»ما كانَ للَّهِ لا يضيعُ«:

أخي المسلم الصَّادق!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لصِدْقِ التَّعلُّقِ بهِ، وكمالِ التَّوكُّلِ عليهِ - أَنَّ علاقاتِ النَّاسِ في الدُّنيا تجري غالبًا على سُنَنِ الأَسبابِ والمصالحِ والمقابلاتِ؛ فمَن أَعطاكَ شيئًا قدْ ينتظِرُ منكَ شُكرًا، أَو وفاءً، أَو منفعَةً، أَو مقابلَةً ظاهرَةً أَو خفيَّةً.. وهذِهِ طبيعَةُ كثيرٍ من معاملاتِ الخَلْقِ؛ لأَنَّ الإنسانَ فقيرٌ محدودٌ، يُعطي ويأْخُذُ، ويربحُ ويخسَرُ، ويَزِنُ كثيرًا منَ الأُمورِ بميزانِ الحاجَةِ والنَّقصِ.

•⁠ ⁠أَمَّا معاملَةُ العبدِ لرَبِّهِ جلَّ في عُلاهُ؛ فليسَتْ معاملَةَ نِدٍّ لنِدٍّ، ولا مقايضَةَ محتاجٍ بمحتاجٍ؛ وإنَّما هيَ عبوديَّةُ عبْدٍ فقيرٍ لرَبٍّ غنيٍّ حميدٍ كريمٍ، خزائنُهُ لا تَنْفَدُ، وفضلُهُ لا يُحَدُّ، وعطاؤُهُ لا يخضَعُ لحساباتِ البشَرِ ومقاييسِهم.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].

وقالَ سبحانَهُ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].

فتأَمَّلْ - رعاكَ اللهُ -: ما تبذلُهُ للنَّاسِ قدْ يُنسَى، وقدْ يُجحَدُ، وقدْ يُقابَلُ بالجفاءِ أَو النُّكرانِ؛ أَمَّا ما تقدِّمُهُ للهِ تعالى بإخلاصٍ واتِّباعٍ؛ فإنَّهُ محفوظٌ عندَ مَن لا يَضيعُ عندَهُ مثقالُ ذرَّةٍ، ولا يَظلِمُ أَحدًا شيئًا.

غيرَ أَنَّ خَلَفَ اللهِ تعالى لا يلزَمُ أَن يكونَ دائمًا مِن جنسِ ما بذلَهُ العبدُ، ولا أَن يقعَ في الوقتِ الذي يختارُهُ؛ فقدْ يُعوِّضُهُ اللهُ مالًا، أَو صحَّةً، أَو بركَةً، أَو سكينَةً، أَو دفعَ بلاءٍ، أَو صلاحًا في الأَهلِ والذُّرِّيَّةِ، وقدْ يدَّخَرُ لهُ الجزاءَ كاملًا في الآخرَةِ؛ وحُسْنُ اختيارِ اللهِ لعبدِهِ خيرٌ من اختيارِ العبدِ لنفسِهِ.

وليسَ معنى ذلكَ أَن يتركَ العبدُ الأَخذَ بالأَسبابِ، أَو يطلبَ الرِّزقَ بالتمنِّي والكسلِ؛ بلِ الواجِبُ أَن يأْخذَ بالأَسبابِ المشروعَةِ، وقلبُهُ معلَّقٌ بمسبِّبِ الأَسبابِ؛ يعلمُ أَنَّ الأَسبابَ لا تستقِلُّ بالنَّفْعِ والضَّرِّ، وأَنَّ الأَبوابَ إذا أُغلِقَتْ في وجهِهِ، فتحَ اللهُ لهُ بابًا مِن حيثُ لا يحتسِبُ، وأَنَّ عطاءَ الكريمِ إذا جاءَ جاوزَ حساباتِ البشَرِ وتقديراتِهم.

فلا تجعلْ قلبَكَ أَسيرًا لِما في أَيدي الخَلْقِ، ولا تجعلْ إحسانَكَ إليهم مشروطًا بمكافأَتِهم وثنائِهم؛ بلِ ابْذلِ الخيرَ للهِ، وابْتغِ بعملِكَ وجهَ اللهِ، وانتظرِ الفضلَ والثَّوابَ مِنَ اللهِ تعالى.

فمَن عامَلَ اللهَ بالصِّدْقِ والإخلاصِ؛ ربَحَ وإن خسَرَ في أَعينِ النَّاسِ، وفازَ وإن تأَخَّرَ عنهُ العطاءُ، واسْتغنى باللهِ وإن افْتقرَ إلى الخَلْقِ؛ لأَنَّ ما كانَ للهِ لا يضيعُ، وما عندَ اللهِ خيرٌ وأَبقَى.

فاللَّهُمَّ! علِّقْ قلوبَنا بكَ، ولا تعلِّقْها بما في أَيدي خَلْقِكَ، وارزقْنا صِدْقَ التَّوكُّلِ عليكَ، وحُسنَ الظَّنِّ بكَ، واليَّقينَ بوعدِكَ، واجعَلْ أَعمالَنا خالصَةً لوجهِكَ الكريمِ، وارزقْنا الرِّضا بحُسنِ اختيارِكَ وتدبيرِكَ؛ إنَّ فضلَكَ أَوسعُ مِن آمالِنا، وعطاءَكَ أَعظمُ مِن حساباتِنا.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

‮‬»التَّعصُّبُ‭ ‬للوسيلَةِ‭ ‬وتركُ‭ ‬الأَصلِ‮«‬

Next
Next

»فِقهُ النُّصْحِ ومُراعاةُ أَحوالِ النُّفوسِ«: