سلسلَةُ السَّبائِكِ العلميَّةِ في تأْهيلِ طالِبِ العلْمِ (٥-٢٠):

•⁠ ⁠المرحلَةُ الثَّانيَةُ: أَدواتُ الفقيهِ وبناءُ مَلَكته:

»المصطلحاتُ العلميَّةُ؛ مفاتيحُ الفُنونِ وموازينُ الفَهْمِ«:

- أُصُولُ الفِقْهِ؛ آلةُ الاستنباطِ وميزانُ الفَهْمِ وطريقُ الوصُولِ:

•⁠ ⁠سَبيكَةٌ علميَّةٌ: علْمُ أُصُولِ الفقهِ هو العقْلُ المنهجيُّ للفقيهِ؛ بهِ ينتقِلُ من حِفْظِ الأَحكامِ إلى فَهْمِ مَدارِكِها، ومن معرفَةِ الدَّليلِ إلى إدراكِ وجْهِ دَلالتِهِ، ومن جَمْعِ النُّصوصِ إلى حُسْنِ ضمِّ بعضِها إلى بعضٍ، وتنزيلِها في مواضعِها.

✍ أَخي طالبَ العلْمِ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقَكَ اللهُ للتَّأْصيلِ والرُّسوخِ، ورزقَكَ حُسنَ الفَهمِ عنِ اللهِ ورسولِهِ ﷺ - أَنَّ علْمَ أُصُولِ الفقهِ ليسَ ترفًا ذهنيًّا، ولا صناعَةً جدليَّةً، ولا جملَةً منَ المصطلحاتِ المجرَّدَةِ التي تُحفَظُ؛ بلْ هو العلْمُ الذي يَحرُسُ فَهْمَ النَّصِّ من التَّحكُّمِ، والاستدلالَ منَ التَّناقضِ، والفَتوى منَ الاضْطِرابِ.

وجِماعُ حدِّهِ عندَ الأُصوليِّينَ: «معرفَةُ دلائلِ الفقهِ إجمالًا، وكيفيَّةُ الاستفادَةِ منها، وحالُ المستفيدِ»؛ أَي: معرفَةُ مصادرِ الأَحكامِ وحُجِّيَّتِها، وقواعدِ دلالاتِها، وطُرُقِ استثمارِها، وصفَةِ النَّاظرِ المؤَهَّلِ للاسْتِنباطِ منها.

فهو ميزانٌ لفَهمِ خطابِ الشَّارعِ، وآلةٌ لضبْطِ مسالكِ الاستدلالِ، ومنهجٌ يَكشِفُ للفقيهِ كيفَ انْتقلَ الحكمُ من دليلِهِ إلى محلِّهِ؛ حتَّى لا يكونَ الفقهُ دعاوى مرسلَةً، ولا الفَتوى أَذواقًا وانطباعاتٍ، ولا الاجتهادُ جرأَةً على النُّصوصِ بغيرِ علْمٍ ولا آلةٍ.

وبهِ تُعرَفُ مراتِبُ الأَدلَّةِ وحُجِّيَّتُها، ودلالاتُ الأَلفاظِ في الأَمرِ والنَّهيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمطلَقِ والمقيَّدِ، والمجمَلِ والمبيَّنِ، والمنطوقِ والمفهومِ؛ كما تُضبَطُ بهِ حُجِّيَّةُ الإجماعِ، وشروطُ القياسِ، ومسالكُ العِلَّةِ، وقواعدُ التَّعارضِ والتَّرجيحِ، ومراتبُ القطعيِّ والظنِّيِّ ثبوتًا ودلالَةً، وما يقبَلُ الاجتهادَ وما لا يقبلُهُ.

والأَدلَّةُ الشَّرعيَّةُ الصَّحيحَةُ لا تتناقَضُ في حقيقَةِ الأَمرِ؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].

فإذا بدَا التَّعارضُ للنَّاظرِ؛ فإنَّما هو تعارِضٌ في الظَّاهرِ، قدْ ينشأُ عن قصورٍ في الاسْتِقراءِ، أَو ضعْفٍ في الفَهْمِ، أَو عدَمِ اسْتِيعابِ نصوصِ البابِ، أَو غفلَةٍ عن السِّياقِ، أَو جهْلٍ بالعمومِ والخُصُوصِ، والإطلاقِ والتَّقييدِ، والنَّاسخِ والمنسوخِ، أَو تغايرِ الأَحوالِ والمحالِّ.

ومن هُنا؛ كانَتْ وظيفَةُ النَّاظرِ أَن يستجمِعَ نصوصَ البابِ، ويتثبَّتَ من ثبوتِها، ويُحرِّرَ محلَّ النِّزاعِ، ويفهمَ دلالاتِها في سياقاتِها، ثم يجمعَ بينها جمعًا صحيحًا غيرَ متكلَّفٍ؛ لأَنَّ إعمالَ الدَّليلَيْنِ أَولى من إهمالِ أَحدِهما. فإن تعذَّرَ الجمْعُ، نظرَ في النَّسْخِ عندَ تحقُّقِ شروطِهِ، أَو رجَّحَ بمرجِّحٍ معتبَرٍ؛ فإن لم يتبيَّنْ لهُ وجْهُ الصَّوابِ توقَّفَ، ولم يتكلَّفِ القولَ بغيرِ علْمٍ؛ فإنَّ التَّوقُّفَ عندَ الاشتباهِ وَرَعٌ، والجزْمَ بغيرِ علْمٍ جنايَةٌ على الشَّريعَةِ.

