سلسلةُ شرحِ قاعدَةُ: »اللَّهُمَّ ادفَعِ الظَّالمينَ بالظَّالمينَ، وأَخرِجْنا مِنْ بَينِهِمْ سالمينَ« (٦-٧):

٦- تنزيلُ قاعدَةِ على واقعِ الصِّراعاتِ المعاصِرَةِ:

أَخي المسلمَ اللَّبيب!

اعلمْ أَنَّ فهمَ هذهِ القاعدةِ في زمنِ الفتنِ لا يكونُ بالعاطفةِ ولا بالاصطفافِ الأَعمى، ولا بـ »الاستدلالِ السَّطحيِّ« بل بـ »منهجٍ علميٍّ راسخٍ« يقومُ على العدلِ، وفقهِ السُّننِ، وتحقيقِ المناطِ؛ ليكونَ المسلمُ على بصيرةٍ من أَمرِه وسطَ تلاطمِ الأَمواجِ السِّياسيةِ والعسكرية:

أَوَّلًا- أَصلُ القاعدةِ وضابطُها السُّنَنيِّ:

هذهِ القاعدةُ مستندةٌ إلى سُنَّةِ التَّدافعِ الإلهيَّةِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ وهي تُفهمُ في إطارِ »تقليلِ الشَّرِّ« عندَ العجزِ عن رفعهِ، لا في إطارِ تبريرِ الظلمِ أَو تزيينهِ؛ فليسَ في الشَّريعةِ إقرارٌ لظالمٍ لمجردِ أَنَّهُ يقاتلُ ظالمًا آخَر، بل هو تدبيرٌ قَدَريٌّ يضربُ اللهُ فيه الباطلَ بالباطلِ ليَكُفَّ بأَسَهم عن أَهلِ الحقِّ.

ثانًيا- ميزانُ العدلِ وفقهُ (اجتماعِ الشُّرور):

الواجبُ على المسلمِ أَن يحكمَ بـ »ميزانٍ واحدٍ«؛ فالباطِلُ ليسَ محصورًا في جهةٍ واحدةٍ. وعندَ النَّظرِ إلى المشهدِ المعقَّدِ الذي يجمعُ (إيران) من جهة، و(أَمريكا وإسرائـ ـيل) من جهةٍ أُخرى؛ يقضي المنهجُ العدلُ بـأَنَّ (إيران) التي أَوغلتْ في دماءِ أَهلِ السُّنَّةِ في »بغدادَ ودمشقَ وصنعاءَ وبيروت« هي مشروعُ »تغوُّلٍ طائفيِّ« خرَّبَ الحواضر. وفي المقابل؛ فإنَّ (أَمريكا وإسرائـ ـيل) تُمثِّلانِ مشروعَ »الاستعمارِ والاحتلالِ« الذي يسحقُ الإنسانَ وينهبُ المقدَّسات. فلا يمكنُ للبيبٍ أَن يرى في أَحدهما »منقذًا«؛ لأَنَّ كليهما يلتقي في نتيجةٍ واحدةٍ: إضعافُ الأُمَّةِ واستباحةُ دمائِها.

ثالثًا- التَّدافعُ بين (الأَضدادِ المتشابهة) وعدمُ التَّخندقِ:

تطبيقُ القاعدةِ هنا يعني أَنْ نُدركَ أَنَّ اللهَ - بحكمتِهِ - يجعلُ هذهِ القُوى المتجبرةَ تتصادمُ وتتآكل؛ إنَّ صراعَهم اليومَ هو صراعُ نفوذٍ ومصالحٍ، وليسَ صراعًا من أَجلِ نُصرةِ المستضعفينَ. لذا؛ فإنَّ الموقفَ المنهجيَّ هو »عدمُ التَّـخندقِ« خلفَ أَيٍّ منهما؛ فـالغريقُ لا يستنجدُ بـغريقٍ آخر، والمقتولُ لا يَنْحازُ لـقاتلِهِ القديمِ هربًا من قاتلِهِ الجديدِ، والقاعدةُ الذَّهبيَّةُ هنا: »ليسَ كلُّ مَن أَبغضتَ باطَلَهُ ناصرتَ خَصمَهُ«.

رابعًا: معنى (السَّلامةُ) في زمنِ الفتنِ:قولنا: (وأَخرِجنا من بـينهم سالمين) تعني في هذا السِّياقِ ثلاثةَ أَبعاد:

١- سلامةُ الوعي: أَلَّا ننخدعَ بـشِعاراتِ (المقاوَمة) التي ترفعُها جهةٌ تقتُلُ إخوانَنا في بلدٍ آخَر.

٢- سلامةُ الدِّين: أَلَّا نرتمي في أَحضانِ الصَّهايـ ـنةِ بـحُجَّةِ مواجهةِ الخطرِ الإيرانيِّ.

٣- سلامةُ المآل: أَلَّا نكونَ »حطبَ حريقٍ« في معركةٍ يقودُها ظالمان؛ ليَصْفُوَ الجوُّ لأَحدهما في نهايةِ المطاف.

خامسًا: الثِّقةُ باللهِ وفُرصةُ (الـمشروعِ الثَّالثِ):

مع فهمِ سُننِ التَّدافعِ، لا يغيبُ عن قلبِ المؤمنِ »حُسنُ الظنِّ باللهِ« والثِّقةُ بـتدبيرهِ؛ فقد تقتضي حكمةُ اللهِ أَن يضعفَ أَطرافُ البغيِ بـبعضِها؛ فتتقلَّصُ قدرتُهم على الإفسادِ، ويتهيأُ حينئذٍ مجالٌ لـ »التقاطِ الأَنفاس«.إنَّ انشغالَ هؤلاءِ بـبعضِهم هو »فُرصةُ الـمشروعِ الرَّاشِد«؛ فالواجبُ على أَهلِ السُّنةِ والجماعةِ أَلَّا ينشغلوا بالانتظارِ، بل بـتَرميمِ ذاتِهم، وبناءِ قوَّتِهم؛ لتكونَ لهم »رايةٌ مُستقلةٌ« خارجَ هيمنةِ القُطبين.

الخلاصةُ: نحنُ ننظرُ إلى هؤلاءِ جميعًا بـميزانِ: ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. هذهِ القاعدةُ ليست أَداةَ اصطفاف، بل هي ميزانٌ لفهمِ سُننِ اللهِ في تدافعِ الشُّرور.

موقفُنا هو »الحيادُ الإيجابيُّ الباني«؛ نفرُّ من ظُلْمِهم جميعًا إلى عَدْلِ الله، ونرجو بـهلاكِ الظالمينَ بالظالمينَ فجرًا جديدًا للمستضعفين، ثابتينَ على أَصلِنا: بغضُ الظلمِ من كلِّ جهةِ، والاعتصامُ باللهِ في كلِّ حال، والحذرُ من الانجرارِ وراءَ استقطاباتٍ تُزيِّنُ بعضَ الظلمِ بـبعض. (يتبع)…

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

سلسلةُ شرحِ قاعدَةُ: »اللَّهُمَّ ادفَعِ الظَّالمينَ بالظَّالمينَ، وأَخرِجْنا مِنْ بَينِهِمْ سالمينَ« (٧-٧):

Next
Next

سلسلةُ شرحِ قاعدَةُ: »اللَّهُمَّ ادفَعِ الظَّالمينَ بالظَّالمينَ، وأَخرِجْنا مِنْ بَينِهِمْ سالمينَ« (٥-٧):