، ولا مصلحَةً متوهَّمَةً، ولا شعارًا يُرفَعُ كلَّما ضاقَ الإنسانُ بالحكمِ الشَّرعيِّ، وإنَّما هيَ حالَةٌ حقيقيَّةٌ يخشَى› معها ضرَرٌ معتبَرٌ، ولا يوجَدُ لدفعِهِ طريقٌ مباحٌ.
قالَ ا$ُ تعالى›: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
فقيَّدَ الرُّخصَةَ بأَلَّا يكونَ الإنسانُ باغيًا، ولا متجاوزًا قدْرَ ضرورتِهِ.
ومن ضَوابطِ الضَّرورَةِ:
١- أَن تكونَ حقيقيَّةً، أَو غالبَةَ الوقوعِ.
٢- وأَلَّا توجَدَ وسيلَةٌ مباحَةٌ لدفعِها.
٣- وأَن يُقتصَرَ على قدْرِ الحاجَةِ.
٤- وأَلَّا يُدفَعَ الضَّرَرُ بضَرَرٍ مساوٍ لَهُ، أَو أَشَدَّ.
٥- وأَن يُرجَعَ في النَّوازلِ العامَّةِ إلى أَهلِ العلْمِ والخبرَةِ، لا إلى حماسَةِ الأَفرادِ.
فمَن أَكلَ منَ الميتَةِ لئلَّا يموتَ جوعًا لم يقلْ: إنَّ غايَةَ البقاءِ تُبرِّرُ كلَّ محرَّمٍ؛ بلِ اللهُ نفسُهُ رخَّصَ لهُ بقدْرِ الضَّرورَةِ.
وهذا؛ حكمٌ شرعيٌّ استثنائيٌّ منضبِطٌ، لا قاعدَةٌ نفعيَّةٌ مطلقَةٌ.
ثامنًا- ميزانٌ عمليٌّ لفحْصِ الوسائِلِ:
قبلَ أَن تستعمِلَ وسيلَةً لتحقيقِ غايةٍ تراها حسنَةً؛ فاسأَلْ نفسَكَ:
١- هلِ الغايَةُ نفسُها مشروعَةٌ، أَمْ أَنَّها رغبَةٌ شخصيَّةٌ أَلبستُها لباسَ المصلحَةِ؟
٢- هلِ الوسيلَةُ مباحَةٌ في أَصلِها، أَمْ فيها كذِبٌ، أَو ظُلمٌ، أَو غِشٌّ، أَو خيانَةٌ، أَو عدوانٌ؟
٣- هلْ يوجَدُ طريقٌ مباحٌ يحقِّقُ المقصُودَ، ولَوْ كانَ أَطولَ وأَشقَّ؟
٤ - هلِ المصلحَةُ متحقِّقةٌ أَو غالبَةُ الظَّنِّ، أَمْ هيَ مجرَّدُ توهُّمٍ وحماسَةٍ؟
٥- هلْ ستؤَدِّي الوسيلَةُ إلى مفسدَةٍ أَكبرَ منَ المصلحَةِ المرجوَّةِ؟
٦ - هلْ أَرضى أَن يستعمَلَ خصْمي هذِهِ الوسيلَةَ نفسَها ضدِّيِّ؟
٧- وهلْ أَستطيعُ أَن أَقفَ بينَ يدي اللهِ تعالى› وأَقولَ بصدْقٍ: سلكْتُ هذا الطَّريقَ لأَنَّ شرعَكَ أَباحَهُ، لا لأَنَّ نفسي اشتهتْهُ؟
الخلاصَةُ:
إنَّ الإسلامَ لا يفصِلُ بينَ نُبلِ الغايَةِ وطهارَةِ الوسيلَةِ، ولا يسمَحُ للعبدِ أَن يعصيَ اللهَ ليزعمَ أَنَّهُ ينصرُ دينَ اللهِ تعالى.
فلا تُنصَرُ السُّنَّةُ بالكَذِبِ، ولا تُقامُ العدالَةُ بالظُّلمِ، ولا تُحمَى الدَّعوَةُ بالخيانَةِ، ولا تُبنَى المؤَسَّساتُ بالغِشِّ، ولا يُوصَلُ إلى الإصلاحِ بإفسادِ الضَّمائِرِ.
والقاعدَةُ الجامعَةُ في هذا البابِ هيَ:
ليس َكلُّ ما أَوصَلَ إلى مصلحَةٍ مشروعًا، وإنَّما المشروعُ ما كانَتْ غايتُهُ مشروعَةً، ووسيلتُهُ مباحَةً، ومصلحتُهُ راجحَةً، ومآلُهُ مأْمونًا في غالبِ الظَّنِّ.
١- فمَن طلبَ الحقَّ بالباطلِ؛ أَفسدَ الحقَّ والباطلَ معًا.
٢ - ومَن أَرادَ إقامَةَ العدْلِ بالظُّلمِ؛ أَقامَ ظُلمًا جديدًا يحمِلُ اسمَ العدالَةِ.
٣- ومَنِ استعجَلَ النَّصرَ بمعصيَةِ اللهِ؛ فقدْ يَهْزِمُ خصمَهُ زمنًا، ولكنَّهُ يَهْزِمُ المنهجَ في نُفوسِ النَّاسِ أَعوامًا.
فالغايَةُ في الإسلامِ لا تُبرِّرُ الوسيلَةَ؛ بلِ الغايَةُ المشروعَةُ تفرضُ اختيارَ الوسيلَةِ المشروعَةِ؛ لأَنَّنا متعبَّدونَ للهِ بالمقاصِدِ والوسائِلِ والمآلاتِ جميعًا.
فاللَّهُمَّ! ارزقنا صدْقَ المقاصِدِ، وطهارَةَ الوسائِلِ، وبصيرَةً في المآلاتِ، ولا تجعَلْ غيرتَنا على الحقِّ بابًا إلى الظُّلمِ، ولا حرصَنا على الإصلاحِ ذريعَةً إلى الفسادِ، واهدِنا لأَقومِ الطُّرُقِ وأَعدلِها وأَرضاها عندكَ؛ إنَّكَ وليُّ ذلكَ والقادِرُ عليهِ.
والحمدُ $ِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ.
كتبهُ: عبد الله بن عبد الحميد الأَثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
٢٥ محرم ١٤٤٨هـ - ١١/٧/٢٠٢٦م

