»سعيدُ النُّورسيُّ«
إمامُ الثَّباتِ ومنارَةُ اليقينِ في زمنِ العاصفَةِ والانكسارِ
وإذا أَرَدْنا أَنْ نتحدَّثَ عنِ الإمامِ المُصلِحِ، والمُجاهِدِ الصَّابرِ بثباتِهِ ومواقفِهِ وتضحياتِهِ في سبيلِ دينِهِ؛
»بديعِ الزَّمانِ سعيدٍ النُّورسيِّ« رحمهُ اللهُ.
فليسَ من الإنصافِ أَنْ يُذكَرَ اسمُهُ عابرًا في سطورِ التَّراجمِ المختصَرةِ؛ فقد كانَ رجلًا ربَّانيًّا من طِرازٍ نادرٍ، جمَعَ اللهُ لهُ صفاءَ الإيمانِ، ونفاذَ البصيرَةِ، وصلابَةَ الموقِفِ، وشُجاعَةَ الكلمَةِ، وحُسنَ فقهِ معركةِ زمانِهِ.
لقدْ فتحَتْ أَمامَهُ أَبوابُ الدُّنيا، وتقرَّبَ إليهِ بعضُ أَهلِ السِّياسَةِ والنُّفوذِ، وكانَ مؤَهَّلًا - بما آتاهُ اللهُ من نبوغٍ وحضورٍ وهيبَةٍ - أَنْ يكونَ منَ المُتصدِّرينَ في الدَّولةِ والمجتمعِ.
لكنَّهُ أَدْرَكَ ببصيرتِهِ النَّافذَةِ أَنَّ معركةَ العصرِ لم تكنْ معركةَ مناصبَ وأَلقابٍ، ولا سباقًا إلى جاهٍ وسلطانٍ؛ وإنَّما كانتْ، في حقيقتِها؛ معركةَ إيمانٍ وكفرٍ، ويقينٍ وإلحادٍ، وهُويَّةٍ ووحيٍ، في مواجهَةِ موجَةٍ جارفَةٍ منَ المادِّيَّةِ والتَّغريبِ؛ تُريدُ أَنْ تقتلعَ الأُمَّةَ من جذورِها، وتفصلَها عن قرآنِها، وتاريخِها، وروحِها.
فقدْ رأَى بعينِ بصيرتِهِ أَنَّ الإلحادَ لم يكنْ فكرَةً عابرَةً، ولا شُبهةً محدودةَ الأَثرِ؛ بل كانَ سيلًا فكريًّا جارِفًا، تتدافَعُ رياحُهُ منَ الشَّرقِ عبرَ الشُّيوعيَّةِ والمادِّيَّةِ، ومنَ الدَّاخلِ عبرَ المشروعِ الكماليِّ الذي أَرادَ أَنْ يقطعَ »تركيا« عن جُذورِها الإسلاميَّةِ، بعدَ إِسقاطِ» الخلافةِ العثمانيَّةِ« وإقصاءِ الشَّريعةِ عن مقامِ الحُكمِ والتَّشريعِ، واستبدالِ الأَحكامِ الشَّرعيَّةِ بقوانينَ وضعيَّةٍ مُستوردَةٍ، والسَّعي الحثيثِ إلى إعادَةِ تشكيلِ هُويَّةِ الأُمَّةِ باسمِ التَّقدُّمِ والمدنيَّةِ واللَّحاقِ بالغربِ.
لَمْ تَكُنْ تلكَ الحربُ حربًا عاديَّةً على بعضِ المظاهرِ الدينيَّةِ؛ بلْ كانتْ محاولةً منظَّمةً لتجفيفِ الجذورِ في عُقرِ دارِ الخلافةِ، وقطعِ الأُمَّةِ عن مَعينِها الأَوَّلِ: قرآنِها، ولغتِها، وشعائرِها، وتاريخِها، وذاكرتِها الإيمانيَّة.
