(قصَّةُ: طاعَةٌ شَاميَّةٌ.. وطاعَةٌ جاميَّةٌ!)
أَخي المسلمَ اللَّبيب!
اعلمْ أَنَّ مَن يُسمَّونَ بـ »بني جامٍ« - الجامِيَّةَ والمداخلةَ المرجئةَ ومَن لفَّ لفَّهُم - قد استُحكِموا ليكونوا ظهيرًا لأَعداءِ الدِّينِ؛ الذين يتربَّصونَ بتطبيقِ الشريعةِ في حواضرِ الإسلامِ؛ فكنْ منهم على حذرٍ!
واعلمْ أَنَّ »دينَ الملوكِ« القائمَ على صبغِ أَهواءِ السلاطينِ بصبغةِ القداسةِ، وجعلِ طاعتِهم طاعةً مطلقةً؛ ليس بدعاً من القولِ؛ بل هو منهَجٌ قديمٌ أَطلَّ برأسِه في تاريخِ الأُمَّةِ.. كلما ضَعُفَ فقهُ التوحيدِ في القلوبِ عادَ في ثوبٍ جديدٍ.
إنَّ القولَ بالطاعةِ المطلقةِ لوليِّ الأَمرِ يُصادمُ أَصلَ »التوحيدِ الخالصِ« للهِ سبحانَه؛ فالحاكميَّةُ المطلقةُ والسيادةُ التشريعيَّةُ حقٌّ خالصٌ للخالقِ، وطاعةُ المخلوقِ إنما هي »طاعةٌ تبَعيَّةٌ« مآلُها ومنتهاها طاعةُ اللهِ ورسولِه ﷺ إذ (لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ).
فالحاكمُ يُطاعُ ما دامت أَوامرُهُ في دائرةِ المعروفِ ولم تصطدمْ بنصٍّ شارعٍ، ولا تلازمَ شرعاً بين استحقاقِ الحاكمِ للسمعِ والطاعةِ وبين كونِه معصوماً أَو فوقَ النقدِ.
إنَّ هذا الغلوَّ في الولاءِ في حقيقتِهِ قريبٌ من مذهبِ »الثيوقراطيَّةِ« المخالِفِ لروحِ الإسلامِ، مستتراً بعباءةٍ إسلاميَّةٍ؛ تقتربُ في جوهرِها من عقيدةِ »المرجئةِ المبتدعةِ« الذين فصلوا بين العملِ وحقيقةِ الإيمانِ؛ فشرعوا للحكامِ فِعلَ الموبقاتِ؛ بدعوى أَنَّ الذنبَ لا يضرُّ مع صحةِ الاعتقادِ، وأَخَّروا جزاءَ الظلمةِ إلى الآخرةِ، معطلينَ فريضةَ »الاحتسابِ« في الدنيا.. وهو مسلكٌ يُفْضِي عملياً إلى تَحصينِ الظَّلَمةِ مِن النقدِ والمحاسبةِ.
وعند تحقيقِ مذهبِ »أَئمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ« في طاعةِ وليِّ الأَمرِ والصبرِ على جَوْرِهِ؛ نجدُهم قصروا ذلك على التجاوزاتِ في المظالمِ الفرديَّةِ أَو القضايا الشخصيَّةِ التي لم تبلغْ مبلَغَ »الكفرِ البواحِ« أَو »التنكرِ الكليِّ للشريعةِ« أَو استبدالِ أَحكامِ اللهِ بقوانينَ وضعيَّةٍ تصادمُ قطعيَّاتِ الدِّينِ، أَو محاربةِ أَولياءِ اللهِ والتضييقِ على حملَةِ العلمِ؛ فمثلُ هذا الظُّلمِ العامِّ لا يُسْكَتُ عنه، بل تُطْلَبُ من العلماءِ -أَهلِ الحلِّ والعقدِ- إزالَتُهُ بحسبِ الطاقةِ والقدرةِ وضوابطِ الشرعِ.. لكنْ إذا استُهدِفَ أَصلُ الدِّينِ؛ فليس ثَمَّ إلا الصدعُ بالحقِّ.
أَما الصبرُ على جَورِ الأَفرادِ والحالاتِ الجزئيَّةِ؛ فإنَّهُ شُرِعَ لدرءِ »المفسدةِ الكبرى« وحفظِ بيضةِ الأُمَّةِ من التمزقِ، لا إقراراً للظلمِ أَو رضا به؛ إذ المحافظةُ على جَمْعِ الكلمةِ أَوْلى من إِحداثِ فوضى تُفْضِي إلى مفسدةٍ أعظم، إذا عَجَزَتِ النصيحةُ والمُناصَحةُ عن الإصلاحِ.
أَمَّا تلك »المغالاةُ« في مَنْحِ صِفَةِ الولايةِ الشرعيَّةِ لِطغاةٍ عاثوا في الأَرضِ فساداً، واستباحوا الدماءَ، وسجنوا العلماءَ الربانيينَ، وجعلوا أَوامرَ اللهِ وراءَهم ظِهريّاً؛ فهذا مسلكٌ دخيلٌ لم تعهدْه الدَّعوةُ الإسلاميَّةُ بوقارِها وتوازنِها..
إنما هو »فقهٌ طارئٌ« ولَّدتْه رداتُ الفعلِ المتشنجةُ والخصومةُ المفرطةُ مع جماعاتِ »الغلوِّ والتكفيرِ«؛ فاستثمرَ السلاطينُ هذا التراشقَ، ونفخوا في كيرِ الجامِيَّةِ ليجعلوا منهم سياطاً تضربُ كلَّ صوتٍ حرٍّ يُطالبُ بالعدلِ.
