‮‬»سعيدُ‭ ‬النُّورسيُّ‮«

إمامُ‭ ‬الثَّباتِ‭ ‬ومنارَةُ‭ ‬اليقينِ‭ ‬في‭ ‬زمنِ‭ ‬العاصفَةِ‭ ‬والانكسارِ

وإذا‭ ‬أَرَدْنا‭ ‬أَنْ‭ ‬نتحدَّثَ‭ ‬عنِ‭ ‬الإمامِ‭ ‬المُصلِحِ،‭ ‬والمُجاهِدِ‭ ‬الصَّابرِ‭ ‬بثباتِهِ‭ ‬ومواقفِهِ‭ ‬وتضحياتِهِ‭ ‬في‭ ‬سبيلِ‭ ‬دينِهِ؛

»‬بديعِ‭ ‬الزَّمانِ‭ ‬سعيدٍ‭ ‬النُّورسيِّ«‬رحمهُ‭ ‬اللهُ‭.‬

فليسَ‭ ‬من‭ ‬الإنصافِ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُذكَرَ‭ ‬اسمُهُ‭ ‬عابرًا‭ ‬في‭ ‬سطورِ‭ ‬التَّراجمِ‭ ‬المختصَرةِ؛‭ ‬فقد‭ ‬كانَ‭ ‬رجلًا‭ ‬ربَّانيًّا‭ ‬من‭ ‬طِرازٍ‭ ‬نادرٍ،‭ ‬جمَعَ‭ ‬اللهُ‭ ‬لهُ‭ ‬صفاءَ‭ ‬الإيمانِ،‭ ‬ونفاذَ‭ ‬البصيرَةِ،‭ ‬وصلابَةَ‭ ‬الموقِفِ،‭ ‬وشُجاعَةَ‭ ‬الكلمَةِ،‭ ‬وحُسنَ‭ ‬فقهِ‭ ‬معركةِ‭ ‬زمانِهِ‭.‬

لقدْ‭ ‬فتحَتْ‭ ‬أَمامَهُ‭ ‬أَبوابُ‭ ‬الدُّنيا،‭ ‬وتقرَّبَ‭ ‬إليهِ‭ ‬بعضُ‭ ‬أَهلِ‭ ‬السِّياسَةِ‭ ‬والنُّفوذِ،‭ ‬وكانَ‭ ‬مؤَهَّلًا‭ - ‬بما‭ ‬آتاهُ‭ ‬اللهُ‭ ‬من‭ ‬نبوغٍ‭ ‬وحضورٍ‭ ‬وهيبَةٍ‭ - ‬أَنْ‭ ‬يكونَ‭ ‬منَ‭ ‬المُتصدِّرينَ‭ ‬في‭ ‬الدَّولةِ‭ ‬والمجتمعِ‭.‬

لكنَّهُ‭ ‬أَدْرَكَ‭ ‬ببصيرتِهِ‭ ‬النَّافذَةِ‭ ‬أَنَّ‭ ‬معركةَ‭ ‬العصرِ‭ ‬لم‭ ‬تكنْ‭ ‬معركةَ‭ ‬مناصبَ‭ ‬وأَلقابٍ،‭ ‬ولا‭ ‬سباقًا‭ ‬إلى‭ ‬جاهٍ‭ ‬وسلطانٍ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬كانتْ،‭ ‬في‭ ‬حقيقتِها؛‭ ‬معركةَ‭ ‬إيمانٍ‭ ‬وكفرٍ،‭ ‬ويقينٍ‭ ‬وإلحادٍ،‭ ‬وهُويَّةٍ‭ ‬ووحيٍ،‭ ‬في‭ ‬مواجهَةِ‭ ‬موجَةٍ‭ ‬جارفَةٍ‭ ‬منَ‭ ‬المادِّيَّةِ‭ ‬والتَّغريبِ؛‭ ‬تُريدُ‭ ‬أَنْ‭ ‬تقتلعَ‭ ‬الأُمَّةَ‭ ‬من‭ ‬جذورِها،‭ ‬وتفصلَها‭ ‬عن‭ ‬قرآنِها،‭ ‬وتاريخِها،‭ ‬وروحِها‭.‬

