المرحلَةُ الأُولَى: بِناءُ طالِبِ العلْمِ:
»التَّلقِّي عن العُلماءِ؛ مِن أُصُولِ التَّكوينِ ومعاييرِ التَّأْهُّلِ«:
التَّلقِّي يُؤُصِّلُ، والقراءَةُ تُوسِّعُ، والتَّطبيقُ يبْني المَلَكَةَ..
سَبيكَةٌ علميَّةٌ: »خُذْ أُصُولَ العلْمِ عن أَهلِه، ثمَّ وسِّعْها بالقراءَةِ والبحْثِ والسَّماعِ؛ ولا تعكِسِ الطَّريقَ؛ فتجعَلَ الكتابَ وحدَهُ شيخَكَ في مرحلَةِ التَّكوينِ، وكثرَةَ المعلوماتِ دليلًا على الرُّسوخِ، ودعوَى المرْءِ لنفسِهِ شهادَةً بالأَهليَّةِ للتَّعليمِ والفتوَى«.
أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للرُّسوخِ وحُسْنِ التَّلقِّي - أَنَّ ملازمَةَ العلماءِ لا تعني أَن يحبِسَ الطالِبُ نفسَهُ على ما يسمعُهُ مِن شيخِهِ، ولا أَن يستغنيَ عنِ القراءَةِ الواسعَةِ، والمطالعَةِ الدَّائمَةِ، وسماعِ الدُّروسِ، وجمْعِ الفوائِدِ، والبحْثِ والمذاكرَةِ؛ فقدْ كانَ أًئمَّةُ الإسلامِ يجمعونَ بينَ التَّلقِّي عنِ الشُّيوخِ، وكثرَةِ القراءَةِ، ودَوامِ البحْثِ والمراجعَةِ، والرِّحلَةِ في طلِبِ العلْمِ.
ولكنَّ الفرْقَ كبيرٌ بينَ مَن جعَلَ «العالِمَ المؤَهَّلَ مرجِعًا في تأْسيسِهِ، وتصحيحِ فهمِهِ ومسارِهِ» ثمَّ وسَّعَ علمَهُ بالكُتُبِ والقراءَةِ والبحْثِ؛ وبينَ مَن بدَأَ وحدَهُ مِنَ الكُتُبِ والمقاطِعِ والمحاضراتِ المتفرِّقَةِ، وانْتقَى منها بِلا منهجٍ ولا تدرُّجٍ، ثمَّ أَورثتْهُ كثرَةُ المعلوماتِ ثقَةً زائدَةً؛ فشهِدَ لنفسِهِ بالأَهليَّةِ، وتصدَّرَ للتَّعليمِ أَو الفتوَى قبْلَ أَن يستكمِلَ أَدواتِهما، أَو تظهَرَ كفايتُهُ عندَ أَهلِ العلْمِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فالمشكلَةُ ليسَتْ في «الكتابِ» وإنَّما في الاسْتِغناءِ بهِ عن أَهلِ الفنِّ في مرحلَةِ التَّكوينِ؛ وليسَتْ في «المحاضرَةِ» وإنَّما في جعْلِ السَّماعِ المتفرِّقِ بديلًا عنِ المنهَجِ المتدرِّجِ؛ وليسَتْ في كثرَةِ القراءَةِ، وإنَّما في توهُّمِ أَنَّ كثرَةَ المقروءِ تساوي الرُّسوخَ والتَّأْهُّلَ.
ولا يلزمُ مِن ذلكَ أَنَّ كلَّ معرفَةٍ لا تصِحُّ إلَّا بالمشافهَةِ، أَو أَنَّ مَن انْتَفعَ بالكُتُبِ والدُّروسِ المسجَّلَةِ لا حَظَّ لهُ مِنَ العلْمِ؛ فربَّ كتابٍ محرَّرٍ فتحَ للطالِبِ بابًا مِنَ الفهْمِ، ورَبَّ درْسٍ مسجَّلٍ قرَّبَ إليهِ علمًا لم يتيسَّرْ لهُ تلقِّيهُ مباشرَةً. وإنَّما المقصودُ أَنَّ «التَّكوينَ العلميَّ المؤَهِّلَ للتَّصدُّرِ - ولا سيَّما في الفتوَى والنَّوازلِ والمسائِلِ المركَّبَةِ - لا يستغْني في الغالِبِ عن تصحيحِ أَهلِ الفنِّ، ومتابعتِهم، وتقويمِهم».
