فقهُ تنزيلِ الحقائقِ في واقعِ الفتنِ: ليسَ كلُّ ما يُعلَمْ يُقال:

أَخي الدَّاعية اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لفقهِ الدِّينِ وحُسنِ البلاغِ - أَنَّ من أَخطرِ أَبوابِ الدَّعوَةِ إلى اللهِ: بابُ «تنزيلِ الحقائقِ العلميَّةِ على الواقعِ المشحونِ بالخلافاتِ والحساسيَّاتِ»؛ فإنَّ المسأَلَةَ قدْ تكونُ صحيحَةً في أَصلِها العلميِّ، لكنَّ طرحَها في غيرِ موضعِها، أَو في غيرِ زمانِها، أَو أَمامَ غيرِ أَهلِها؛ قدْ يُحوِّلُها من علمٍ نافعٍ إلى فتنَةٍ مُستثارَةٍ، ومن بيانٍ شرعيٍّ إلى بابٍ من أَبوابِ الاضطرابِ والتَّشويشِ.

فليسَ مِن »فقهِ الدَّعوَةِ« أَن يقولَ الدَّاعيةُ كلَّ ما يعلَمُ، ولا أَن يُلقيَ دقائقَ العلمِ بينَ العامَّةِ وكأَنَّهم طُلَّابُ تخصُّصٍ راسخونَ؛ بلِ الفقهُ أَن يُحسِنَ الجوابَ عن خمسَةِ أَسئلَةٍ قبلَ أَن يتكلَّمَ: »ماذا يقولُ؟ ومتى يقولُ؟ ولِمَن يقولُ؟ وكيف يقولُ؟ وما مآلُ قولِهِ؟«.

قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥].

والحِكمَةُ ليسَتْ ضعفًا في البيانِ، ولا كتمانًا للحقِّ المحكَمِ؛ بلْ هيَ وضعُ الحقِّ في موضعِهِ، وإيصالُهُ بالطريقَةِ التي تُحقِّقُ مقصودَهُ الشَّرعيِّ، لا بالطريقَةِ التي تُشعلُ النُّفوسَ وتُثيرُ العصبيَّاتِ.

وقدْ بوَّبَ السَّلفُ لهذا البابِ بعباراتٍ جامعَةٍ:

فقال عليٌّ رضي اللهُ عنهُ: (حدِّثوا النَّاسَ بما يَعرفونَ؛ أَتحبُّونَ أَن يُكذَّبَ اللهُ ورسولُهُ؟).

وقال ابنُ مسعودٍ رضي اللهُ عنهُ: (ما أَنتَ بمُحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغُهُ عقولُهم؛ إلَّا كانَ لبعضِهم فتنَةً).

فهذِهِ قاعدَةٌ عظيمَةٌ في فقهِ البلاغِ: ليسَ كلُّ حقٍّ يُقالُ لكلِّ أَحدٍ، ولا كلُّ مسأَلَةٍ تُطرَحُ في كلِّ مقامٍ، ولا كلُّ تقريرٍ علميٍّ يُناسبُ منابرَ العامَّةِ ووسائلَ التَّواصلِ.

ومن أَمثلَةِ ذلكَ: مسائلُ »التَّرحُّمِ على أَهلِ القِبلَةِ« والتَّفريقُ بينَ الحكمِ العامِّ على المسلمِ المعيَّن، وبينَ الموقفِ الدَّعويِّ من بعضِ الشَّخصياتِ التي ارتبطَ اسمُها في وجدانِ الأُمَّةِ بظُلمٍ أَو دمٍ أَو فتنَةٍ عظيمَةٍ.

فمن حيثُ الأَصلُ العلميُّ: أَهلُ السُّنَّةِ والجماعَةِ لا يُكفِّرونَ أَهلَ القِبلَةِ بمجردِ الذَّنبِ أَو الفسقِ أَو الظُّلمِ، ولا يُخرجونَ المسلمَ من الإسلامِ إلَّا بيقينٍ شرعيٍّ معتبَرٍ.

