المرحلَةُ الأُولَى: بِناءُ طالِبِ العلْمِ:
- »التَّأْصيلُ العلْميُّ؛ بِناءُ الأُصُولِ قبْلَ اسْتِكْثارِ الفُروع«:
• »سَبيكَةٌ علميَّةٌ«: العلْمُ بناءٌ لا رُكامٌ؛ فمَن أَحكمَ أُصُولَهُ انْتَظمَتْ لهُ فروعُهُ، ومَن اسْتَكثَرَ الفروعَ قبْلَ إحكامِ أُصُولِها كثرَتْ محفوظاتُهُ، وخُشِيَ أَن تَضْطرَبَ مَلَكتُهُ، ويختَلَّ ميزانُهُ في الفَهْمِ والاسْتِدْلالِ؛ فالتَّأْصيلُ يُقيمُ بنيانَ العلْمِ، والفهْمُ يفتَحُ خزائنَهُ، والعمَلُ الصَّالحُ يُصَدِّقُ أَثرَهُ.
✍ أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للعلْمِ النَّافعِ، والعمَلِ الصَّالحِ، وسلوكِ سبيلِ العُلماءِ الربَّانيِّينَ - أَنَّ طلَبَ العلْمِ الشَّرعيِّ مِن أَجلِّ القُرُباتِ إذا صحَّتِ النِّيَّةُ وصلُحَ القصْدُ؛ فليسَ ترفًا فكريًّا، ولا طريقًا إلى الشُّهرَةِ والمماراةِ، ولا وسيلَةً للتَّصدُّرِ بينَ النَّاسِ؛ وإنَّما يُطلَبُ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تعالى، ورفْعًا للجهْلِ عن النَّفسِ وعن الغيرِ، وتصحيحًا للاعْتِقادِ والعبادَةِ، وتهذيبًا للسُّلوكِ، وقيامًا بأَمانَةِ البيانِ والدَّعوَةِ إلى اللهِ على بصيرَةٍ؛ كلٌّ بحسَبِ علمِهِ وأَهليَّتِهِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩].
وقدْ بوَّبَ الإمامُ البُخاريُّ - رحمهُ اللهُ - في »صحيحِهِ«: »بابُ العلْمِ قبْلَ القولِ والعمَلِ« واسْتدلَّ بهذِهِ الآيَةِ؛ لأَنَّ العلْمَ هو الذي يُبصِّرُ العبدَ بصحَّةِ قولِهِ وعملِهِ، ويميِّزُ لهُ المشروعَ مِن غيرِهِ.
ومِن أَعظَمِ ما يحتاجُ إليهِ طالِبُ العلْمِ في بدايَةِ طريقِهِ، وفي جميعِ مراحِلِ تحصيلِهِ: »التَّأْصيلُ العلميُّ«؛ وهو بناءُ تحصيلِهِ على أُصُولٍ محكمَةٍ، ومصادِرَ موثوقَةٍ، ومنهجٍ مُنْضبِطٍ في التَّلقِّي والفهْمِ والاسْتِدلالِ والتَّطبيقِ.
والتَّأْصيلُ بهذا المعنَى »منهَجٌ في التَّعلُّمِ والتَّكوينِ« وليسَ لهُ حَدٌّ واحِدٌ لا يختلِفُ باخْتِلافِ العلومِ؛ فأُصُولُ كلِّ فنٍّ هي مبادئُهُ ومُصْطلحاتُهُ وقواعدُهُ ومُسائلُهُ الكُبرَى التي لا ينتظِمُ فَهْمُ فروعِهِ إلَّا بها، ويُرجَعُ في تحديدِها وترتيبِها إلى أَهلِ ذلكَ الفنِّ.
فالتَّأْصيلُ ليسَ كثرَةَ الكُتُبِ المقروءَةِ، ولا وفرَةَ الدُّروسِ المسموعَةِ، ولا جمْعَ المسائِلِ المتناثرَةِ؛ وإنَّما هو أَن يسلِكَ الطالِبُ كلَّ فنٍّ مِن بابِهِ، فيعرِفَ موضوعَهُ ومقاصدَهُ، ويضبِطَ مصطلحاتِهِ وحدودَهُ، ويُحكِمَ كلِّيَّاتِهِ وقواعدَهُ، ويفهَمَ أَدلَّتَهُ ومآخذَهُ ومراتبَها ووجوهَ دلالاتِها؛ ثمَّ يردَّ الجزئيَّاتِ إلى كلِّيَّاتِها، والفروعَ إلى أُصُولِها، ويدرِسَ النَّوازلَ في ضوءِ أَدلَّتِها وقواعدِها بعدَ تصوُّرِها وتحقيقِ مناطِها، لا لمجرَّدِ الشَّبَهِ بينها وبينَ بعْضِ المسائِلِ المتقدِّمَةِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
وأَوردَ الإمامُ البُخاريُّ في »كتابِ العلْمِ«: (ويُقالُ: الرَّبَّانيُّ الذي يُربِّي النَّاسَ بصغارِ العلْمِ قبْلَ كِبارِهِ)؛ أَي يبدَأُ بهم بما وضِحَ مِن مسائلِهِ، وبمقدِّماتِهِ التي تُوصِلُ إلى مقاصدِهِ، ويراعي مراتبَهم وقدراتِهم.