فالكتابُ يقدِّمُ لكَ المادَةَ العلميَّةَ والشَّرحَ والتَّحليلَ، وقدْ يفتَحُ لكَ مِن أَبوابِ العلْمِ ما لا يتيسَّرُ في مجلسٍ واحدٍ؛ لكنَّهُ لا يختبِرُ فهمَكَ، ولا يسأَلُكَ عمَّا توهَّمتَهُ مِن كلامِ مؤَلِّفِهِ، ولا ينبِّهُكَ مباشرَةً إلى ما فاتَكَ مِنَ القيودِ والاسْتِثناءاتِ، ولا يُصحِّحُ بنفسِهِ خللَكَ الخاصَّ في التَّصوُّرِ أَو الاسْتِدلالِ أَو التَّنزيلِ.
أَمَّا الشَّيخُ المتقنُ المربِّي؛ فمِن وظائفِهِ أَن يعلِّمَكَ المسأَلَةَ، ثمَّ يدرِّبَكَ على »كيفيَّةِ فَهمِها ودراسَةِ دليلِها«؛ فيكشِفُ مواضِعَ الخطأِ في تصوُّرِكَ، ويعينُكَ على الجمْعِ بينَ الأَدلَّةِ، ورَدِّ الفروعِ إلى أُصُولِها، والتَّفريقِ بينَ المتشابهاتِ، ويُريكَ مِن عيوبِ فهمِكَ ما قدْ يخفَى عليكَ وأَنْتَ تقرأُ وحدَكَ.
وفي حديثِ جبريلَ - عليه السَّلامُ - صورَةٌ جليلَةٌ مِن صورِ التَّعليمِ بالسُّؤَالِ والجوابِ والمشافهَةِ؛ فقدْ سأَلَ النَّبيَّ ﷺ عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ والسَّاعَةِ وأَماراتِها، ثمَّ قالَ النَّبيُّ ﷺ: »فإنَّهُ جِبْريلُ أَتاكُمْ يُعلِّمُكُمْ دينَكُمْ« [مسلم: ٨].
وهذا شاهِدٌ على عِظَمِ أَثرِ السُّؤَالِ والجوابِ في التَّعليمِ، وليسَ معناهُ أَنَّ كلَّ علْمٍ لا يُنالُ إلَّا بهذِهِ الصُّورَةِ، أَو أَنَّ مجرَّدَ حضورِ المجالسِ يحقِّقُ الفهْمَ والرُّسوخَ.
وعلى أَصلِ التَّلقِّي تعاقبَتْ طبقاتُ العلْمِ؛ فتَّلقَّى الصَّحابَةُ الكرامُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، والتَّابعونَ عن الصَّحابَةِ، ثمَّ أَخذَ العلماءُ بعضُهم عن بعضٍ، وصنَّفوا الكتبَ، وشرحوا المتونَ، وحرَّروا المسائِلَ؛ فاجْتمَعَ في مسيرَةِ العلمِ التَّلقِّي والمشافهَةُ، والتَّصنيفُ والقراءَةُ، والبحْثُ والمذاكرَةُ، ولم يكنْ أَحدُها عندَ المحقِّقينَ مُغنيًا عن بقيَّةِ أَسبابِ التَّكوينِ.
ولا تقومُ المحاضراتُ العامَّةُ، والمقاطِعُ المختصرَةُ، والقراءاتُ المتناثرَةُ - على عظيمِ فائدتِها - مقامَ برنامجٍ علميٍّ متدرِّجٍ، وتلقٍّ يتيحُ السُّؤَالَ والتَّصحيحَ، ومذاكرَةٍ تكشفُ الخلَلَ، وتطبيقٍ يبني المَلَكةَ، وتقويمٍ يبيِّنُ مستوى الطالبِ وحدودَ قدرتِهِ.
