المرحلَةُ الأُولَى: بِناءُ طالِبِ العلْمِ:
»المصطلحاتُ العلميَّةُ؛ مفاتيحُ الفُنونِ وموازينُ الفَهْمِ«:
* سَبيكَةٌ علميَّةٌ: مَن لم يُحرِّرِ المصطلَحَ التَّبسَ عليهِ محَلُّ النِّزاعِ ومناطُ الحُكْمِ، ومَن فسَدَ تصوُّرُهُ اضْطَرَبَ اسْتِدْلالُهُ وتنزيلُهُ وإن كثرَتْ محفوظاتُهُ؛ فالحُكْمُ المنضبِطُ على الشَّيْءِ فرْعٌ عن تصوُّرٍ صحيحٍ لَهُ.
✍ أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للرُّسوخِ، ودقَّةِ الفَهْمِ، وحُسنِ التَّحريرِ - أَنَّ لكلِّ علْمٍ أَلفاظًا جرى اصْطلاحُ أَهلِهِ، أَو طائفَةٍ منهم، على اسْتِعمالِها في معانٍ مخصوصَةٍ. وقدْ يكونُ ذلكَ باتفاقٍ صريحٍ، أو باستعمالٍ علميٍّ اسْتقرَّ وشاعَ بينهم؛ فالمصطلحاتُ - إذا حُرِّرتْ -؛ مفاتيحُ أَبوابِ العلومِ، وأَوعيَةُ مسائلِها، وحدودٌ فاصلَةٌ بينَ حقائِقَ قدْ تتقارَبُ في اللَّفظِ وتختلِفُ في المعنَى والحُكْمِ.
ولا يلزَمُ أَن يكونَ المصطلَحُ متَّفقًا على حدِّهِ بينَ جميعِ أَهلِ الفنِّ؛ فقدْ يختلِفُ مدلولُهُ باخْتِلافِ المدارسِ والمذاهبِ والمؤَلِّفينَ والأَعصارِ. ولذلكَ لا يجوزُ افتراضُ معنًى واحدٍ ثابتٍ لكلِّ مصطلحٍ قبْلَ معرفَةِ مستعملِهِ وسياقِ كلامِهِ.
ومَن دخلَ علمًا قبْلَ أَن يعرفَ اصطلاحاتِ أَهلِهِ؛ خُشِيَ أَن يقرأَ كلامَهم بعُرفِهِ الخاصِّ، فيحمِلَ أَلفاظَهم على غيرِ مرادِهم، وينسِبَ إليهم ما لم يقولوهُ، ويجمَعَ بينَ مختلفَيْنِ، أَو يفرِّقَ بينَ متماثلَيْنِ، أَو يجعَلَ الخِلافَ اللَّفظيَّ خِلافًا حقيقيًّا، أَو يظنَّ الخِلافَ الحقيقيَّ اخْتِلافًا في العبارَةِ فحسْبُ.
وتشتَدُّ الحاجَةُ إلى تحريرِ المصطلحاتِ في العلومِ الشَّرعيَّةِ؛ لأَنَّ الخطأَ فيها لا يقِفُ عندَ اضْطرابِ العبارَةِ، بلْ قدْ يمتَدُّ إلى «فَهْمِ الدَّليلِ، وتكييفِ النَّازلَةِ، وتحقيقِ المناطِ، والحُكْمِ على الأَقوالِ والأَفعالِ والوقائعِ والأَشخاصِ».
فمَن لم يُحسنِ التَّفريقَ بينَ «السبَبِ والشَّرطِ والمانعِ، والعِلَّةِ والحِكمةِ، والقطعيِّ والظنِّيِّ ثبوتًا ودلالَةً، والعامِّ والخاصِّ، والمطلقِ والمقيَّدِ، والضَّرورَةِ والحاجَةِ، والخلافِ السَّائغِ وغيرِ السَّائغِ، والإجماعِ المحقَّقِ ومجرَّدِ دعواهُ»؛ كيفَ يأْمنُ أَن يجعَلَ الظَّنَّ يقينًا، أَو الاستثناءَ أَصلًا، أَو الحاجَةَ ضرورَةً، أَو الوصْفَ العارِضَ عِلَّةً للحُكْمِ، أَو المسأَلَةَ الاجتهاديَّةَ حدًّا فاصِلًا في الولاءِ والبراءِ؟
والأَلفاظُ قدْ تكونُ لها دلالاتٌ لغويَّةٌ، أَو شرعيَّةٌ، أَو عُرفيَّةٌ عامَّةٌ أَو خاصَّةٌ، أَو اصطلاحيَّةٌ؛ وقدْ تتداخَلُ بعضُ هذِهِ الاعتباراتِ، والعبرَةُ في تعيينِ المرادِ بالمتكلِّمِ، والفنِّ، والسِّياقِ، والقرائنِ، وزمنِ الاستعمالِ. والدَّلالَةُ الاصطلاحيَّةُ لا تمحو أَصلَ الدَّلالَةِ اللُّغويَّةِ، ولكنَّ السِّياقَ قدْ يخصِّصُ المرادَ بأَحدِهما.