فقدْ‭ ‬رأَى‭ ‬بعينِ‭ ‬بصيرتِهِ‭ ‬أَنَّ‭ ‬الإلحادَ‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬فكرَةً‭ ‬عابرَةً،‭ ‬ولا‭ ‬شُبهةً‭ ‬محدودةَ‭ ‬الأَثرِ؛‭ ‬بل‭ ‬كانَ‭ ‬سيلًا‭ ‬فكريًّا‭ ‬جارِفًا،‭ ‬تتدافَعُ‭ ‬رياحُهُ‭ ‬منَ‭ ‬الشَّرقِ‭ ‬عبرَ‭ ‬الشُّيوعيَّةِ‭ ‬والمادِّيَّةِ،‭ ‬ومنَ‭ ‬الدَّاخلِ‭ ‬عبرَ‭ ‬المشروعِ‭ ‬الكماليِّ‭ ‬الذي‭ ‬أَرادَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يقطعَ‭ ‬‮‬»تركيا«‮‬‭ ‬عن‭ ‬جُذورِها‭ ‬الإسلاميَّةِ،‭ ‬بعدَ‭ ‬إِسقاطِ‭» ‬الخلافةِ‭ ‬العثمانيَّةِ«‮‬‭ ‬وإقصاءِ‭ ‬الشَّريعةِ‭ ‬عن‭ ‬مقامِ‭ ‬الحُكمِ‭ ‬والتَّشريعِ،‭ ‬واستبدالِ‭ ‬الأَحكامِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭ ‬بقوانينَ‭ ‬وضعيَّةٍ‭ ‬مُستوردَةٍ،‭ ‬والسَّعي‭ ‬الحثيثِ‭ ‬إلى‭ ‬إعادَةِ‭ ‬تشكيلِ‭ ‬هُويَّةِ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬باسمِ‭ ‬التَّقدُّمِ‭ ‬والمدنيَّةِ‭ ‬واللَّحاقِ‭ ‬بالغربِ‭.‬

لَمْ‭ ‬تَكُنْ‭ ‬تلكَ‭ ‬الحربُ‭ ‬حربًا‭ ‬عاديَّةً‭ ‬على‭ ‬بعضِ‭ ‬المظاهرِ‭ ‬الدينيَّةِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬كانتْ‭ ‬محاولةً‭ ‬منظَّمةً‭ ‬لتجفيفِ‭ ‬الجذورِ‭ ‬في‭ ‬عُقرِ‭ ‬دارِ‭ ‬الخلافةِ،‭ ‬وقطعِ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬عن‭ ‬مَعينِها‭ ‬الأَوَّلِ‭: ‬قرآنِها،‭ ‬ولغتِها،‭ ‬وشعائرِها،‭ ‬وتاريخِها،‭ ‬وذاكرتِها‭ ‬الإيمانيَّة‭.‬

تغييرُ‭ ‬الهُويَّةِ:‬ لم‭ ‬تقفِ‭ ‬الحربُ‭ ‬عندَ‭ ‬حدودِ‭ ‬السِّياسَةِ‭ ‬والقوانينِ؛‭ ‬بلِ‭ ‬امتدَّتْ‭ ‬إلى‭ ‬وجدانِ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬ولسانِها‭ ‬وشعائرِها؛‭ ‬فحوربتِ‭ ‬العربيَّةُ،‭ ‬وأُقصيتْ‭ ‬حروفُها،‭ ‬وفُرضتِ‭ ‬الحروفُ‭ ‬اللاتينيَّةُ‭ ‬بدلًا‭ ‬منها؛‭ ‬لعزلِ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬عن‭ ‬مصحفِها‭ ‬وتُراثِها‭ ‬وعلومِها،‭ ‬وضُيِّقَ‭ ‬على‭ ‬تعليمِ‭ ‬القرآنِ،‭ ‬وحُوصرتْ‭ ‬مظاهرُ‭ ‬الدِّينِ‭ ‬في‭ ‬الحياةِ‭ ‬العامَّةِ‭.‬