وقدْ يكونُ المرْءُ واسِعَ الثَّقافَةِ، كثيرَ الاطِّلاعِ، سريعَ الاسْتِحضارِ، ولا يكونُ مؤَهَّلًا للفتوى؛ لأَنَّ الأَهليَّةَ لا تُقاسُ بمقدارِ ما قرأَ فحسَبُ، بلْ بما أَتقَنَ، وكيفَ فَهِمَ، وبأَيِّ أُصُولٍ اسْتَدلَّ، وكيفَ جمَعَ بينَ الأَدلَّةِ، وحرَّرَ محلَّ النِّزاعِ، وحقَّقَ المناطَ، وراعى الشُّروطَ والموانِعَ والمآلاتِ، وأَنْزلَ الحكْمَ على واقعِهِ.
والأَهليَّةُ «مراتِبُ وليسَتْ مرتبَةً واحدَةً»؛ فأَهليَّةُ تعليمِ مسأَلَةٍ محرَّرَةٍ أَو شرحِ متنٍ في حدودِهِ ليسَتْ كأَهليَّةِ الفتوى، وأَهليَّةُ الفتوى في المسائِلِ المعتادَةِ ليسَتْ كأَهليَّةِ الاجْتِهادِ في النَّوازلِ العامَّةِ المركَّبَةِ؛ فلا تُشترَطُ للتَّعليمِ الجزئيِّ جميعُ شروطِ المفتي في النَّوازلِ، كما لا يجوزُ لمَن تأَهَّلَ لمرتبَةٍ محدودَةٍ أَن يتجاوزَها إلى ما لم يستكمِلْ أَدواتِهِ.
ولْيخترِ الطالِبُ شيوخَهُ ممَّن عُرفوا بالعلْمِ والدِّيانَةِ والأَمانَةِ، والرُّسوخِ في فنونِهم، والعدْلِ والإنْصافِ، وحُسنِ التَّعليمِ، وسلامَةِ المنهجِ، والبُعْدِ عن الغُلُوِّ والتَّعصُّبِ؛ ولا يلزَمُ أَن يأْخُذَ العلومَ كلَّها عن شيخٍ واحدٍ، بلْ »يأْخُذُ كلَّ فنٍّ عن أَهلِهِ المتقنينَ لهُ«؛ فقدْ يكونُ العالِمُ راسِخًا في فنٍّ، وليسَ مِن أَهلِ الاخْتِصاصِ في فنٍّ آخرَ.
ولا يعني التَّلقِّي عن الشَّيخِ عصمتَهُ، ولا التِّزامَ جميعِ أَقوالِهِ تقليدًا مطلقًا، ولا إغلاقَ بابِ السُّؤَالِ والبحْثِ؛ فالشيَّخُ يدُلُّ على الدَّليلِ، ويعلِّمُ طريقَ فَهمِهِ، ولا يقومُ مقامَهُ. وإنَّما يتعلَّمُ الطالِبُ منهُ أُصُولَ الفنِّ، وطريقةَ النَّظَرِ، وأَدَبَ البحْثِ، ثمَّ يوسِّعُ مداركَهُ بالقراءَةِ والسِّماعِ والمقارنَةِ والمذاكرَةِ، ويرجعُ إلى الدَّليلِ وَفْقَ أُصُولِ الاسْتِدلالِ المعتبرَةِ وفَهْمِ أَهلِ العلْمِ.
والتَّلقِّي في عصرِنا لا ينحصِرُ في الجلوسِ المكانيِّ بينَ يدَي الشَّيخِ؛ فقدْ يتحقَّقُ التَّلقِّي المباشِرُ بوسائِلِ الاتِّصالِ الحديثًةِ إذا وُجِدَ »منهَجٌ متدرِّجٌ، وشرحٌ منضبِطٌ، وإمكانٌ للسُّؤَالِ والتَّصحيحِ، ومتابعَةٌ وتقويمٌ«؛ فالعبرَةُ بحقيقَةِ التَّلقِّي وثمرتِهِ، لا بصورَةِ المجلسِ وحدَها.