وأَمَّا أَلفاظُ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ فتُفهَمُ في ضوءِ ما بيَّنهُ الشَّارعُ الحَكِمُ، ولسانِ العربِ زمنَ الخطابِ، وسياقِ النُّصوصِ، وجمعِ نظائرِها، وفَهمِ الصَّحابَةِ الكرامِ ومَن تبعَهم بإحسانٍ؛ فلا يجوزُ تحميلُها دلالَةً اصطلاحيَّةً حادثَةً لم تكنْ مرادَةً عندَ نزولِها أَو ورودِها.
ولا يمنَعُ ذلكَ مِن استعمالِ مصطلحاتٍ حادثَةٍ صحيحَةٍ في شرحِ معاني الوحي وتقريبِها؛ وإنَّما الممنوعُ أَن يُدَّعى أَنَّ النَّصَّ دَلَّ بمجرَّدِ لفظِهِ على المعنى الاصطلاحيِّ المتأَخِّرِ، أَو أَن يُجعَلَ الاصطلاحُ الحادِثُ حاكمًا على مرادِ الشَّارعِ.
وليسَ المقصودُ مِن دراسَةِ المصطلحاتِ أَن يحفَظَ الطالبُ تعريفاتٍ جامدَةً ثمَّ يردِّدَها؛ بلْ أَن يفهَمَ حقيقَةَ المصطلحِ، ومصدَرَ تعريفِهِ، ومجالَ استعمالِهِ، وحدودَهُ، وما يدخلُ فيهِ وما يخرجُ عنهُ، والفروقَ بينَهُ وبينَ ما يشتبَهُ بهِ، وأَثرَ اخْتِلافِ الفنونِ والمذاهبِ والأَعصارِ في مدلولِهِ.
ولا يُشترطُ أَن يكونَ لكلِّ مصطلحٍ حدٌّ منطقيٌّ جامِعٌ مانِعٌ متَّفقٌ عليهِ؛ فكثيرٌ مِن تعريفاتِ العلماءِ رسومٌ شارحَةٌ، أَو تعريفاتٌ تقريبيَّةٌ، أَو تعريفاتٌ تذكرُ بعضَ خصائِصِ المعرَّفِ. وقدْ تتعدَّدُ التَّعريفاتُ معَ تقاربِ المرادِ؛ فلا يُحكَمُ بتناقضِها حتَّى يُنظرَ في حقائقِها وآثارِها ومجالاتِ استعمالِها.
فقدْ يكونُ للفظِ الواحدِ معنًى عندَ الأُصوليِّ، وآخرُ عندَ المحدِّثِ، وثالثٌ عندَ الفقيهِ أَو المتكلِّمِ أَو اللُّغويِّ؛ بلْ قدْ يختلِفُ استعمالُهُ بينَ علماءِ الفنِّ الواحدِ. ومَن لم ينتبهْ إلى ذلكَ ربَّما نقلَ حكمًا مِن اصطلاحٍ إلى اصطلاحٍ، أَو حاكمَ عالمًا إلى تعريفٍ لم يلتزمْهُ، أَو فسَّرَ كلامَ متقدِّمٍ باصطلاحِ متأَخِّرٍ؛ فبنَى على ذلكَ نتيجَةً فاسدَةً.
ولهذا ينبغي عندَ ورودِ مصطلحٍ مؤَثِّرٍ في الحكمِ أَن يُسأَلَ:
ما المرادُ بهِ هنا؟ ومَن استعملَهُ؟ وفي أَيِّ فنٍّ وعصرٍ وسياقٍ؟ وما مصدَرُ تعريفِهِ؟ وما القيودُ الدَّاخلَةُ في حدِّهِ؟ وما الذي يخرجُ عنهُ؟ وهل استُعملَ على معنًى واحدٍ أَم معانٍ متعدِّدَةٍ؟ وهل تحقَّقَتْ حقيقتُهُ في الواقعَةِ؟ وما الأَثرُ العلميُّ أَو الشَّرعيُّ المترتِّبُ على ثبوتِهِ؟
وتعدُّدُ معاني اللَّفظِ في أَصلِ الاستعمالِ لا يجعلُهُ مجمَلًا في كلِّ موضعٍ؛ فقدْ يعيِّنُ السِّياقُ والقرائِنُ أَحدَ معانيهِ. أَمَّا إذا بقيَ اللَّفظُ محتمَلًا لمعانٍ يختلِفُ الحكمُ باختلافِها، ولم تكفِ القرائِنُ في تعيينِ المرادِ؛ «تعيَّنَ الاستفصالُ وتحريرُ المعنى قبلَ الإثباتِ أَو النَّفي والحكمِ على القائلِ».