وهنا تظهَرُ الثَّمرَةُ الحقيقيَّةُ لعلْمِ الأُصُولِ؛ فلا يرفعُ الفقيهُ الظنِّيَّ إلى مرتبَةِ القطعيِّ، ولا يُنزِّلُ القطعيَّ إلى منزلَةِ الرَّأْي، ولا يجعَلُ المختلَفَ فيهِ مجمعًا عليهِ، ولا المسأَلَةَ الاجتهاديَّةَ أَصلًا من أُصُولِ الدِّينِ، ولا الفرعَ أَصلًا، ولا الوسيلَةَ غايَةً، ولا العادَةَ عبادَةً، ولا يخلطُ بينَ الحكمِ على الفعْلِ والحكمِ على فاعلِهِ.

كما لا يُنزِّلُ حكمًا كلِّيًّا على واقعَةٍ قبلَ تصوُّرِها وتكييفِها وتحقيقِ مناطِ الحكمِ فيها، ولا على مُعيَّنٍ قبلَ استيفاءِ الشُّروطِ وانتفاءِ الموانعِ، معَ اعتبارِ مآلاتِ التَّنزيلِ في موضعِها؛ فصِحَّةُ الحكمِ في ذاتِهِ لا تستلزمُ صِحَّةَ تنزيلِهِ على كلِّ واقعَةٍ أَو شخصٍ.

ولهذا جَرَتِ الكلمَةُ المنهجيَّةُ المشهورَةُ: «مَن حُرِمَ الأُصُولَ حُرِمَ الوصُولَ»؛ فإنَّ مَن جمَعَ الفروعَ بِلا أُصُولٍ تشعَّبَتْ عليهِ المسائِلُ، واضْطَربَ عندَ التَّعارضِ، وربَّما أَصابَ حكمَ مسأَلَةٍ اتِّفاقًا، ثم أَخطأَ في نظيرِها؛ لأَنَّهُ حَفِظَ النَّتيجَةَ، ولم يضبطْ طريقَ الوصولِ إليها.

ومعَ جلالَةِ هذا العلْمِ؛ فإنَّهُ لا يستقِلُّ بصناعَةِ الفقيهِ، ولا يمنَحُ دارسَهُ رتبَةَ الاجتهادِ بمجرَّدِ حفْظِ مسائِلِهِ؛ فالنُّصوصُ مادَّةُ الاستنباطِ، واللُّغةُ مفتاحُ الدَّلالَةِ، والأُصُولُ ميزانُ النَّظَرِ، والفقهُ ميدانُ التَّطبيقِ، والمقاصِدُ كاشفَةٌ عن غاياتِ التَّشريعِ، ومعرفَةُ الواقعِ شرطٌ في صِحَّةِ التَّنزيلِ؛ ولا يُغني واحِدٌ من هذِهِ عن سائرِها.

ومن أَخطَرِ الخلَلِ في واقعِ الفَتوى أَن يتصدَّرَ مَن حفَظَ طَرَفًا من مصطلحاتِ الأُصُولِ ولم يرسخْ في النُّصوصِ والفروعِ، أَو جمعَ مسائلَ كثيرَةً ولم يُحكِمْ أُصُولَ الاستدلالِ؛ فالأَوَّلُ يحمَلُ آلةً بِلا مادَّةٍ، والثَّاني يجمَعُ مادَّةً بِلا ميزانٍ، وكِلاهُما على خطَرٍ إذا تكلَّمَ في دينِ اللهِ قبْلَ اكتمالِ أَهليَّتِهِ.

•⁠ ⁠فالقاعدَةُ: علْمُ الأُصُولِ لا يمنَحُ دارسَهُ أَهليَّةَ الاجتهادِ بمجرَّدِ حفظِهِ، ولكنَّهُ يعصِمُ المؤَهَّلَ من فوضَى الفَهْمِ والاستدلالِ؛ فلا فقهَ راسخًا بِلا أُصُولٍ تضبطُهُ، ولا اجتهادَ معتبرًا بِلا أَهليَّةٍ تستجمِعُ آلاتِهِ، ولا فَتوى رشيدَةً بِلا تصوُّرٍ للواقعِ، وتحقيقٍ للمناطِ، وفَهْمٍ للمآلِ.

فمَن أَرادَ الوصُولَ إلى الفروعِ على بصيرَةٍ؛ فليُحكِمْ أُصُولَهُ، وليأْخذْها عن أَهلِها؛ فإنَّ سلامَةَ النَّتيجَةِ تبدَأُ من سلامَةِ المنهجِ الموصِلِ إليها.

اللَّهُمَّ! ارزقْنا علمًا راسخًا، وفهمًا سديدًا، وبصيرَةً في أَدلَّةِ شرعِكَ، ووفِّقْنا لحُسنِ الاستدلالِ والتَّنزيلِ، وجنِّبْنا القولَ عليكَ بغيرِ علمٍ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»فِقهُ النُّصْحِ ومُراعاةُ أَحوالِ النُّفوسِ«:

Next
Next

سلسلَةُ السَّبائِكِ العلميَّةِ في تأْهيلِ طالِبِ العلْمِ (٤-٢٠):