المرحلَةُ الأُولَى: بِناءُ طالِبِ العلْمِ:
- المتونُ العلميَّةُ؛ خزائِنُ أُصُولِ الفُنونِ ومفاتيحُ الاسْتِحضارِ:
• سَبيكةٌ علميَّةٌ: مَن حفِظَ المتونَ بِلا فهْمٍ جمَعَ الأَلفاظَ وقَلَّ انْتِفاعُهُ بالمعاني، ومَن طلَبَ الفهْمَ بِلا أُصُولٍ مضبوطَةٍ تفرَّقَتْ عليهِ المسائِلُ، ومَن جمَعَ بينَ ضبْطِ المتنِ وفهمِهِ ومراجعتِهِ وتطبيقِهِ، نَمَتْ لديهِ مَلَكةُ العلْمِ؛ فالمتنُ خريطَةٌ، والحفْظُ وعاءٌ، والفهْمُ مفتاحٌ، والتَّطبيقُ ثمرَةٌ.
✍ أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للرُّسوخِ وحُسنِ التَّحصيلِ - أَنَّ المتونَ العلميَّةَ المختصرَةَ أَدواتٌ تعليميَّةٌ جليلَةٌ، صِيغتْ - نظمًا أَو نثرًا - لجمْعِ أُصُولِ الفنونِ ومهمَّاتِ مسائلِها ومصطلحاتِها في عباراتٍ موجزَةٍ محكمَةٍ؛ فهي - في الغالبِ - خرائِطُ لبُنيَةِ العلومِ، وخزائِنُ مركَّزَةٌ لأُصُولِها، ومفاتيحُ تعينُ على تصوُّرِ أَبوابِها وربطِ فروعِها واسْتِحضارِ مسائلِها.
وحفْظُ أَصْلٍ مختصَرٍ محرَّرٍ، أَو اسْتظهارُ مهمَّاتِهِ؛ يشبَهُ - مِن جهَةِ تثبيتِ المبادئِ وسرعَةِ اسْتِحضارِها - حفَظَ جدولِ الضَّربِ والمعادلاتِ الأَساسيَّةِ في العلومِ؛ فمَن لم تكُنِ الأُصُولُ حاضرَةً في ذهنِهِ قدْ تتفرَّقُ عليهِ الجزئيَّاتُ، ويعسُرُ عليهِ جمْعُ النَّظائِرِ ورَدُّ الفروعِ إلى أَبوابِها.
ومَن ضبَطَ متنًا مناسبًا لمرحلتِهِ، وفهِمَ أَلفاظَهُ ومصطلحاتِهِ، وربَطَ مسائلَهُ - على قدْرِ مرحلتِهِ - بشروحِها وأَدلَّتِها وتطبيقاتِها؛ فقدْ أَقامَ في ذهنِهِ «هيكلًا علميًّا» تنتظِمُ فيهِ المعارِفُ الجديدَةُ، فلا تبقَى معلوماتُهُ شذراتٍ متفرِّقَةً لا يجمعُها أَصُلٌ ولا يضبطُها نظَامٌ.
غيرَ أَنَّ حفْظَ المتونِ ليسَ شرطًا مطلَقًا للرُّسوخِ، ولا غايَةً مقصودَةً لذاتِها، ولا يلزَمُ أَن يحفَظَ كلُّ طالِبٍ متنًا بعينِهِ؛ بلِ الحفْظُ مِن أَقوَى وسائِلِ الضَّبْطِ والتَّأْصيلِ، وتختلِفُ الحاجَةُ إليهِ، ومقدارُ المحفوظِ، وطريقَةُ تحصيلِهِ؛ باخْتِلافِ الفنونِ والطلَّابِ ومراحِلِ الطلبِ.
فقدْ يحتاجُ الطالِبُ في بعضِ العلومِ إلى حفْظِ المتنِ كلِّهُ، وقدْ يكفيهِ في غيرِها ضبْطُ التَّعريفاتِ والقواعِدِ والأَدلَّةِ والمهمَّاتِ، معَ كثرَةِ المراجعَةِ وحُسنِ الاسْتٍحضارِ. والعبرَةُ ليسَتْ بصورَةِ الحفْظِ وحدَها، وإنَّما بمقدارِ ما يحقِّقُهُ مِن ضبْطِ العلْمِ وفَهمِهِ والقدرَةِ على الانْتِفاعِ بهِ.