أَمَّا الدُّروسُ المسجَّلَةُ؛ فهي وسيلَةٌ عظيمَةُ النَّفْعِ في الشَّرحِ والمراجعَةِ وتوسيعِ المعرفَةِ، لكنَّها لا تحقِّقُ وحدَها جميعَ خصائِصِ التَّلقِّي التَّفاعليِّ؛ لغيابِ السُّؤَالِ المباشرِ، واخْتِبارِ الفهْمِ، وتصحيحِ الخطأِ الخاصِّ بالطالبِ.
ولا تنحصِرُ معرفَةُ الأَهليَّةِ في شهادَةٍ رسميَّةٍ أَو تزكيَةٍ لفظيَّةٍ أَو إجازَةٍ مكتوبَةٍ؛ بلْ تُعرَفُ - في الجملَةِ - بمجموعِ أُمُورٍ، منها: «رسوخُ التَّحصيلِ، وإتْقانُ الفنِّ، وسلامَةُ المنهجِ والاسْتِدلالِ، وشهادَةُ أَهلِ الاخْتِصاصِ، وجودَةُ الآثارِ العلميَّةِ، وحُسنُ الأَداءِ في الواقعِ العمليِّ».
كما أَنَّ الإجازاتِ تختلِفُ في مدلولاتِها؛ فالإجازَةُ بروايَةِ كتابٍ، أَو بقراءَةِ متنٍ، أَو بسماعِ درسٍ، تُثبِتُ ما تعلَّقَتْ بهِ في حدودِها، ولا تستلزمُ وحدَها الأَهليَّةَ المطلقَةَ للتَّعليمِ أَو الفتوى أَو الاجْتِهادِ.
• فالقاعدَةُ: الشَّيخُ المؤَهَّلُ يؤَصِّلُ ويُصحِّحُ، والمتنُ يضبِطُ، والكتابُ يوسِّعُ، والدَّرسُ يشرحُ، والبحْثُ يُنضِجُ، والمذاكرَةُ تُثبِّتُ، والتَّطبيقُ يبني المَلَكةَ، وتقويمُ أَهلِ العلْمِ يكشِفُ مرتبَةَ الأَهليَّةِ.
فلا تجعَلِ الشَّيخَ بديلًا عن القراءَةِ، ولا القراءَةَ بديلًا عنِ الشَّيخِ؛ فإنَّ الرُّسوخَ يُبنى بالتَّلقِّي، ويتَّسِعُ بالمطالعَةِ، وينضِجُ بالبحْثِ، ويُختبَرُ بالتَّطبيقِ؛ ولا تُعرَفُ الأَهليَّةُ بدعوى المرْءِ لنفسِهِ، ولا بمجرَّدِ شهادَةٍ أَو إجازَةٍ، وإنَّما بمجموعِ العلْمِ الرَّاسِخِ، والمنهجِ السَّليمِ، وتقويمِ أَهلِ الاخْتِصاصِ، والآثارِ العلميَّةِ المعتبرَةِ.
اللَّهُمَّ! ارزقْنا إخلاصًا في طلبِ العلْمِ، وفقهًا في الدِّينِ، وأَدبًا معَ أَهلِهِ، ووفِّقْنا لشيوخٍ ربَّانيِّينَ يدلُّونَنا على الحقِّ، ويُبصِّرونَنا بمواضعِ الخللِ في فهمِنا؛ وباركْ لنا في أَوقاتِنا وقراءَتِنا وبحثِنا، وجنِّبْنا العُجبَ والتَّعصُّبَ والتَّصدُّرَ قبلَ التَّأَهُّلِ، واجعَلْ ما علَّمتَنا حجَّةً لنا، ونورًا في قلوبِنا، وصلاحًا في أَعمالِنا، ونفعًا لعبادِكَ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