والخوارجُ - معَ بدعتِهم العظيمَةِ وضلالِهم الشَّديدَ - لم يُطلِقْ أَهلُ السُّنَّةِ تكفيرَ أَعيانِهم بإطلاقٍ؛ بلْ فرَّقوا بينَ البدعَةِ وصاحبِها، وبينَ الحكمِ العامِّ وتنزيلِهِ على المعيَّنِ.

لكن هلْ يلزمُ من هذا الأَصلِ أَن يُفتَحَ البابُ في المجالسِ العامَّةِ ومنصَّاتِ التَّواصلِ للترحُّمِ على كلِّ مَن ارتبطَ اسمُهُ في ذاكرَةِ المسلمينَ بدمٍ عظيمٍ، أَو ظُلمٍ مشهورٍ؟

وهلْ من فقهِ الدَّعوَةِ؛ أَن نأْتيَ إلى أَسماءٍ تُثيرُ جراحَ الأُمَّةِ، كقاتلِ عليٍّ رضي اللهُ عنهُ، أَو مَن ارتبطَ اسمُهُ بفتنٍ عظيمَةٍ في تاريخِ المسلمينَ، ثم نجعلَ التَّرحُّمَ عليهم شعارًا يُطرَحُ بينَ العامَّةِ، كأَنَّ هذِهِ هيَ معركةُ الدِّينِ الكُبرى؟

إنَّ هذا ليسَ من الحكمَةِ في شَيْءٍ.

نعم؛ قدْ يُقالُ في مجالسِ العلمِ الخاصَّةِ: إنَّ الحكمَ على المعيَّنِ مردُّهُ إلى اللهِ، وإنَّنا لا نكفِّرُ بالظَّنِّ والهُوى، وإنَّ أَهلَ القِبلَةِ داخلونَ في عمومِ أَحكامِ الإسلامِ ما لم يثبتْ ناقضٌ بيقينٍ.

لكنَّ تحويلَ هذِهِ الدَّقائقِ إلى منشوراتٍ عامَّةٍ في واقعٍ مشحونٍ، أَو طرحَها بطريقَةٍ تستفِزُّ المظلومينَ والمجروحينَ، أَو كأَنَّ المقصودَ تلميعُ الظَّالمينَ وتسكينُ آلامِ النَّاسِ؛ فهذا من سوءِ التَّنزيلِ، لا من رسوخِ العلمِ.

وقدْ تركَ النَّبيُّ ﷺ بعضَ ما يحبُّهُ من الخيرِ خشيَةَ فتنَةِ النَّاس؛ ففي «الصَّحيحينِ» أَنَّهُ قالَ لعائشَةَ - رضي اللهُ عنها - في شأْنِ الكعبَةِ: »لولا أَنَّ قومَكِ حديثو عهْدٍ بجاهليَّةٍ لهدمتُ الكعبَةَ، ولجعلتُ لها بابين«.

فتأَمَّلْ: تركَ النَّبيُّ ﷺ أَمرًا راجحًا في أَصلِهِ؛ مراعاةً لحالِ النَّاسِ وقُربِ عهدِهم بما قدْ لا تحتملُهُ عقولُهم ونفوسُهم.

فكيفَ بمن يطرحُ مسائلَ تاريخيَّةً مُلتبسَةً، وأَسماءً موحِشَةً في نفوسِ كثيرٍ من المسلمينَ، ثم يقولُ: أَنا لا أَقولُ إلَّا الحقًّ؟!

إنَّ الحقَّ لا يُخدَمُ بإساءَةِ تنزيلِهِ، والعلمَ لا يُنشَرُ بفتحِ أَبوابِ الفتنَةِ باسمِ التَّحقيقِ.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].