وأَولى ما تُعمَرُ بهِ الصُّدورُ كتابُ اللهِ تعالى، ثمَّ ما تيسَّرَ مِن جوامعِ حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ وأَمَّا متونُ العلماءِ، فهي خادمَةٌ لفَهْمِ الوحي وضبْطِ علومِهِ، وليسَتْ مقدَّمَةً عليهِ، ولا مستغنيَةً عنهُ، ولا مساويَةً لهُ في الحُجِّيَّةِ والمنزلَةِ.
والمتنُ خريطَةٌ للعلْمِ، وليسَ العلْمَ كلَّهُ؛ فلا يكفي حفْظُ أَلفاظِهِ مِن غيرِ فَهْمِ مُصْطلحاتِهِ وقيودِهِ ومُستثنياتِهِ ومآخذِ مسائلِهِ. كما أَنَّ الاخْتِصارَ يقتضي في الغالِبِ حذْفَ الأَدلَّةِ، وتقليلَ الأَمثلَةِ، وإجْمالَ بعْضِ القيودِ؛ ولذلكَ قدْ تُشكِلُ عبارَةُ المتنِ على المبتدئِ، أَو يحملُها على غيرِ مرادِ مؤَلِّفِها، إذا اسْتَغنَى عن شرحٍ موثوقٍ أَو تصحيحِ أَهلِ الفنِّ.
والمتونُ ليسَتْ في مرتبَةٍ واحدَةٍ؛ فمنها ما هو مذهبيٌّ يقتصِرُ على المعتمَدِ أَو المشهورِ في مذهَبٍ معيَّنٍ، ومنها ما يقرِّرُ اخْتِيارَ مؤَلِّفِهِ، ومنها ما يعرِضُ الأَقوالَ وأَدلَّتَها، ومنها ما صيغَ للمبتدِئينَ، أَو للمتوسِّطينَ، أَو للمتقدِّمينَ. وقدْ يكونُ المتنُ محرَّرًا في جملتِهِ، معَ وجودِ مواضِعَ تُنتقَدُ أَو تحتاجُ إلى اسْتِدراكٍ؛ فالعصمَةُ للوحي، لا لتصانيفِ البشَرِ.
ولهذا لا تُجعَلُ «مجرَّدُ عبارَةِ المصنِّفِ» دليلًا شرعيًّا مستقلًّا، ولا نهايَةً للبحْثِ، ولا يُنسَبُ ما فيها إلى الشَّريعَةِ على سبيلِ القطْعِ أَو الحصْرِ قبْلَ معرفَةِ دليلِهِ، ومرتبتِهِ، وموضعِهِ مِنَ الاتِّفاقِ والخِلافِ.
ولا يعني ذلكَ أَنَّ المبتدئَ مطالَبٌ مِن أَوَّلِ طريقِهِ بالبحْثِ المستقِلِّ في كلِّ دليلٍ وخِلافٍ؛ بلْ يتلقَّى المعتمَدَ في مرحلتِهِ على سبيلِ التَّعلُّمِ والتَّدرُّجِ، معَ معرفتِهِ أَنَّ عبارَةَ المتنِ تقريرٌ علميٌّ مختصَرٌ، وليسَتْ هي الدَّليلَ الشَّرعيَّ نفسَهُ، إلَّا ما تضمَّنتْهُ مِن نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ.
كما لا يمنَحُ مجرَّدُ حفْظِ المتنِ صاحبَهُ أَهليَّةَ التَّعليمِ المطلَقِ، أَو الفتوى، أَو النَّظَرِ المستقِلِّ في النَّوازلِ؛ فقدْ يحفَظُ الطالِبُ العبارَةَ، ولا يعرِفُ دليلَها، أَو وجْهَ دلالتِها، أَو قيودَها، أَو مستثنياتِها، أَو كيفيَّةَ تنزيلِها على الوقائِعِ.