بلْ‭ ‬صُمَّتِ‭ ‬الآذانُ‭ ‬عن‭ ‬سماعِ‭ ‬نداءِ‭ ‬التَّوحيدِ‭ ‬بلغتهِ‭ ‬العربيَّةِ‭ ‬الخالدَةِ‭»:‬‮‬اللهُ‭ ‬أَكبر«‭!‬‮‬‭‬ وفُرضَ‭ ‬الأَذانُ‭ ‬بالتركيَّةِ‭ ‬قسرًا‭ ‬سنواتٍ‭ ‬طويلةً؛‭ ‬حتَّى‭ ‬أُريدَ‭ ‬للأُمَّةِ‭ ‬التي‭ ‬حملتْ‭ ‬رايةَ‭ ‬الخلافةِ‭ ‬قرونًا‭ ‬أَنْ‭ ‬تستيقظَ‭ ‬فإذا‭ ‬هيَ‭ ‬غريبَةٌ‭ ‬عن‭ ‬قرآنِها،‭ ‬غريبةٌ‭ ‬عن‭ ‬أَذانِها،‭ ‬غريبَةٌ‭ ‬عن‭ ‬تاريخِها،‭ ‬غريبَةٌ‭ ‬عن‭ ‬روحِها‭.‬

البطشُ‭ ‬والتَّنكيلُ‭:‬ ولم‭ ‬يكنْ‭ ‬هذا‭ ‬التَّحوُّلُ‭ ‬مجرَّدَ‭ ‬تبديلٍ‭ ‬إداريٍّ‭ ‬أَو‭ ‬إصلاحٍ‭ ‬شكليٍّ‭ ‬كما‭ ‬زعموا؛‭ ‬بلْ‭ ‬صاحبَهُ‭ ‬بطشٌ‭ ‬وتنكيلٌ،‭ ‬وملاحقَةٌ‭ ‬للعلماءِ‭ ‬والمصلحينَ،‭ ‬وسُفكتْ‭ ‬دماءُ‭ ‬أَعدادٍ‭ ‬كبيرَةٍ‭ ‬ممَّن‭ ‬رفضوا‭ ‬هذا‭ ‬المسخَ‭ ‬الهُوياتيَّ،‭ ‬وأَبَوا‭ ‬أَنْ‭ ‬تُنتزعَ‭ ‬الأُمَّةُ‭ ‬من‭ ‬دينِها‭ ‬باسمِ‭ ‬التَّقدُّمِ،‭ ‬أَو‭ ‬تُسلخَ‭ ‬من‭ ‬تاريخِها‭ ‬باسمِ‭ ‬المدنيَّةِ،‭ ‬أَو‭ ‬تُدفعَ‭ ‬إلى‭ ‬التَّغرُّبِ‭ ‬باسمِ‭ ‬اللَّحاقِ‭ ‬بالعصرِ‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الجَوِّ‭ ‬الخانِقِ؛‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬‮‬»سعيدٌ‭ ‬النُّورسيُّ«‮‬‭ ‬رجلًا‭ ‬عاديًّا؛‭ ‬لم‭ ‬يُساوِمْ،‭ ‬ولم‭ ‬يَبِعْ‭ ‬دينَهُ‭ ‬بدُنيا‭ ‬غيرِهِ،‭ ‬ولم‭ ‬يركَعْ‭ ‬للعاصفَةِ،‭ ‬ولم‭ ‬يقُلْ‭: ‬هذهِ‭ ‬مرحلةٌ‭ ‬لا‭ ‬طاقَةَ‭ ‬لنا‭ ‬بها؛‭ ‬بلْ‭ ‬وقفَ‭ ‬وقفةَ‭ ‬المؤمنِ‭ ‬المُستعلي‭ ‬بإيمانِهِ،‭ ‬الواثقِ‭ ‬بربِّهِ،‭ ‬المُدرِكِ‭ ‬أَنَّ‭ ‬الهزيمةَ‭ ‬الحقيقيَّةَ‭ ‬ليستْ‭ ‬في‭ ‬ضعفِ‭ ‬الجسدِ،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬قسوةِ‭ ‬السِّجنِ،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬كثرَةِ‭ ‬الخصومِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬الهزيمةُ‭ ‬أَنْ‭ ‬ينكسِرَ‭ ‬القلبُ‭ ‬أَمامَ‭ ‬الباطلِ،‭ ‬وأَنْ‭ ‬يَستسلِمَ‭ ‬اليَّقينُ‭ ‬لضغطِ‭ ‬الواقعِ‭.‬

وقدْ‭ ‬تجلَّتْ‭ ‬هذِهِ‭ ‬المفاصلَةُ‭ ‬الكُبرى‭ ‬يومَ‭ ‬استُدعيَ‭ ‬إلى‭» ‬أَنقرَةَ‬‮«‮‬‭ ‬ورُحِّبَ‭ ‬بهِ‭ ‬في‭ ‬مجلسِها؛‭ ‬فرأَى‭ ‬من‭ ‬حالِ‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬رجالِ‭ ‬الدَّولَةِ‭ ‬الجديدَةِ‭ ‬ما‭ ‬آلمَهُ‭ ‬وأَفزعَهُ؛‭ ‬إذْ‭ ‬وجدَ‭ ‬ضعفًا‭ ‬ظاهرًا‭ ‬في‭ ‬شأْنِ‭ ‬الصَّلاةِ،‭ ‬وهيَ‭ ‬عَمودُ‭ ‬الدِّينِ،‭ ‬وأَعظمُ‭ ‬شعائرِهِ‭ ‬بعدَ‭ ‬الشَّهادتينِ‭.‬

فلم‭ ‬يدخلْ »‬سعيدٌ‭ ‬النُّورسيُّ‬‮«‮‬‭ ‬مجلسَ‭ ‬السِّياسَةِ‭ ‬بلسانِ‭ ‬المجاملَةِ،‭ ‬ولا‭ ‬خاطبَ‭ ‬أَهلَ‭ ‬السُّلطانِ‭ ‬بمنطقِ‭ ‬التَّزلُّفِ؛‭ ‬بل‭ ‬خاطبَهُم‭ ‬بمنطقِ‭ ‬العالمِ‭ ‬الرَّبَّانيِّ‭ ‬الذي‭ ‬يعلمُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬أَوَّلَ‭ ‬واجبٍ‭ ‬على‭ ‬القادَةِ‭ ‬أَنْ‭ ‬يحفظوا‭ ‬صِلَةَ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬بربِّها،‭ ‬وأَنْ‭ ‬لا‭ ‬يُفرِّطوا‭ ‬في‭ ‬أَعظمِ‭ ‬شعائرِ‭ ‬الإسلامِ‭.‬

وتذكرُ‭ ‬الرِّواياتُ‭ ‬المشهورَةُ‭ ‬في‭ ‬سيرتِهِ؛‭ ‬أَنَّ‭ ‬كمال‭ ‬باشا‭ ‬غضبَ‭ ‬من‭ ‬ذلكَ،‭ ‬وقالَ‭ ‬لهُ‭ ‬بمعنى‭ :‬إنَّما‭ ‬دعوناكَ‭ ‬لنستنيرَ‭ ‬بأَفكارِكَ‭ ‬العاليَةِ؛‭ ‬فإذا‭ ‬بكَ‭ ‬تبدأُ‭ ‬بالكلامِ‭ ‬عنِ‭ ‬الصَّلاةِ‭ ‬وتُثيرُ‭ ‬بينَنا‭ ‬الخلافَ‭.‬

فكانَ‭ ‬جوابُ‭» ‬‮‬النُّورسيِّ«‮‬‭ ‬جوابَ‭ ‬المؤمنِ‭ ‬الواثقِ،‭ ‬لا‭ ‬جوابَ‭ ‬الخائفِ‭ ‬المتردِّدِ،‭ ‬فقالَ‭ ‬كلمتَهُ‭ ‬الصَّارمةَ: ‭)‬باشا،‭ ‬باشا‭ !‬إنَّ‭ ‬أَعلى‭ ‬حقيقَةٍ‭ ‬بعدَ‭ ‬الإيمانِ‭ ‬في‭ ‬الإسلامِ‭ ‬هيَ‭ ‬الصَّلاةُ،‭ ‬ومَن‭ ‬تركَ‭ ‬الصَّلاةَ‭ ‬فقد‭ ‬خانَ،‭ ‬وحُكمُ‭ ‬الخائنِ‭ ‬مردودٌ‭(.‬