فإذا كانَ اللهُ تعالى؛ نهى عن سبِّ آلهةِ المشركينَ - مع بطلانِها - إذا كانَ ذلكَ يؤدِّي إلى مفسدَةٍ أَعظمٍ، وهي سبُّ اللهِ جلَّ جلالُهُ؛ فكيفَ لا يُراعَى هذا الأَصلُ في مسائلَ تاريخيَّةٍ دقيقَةٍ تثيرُ الخصوماتِ، وتفتحُ أَبوابَ التَّعصُّبِ، وتُخرِجُ النَّاسَ من مقصودِ العلمِ إلى ساحاتِ الاحترابِ والاتهامِ؟

ومن هُنا نقولُ بوضوحٍ: ليسَ من فقهِ الدَّعوَةِ أَن تجعلَ من مسائلَ دقيقَةٍ لا يُحسنُ فهمَها إلَّا الرَّاسخونَ مادَّةً عامَّةً للنَّاسِ في زمنِ الفتنِ.وليسَ من الحكمَةِ؛ أَن تُخاطِبَ العامَّةَ بلغَةِ التَّحقيقاتِ الكلاميَّةِ والتَّاريخيَّةِ الدَّقيقَةِ، ثم تلومَهم إذا أَساؤوا الفهمَ، أَو ظنُّوا أَنَّكَ تُدافِعُ عن ظَالمٍ، أَو تُهوِّنُ من حرمَةِ دمِ مظلومٍ.إنَّ العامَّةَ لا يفرِّقونَ غالبًا بين قولِكَ: «لا نكفِّرهُ» وبين قولِكَ: «نُحبُّهُ ونترضَّى عنهُ ونُعظِّمهُ».ولا يفرِّقونَ دائمًا بين قولِكَ: «أَمرُهُ إلى اللهِ» وبين قولِكَ: «لا حرجَ في إظهارِ التَّرحُّمِ عليهِ أَمامَ من جُرِحتْ قلوبُهم بفعلِهِ».

وهُنا يقعُ الخللُ العظيمُ في فقهِ البلاغِ؛ فالواجبُ على الدَّاعيَةِ؛ أَن يفرِّقَ بينَ «التَّقريرِ العقديِّ» و«المقامِ الدَّعويِّ»:

•⁠ ⁠فالتَّقريرُ العقديُّ يقولُ: لا نكفِّرُ المسلمَ إلَّا ببيِّنَةٍ، ولا نحكمُ على الأَعيانِ بالهُوى، ونكلُ أَمرَ أَهلِ القِبلَةِ إلى اللهِ تعالى.

•⁠ ⁠وأَما المقامُ الدَّعويُّ فيقولُ: لا نُثيرُ الأُمَّةَ بأَسماءٍ موحِشَةٍ، ولا نجعلُ التَّرحُّمَ على مَن اشتهرَ بظُلمٍ أَو دَمٍ أَو فتنَةٍ شعارًا عامًا، ولا نفتحُ بابًا يُفضي إلى تمزيقِ القلوبِ وإحياءِ العصبيَّاتِ.

ولهذا كانَ من فقهِ أَهلِ السُّنَّةِ في بعضِ الشَّخصياتِ التَّاريخيَّةِ المختلَفِ فيها أَن يقولوا:«لا نُحبُّهُ، ولا نسبُّهُ، ولا نجعلُهُ رايةً يُمتحَنُ النَّاسُ بها، ونكلُ أَمرَهُ إلى اللهِ».

فهذا أَعدْلُ وأَسلَمُ وأَحكَمُ من إثارَةِ النَّاسِ بعباراتٍ لا تُصلحُ دينًا، ولا تجمعُ كلمَةً، ولا تُطفئُ فتنَةً.

والدَّاعيَةُ العاقِلُ؛ لا يبحثُ عن المسأَلَةِ التي يُثبتُ بها سَعَةَ علمِهِ أَمامَ النَّاسِ؛ بلْ يبحثُ عن الكلمَةِ التي يُقرِّبُ بها النَّاسَ إلى اللهِ، ويجمعُ بها قلوبَهم على الحقِّ، ويحفظُ بها محكماتِ الدِّينِ.

