فلسطينُ قضيَّةُ أُمَّةٍ، والفصائِلُ تُنصَرُ في حقِّها وتُناصَحُ في خطَئِها
أَخيَ المسلمَ اللَّبيبَ المسْتَبْصر!
اعلمْ - بصَّرني اللهُ وإيَّاكَ بميزانِ الحقِّ والعدل - أَنَّ مِن أَخطرِ أَمراضِ العملِ الإسلاميِّ أَن تتحوَّلَ «الوسيلَةُ إلى غايَةٍ، والفصيلُ إلى أَصلٍ، والشَّخصُ إلى ميزانٍ للولاءِ والبراءِ»؛ فيُنسى الدِّينُ الذي اجتمعنا عليهِ، وتضيقُ أُخوَّةُ الإيمانِ حتى لا تتَّسعَ إلَّا لمَن وافقَ جماعتَنا أَو مدحَ رموزَنا، ويُجعلُ نقدُ الاجتهادِ السِّياسيِّ خيانَةً، ومخالفَةُ القائِدِ عداءً للقضيَّةِ نفسِها.
والحقُّ أَنَّ «الدِّينَ أَصلٌ، والعدْلَ أَصلٌ، وأُخوَّةَ الإيمانِ أَصلٌ، أَمَّا الجماعاتُ والفصائِلُ والهيئاتُ والمؤَسَّساتُ فوسائِلُ بشريَّةٌ»: تُحمَدُ بقدْرِ ما تُقيمُ من الحقِّ، وتُناصَحُ بقدْرِ ما تقعُ فيهِ من الخطأِ، ولا تكتسِبُ العصمَةَ بتضحياتِها، ولا تسقِطُ فضائلُها بأَخطائِها.
واقعَةٌ تكشِفُ خللًا أَوسَعَ منها:
أَثارتْ واقعةُ إلغاءِ الأُمسيَّةِ الشِّعريَّةِ المقرَّرةِ للشَّاعرِ السُّوريِّ الوطنيِّ السُّنِّيِّ، المجاهدِ بكلمتِه «أَنس الدغيم» في «معرضِ اصطنبولَ الدوليِّ للكتابِ العربيِّ» جدلًا واسعًا..!
إذ كانتْ إدارةُ المعرضِ قد أَعلنتِ الأُمسيَّةَ رسميًّا، كما صرَّح الدكتورُ نواف هايل تكروري «رئيسُ هيئةِ علماءِ فلسطين»؛ بأَنَّهُ هو الذي وجَّه الدعوةَ إلى الشَّاعرِ للمشاركةِ في فعاليَّةِ الهيئةِ.
ثم عادتْ إدارةُ المعرضِ فاعتذرتْ عن الأُمسيَّةِ؛ معلِّلةً إلغاءَها - بحسبِ بيانِها - بـ «أَسبابٍ صحيَّةٍ طارئةٍ»! وهو تعليلٌ أَثارَ مِن الأَسئلَةِ أَكثرَ ممَّا قدَّمَ مِن الأَجوبَةِ.
ولم تقفِ الواقعةُ عندَ إلغاءِ الأُمسيَّةِ فحسبُ؛ بل تجاوزتْ ذلك إلى منعٍ ميدانيٍّ علنيٍّ للشاعرِ مِن دخولِ المعرضِ والتجوُّلِ فيه بحريَّةٍ.
فقد تواترتْ لدينا شهاداتُ عددٍ مِن الحاضرينَ الذين شاهدوا الواقعةَ مباشرةً:
أَنَّ الشاعرَ حينَ دخلَ المعرضَ؛ تجمَّعَ حولَه - بعد وقتٍ يسيرٍ - عشراتٌ مِنَ الشبابِ، وردَّدوا هتافاتٍ معترضةً على حضورِه ومطالِبةً بمنعِه، وحاصروه على نحوٍ حالَ بينَهُ وبينَ إتمامِ دخولِهِ والتحرُّكِ في المعرضِ بصورةٍ طبيعيَّةٍ؛ حتى اضطرَّ إلى مغادرةِ الموقعِ.
وقد وردتْنا أَخبارُ الواقعةِ أَوَّلَ الأَمرِ؛ فلم نتعجَّلِ الجزمَ بها، عملًا بقولِ اللهِ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
ثم تثبَّتنا منها بسماعِ شهاداتٍ متعدِّدةٍ متوافقةٍ ممَّن حضروا الواقعةَ وعاينوها؛ فثبتَ أَنَّ الأَمرَ لم يكنْ مجرَّدَ تعديلٍ في برنامجٍ ثقافيٍّ أَو إلغاءٍ لأُمسيَّةٍ شعريَّةٍ؛ بل اقترنَ بإقصاءٍ جماعيٍّ، وضغطٍ ميدانيٍّ، ومنعٍ للشاعرِ مِن ممارسةِ حقِّهِ العامِّ في دخولِ المعرضِ.