وهُنا‭ ‬وقعَ‭ ‬الافتراقُ‭ ‬الحقيقيُّ‭ ‬بينَ‭ ‬رجلٍ‭ ‬أَرادَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يبنيَ‭ ‬تركيا‭ ‬الجديدَةَ‭ ‬على‭ ‬التَّغريبِ‭ ‬وقطعِ‭ ‬الصِّلةِ‭ ‬بالشَّريعَةِ،‭ ‬ورجلٍ‭ ‬أَدركَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬نهضةَ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬لا‭ ‬تكونُ‭ ‬بقتلِ‭ ‬روحِها،‭ ‬ولا‭ ‬بعزلِها‭ ‬عن‭ ‬قرآنِها،‭ ‬ولا‭ ‬بإسكاتِ‭ ‬أَذانِها،‭ ‬ولا‭ ‬بتبديلِ‭ ‬هُويَّتِها‭ ‬باسمِ‭ ‬المدنيَّةِ‭.‬

ومنذُ‭ ‬تلكَ‭ ‬اللَّحظةِ‭ ‬بدأَ‭ ‬طريقٌ‭ ‬طويلٌ‭ ‬منَ‭ ‬الابتلاءِ؛‭ ‬طريقُ‭ ‬السُّجونِ‭ ‬والمَنافي،‭ ‬والمُراقبَةِ‭ ‬والتَّضييقِ،‭ ‬ومُحاولاتِ‭ ‬الإيذاءِ‭ ‬والمحاصرَةِ؛‭ ‬فلم‭ ‬يكنْ‭ ‬سجنًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬ولا‭ ‬مِحنَةً‭ ‬محدودةً،‭ ‬بلْ‭ ‬كانَ‭ ‬عمرًا‭ ‬كاملًا‭ ‬تحتَ‭ ‬ضغطِ‭ ‬الدَّولةِ،‭ ‬ومُطاَدَةِ‭ ‬المشروعِ‭ ‬الإيمانيِّ‭ ‬الذي‭ ‬حملَهُ‭.‬

ومعَ‭ ‬ذلكَ‭ ‬كلِّهِ؛‭ ‬لم‭ ‬ينكسِرْ،‭ ‬ولم‭ ‬يتزعزَعْ،‭ ‬ولم‭ ‬يُبدِّلْ‭ ‬وجهتَهُ،‭ ‬ولم‭ ‬يُساوِمْ‭ ‬على‭ ‬دينِهِ،‭ ‬ولم‭ ‬يتركْ‭ ‬رسالتَهُ؛‭ ‬بلْ‭ ‬مضى‭ ‬ثابتًا‭ ‬يُؤدِّي‭ ‬واجبَهُ،‭ ‬ويكتبُ‭ ‬‮«‬رسائلَ‭ ‬النُّورِ‮»‬‭ ‬ويصنعُ‭ ‬منَ‭ ‬المِحنَةِ‭ ‬منبَرًا،‭ ‬ومنَ‭ ‬العُزلةِ‭ ‬مدرسةً،‭ ‬ومنَ‭ ‬التَّضييقِ‭ ‬نورًا‭ ‬يُثبِّتُ‭ ‬القلوبَ‭ ‬في‭ ‬زمنِ‭ ‬الإلحادِ‭ ‬والانسلاخِ‭.‬

وكانتْ‭ ‬عنايةُ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى‭ ‬بهِ‭ ‬ظاهرةً‭ ‬في‭ ‬نجاتِهِ،‭ ‬وصبرِهِ،‭ ‬وامتدادِ‭ ‬أَثرِهِ؛‭ ‬حتَّى‭ ‬خرجتْ‭ ‬من‭ ‬قلبِ‭ ‬تلكَ‭ ‬الظُّلمةِ ‭»‬رسائلُ‭ ‬النُّورِ‮«‬؛‭ ‬رسائلُ‭ ‬كُتبَتْ‭ ‬في‭ ‬زمنِ‭ ‬القهرِ؛‭ ‬لكنَّها‭ ‬حملتْ‭ ‬نورَ‭ ‬القرآنِ‭ ‬إلى‭ ‬القلوبِ،‭ ‬وثبَّتتْ‭ ‬آلافًا‭ ‬منَ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬أَمامَ‭ ‬موجاتِ‭ ‬الإلحادِ،‭ ‬والشَّكِّ،‭ ‬والتَّغريبِ‭.‬