فما حاجَةُ العامَّةِ اليومَ إلى أَن نُشغلَهم: هلْ يُترحَّمُ على فلانٍ أَو لا يُترحَّمُ؟

بينما هم يحتاجونَ إلى تعظيمِ التَّوحيدِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، وصدْقِ التَّوبَةِ، وحفظِ اللِّسانِ، وإصلاحِ القلوبِ، ونبذِ العصبيَّاتِ، وتعظيمِ مقامِ الصَّحابَةِ الكرامِ رضي الله عنهم، والكفِّ عمَّا شجرَ بينهم إلَّا بعلمٍ وعدْلٍ وأَدَبٍ.

إنَّ من البلاءِ أَن يتركَ بعضُ النَّاسِ تعليمَ الأُمَّةِ ما تحتاجُهُ من أُصولِ دينِها، ثم يُدخِلَها في دقائقَ تاريخيَّةٍ لا تزيدُها إلَّا اضطرابًا.

وأَينَ العلمُ؛ إذا فارقَتْهُ الحكمَةُ؟

وأَينَ التَّحقيقُ؛ إذا أَورثَ قسوَةً في القلوبِ؟

وأَينَ فقهُ السُّنَّةِ؛ إذا صارَ سببًا في تنفيرِ النَّاسِ من أَهلِ السُّنَّةِ؟

وأَينَ الاتِّباعُ؛ إذا لم نقتَدِ بالنَّبيِّ ﷺ في مراعاةِ أَحوالِ المخاطَبينَ؟

إنَّ الفقيهَ الحقَّ لا يقفُ عندَ صحَّةِ العبارَةِ مجرَّدةً؛ بلْ ينظرُ إلى أَثرِها في القلوبِ، ومآلِها في الواقعِ.

وقدْ تقرَّرَ عندَ أَهلِ العلمِ أَنَّ «درْءَ المفاسدِ مقدَّمٌ على جلْبِ المصالِحِ» وأَنَّ «الوسائلَ لها أَحكامُ المقاصِدِ» وأَنَّ «ما أَدَّى إلى فتنَةٍ راجحَةٍ مُنعَ منهُ، وإن كانَ أَصلُهُ مباحًا أَو صحيحًا في الجملَةِ».

فاحذرْ - أَيَّها الدَّاعيَةُ - أَن تكونَ سببًا في فتحِ بابِ فتنَةٍ، وأَنْتَ تظنُّ أَنَّكَ تنصرُ العلمَ!

واحذرْ أَن تُلقيَ دقائقَ المسائلِ بينَ قومٍ لا يملكونَ أَدواتِ فهمِها، ثم تقولَ: «أَنا قلتُ الحقَّ».

فإنَّ الحقَّ يحتاجُ إلى علمٍ، ويحتاجُ كذلكَ إلى حكمَةٍ ورحمَةٍ وبصيرَةٍ.

والكلمَةُ في زمنِ الفتنَةِ ليسَتْ كسائرِ الكلماتٍ؛ فقدْ تكونُ شرارَةً تُشعلُ قلوبًا، أَو بلسمًا يُطفئُ نارًا؛ فطوبى لمَن جعلَ علمَهُ رحمَةً، وبيانَهُ جمعًا، وحكمتَهُ سدًّا لأَبوابِ الشَّرِّ، لا مفتاحًا لها.

اللَّهُمَّ! ارزقنا علمًا نافعًا، وفقهًا راسخًا، وحكمَةً في البلاغِ، وبصيرَةً في تنزيلِ الأَحكامِ، واجعلْ أَلسنتَنا مفاتيحَ خيرٍ ومغاليقَ شَرٍّ، وجنِّبنا الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطن، واجمعْ قلوبَ المسلمينَ على الحقِّ والعدْلِ والرَّحمَةِ، يا ربَّ العالمينَ!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Next
Next

»لا تدَعِ الفِتنَ تُغرِقُ قلبَكَ«: