بينَ حقيقَةِ عذابِ القبرِ، وفتنَةِ الخرافَةِ والشَّائعَةِ..
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ ومَن والاهُ، أَمَّا بعدُ:
أَخي المسلمَ اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للعلم النافع واليقين الصادق - أنَّ الإسلامَ دينُ وحيٍ وعقلٍ وبرهان، لا دينُ خرافةٍ وأوهام؛ يُثبِت الغيبَ الذي أخبر اللهُ تعالى ورسولُه ﷺ به، ولا يجعل كلَّ حادثةٍ غريبةٍ دليلًا على الغيب، ولا كلَّ مقطعٍ منتشرٍ حجّةً في العقيدة.
وقد تداولت صفحاتُ التواصل الاجتماعي مقاطعَ لنارٍ تصاعدت من الأرض في مقبرة »سيّد علاوي« بـ »مدينة كركوك«.
وسارع بعضُ الناس إلى الجزم بأنّها نارٌ تخرج من قبر، وأنّها علامةٌ ظاهرةٌ على عذاب صاحبه؛ وانقسم الناسُ بين مصدّقٍ ومكذّب؛ حتى صارت الحادثة مادّةً للإثارة والتخويف وتبادل الاتهامات.
غير أنَّ الجهات المختصّة، بعد الكشف الميداني، بيَّنت أنَّ النار لم تخرج من قبرٍ أصلًا؛ بل اشتعلت في نفاياتٍ وأنقاضٍ متراكمةٍ تحت الأرض في زاويةٍ من المقبرة، وأكّدت اللجنة المشتركة من الشرطة والدفاع المدني عدم وجود قبرٍ في موضع الاشتعال.
وبذلك ظهر أنَّ ما نُشر تحت عنوان: »نارٌ تخرج من قبر« لم يكن مطابقًا للواقع.
وهذه الواقعة - مع بساطة تفسيرها - تكشف خللًا أعمق في التلقّي الديني والإعلامي، وتستوجب بيان جملةٍ من الأُصول الشرعيّة والمنهجيّة.
أولًا- عذابُ القبر حقٌّ ثابتٌ لا يحتاج إلى المقاطع المتداولة:
الإيمانُ بعذاب القبر ونعيمه من عقيدة أهل السُّنّة والجماعة، وقد دلَّ عليه الكتابُ والسُّنّة الصحيحة.
قال اللهُ تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
فالعرضُ على النار قبل قيام الساعة من عذاب البرزخ.
وثبت عن النبي ﷺ أنَّه مرَّ بقبرين فقال: »إنَّهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير«.ثم ذكر أنَّ أحدهما كان لا يستتر من بوله، وأنَّ الآخر كان يمشي بالنميمة. متفقٌ عليه.
وكان ﷺ يستعيذ بالله في صلاته من عذاب القبر، ويعلّم أصحابَه أن يقولوا: »اللهمَّ إنّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدجّال« رواه مسلم.
فعذاب القبر ثابتٌ بالنصوص القطعيّة والصحيحة، ولا يزيده انتشارُ مقطعٍ ثبوتًا، ولا ينقصه اكتشافُ سببٍ طبيعيٍّ لحريقٍ وقع في مقبرة.العقيدةُ تُؤخذ من الوحي، لا من المقاطع المجهولة، ولا من الانفعالات الجماهيريّة.
ثانيًا- عذابُ البرزخ حقيقيٌّ، وليس »معنويًّا« فقط:
ينبغي هنا تصحيحُ عبارةٍ قد يقع فيها بعض الناس، وهي قولهم: إنَّ عذاب القبر »عذابٌ معنويٌّ« فحسب.
والأدقُّ في عقيدة أهل السُّنّة والجماعة؛ أن يقال:
عذابُ القبر ونعيمُه حقيقيّان، يقعان على الروح، ويتّصل أثرُهما بالبدن على الوجه الذي يشاؤه اللهُ تعالى؛ لكنَّ كيفيّة ذلك من أمور البرزخ التي لا نحيط بها علمًا، ولا تخضع لمقاييس الحياة الدنيويّة المعتادة.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠].
فالبرزخُ عالمٌ حقيقيٌّ، ولكنَّه محجوبٌ عن إدراك الأحياء في الأصل.
وقد قال النبي ﷺ: »لولا ألّا تدافنوا، لدعوتُ اللهَ أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه« رواه مسلم.
فدلَّ الحديثُ على أنَّ العذاب موجودٌ حقيقةً، وأنَّ عدم سماع الناس له رحمةٌ من الله بهم، وليس دليلًا على عدم وقوعه.