ولذلكَ‭ ‬لا‭ ‬ننظُرُ‭ ‬إلى ‭‬‮‬»‬‭‬سعيدٍ‭ ‬النُّورسيِّ« رحمهُ‭ ‬اللهُ؛‭ ‬على‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬مجرَّدُ‭ ‬كاتبٍ،‭ ‬أَو‭ ‬مفكِّرٍ،‭ ‬أَو‭ ‬صاحبُ‭ ‬مدرسةٍ‭ ‬تربويَّةٍ‭ ‬فحسبُ؛‭ ‬بلْ‭ ‬نراهُ‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬كبارِ‭ ‬رجالِ‭ ‬الثَّباتِ‭ ‬وأَئمَّتِهِ‭ ‬في‭ ‬العصرِ‭ ‬الحديثِ،‭ ‬ورمزًا‭ ‬من‭ ‬رموزِ‭ ‬الاستعلاءِ‭ ‬بالإيمانِ‭ ‬حينَ‭ ‬تشتدُّ‭ ‬العواصفُ،‭ ‬وتضعفُ‭ ‬القلوبُ،‭ ‬وتضطربُ‭ ‬الموازينُ‭.‬

فكما‭ ‬أَنَّ‭ ‬في‭ ‬الأُمَّةِ؛‭ ‬أَئمَّةً‭ ‬في‭ ‬الفِقهِ،‭ ‬وأَئمَّةً‭ ‬في‭ ‬الحديثِ،‭ ‬وأَئمَّةً‭ ‬في‭ ‬الأُصولِ،‭ ‬وأَئمَّةً‭ ‬في‭ ‬الجهادِ‭ ‬والإصلاحِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬كانَ‭ ‬‮‬»سعيدٌ‭ ‬النُّورسيُّ«‮‬‭ - ‬فيما‭ ‬نحسَبُهُ‭ ‬واللهُ‭ ‬حسيبُهُ‭ - ‬إمامًا‭ ‬في‭ ‬الثَّباتِ،‭ ‬وإمامًا‭ ‬في‭ ‬مقاومَةِ‭ ‬الإلحادِ،‭ ‬وإمامًا‭ ‬في‭ ‬الاستعلاءِ‭ ‬بالإيمانِ‭ ‬أَمامَ‭ ‬سلطانٍ‭ ‬أَرادَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُطفِئَ‭ ‬نورَ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬في‭ ‬أَرضٍ‭ ‬ظلَّتْ‭ ‬قرونًا‭ ‬طويلَةً‭ ‬دارًا‭ ‬للخلافَةِ،‭ ‬وحاملَةً‭ ‬لرايةِ‭ ‬الأُمَّةِ،‭ ‬وشاهدَةً‭ ‬على‭ ‬مجدِها‭ ‬الدِّينيِّ‭ ‬والحضاريِّ‭.‬

ومعَ‭ ‬ذلكَ‭ ‬كلِّهِ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬محبَّتَنا‭ ‬لهذا‭ ‬الإمامِ‭ ‬المُصلِحِ،‭ ‬وتوقيرَنا‭ ‬لمقامِهِ،‭ ‬واعترافَنا‭ ‬بفضلِهِ‭ ‬وثباتِهِ؛‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الغُلوَّ‭ ‬فيهِ،‭ ‬ولا‭ ‬ادِّعاءَ‭ ‬العصمَةِ‭ ‬لهُ،‭ ‬ولا‭ ‬جعلَ‭ ‬كلامِهِ‭ ‬ميزانًا‭ ‬فوقَ‭ ‬الوحيِ؛‭ ‬بلْ‭ ‬نحبُّهُ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬ما‭ ‬خدمَ‭ ‬القرآنَ،‭ ‬ونُوقِّرُهُ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬ما‭ ‬ثبتَ‭ ‬على‭ ‬الحقِّ،‭ ‬وننتفِعُ‭ ‬من‭ ‬تجربتِهِ‭ ‬بميزانِ‭ ‬الكتابِ‭ ‬والسُّنَّةِ‭.‬