تغييرُ الهُويَّةِ: لم تقفِ الحربُ عندَ حدودِ السِّياسَةِ والقوانينِ؛ بلِ امتدَّتْ إلى وجدانِ الأُمَّةِ ولسانِها وشعائرِها؛ فحوربتِ العربيَّةُ، وأُقصيتْ حروفُها، وفُرضتِ الحروفُ اللاتينيَّةُ بدلًا منها؛ لعزلِ الأُمَّةِ عن مصحفِها وتُراثِها وعلومِها، وضُيِّقَ على تعليمِ القرآنِ، وحُوصرتْ مظاهرُ الدِّينِ في الحياةِ العامَّةِ.
بلْ صُمَّتِ الآذانُ عن سماعِ نداءِ التَّوحيدِ بلغتهِ العربيَّةِ الخالدَةِ»:اللهُ أَكبر«! وفُرضَ الأَذانُ بالتركيَّةِ قسرًا سنواتٍ طويلةً؛ حتَّى أُريدَ للأُمَّةِ التي حملتْ رايةَ الخلافةِ قرونًا أَنْ تستيقظَ فإذا هيَ غريبَةٌ عن قرآنِها، غريبةٌ عن أَذانِها، غريبَةٌ عن تاريخِها، غريبَةٌ عن روحِها.
البطشُ والتَّنكيلُ: ولم يكنْ هذا التَّحوُّلُ مجرَّدَ تبديلٍ إداريٍّ أَو إصلاحٍ شكليٍّ كما زعموا؛ بلْ صاحبَهُ بطشٌ وتنكيلٌ، وملاحقَةٌ للعلماءِ والمصلحينَ، وسُفكتْ دماءُ أَعدادٍ كبيرَةٍ ممَّن رفضوا هذا المسخَ الهُوياتيَّ، وأَبَوا أَنْ تُنتزعَ الأُمَّةُ من دينِها باسمِ التَّقدُّمِ، أَو تُسلخَ من تاريخِها باسمِ المدنيَّةِ، أَو تُدفعَ إلى التَّغرُّبِ باسمِ اللَّحاقِ بالعصرِ.
في هذا الجَوِّ الخانِقِ؛ لم يكنْ »سعيدٌ النُّورسيُّ« رجلًا عاديًّا؛ لم يُساوِمْ، ولم يَبِعْ دينَهُ بدُنيا غيرِهِ، ولم يركَعْ للعاصفَةِ، ولم يقُلْ: هذهِ مرحلةٌ لا طاقَةَ لنا بها؛ بلْ وقفَ وقفةَ المؤمنِ المُستعلي بإيمانِهِ، الواثقِ بربِّهِ، المُدرِكِ أَنَّ الهزيمةَ الحقيقيَّةَ ليستْ في ضعفِ الجسدِ، ولا في قسوةِ السِّجنِ، ولا في كثرَةِ الخصومِ؛ وإنَّما الهزيمةُ أَنْ ينكسِرَ القلبُ أَمامَ الباطلِ، وأَنْ يَستسلِمَ اليَّقينُ لضغطِ الواقعِ.
وقدْ تجلَّتْ هذِهِ المفاصلَةُ الكُبرى يومَ استُدعيَ إلى» أَنقرَةَ« ورُحِّبَ بهِ في مجلسِها؛ فرأَى من حالِ كثيرٍ من رجالِ الدَّولَةِ الجديدَةِ ما آلمَهُ وأَفزعَهُ؛ إذْ وجدَ ضعفًا ظاهرًا في شأْنِ الصَّلاةِ، وهيَ عَمودُ الدِّينِ، وأَعظمُ شعائرِهِ بعدَ الشَّهادتينِ.
فلم يدخلْ »سعيدٌ النُّورسيُّ« مجلسَ السِّياسَةِ بلسانِ المجاملَةِ، ولا خاطبَ أَهلَ السُّلطانِ بمنطقِ التَّزلُّفِ؛ بل خاطبَهُم بمنطقِ العالمِ الرَّبَّانيِّ الذي يعلمُ أَنَّ أَوَّلَ واجبٍ على القادَةِ أَنْ يحفظوا صِلَةَ الأُمَّةِ بربِّها، وأَنْ لا يُفرِّطوا في أَعظمِ شعائرِ الإسلامِ.