وقد يسمع البهائمُ من عذاب القبر ما لا يسمعه الإنسان.
كما ثبت في الأحاديث الصحيحة؛ لأنَّ أحوال البرزخ لا تُقاس على أحوال الدنيا، ولا يلزم من وجود العذاب أن نرى نارًا ماديّةً خارجةً من التراب.
ثالثًا- لا يجوز تعيينُ قبرٍ بالعذاب من غير دليلٍ شرعيّ:
من أُصول أهل السُّنّة أنَّ المسلم المعيَّن لا يُشهد له بجنّةٍ ولا نار، ولا يُجزَم بأنَّه منعَّمٌ أو معذَّب، إلّا مَن شهد له الوحي.
فالقول عن قبرٍ معيَّن: «هذا قبرُ معذَّب»، أو عن صاحبه: «هذه النار عقوبةٌ له» قولٌ في الغيب بغير علم، وربما تضمَّن طعنًا في عِرض ميتٍ لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
وحتى لو شوهدت نارٌ فوق قبرٍ حقيقيّ؛ فلا يجوز بمجرد ذلك الجزمُ بأنّها من عذاب القبر؛ لأنَّ النار المشاهَدة قد تكون لها أسبابٌ طبيعيّةٌ متعدّدة، من مواد قابلة للاشتعال، أو غازات، أو نفايات مدفونة، أو فعل فاعل. أَمّا عذابُ شخصٍ بعينه فحكمٌ غيبيٌّ لا يثبت بالظنون والصور المحتملة.
رابعًا- ليس كلُّ أمرٍ غريبٍ آيةً خارقة:
المنهجُ الإسلاميُّ يجمع بين الإيمان بالغيب والأخذ بالأسباب؛ فلا ينكر قدرةَ الله وخوارقَ العادات، ولا يلغي في الوقت نفسه السننَ الكونيّة والأسبابَ المادّيّة.
وحين تقع حادثةٌ ظاهرةٌ في عالم الشهادة، فإنَّ الواجب أن تُفحَص بأسبابها المشاهَدة، وأن يُرجع فيها إلى أهل الاختصاص، لا أن تُنقل مباشرةً إلى عالم الغيب.
قال اللهُ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فالحريقُ يُرجع في تفسيره المادّي إلى الدفاع المدني وأهل الخبرة، والمرضُ إلى الأطبّاء، والبناءُ إلى المهندسين، والحكمُ الشرعيُّ إلى العلماء الراسخين.
وليس الرجوعُ إلى التفسير العلمي إنكارًا لقدرة الله؛ بل هو عملٌ بالسُّنن التي خلقها اللهُ وأمرنا باعتبارها.
فالتوحيدُ الصحيح لا يصادم العقلَ الصريح، والوحيُ الحقّ لا يعارض الحقيقةَ الثابتة.
خامسًا- سرعةُ التصديق لا تدلُّ دائمًا على قوّة الإيمان:
قد يظنُّ بعض الناس أنَّ تصديق كلِّ قصةٍ غريبةٍ تُنسب إلى الدين علامةٌ على قوّة اليقين، وأنَّ البحث عن تفسيرٍ طبيعيٍّ لها نوعٌ من ضعف الإيمان.
وهذا فهمٌ فاسد؛ لأنَّ المؤمن مأمورٌ بالإيمان بالغيب الذي ثبت بالوحي، ومأمورٌ كذلك بالتثبّت من الأخبار وعدم القول على الله بغير علم.
قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
وقال النبي ﷺ: »كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكلِّ ما سمع« رواه مسلم في مقدّمة صحيحه.
فليس حسنُ القصد كافيًا لتصحيح الخبر، ولا الرغبةُ في موعظة الناس تُبيح نشرَ الكذب والمبالغات.
والغايةُ الحسنة لا تجعل الوسيلةَ الفاسدة صحيحة.بل إنَّ ربط العقيدة بالأخبار المكذوبة يضرُّ بالدين؛ لأنَّ الحقيقة إذا ظهرت، ظنَّ بعض الجهّال أنَّ انكشاف كذب القصّة انكشافٌ لبطلان العقيدة نفسها، مع أنَّ الباطل كان في القصّة، لا في عقيدة عذاب القبر.
سادسًا- أين أثرُ الموعظة الحقيقيّة؟
لو صدّق الناسُ أنَّ النار خرجت من قبر؛ فاضطربوا ساعاتٍ وتناقلوا المقطع آلاف المرّات.
ثم لم يتركوا صلاةً ضيّعوها، ولا مظلمةً ارتكبوها، ولا غيبةً أطلقوها، ولا مالًا حرامًا أكلوه؛ فما الذي صنعتْه فيهم تلك الضجّة؟
الموعظةُ الصادقة ليست انفعالًا مؤقّتًا أمام مشهدٍ مثير، وإنّما هي علمٌ يورث خشيةً، وخشيةٌ تحمل على التوبة والعمل.
إنَّ الذي يريد النجاة من عذاب القبر لا يحتاج إلى تتبّع النار في المقابر؛ بل يحتاج إلى:
- المحافظة على التوحيد والصلاة والفرائض.
- التوبة من الظلم والغيبة والنميمة وأكل أموال الناس.
- التنزّه من البول وإحسان الطهارة.
- أداء الحقوق وردّ المظالم إلى أصحابها.
- كثرة الاستعاذة بالله من عذاب القبر.
- الاستعداد للموت بالإيمان والعمل الصالح.
قال اللهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقد فسّر النبي ﷺ هذه الآية بفتنة القبر وسؤال الميت.فالثباتُ هناك لا يكون بتصديق الشائعات، وإنّما يكون بتحقيق الإيمان في الدنيا.
سابعًا- واجبُ علماء كركوك ودعاتها:
إنَّ هذه الواقعة تضع مسؤوليّةً علميّةً ودعويّةً على علماء كركوك ودعاتها، من التركمان والعرب والكرد؛ أن يجتمعوا على بيان الحقّ للناس، بعيدًا عن المزايدات القوميّة والحزبيّة والمذهبيّة؛ فالعقيدةُ الصحيحة أمانةٌ مشتركة، ومحاربةُ الخرافة واجبٌ شرعيٌّ وعقليّ.ومن واجبهم:
- بيانُ ثبوت عذاب القبر بالأدلّة الصحيحة.
- توضيحُ أنَّ عالم البرزخ غيبٌ لا تُدرَك كيفيّته بالمشاهدة.
- التحذيرُ من تعيين الموتى بالعذاب من غير برهان.
- تعليمُ الناس التثبّت قبل النشر والتعليق.
- الرجوعُ إلى الجهات المختصّة في تفسير الحوادث المادّيّة.
- تحويلُ اهتمام الناس من الإثارة العابرة إلى التوبة والعمل والاستعداد للآخرة.
وليس المقصودُ السخريةَ من عامة الناس أو وصفَهم بالسذاجة!فكثيرٌ منهم حملهم الخوفُ من الله وحسنُ القصد على التصديق.
ولكنَّ حسن القصد يحتاج إلى علمٍ يهديه، وبصيرةٍ تضبطه.وعلماء يعلّمون الناس بالحكمة والرِّفق.
خاتمة: دينُنا أغنى من الخرافة:
أَخي المسلمَ الصَّادق!
لا تجعلْ إيمانَك تابعًا لكلِّ صورة، ولا عقيدتَك معلَّقةً بكلِّ خبرٍ مثير. آمنْ بعذاب القبر لأنَّ اللهَ ورسولَه ﷺ أخبرا به، لا لأنَّ نارًا ظهرت في مقبرة؛ وتثبَّت من النار الظاهرة لأنَّ الشرع أمرك بالتبيّن، لا لأنَّك تنكر الغيب.لقد ثبت بعد التحقيق أنَّ النار في مقبرة «سيّد علاوي» لم تخرج من قبر، وإنّما اشتعلت في نفاياتٍ وأنقاضٍ تحت الأرض.
لكنَّ انكشاف حقيقة الحادثة لا ينبغي أن يصرفنا عن الحقيقة الكبرى: أنَّ الموت حقٌّ، والقبر حقٌّ، وسؤال الملكين حقٌّ، ونعيم البرزخ وعذابه حقٌّ، والبعث والحساب حقٌّ.
فلا نحتاج لإثبات هذه الحقائق إلى خرافة، ولا إلى نارٍ مصوّرة، ولا إلى خبرٍ مكذوب؛ فقد جاءنا من الوحي ما يكفي القلبَ يقينًا، والعقلَ برهانًا، والنفسَ موعظةً.
اللهمَّ ثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأعذنا من عذاب القبر وفتنته، وارزقنا علمًا نافعًا، وإيمانًا صادقًا، وتوبةً نصوحًا، وحسنَ الخاتمة.
وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ على› نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أَجمعينَ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

