سلسلةُ شرحِ قاعدَةُ: »اللَّهُمَّ ادفَعِ الظَّالمينَ بالظَّالمينَ، وأَخرِجْنا مِنْ بَينِهِمْ سالمينَ« (٧-٧):
٧- ثقةُ المؤمنِ بينَ مَكرِ اللهِ وغُرورِ الطُّغاةِ:
أَخي المسلمَ اللَّبيب!
اعلمْ أَنَّ النظرةَ المادِّيةَ المجرَّدةَ قدْ تُورِثُ القلبَ أَسًى وهو يشهدُ صِدامَ القوى الباغية؛ لكنَّ عينَ البصيرةِ تنفذُ إلى ما وراء الحُجُبِ، فترى »مكرَ الله بالظالمين« فاللهُ - سبحانه، بيده ملكوتُ كلِّ شيء - يُدبِّرُ الأَمرَ لدينِهِ وأَوليائِهِ من حيثُ لا يحتسبونَ، ويُجري من أَسبابِ نُصرتهم ما لا تُدركهُ الأَبصارُ القاصرة.ويتجلَّى هذا اليقينُ في ثلاثةِ مقاماتٍ:
١- مكرُ اللهِ المحيط:
قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قد يظنُّ الطغاةُ أَنَّهم يُحكِمونَ هندسةَ المشهدِ، ويُرسِّخونَ سلطانهم بحروبهم؛ غير أَنَّ سنَّةَ الله ماضية: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. فكلُّ تدبيرٍ ينسجونَهُ، وكلُّ نارٍ يُؤجِّجونها؛ هو في الحقيقةِ استنزافٌ لجبروتِهم، وتآكُلٌ لقوَّتِهم؛ حتى ينقلب مكرُهم عليهم، وهم لا يشعرون، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
٢- مشيئَةُ اللهِ النَّافِذَة:
يجبُ أَن يستقرَّ في القلوبِ يقينٌ لا يتزعزع: أَنَّ »اللهَ يفعلُ ما يشاء« لا ما تُمليهِ القوى، ولا ما ترسمهُ المشاريع.فإذا أَرادَ اللهَ أَمرًا هيَّأَ لهُ أَسبابهُ، ومن سننه أَنَّهُ إذا بلغَ الظُّلمُ مُنتهاهُ، سلَّطَ الظَّالمينَ بعضَهم على بعضٍ؛ ليَقصمَ شوكتهم، ويُخْليَ السَّاحةَ لفجرٍ جديدٍ؛ فلا تغترَّ بانتفاشِ الباطلِ؛ فإنَّما هو إلى زوالِ، وما عندَ اللهِ آتٍ لا محالة.
٣- فقهُ »الانبِعاثِ مِنَ الرُّكامِ«:
إنَّ الثِّمارَ العِظامَ في تاريخِ الأُمَّةِ لم تنضجْ إلَّا في رَحِمِ الأَزماتِ العاصِفةِ؛ فمن سننِ التَّدافعِ »أَنَّ تآكُلَ أَطرافِ الظلم يُضعِفُ المتصارعين« وهما في أَصلِهما عدوانٌ على الأُمَّةِ؛ فيقوى بذلكَ جَناحُ المستضعفينَ ضرورةً.والفراغُ الذي يخلِّفه انكسارُ الباطل أَو تراجعُ نفوذِهِ، هو بعينِهِ ميدانُ انبعاثِ الحقِّ، ومساحةُ إعادةِ البناءِ؛ إذا وُجِد الصِّدقُ، واستُحضِرَت السُّنن، وأُحسِنَت الاستفادةُ من اللحظةِ؛ بإذن اللهِ.
الـخُلاصَةُ: لا ييأسُ المؤمنُ وهو يرى مدافعَ الظَّالمينَ؛ فـ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾. إنَّ تآكُلَهم ببعضِهم بدايةُ انبعاثِ الحقِّ؛ فالباطلُ - وإن انتفش - زهوق، والحقُّ - وإن ضُيِّق عليهِ - منصورٌ بوعد الله: {ونُريدُ أَن نَّمُنَّ على الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثينَ} [القصص: ٥].
* دُعاءُ الفقهِ في الفِتنِ ورُسوخِ البصيرَة:
اللَّهُمَّ! يا مَن بيدِهِ مقاليدُ القُلوبِ والعُقول؛ نسأَلُكَ أَنْ تمُنَّ علينا بـ «فقهٍ في الفِتن» يُبصِّرُنا بالحقِّ إِذا التبَس، ويهدينا للرُّشدِ إِذا اضطربَتِ الآراء.
اللَّهُمَّ! ارزُقنا بصيرَةً ننفُذُ بها إِلى مقاصِدِ الشَّرعِ وسنَنِ الكون، ولا تجعَلنا مِمَّنْ تستَهويهِمُ الشِّعارات، أَو تجرفُهمُ العواطِفُ العاصِفَة.
اللَّهُمَّ! أَرِنا الحقَّ حقًّا وارزُقْنا اتِّباعَهُ، وأَرِنا الباطِلَ باطِلًا وارْزُقْنا اجتِنابَهُ، ولا تجعَلْهُ مُلْتَبِسًا عليْنا فنضِلَّ.
اللَّهُمَّ! اجعَلنا مِمَّنْ يقْرأُ الواقِعَ بنورِ الوحْي، ويفهَمُ التَّدافُعَ بميزانِ العَدْل، ويثبُتُ على المنهَجِ عندَ تزلزُلِ الأَقدام.
اللَّهُمَّ! نعوذُ بكَ من مضِلَّاتِ الفِتَن؛ ما ظهَرَ منها وما بطَن، واجعَلنا مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشَّرِّ، راسخينَ في العلم، صادقينَ في العمَلِ.
اللَّهُمََّ أَعِزَّ أُمَّتَنا بعُقولٍ تعي سُنَنَكَ، وقُلوبٍ تَثِقُ بتدْبيرِكَ، وأَخرِجْنا من بينِ الظَّالمينَ سالمينَ، غانمينَ، مُبصرينَ.
والحمدُ للَّهِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