وتذكرُ الرِّواياتُ المشهورَةُ في سيرتِهِ؛ أَنَّ كمال باشا غضبَ من ذلكَ، وقالَ لهُ بمعنى :إنَّما دعوناكَ لنستنيرَ بأَفكارِكَ العاليَةِ؛ فإذا بكَ تبدأُ بالكلامِ عنِ الصَّلاةِ وتُثيرُ بينَنا الخلافَ.
فكانَ جوابُ» النُّورسيِّ« جوابَ المؤمنِ الواثقِ، لا جوابَ الخائفِ المتردِّدِ، فقالَ كلمتَهُ الصَّارمةَ: )باشا، باشا !إنَّ أَعلى حقيقَةٍ بعدَ الإيمانِ في الإسلامِ هيَ الصَّلاةُ، ومَن تركَ الصَّلاةَ فقد خانَ، وحُكمُ الخائنِ مردودٌ(.
وهُنا وقعَ الافتراقُ الحقيقيُّ بينَ رجلٍ أَرادَ أَنْ يبنيَ تركيا الجديدَةَ على التَّغريبِ وقطعِ الصِّلةِ بالشَّريعَةِ، ورجلٍ أَدركَ أَنَّ نهضةَ الأُمَّةِ لا تكونُ بقتلِ روحِها، ولا بعزلِها عن قرآنِها، ولا بإسكاتِ أَذانِها، ولا بتبديلِ هُويَّتِها باسمِ المدنيَّةِ.
ومنذُ تلكَ اللَّحظةِ بدأَ طريقٌ طويلٌ منَ الابتلاءِ؛ طريقُ السُّجونِ والمَنافي، والمُراقبَةِ والتَّضييقِ، ومُحاولاتِ الإيذاءِ والمحاصرَةِ؛ فلم يكنْ سجنًا عابرًا، ولا مِحنَةً محدودةً، بلْ كانَ عمرًا كاملًا تحتَ ضغطِ الدَّولةِ، ومُطاَدَةِ المشروعِ الإيمانيِّ الذي حملَهُ.
ومعَ ذلكَ كلِّهِ؛ لم ينكسِرْ، ولم يتزعزَعْ، ولم يُبدِّلْ وجهتَهُ، ولم يُساوِمْ على دينِهِ، ولم يتركْ رسالتَهُ؛ بلْ مضى ثابتًا يُؤدِّي واجبَهُ، ويكتبُ «رسائلَ النُّورِ» ويصنعُ منَ المِحنَةِ منبَرًا، ومنَ العُزلةِ مدرسةً، ومنَ التَّضييقِ نورًا يُثبِّتُ القلوبَ في زمنِ الإلحادِ والانسلاخِ.
وكانتْ عنايةُ اللهِ تعالى بهِ ظاهرةً في نجاتِهِ، وصبرِهِ، وامتدادِ أَثرِهِ؛ حتَّى خرجتْ من قلبِ تلكَ الظُّلمةِ »رسائلُ النُّورِ«؛ رسائلُ كُتبَتْ في زمنِ القهرِ؛ لكنَّها حملتْ نورَ القرآنِ إلى القلوبِ، وثبَّتتْ آلافًا منَ النَّاسِ أَمامَ موجاتِ الإلحادِ، والشَّكِّ، والتَّغريبِ.
ولذلكَ لا ننظُرُ إلى »سعيدٍ النُّورسيِّ« رحمهُ اللهُ؛ على أَنَّهُ مجرَّدُ كاتبٍ، أَو مفكِّرٍ، أَو صاحبُ مدرسةٍ تربويَّةٍ فحسبُ؛ بلْ نراهُ واحدًا من كبارِ رجالِ الثَّباتِ وأَئمَّتِهِ في العصرِ الحديثِ، ورمزًا من رموزِ الاستعلاءِ بالإيمانِ حينَ تشتدُّ العواصفُ، وتضعفُ القلوبُ، وتضطربُ الموازينُ.