والفرقُ كبيرٌ بينَ إلغاءِ فعاليَّةٍ بقرارٍ إداريٍّ يمكنُ مناقشةُ أَسبابِه، وبينَ محاصرةِ إنسانٍ داخلَ معرضٍ عامٍّ، والهتافِ ضدَّهُ، والتضييقِ عليهِ حتى يُضطرَّ إلى المغادرة.
فحقُّ الاعتراضِ لا يبيحُ الحصارَ، وحرِّيَّةُ النقدِ لا تُواجَهُ بالإكراهِ المعنويِّ، والخلافُ مع كلامِ شخصٍ لا يُسقطُ حقَّه في الأمنِ والكرامةِ وحرِّيَّةِ الحركةِ.
فإن كان في كلامِه خطأٌ أَو تجاوزٌ؛ رُدَّ عليه بالحُجَّةِ والبيانِ، لا بالحشودِ والهتافاتِ والإقصاءِ.
وتبيَّنَ مِن شعاراتِ المحتجِّينَ وكلامِ المعترضينَ أَنَّ منشأَ الحملةِ هو نقدُ الشاعرِ السابقُ لبعضِ مواقفِ قادةٍ في «حماس» من النظامِ السوريِّ وإيرانَ وقاسمِ سليماني؛ ثم جرى تصويرُ ذلك النقدِ على أَنَّهُ هجومٌ على فلسطينَ وعداءٌ للمقاومةِ.
وهنا يكمنُ الخللُ المنهجيُّ الذي تتجاوزُ خطورتُه هذه الواقعةَ بعينِها: الزعمُ بأنَّ مَن ينتقدُ موقفًا لبعضِ قادةِ «حماس» فقد هاجمَ فلسطينَ أو عادى المقاومةَ.
وهذا خلطٌ لا يستقيمُ شرعًا ولا عقلًا؛ فالشاعرُ المذكورُ له شعرٌ منشورٌ في نصرةِ القدسِ وغزَّةَ، كما أنَّه - مع شدَّةِ نقدِه السابقِ ليحيى السنوارِ في موقفِه من النظامِ السوريِّ - أَثنى على ثباتِهِ عندَ مقتله، ودعا له بالرَّحمةِ والمغفرةِ؛ فكيفَ يُختزلُ هذا كلُّه في تُهمةِ «مهاجمةِ فلسطين»؟!
إنَّ منعَه وإلغاءَ أُمسيَّتِه لمجرَّدِ هذا النقدِ؛ تصرُّفٌ غيرُ عادلٍ، ومظهرٌ مِن مظاهرِ التعصُّبِ للفصيلِ على حسابِ أصلِ الدِّينِ والعدلِ والأخوَّةِ الإسلاميَّة.
أَمَّا إن كانتْ لدى الإدارةِ أَسبابٌ أُخرى أَو مخالفاتٌ لشروطٍ معلَنةٍ؛ فالواجبُ بيانُها بصدقٍ ووضوحٍ، لا تركُ المجالِ للأَعذارِ المتناقضةِ والشائعاتِ والخصوماتِ.
فلسطينُ أَكبرُ من فصيلٍ، والفصيلُ لا يُختزَلُ في خطئِهِ:
* «فلسطينُ أَرضٌ مباركةٌ»، وقضيَّةُ عدْلٍ، وحقُّ شعبٍ مظلومٍ، ومقدَّساتُ أُمَّةٍ؛ وليستْ ملكًا لحزبٍ أَو فصيلٍ أَو قائدٍ.
* و«حماسُ» فصيلٌ من فصائلِ المقاومةِ:
- لهُ بلاؤُهُ وتضحياتُهُ ومواقفُهُ المشهودَةُ في مقارعَةِ الاحتلالِ.
- ولهُ - كسائرِ الاجتهاداتِ البشريَّةِ - أَخطاءٌ سياسيَّةٌ وشرعيَّةٌ قابلةٌ للنقدِ والمراجعةِ.
ومِن الظلمِ أَن يُقالَ: إنَّ نقدَ حماسَ هو نقدٌ لفلسطينَ، كما أَنَّهُ مِن الظلمِ أَن تُتَّخذَ أَخطاءُ حماسَ ذريعَةً للطعنِ في المقاومةِ كلِّها أَو التخلِّي عن أَهلِ غزَّةَ.
والميزانُ العادلُ: هو أَن ننصرَ الفصيلَ في حقِّهِ، ونردَّهُ عن خطئهِ، ونحفظَ لهُ فضلَهُ، ولا نمنحَهُ عصمَةً ليستْ لهُ.