فالتَّدرُّجُ مِن سُننِ التَّعلُّمِ، والمقدِّماتُ مفاتيحُ الغاياتِ، والأُصُولُ جُسورُ الوصُولِ.
والعلْمُ الشَّرعيُّ - مِن جهَةِ حاجَةِ المكلَّفِ إليهِ - على مراتِبَ:
• فمنْهُ: »فرْضُ عينٍ« يجِبُ على كلِّ مسلمٍ أَن يتعلَّمَ منهُ ما يصِحُّ بهِ إيمانُهُ وعبادتُهُ ومعاملتُهُ؛ بحسَبِ حالِهِ وما يتوجَّهُ إليهِ مِنَ الواجباتِ.
• ومنهُ »فرْضُ كفايَةٍ« إذا قامَ بهِ مَن يكفي سقَطَ الإثمُ عنِ الباقينَ؛ كالتَّبحُّرِ في علومِ الشَّريعَةِ، والقيامِ بالفتوَى والقضاءِ، وبيانِ أَحكامِ النَّوازلِ، وسَدِّ حاجَةِ الأُمَّةِ في التَّخصُّصاتِ الشَّرعيَّةِ. وقدْ يتعيَّنُ بعْضُ فرْضِ الكفايَةِ على شخْصٍ إذا لم يوجَدْ مَن يقومُ بهِ سواهُ.
والتَّأْصيلُ هو الذي ينقِلُ معلوماتِ الطالِبِ مِن شتاتٍ في الذِّهْنِ إلى «علْمٍ مُنْتظًمٍ مُتَرابِطٍ» ويمنحُهُ ميزانًا يفرِّقُ بهِ بينَ الأَصلِ والفرعِ، والكلِّيِّ والجزئيِّ، والمحكَمِ والمشتبِهِ، والدَّليلِ والدَّعوَى، والقاعدَةِ والاسْتِثناءِ، والقطعيِّ والظَّنِّيِّ، ومسائِلِ الاتِّفاقِ ومواضِعِ الاجْتِهادِ والخِلافِ.
أَمَّا مَن اسْتَكثَرَ الفروعَ قبْلَ إحكامِ أُصُولِها؛ فقدْ تكثِرُ محفوظاتُهُ وتتَّسِعُ معلوماتُهُ، لكنَّهُ يبقَى سريعَ التَّأَثُّرِ بآخِرِ ما قرأَ أَو سمَعَ، مُضْطربًا عندَ تعارضِ الظَّواهِرِ، ضعيفَ القدرَةِ على الجمْعِ والتَّرجيحِ، وقدْ يُقدِّمُ الفرعَ على الأَصلِ، أَو يجعَلُ الاسْتِثناءَ قاعدَةً، أَو يعامِلُ الظَّنِّيَّ معاملَةَ القطعيِّ، أَو ينقِلُ الحكْمَ مِن واقعَةٍ إلى أُخرَى مِن غيرِ اسْتِكمالِ شروطِ تنزيلِهِ.
وليسَ التَّأْصيلُ حبْسًا للطالِبِ في مختصَرٍ واحِدٍ، ولا صَدًّا لهُ عنِ المطالعَةِ الواسعَةِ، ولا دعوَةً إلى الاقْتِصارِ على المحفوظاتِ؛ وإنَّما هو أَن يكونَ »التَّوسُّعُ فوقَ أَساسٍ ثابتٍ، والانْتِقالُ بعدَ إحكامٍ مناسبٍ للمرحلَةِ، والقراءَةُ ضمْنَ خُطَّةٍ واضحَةٍ«.
فيبدَأُ الطالِبُ بمتنٍ أَو مقرَّرٍ مختصَرٍ محرَّرٍ يناسِبُ مرحلتَهُ، ويتلقَّاهُ عن مؤَهَّلٍ في فنِّهِ، ويجمْعُ بينَ الفهْمِ، وحفْظِ أَو اسْتِظهارِ ما يحتاجُ إلى ضبْطٍ، والمراجعَةِ والمذاكرَةِ والتَّطبيقِ؛ ثمَّ يرتقي إلى ما هو أَوسَعُ منهُ، وإلى أَدلَّةِ المسائِلِ، والخِلافِ العالي، ومناهِجِ التَّرجيحِ، والنَّوازلِ؛ بحسَبِ أَهليَّتِهِ ومرحلتِهِ.
ولا يعني تقديمُ الأُصُولِ أَن يدرسَها الطالِبُ مجرَّدَةً عن أَمثلتِها، أَو أَن يتوقَّفَ عن دراسَةِ جميعِ الفروعِ حتَّى يستوعِبَ أُصُولَ الفنِّ؛ فإنَّ كثيرًا مِنَ القواعِدِ لا يرسِخُ فَهمُها إلَّا بأَمثلتِها وتطبيقاتِها.