والنَّازلَةُ لا يكفي في بيانِ حكمِها اسْتِحضارُ عبارَةٍ محفوظَةٍ؛ بلْ تحتاجُ - مِن أَهلِ النَّظَرِ فيها - إلى صحَّةِ التَّصوُّرِ، وجمْعِ الأَدلَّةِ المتعلِّقَةِ بها، وتحريرِ محلِّ النِّزاعِ، وتحقيقِ المناطِ، واسْتِكمالِ الشُّروطِ، وانْتِفاءِ الموانِعِ، ومعرفَةِ الواقِعِ، والنَّظَرِ في الأَعرافِ والمصالحِ والمآلاتِ المعتبرَةِ بحسَبِ ما تقتضيهِ النَّازلَةُ.
والمنهَجُ الرَّاشِدُ: في دراسَةِ المتونِ أَن يختارَ الطالِبُ - بتوجيهِ مؤَهَّلٍ في الفنِّ ما أَمكنَ - متنًا مختصرًا محرَّرًا، مشهورًا بالعنايَةِ والتَّدريسِ، يناسِبُ مرحلتَهُ وهدفَهُ؛ فيضبِطَ أَلفاظَهُ، ويفهَمَ معانيَهُ، ويحفظَهُ أَو يستظهِرَ مهمَّاتِهِ، ويكثِرَ مِن مراجعتِهِ، ويربِطَ مسائلَهُ بأَدلَّتِها وأَمثلتِها، ويتدرَّبَ على تطبيقِها، ثمَّ يرتقي بعدَ إحكامِهِ إلى ما هو أَوسَعُ منهُ.
ولا يُحمَّلِ المبتدِئُ متنًا معقَّدًا فوقَ طاقتِهِ، ولا شرْحًا يستغرِقُ في الخِلافِ والتَّفريعاتِ قبْلَ ضبْطِ أَصْلِ الفنِّ؛ «فإنَّ المتنَ وُضِعَ ليكونَ سُلَّمًا إلى العلْمِ، لا حجابًا عنهُ، وطريقًا إلى الفَهْمِ، لا بديلًا منهُ».
ولا ينبغي أَن يتنقَّلَ الطالِبُ بينَ متونٍ متعدِّدَةٍ في الفنِّ الواحِدِ قبْلَ إحْكامِ أَصْلٍ مناسِبٍ؛ فإنَّ كثرَةَ المتونِ معَ ضعْفِ الضَّبْطِ قدْ تزيدُهُ تشتُّتًا. وليسَ المقصودُ مِن دراسَةِ المتنِ كثرَةَ ما يقالُ حولَ عباراتِهِ، وإنَّما بناءُ تصوُّرٍ صحيحٍ للفنِّ، وضبْطُ مهمَّاتِهِ، والتَّدرُّجُ في فَهْمِ أَدلَّتِهِ ومسائلِهِ.
• فالقاعدَةُ: مِن أَعظَمِ أَسبابِ الرُّسوخِ أَن تكونَ لطالِبِ العلْمِ أُصُولٌ ثابتَةٌ محفوظَةٌ أَو حاضرَةٌ في ذهنِهِ، ولا يكتمِلُ الانْتِفاعُ بمحفوظٍ بِلا فَهْمٍ، ولا تنمو المَلَكةُ بِلا مراجعَةٍ ومذاكرَةٍ وتطبيقٍ.
فاجعْلِ المتنَ في صدْرِكَ، ومعناهُ في عقلِكَ، وأَدلَّةَ مسائلِهِ في بحثِكَ، وتطبيقاتِهِ في تدريبِكَ؛ ليكونَ العلْمُ حاضِرًا عندَ الحاجَةِ، لا أَلفاظًا محفوظَةً غائبَةَ الأَثَرِ.
اللَّهُمَّ! ارزقْنا حفْظًا واعيًا، وفهْمًا راسِخًا، وعلمًا نافعًا، وعمَلًا صالحًا؛ وباركْ لنا في أَوقاتِنا ومتونِنا وكتبِنا وشيوخِنا، وافتحْ لنا أَبوابَ الفَهْمِ والتَّحقيقِ، وجنِّبْنا آفَةَ الحفْظِ بِلا فقهٍ، والكلامِ بِلا علْمٍ، والتَّصدُّرِ قبْلَ التَّأَهُّلِ، واجعَلْ ما نتعلَّمُهُ نورًا لقلوبِنا، وصلاحًا لأَعمالِنا، ونفعًا لعبادِكَ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