يقولُ العلَّامةُ أَبو حامدٍ الغزاليُّ -رحمه الله- في [»المستصفى« ١/٨٣]: (وأَمَّا استحقاقُ نُفوذِ الحُكمِ فليس إلَّا لِمَنْ له الخَلْقُ والأَمْرُ، فإنَّما النافِذُ حُكْمُ المَالِكِ على مَمْلُوكِه، ولا مالكَ إلَّا الخالِقُ؛ فلا حُكْمَ ولا أَمْرَ إلَّا له. أَمَّا النَّبيُّ ﷺ والسُّلطانُ والسَّيِّدُ والأَبُ والزَّوجُ؛ فإن أَمَروا أو أَوْجَبوا لم يَجِبْ شيءٌ بإيجابِهم؛ بل بإيجابِ اللهِ تعالى طاعتَهم، ولولا ذلك لكان كلُّ مخلوقٍ أَوْجَبَ على غيرِه شيئاً، كان للموجَبِ عليه أن يُقابِلَ الإيجابَ بمثلِه، إذ ليس أحدُهما أَوْلَى من الآخَرِ. فإذَنْ الواجبُ طاعةُ اللهِ تعالى، وطاعةُ مَنْ أَوْجَبَ اللهُ تعالى طاعتَه). فكلُّ طاعةٍ لغيرِ اللهِ هي مستمدةٌ من أَمرِ اللهِ؛ فإذا انقطعَ حبلُ الالتزامِ بشرعِ اللهِ، انقطعَ واجبُ الولاءِ المطلقِ.
ويُبصِّرُنا شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ -رحمه الله- بجذورِ هذهِ الفتنةِ، فيقولُ: (فَكَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ -أَوْ أَكْثَرُهُمْ- كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَلَا عَذَابَ، وَأَنَّ اللهَ لَا يُؤَاخِذُهُمْ عَلَى مَا يُطِيعُونَ فِيهِ الْإِمَامَ؛ بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَاللهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ.. وَكَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ. وَقَدْ أَرَادَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَسِيرَ بِسِيرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ فَجَاءَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِهِمْ؛ فَحَلَفُوا لَهُ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَنَّهُ إِذَا وَلَّى اللهُ عَلَى النَّاسِ إِمَاماً تَقَبَّلَ اللهُ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ السَّيِّئَاتِ! وَلِهَذَا تَجِدُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ كِبَارِهِمُ الْأَمْرَ بِطَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ مُطْلَقاً، وَأَنَّ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ. وَلِهَذَا كَانَ يُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلُ، يُقَالُ: طَاعَةٌ شَامِيَّةٌ!) [»منهاج السُّنَّةِ« 6/430]. وقال رحمه الله أيضاً: (الْمُرْجِئَةُ وَأَمْثَالُهُمْ مِمَّنْ يَسْلُكُ مَسْلَكَ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ مُطْلَقاً وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَبْرَاراً) [»مجموع الفتاوى« 28/508].
اللهُ أَكْبَر! اليومَ؛ يعيدُ التاريخُ سيرةَ التزلفِ؛ فتُبعثُ »الطاعةُ الشَّاميَّةُ« في ثوبِ »طاعةٍ جاميَّةٍ«؛ وهي فرقةٌ غلت في الحكامِ، وأَرجأَت في الأَعمالِ، وعطلت شعيرةَ الأَمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وتَرَصَّدت لنهشِ لحومِ العلماءِ والدعاةِ الأحرارِ.
إنَّ خطرَ هؤلاءِ على الوعيِ الجمعيِّ للأُمَّةِ لا يقلُّ عن خطرِ »الخوارجِ« (كلابِ أَهلِ النارِ)؛ فكلاهما طَرَفا نقيضٍ للحقِّ:
* الخوارجُ (ممثلةً في فكرِ داعش): شوهوا بجهلهم صورةَ الإسلامِ والجهادِ، وسفكوا دماءَ المسلمينَ بدعاوى التكفيرِ؛ فكانوا خنجراً في خاصرةِ الأُمَّةِ؛ فهم امتدادٌ طبيعيٌّ لأسلافِهم في التاريخِ.
* بنو جامٍ: تذرعوا بـ »المنهجِ« لسجنِ الصادقينَ وقتلِ المجاهدينَ، وصنفوا الناسَ »حزبيينَ وقُطبيينَ« لإيغارِ صدورِ السلطةِ عليهم.
لقد تلاعبَ الشيطانُ بعقولِهم؛ حتى جعلوا من الحاكمِ الأَجنبيِّ (بول بريمر) وليَّ أَمرٍ يُسمعُ له ويُطاعُ، وأَضفوا الشرعيَّةَ على كلِّ سفاحٍ ومفتونٍ، في سقطةٍ معرفيَّةٍ وتاريخيَّةٍ يندى لها الجبينُ.
إنَّ سنَّةَ الطغيانِ لا تتغيرُ؛ فكما استعانَ »الفرنجةُ« قديماً ببعضِ الدخلاءِ على التصوفِ لتثبيتِ عروشِهم، يستخدمُ طواغيتُ اليومِ »الجاميَّةَ« كدروعٍ أَيديولوجيَّةٍ لحمايةِ عروشِهم المهتزةِ، وتقديمِ الخدماتِ المجانيَّةِ لأَعداءِ الملةِ في كلِّ بقعةٍ من بلادِ المسلمينَ.
لذا، فإنَّ كشفَ عوارِ هذا الفكرِ وفضحَ أُصولِهِ المتهافتةِ؛ هو من أَوجبِ واجباتِ الدِّينِ.. حمايةً لعقولِ الشبابِ من التيهِ بين غلوِّ الخوارجِ وتفريطِ المرجئةِ الجامِيَّةِ..
اللَّهمَّ هل بلغتُ.. اللَّهمَّ فاشهد!
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