فالرِّجالُ‭ ‬إنَّما‭ ‬يُعرَفُ‭ ‬قدرُهم‭ ‬بصدْقِ‭ ‬خدمتِهم‭ ‬للحقِّ،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُجعلوا‭ ‬بديلًا‭ ‬عنهُ؛‭ ‬ومَن‭ ‬أَحبَّ‭ ‬العلماءَ‭ ‬والمصلحينَ‭ ‬حبًّا‭ ‬صحيحًا؛‭ ‬جعلَهم‭ ‬أَدلَّاءَ‭ ‬إلى‭ ‬الوحيِ،‭ ‬لا‭ ‬حُجُبًا‭ ‬عنهُ،‭ ‬وأَبوابًا‭ ‬إلى‭ ‬الحقِّ،‭ ‬لا‭ ‬موازينَ‭ ‬تُقدَّمُ‭ ‬عليهِ‭.‬

فرحِمَ‭ ‬اللهُ‭ ‬المجاهِدَ‭ ‬الثَّبتَ‭» ‬‮‬سعيدًا‭ ‬النُّورسيَّ‮«‬؛‭ ‬فقدْ‭ ‬كانَ‭ ‬رجلًا‭ ‬وقفَ‭ ‬وحدَهُ‭ ‬في‭ ‬وجهِ‭ ‬تيَّارٍ‭ ‬جارِفٍ،‭ ‬فصارَ‭ ‬بثباتِهِ‭ ‬أُمَّةً‭ ‬منَ‭ ‬المعاني،‭ ‬ومدرسَةً‭ ‬في‭ ‬اليَّقينِ،‭ ‬ومنارَةً‭ ‬في‭ ‬زمنِ‭ ‬الانكسارِ‭.‬

لقدْ‭ ‬علَّمَ‭ ‬الأَجيالَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬المؤمنَ‭ ‬إذا‭ ‬امتلأَ‭ ‬قلبُهُ‭ ‬باليقينِ؛‭ ‬لم‭ ‬تَهزِمْهُ‭ ‬السُّجونُ،‭ ‬ولم‭ ‬تكسِرْهُ‭ ‬المنافي،‭ ‬ولم‭ ‬تُضعِفْهُ‭ ‬العواصفُ،‭ ‬ولم‭ ‬تُرهبْهُ‭ ‬سَطوةُ‭ ‬الباطلِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬الفكرَةَ‭ ‬المؤمنةَ‭ ‬إذا‭ ‬اتَّصلتْ‭ ‬بالوحيِ،‭ ‬وسُقيَتْ‭ ‬بالإخلاصِ،‭ ‬وثَبَتَ‭ ‬عليها‭ ‬أَصحابُها؛‭ ‬لم‭ ‬تستطِعْ‭ ‬أَقوى‭ ‬الحكوماتِ‭ ‬أَنْ‭ ‬تقهرَها،‭ ‬ولا‭ ‬أَعتى‭ ‬السُّلطاتِ‭ ‬أَنْ‭ ‬تُطفِئَ‭ ‬نورَها‭.‬

فرحِمَهُ‭ ‬اللهُ‭ ‬رحمةً‭ ‬واسعةً؛‭ ‬فقد‭ ‬أَثبتَ‭ ‬للعالَمِ‭ ‬أَنَّ‭ ‬العاصفَةَ‭ ‬مهما‭ ‬اشتدَّتْ؛‭ ‬لا‭ ‬تنالُ‭ ‬منَ‭ ‬الجبالِ‭ ‬الرَّاسِيَةِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬الباطلَ‭ ‬مهما‭ ‬علا‭ ‬ضجيجُهُ؛‭ ‬لا‭ ‬يغلِبُ‭ ‬قلبًا‭ ‬امتلأَ‭ ‬باللهِ،‭ ‬واستعلى‭ ‬بإيمانِهِ،‭ ‬وثَبَتَ‭ ‬على‭ ‬طريقِ‭ ‬الحقِّ‭ ‬حتَّى‭ ‬لقيَ‭ ‬ربَّهُ‭.‬

كتبهُ: عبد الله بن عبد الحميد الأثري.         

عُضوُ »رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.

٧/١٠/ ٢٠٢٦م

Previous
Previous

‮»‬بينَ‭ ‬نُبْلِ‭ ‬الغايَةِ‭ ‬وطهارَةِ‭ ‬الوسيلَةِ‮«

Next
Next

(قصَّةُ: طاعَةٌ شَاميَّةٌ.. وطاعَةٌ جاميَّةٌ!)