وإنَّما المقصُودُ أَن يجمَعَ بينَ »ضبْطِ الأَصلِ، وفَهْمِ مثالِهِ، والتَّدرُّبِ على تنزيلِهِ« وأَلَّا يستكثِرَ مِنَ التَّفريعاتِ والخِلافاتِ قبْلَ امْتِلاكِ القدْرِ الذي ينتظمُها ويضبطُها.
والتَّأْصيلُ ليسَ مرحلَةً عابرَةً تنتهي بحفْظِ عددٍ مِنَ المتونِ؛ بلْ هو »منهَجٌ يصحَبُ طالِبَ العلْمِ في التَّلقِّي والبحْثِ والفهْمِ والاسْتِدلالِ والتَّرجيحِ والتَّنزيلِ« ويقيهِ - بإذنِ اللهِ - التَّناقُضَ والاضُطِرابَ، والتَّعلُّقَ بالشَّواذِّ، والاغْتِرارَ بالمقاطِعِ المبتورَةِ، والمعلوماتِ المتناثرَةِ، والأَحكامِ التي لم تستكمِلْ أَدواتِها.
• ولا يستقيمُ التَّأْصيلُ إلَّا بجملَةٍ مِنَ الأُصُولِ الجامعَةِ، مِن أَهمِّها:
إخلاصُ القصدِ، وصحَّةُ مصدرِ التلقِّي، والتدرُّجُ في الطلبِ، والبداءةُ بالأهمِّ فالأهمِّ، والتلقِّي عن العلماءِ المؤهَّلينَ، وجمعُ النصوصِ الواردةِ في البابِ قبلَ الحكمِ، ومعرفةُ مراتبِ الأدلَّةِ، وردُّ المتشابِه إلى المحكَمِ، وربطُ العلمِ بالعملِ.
فليستِ الغايةُ أن يكثرَ كلامُكَ، ولا أن تتَّسعَ محفوظاتُكَ فحسبُ؛ وإنَّما أن يصحَّ فَهمُكَ، ويرسخَ علمُكَ، ويستقيمَ عملُكَ، ويظهرَ أثرُ ما تعلَّمتَ في خشيتِكَ وأخلاقِكَ وعبادتِكَ ومواقفِكَ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
فالعلْمُ النَّافِعُ مِن أَعظَمِ أَسبابِ الخشيَةِ والاستقامَةِ، وإذا لم يظهَرْ للعلْمِ أَثَرٌ في القلْبِ والعمًلِ؛ فقدْ فاتَ صاحبَهُ مِن كمالِ الانْتِفاعِ بهِ بقدْرِ ما فاتَهُ مِن خشيَةٍ وانْقِيادٍ؛ وإن كثرَتْ معلوماتُهُ ومسائلُهُ.
والتَّأْصيلُ يختصِرُ الطَّريقَ، لا بالقفْزِ فوْقَ مراحلِهِ؛ بلْ بحُسْنِ ترتيبِها؛ فيمنَعُ التِّيهَ بينَ الكُتُبِ، ويحفْظُ العمْرَ مِن تكرارِ البداياتِ، ويحوِّلُ كثرَةَ المعلوماتِ إلى مَلَكةٍ علميَّةٍ منضبطَةٍ.
فابدَأْ - في الجملَةِ - بالواضُحِ قبْلَ الدَّقيقِ، وبالمحكَمِ قبْلَ المشتبِهِ، وبالمبادِئِ قبْلَ المطوَّلاتِ، وبالمعتمَدِ المناسِبِ لمرحلتِكَ قبْلَ التَّوسُّعِ في دقائِقِ الخِلافِ، وبالتَّعلُّمِ قبْلَ التَّصدُّرِ؛ وخُذِ العلْمَ عن أَهلِهِ، واعمَلْ بما علمْتَ، واسأَلْ عمَّا جهلْتَ، ولا تستعجِلْ مرتبَةً لم تستكمِلْ أَدواتِها.
• فالقاعدَةُ: العلْمُ بناءٌ لا يثبِتُ بغيرِ أَساسٍ، وأَمانَةٌ لا يحملُها بحقٍّ إلَّا مَن جمَعَ بينَ الإخْلاصِ والتَّأْصيلِ والعمَلِ؛ فمَن صَحَّ تأْصيلُهُ كانَ أَقربَ إلى انْتِظامِ نظرِهِ، وقوَّةِ اسْتِدلالِهِ، وحُسْنِ تنزيلِهِ، ومَن اخْتَلَّ تأْصيلُهُ لم تجبِرْ خللَهُ كثرَةُ أَوراقِهِ ولا وفرَةُ محفوظاتِهِ.
اللَّهُمَّ! ارزقْنا علمًا نافعًا، وفهمًا راسِخًا، وقصْدًا خالصًا، وقلبًا خاشِعًا، وعمَلًا صالحًا؛ وعلِّمْنا ما ينفعُنا، وانفعْنا بما علَّمتَنا، وزِدْنا علمًا وهُدًى وتُقًى، واجعَلْ علمَنا حجَّةً لنا لا علينا. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

