»فِقهُ النُّصْحِ ومُراعاةُ أَحوالِ النُّفوسِ«:

أخي الدَّاعية اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للحكمَةِ والرِّفقِ وحُسنِ البلاغِ - أَنَّ النُّصْحَ عبادَةٌ لا تستقيمُ إلَّا باجتماعِ صِحَّةِ العلْمِ، وإخلاصِ القصْدِ، وحُسنِ الوسيلَةِ؛ فليسَ مجرَّدَ إلقاءِ الحقِّ، ولا تفريغًا للغضْبِ، ولا طلبًا للغلبَةِ، وإنَّما هو إرادَةُ الخيرِ للمنصوحِ، وبذْلُ الأَسبابِ المشروعَةِ لتبصيرِهِ بالحقِّ وإعانتِهِ على قبولِهِ والعمَلِ بهِ.

وقدْ يكونُ الكلامُ في ذاتِهِ حقًّا؛ لكنَّ سوءَ توقيتِهِ، أَو غِلظَةَ أُسلوبِهِ، أَو تحميلَ المخاطَبِ ما لا يحتملُهُ دفعَةً واحدَةً؛ قدْ يحوِّلُ النَّصيحَةَ مِن سبَبٍ للإصلاحِ إلى سبَبٍ للنُّفورِ والعنادِ.

فالنُّفوسُ متفاوتَةٌ في العلْمِ والاستعدادِ، والقلوبُ لها أَحوالٌ ومداخِلُ؛ وليسَ كلُّ حقٍّ سواءً في مرتبتِهِ، ووقتِ بيانِهِ، وطريقَةِ عرضِهِ، وإنْ كانَتْ أَحكامُ الشَّريعَةِ لا تتبدَّلُ بتبدُّلِ المخاطَبينَ.

فلا تجعَلِ النَّصيحَةَ صدمَةً تُغلِقُ القلبَ، ولا تُفرِّغْ ما عندَكَ دفعَةً واحدَةً؛ بلْ قدِّمِ الأَهمَّ فالأَهمَّ، واجمَعْ بينَ الوضوحِ والرَّحمَةِ، وبينَ الصَّراحَةِ وحُسنِ التَّوقيتِ، وبينَ بيانِ الخطإِ وحفْظِ كرامَةِ المخطئِ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].

والحكمَةُ ليسَتْ كتمانَ الحقِّ، ولا تمييعَ الأَحكامِ، ولا تأْخيرَ البيانِ الواجِبِ عن وقْتِ الحاجَةِ؛ وإنَّما هي معرفَةُ ما يُقالُ، ولِمَن يُقالُ، ومتَى يُقالُ، وبأَيِّ قدْرٍ وأُسلوبٍ يُقالُ؛ بحيثُ يتحقَّقُ مقصدُ الشَّرعِ مِن غيرِ إفراطٍ في المواجهَةِ ولا تفريطٍ في البيانِ.

والتَّدرُّجُ المشروعُ يكونُ في التَّعليمِ، وترتيبِ الأُولويَّاتِ، وتهيئَةِ النُّفوسِ للعمَلِ بالحقِّ؛ لا في تغييرِ الحكْمِ، أَو تسميَةِ الحرامِ حلالًا؛ فإذا تعيَّنَ البيانُ وحضَرَ وقتُ العمَلِ، لم يَجُزْ تأْخيرُهُ على وجْهٍ يوقعُ المخاطَبَ في المخالفَةِ أَو يَحرِمُهُ معرفةَ ما يجِبُ عليهِ.

وقدْ يحتاجُ المخاطَبُ إلى كلمَةٍ اليومَ وأُخرى غدًا، وإلى سؤَالٍ يفتَحُ عقلَهُ قبْلَ جوابٍ يُثقِلُ عليهِ، وإلى قدوَةٍ صالحةٍ يراها قبْلَ موعظَةٍ يسمعُها.

والأَصلُ في نصيحَةِ المعيَّنِ الرِّفقُ والسِّترُ متَى تحقَّقَ بهما المقصودُ؛ أَمَّا الخطأُ المعلَنُ المتعدِّي فقدْ يحتاجُ إلى بيانٍ عامٍّ يرفعُ اللَّبسَ، مِن غيرِ ظُلمٍ ولا تشهيرٍ زائِدٍ على قدْرِ الحاجَةِ.

فانصَحْ بعلْمٍ، وأَخلِصِ القصْدَ، وتدرَّجْ برفقٍ، واختَرِ الوقتَ، وراعِ الحالَ، واحفَظِ المقصَدَ؛ فغايَةُ النُّصْحِ ليسَتْ أَن تُخرِجَ كلَّ ما عندَكَ، ولا أَن تنتَصِرَ لنفسِكَ، بلْ أَن تبذُلَ مِنَ البيانِ ما يحتاجُ إليهِ المخاطَبُ، بالطَّريقَةِ الأَقربِ إلى إصلاحِهِ؛ والهدايَةُ وفتحُ القلوبِ بعدَ ذلكَ بيدِ اللهِ وحدَهُ.

اللَّهُمَّ! ارزقْنا علمًا نافعًا، وقصدًا خالصًا، ولسانًا رفيقًا، وحكمةً في النُّصحِ والبيانِ؛ واجعلْنا مفاتيحَ للخيرِ، ولا تجعلْ غِلظتَنا سببًا في تنفيرِ عبادِكَ عن الحقِّ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»ما كانَ للَّهِ لا يضيعُ«:

Next
Next

سلسلَةُ السَّبائِكِ العلميَّةِ في تأْهيلِ طالِبِ العلْمِ (٥-٢٠):