فكما أَنَّ في الأُمَّةِ؛ أَئمَّةً في الفِقهِ، وأَئمَّةً في الحديثِ، وأَئمَّةً في الأُصولِ، وأَئمَّةً في الجهادِ والإصلاحِ؛ فقدْ كانَ »سعيدٌ النُّورسيُّ« - فيما نحسَبُهُ واللهُ حسيبُهُ - إمامًا في الثَّباتِ، وإمامًا في مقاومَةِ الإلحادِ، وإمامًا في الاستعلاءِ بالإيمانِ أَمامَ سلطانٍ أَرادَ أَنْ يُطفِئَ نورَ الإسلامِ في أَرضٍ ظلَّتْ قرونًا طويلَةً دارًا للخلافَةِ، وحاملَةً لرايةِ الأُمَّةِ، وشاهدَةً على مجدِها الدِّينيِّ والحضاريِّ.
ومعَ ذلكَ كلِّهِ؛ فإنَّ محبَّتَنا لهذا الإمامِ المُصلِحِ، وتوقيرَنا لمقامِهِ، واعترافَنا بفضلِهِ وثباتِهِ؛ لا تعني الغُلوَّ فيهِ، ولا ادِّعاءَ العصمَةِ لهُ، ولا جعلَ كلامِهِ ميزانًا فوقَ الوحيِ؛ بلْ نحبُّهُ بقدْرِ ما خدمَ القرآنَ، ونُوقِّرُهُ بقدْرِ ما ثبتَ على الحقِّ، وننتفِعُ من تجربتِهِ بميزانِ الكتابِ والسُّنَّةِ.
فالرِّجالُ إنَّما يُعرَفُ قدرُهم بصدْقِ خدمتِهم للحقِّ، ولا يجوزُ أَنْ يُجعلوا بديلًا عنهُ؛ ومَن أَحبَّ العلماءَ والمصلحينَ حبًّا صحيحًا؛ جعلَهم أَدلَّاءَ إلى الوحيِ، لا حُجُبًا عنهُ، وأَبوابًا إلى الحقِّ، لا موازينَ تُقدَّمُ عليهِ.
فرحِمَ اللهُ المجاهِدَ الثَّبتَ» سعيدًا النُّورسيَّ«؛ فقدْ كانَ رجلًا وقفَ وحدَهُ في وجهِ تيَّارٍ جارِفٍ، فصارَ بثباتِهِ أُمَّةً منَ المعاني، ومدرسَةً في اليَّقينِ، ومنارَةً في زمنِ الانكسارِ.
لقدْ علَّمَ الأَجيالَ أَنَّ المؤمنَ إذا امتلأَ قلبُهُ باليقينِ؛ لم تَهزِمْهُ السُّجونُ، ولم تكسِرْهُ المنافي، ولم تُضعِفْهُ العواصفُ، ولم تُرهبْهُ سَطوةُ الباطلِ، وأَنَّ الفكرَةَ المؤمنةَ إذا اتَّصلتْ بالوحيِ، وسُقيَتْ بالإخلاصِ، وثَبَتَ عليها أَصحابُها؛ لم تستطِعْ أَقوى الحكوماتِ أَنْ تقهرَها، ولا أَعتى السُّلطاتِ أَنْ تُطفِئَ نورَها.
فرحِمَهُ اللهُ رحمةً واسعةً؛ فقد أَثبتَ للعالَمِ أَنَّ العاصفَةَ مهما اشتدَّتْ؛ لا تنالُ منَ الجبالِ الرَّاسِيَةِ، وأَنَّ الباطلَ مهما علا ضجيجُهُ؛ لا يغلِبُ قلبًا امتلأَ باللهِ، واستعلى بإيمانِهِ، وثَبَتَ على طريقِ الحقِّ حتَّى لقيَ ربَّهُ.
كتبهُ: عبد الله بن عبد الحميد الأثري.
عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
٧/١٠/ ٢٠٢٦م