فكثيرٌ مِن الخصوماتِ العلميَّةِ والفكريَّةِ ينشأُ مِن الاشتراكِ في الأَلفاظِ والاختلافِ في المعاني، كما قدْ ينشأُ مِن اخْتِلافِ الأَلفاظِ معَ تقاربِ الحقائقِ. وتحريرُ المصطلحِ يكشفُ: أَخلافُ المتنازعينَ لفظيٌّ، أَمْ معنويٌّ، أَم هو مشتمِلٌ على جانبٍ لفظيٍّ وآخرَ حقيقيٍّ؟
وأَمَّا القاعدَةُ المشهورَةُ: «لا مشاحَّةَ في الاصطلاحِ» فليسَتْ على إطلاقِها؛ وإنَّما تصِحُّ إذا كانَ المعنى واضِحًا، والمرادُ صحيحًا، ولم يخالفِ الاصطلاحُ نصًّا شرعيًّا أَو استعمالًا شرعيًّا مستقرًّا، ولم يشتمِلْ على تلبيسٍ أَو إجمالٍ يفضي إلى باطلٍ. أَمَّا إذا أَفسدَ المصطلحُ المعنى، أَو زيَّنَ باطلًا، أَو رَتَّبَ أَحكامًا فاسدَةً، فالمشاحَّةُ حينئذٍ في حقيقتِهِ وآثارِهِ، لا في مجرَّدِ لفظِهِ.
والتَّنبيهُ المهمُّ أَنَّ «الاصطلاحَ البشريَّ ليسَ حاكمًا على الشَّريعَةِ، وإنَّما هو أَداةٌ لتصويرِ المعنى وضبطِهِ وتيسيرِ البحثِ فيهِ»؛ فالعبرَةُ بالحقائقِ والمعاني التي دلَّ عليها الوحيُ، لا بمجرَّدِ الأَسماءِ والشِّعاراتِ. كما أَنَّ شيوعَ المصطلحِ لا يدلُّ بذاتِهِ على صحَّةِ مفهومِهِ، ولا يُغني تحريرُ تعريفِهِ عن إقامَةِ الدَّليلِ على ما يُنسَبُ إليهِ مِن أَحكامٍ.
ولا يجوزُ الحكمُ على قولٍ أَو فعلٍ أَو شخصٍ بمجرَّدِ إطلاقِ اسمٍ مجمَلٍ عليهِ؛ حتَّى تُعرَفَ حقيقَةُ المسمَّى، ومدَى مطابقتِهِ للاسمِ، ويثبتَ الوصفُ بطريقٍ معتبَرٍ. كما ينبغي التَّفريقُ بينَ «الحكمِ على القولِ أَو الفعْلِ في ذاتِهِ، والحكمِ على المعيَّنِ المنتسِبِ إليهِ»؛ فإنَّ تنزيلَ الأَحكامِ على الأَشخاصِ قدْ يحتاجُ - بحسَبِ نوعِ الحكمِ - إلى ثبوتِ القولِ، وتحقُّقِ الشُّروطِ، وانتفاءِ الموانعِ، ومعرفَةِ القصْدِ فيما يُشترطُ فيهِ القصْدُ.
* فالقاعدَةُ: لا علْمَ منضبطًا بِلا مصطلحاتٍ محرَّرَةٍ، ولا فتوَى راسخَةً بلا تصوُّرٍ دقيقٍ، ولا تنزيلَ سليمًا معَ اضْطِرابِ حدودِ الأَلفاظِ وحقائقِ المعاني؛ فتحريرُ المصطلحِ مِن أَوائلِ تحريرِ المسأَلَةِ، واضْطِرابُهُ مِن أَوائلِ أَبوابِ الخطأِ في الفَهْمِ والحُكْمِ.
فاضبطِ المصطلحَ، وافهَمْ حدَّهُ واستعمالاتِهِ، واعرفْ سياقَهُ ومرادَ مستعملِهِ، ولا تُنزِّلْ حكمًا على واقعَةٍ وُصفَتْ بهِ حتَّى تتحقَّقَ مِن مطابقَةِ حقيقتِها لمعناهُ؛ فدقَّةُ اللَّفظِ مِن دقَّةِ العلْمِ، ودقَّةُ التَّصوُّرِ أَساسُ سلامَةِ الاسْتِدلالِ والتَّنزيلِ.
اللَّهُمَّ! ارزقْنا فَهمًا صحيحًا، وتصوُّرًا دقيقًا، ولسانًا صادقًا مبينًا، وبصيرةً تردُّ الأَلفاظَ إلى معانيها، والأَحكامَ إلى أَدلَّتِها؛ وجنِّبْنا زللَ العبارةِ، وتلبيسَ المجملاتِ، والحكمَ قبلَ التثبُّتِ، واجعلْ أَقوالَنا هاديَةً إلى الحقِّ، كاشفَةً عن معانيهِ، خالصَةً لوجهِكَ الكريمِ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