قال النَّبيُِّ) :# انْصُرْ أَخاكَ ظالمًا أَو مظلومًا) فقالوا: يا رسولَ اللهِ! ننصرُه مظلومًا؛ فكيف ننصرُه ظالمًا؟ قال: (تأْخذُ فوقَ يديهِ) رواه البخاري.
فالنَّصيحَةُ والتَّصحيحُ ومنعُ الخطأِ صورَةٌ من صورِ النُّصرَة، وليستْ خيانَةً ولا عداوةً.
دماءُ الأُمَّةِ لا تتجزَّأ:
مِن أَقبحِ آثارِ التعصُّبِ أَن تُقسَّمَ دماءُ المسلمينَ بحسبِ خرائطِ الأَحزابِ والمصالحِ:
فيغضبُ المرءُ لدمِ الفلسطينيِّ - وحقٌّ لهُ أَن يغضبَ - ثم يطلبُ مِن السوريِّ والعراقيِّ واليمني؛ أَن ينسيا مَن أَعانَ على قتلِ أَهلِهما وتهجيرِهم؛ أَو يغضبُ لدمِ السوريِّ، ثم يبردُ قلبُهُ عن أَطفالِ غزَّةَ وجراحِها.. وكلا المسلكينِ جَوْرٌ في الإحساسِ واختلالٌ في الأُخوَّة.
إنَّ قاسمَ سليماني الهالك؛ لم يكنْ شخصيَّةً بعيدَةً عن مأَساةِ الشامِ والعراق؛ بل كان قائدَ فيلقِ القدسِ، ومن أَبرزِ مهندسي النفوذِ العسكريِّ الإيرانيِّ في المنطقة، وأَسهمَ في دعمِ نظامِ الأَسدِ وتنسيقِ الميليشياتِ المواليةِ لإيرانَ في سوريا والعراق..
ولذلك كان وصفُهُ بـ شهيدِ القدس ثناءً بالغَ الأَلمِ في نفوسِ قطاعاتٍ واسعةٍ من السوريِّين والعراقيِّين الذين اكتوَوا بأَفعالِ ذلك المشروعِ.
وليس مِن العدلِ أَن نطلبَ مِن هؤلاءِ أَن يصمتوا عن جراحِهم؛ كما لا يجوزُ لهم أَن يجعلوا جراحَهم سلَّمًا إلى خذلانِ فلسطينَ!!
فدمُ الطفلِ في غزَّةَ، ودمُ الطفلِ في حلبَ والغوطةِ والموصلِ؛ كلُّه دمٌ مسلمٌ معصومٌ، والقاتلُ لا يصيرُ بريئًا لأَنَّهُ قدَّمَ سلاحًا لمقاومٍ، كما أَنَّ خطأَ بعضِ قادةِ المقاومَةِ لا يجعلُ المحتلَّ صاحبَ حقٍّ.
قال اللهُ تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
فالعدلُ لا يتجزَّأ، ولا يتغيَّرُ بتغيُّرِ المحبوبِ والمكروهِ.
النَّقدُ ليسَ خيانةً، والشَّتيمَةُ ليستَ نقدًا:
وكما نرفضُ تخوينَ الناقدِ لمجرَّدِ نقدِهِ؛ فإنَّنا لا نقرُّ كلَّ عبارَةٍ تصدِرُ في سياقِ النَّقدِ.
- فالنَّقدُ الشَّرعيُّ يقومُ على العلمِ والعدْلِ والبيانِ.
- أَمَّا السَّبُّ والشتمُ والتشهيرُ وتعميمُ الأَحكامِ؛ فليسَتْ مِن فقهِ النَّصيحَةِ.
ومَن أَخطأَ في لفظٍ أَو جارَ في وصفٍ، رُدَّ خطؤُه بقدرِهِ، ولم تُهدَرْ حقوقُه كلُّها، ولم يُتَّهمْ في دينِهِ وموقفِهِ من قضيَّةِ الأُمَّةِ.
وعليهِ؛ فلسنا ملزمينَ بالدِّفاعِ عن كلِّ لفظٍ قالهُ «أَنس الدِّغيم» كما لسنا ملزمينَ بتصويبِ كلِّ موقفٍ لقادَةِ حماس.
نوافقُ كلَّ واحدٍ فيما أَصابَ، ونخالفُهُ فيما أَخطأ، ولا نبيعُ ميزانَ العدْلِ محبَّةً لهذا أَو غضبًا من ذاك.
قال النبيُّ) :#الدِّينُ النَّصيحَةُ) والنَّصيحَةُ لا تكونُ بتقديسِ الأَشخاصِ، ولا بإسقاطِهم؛ بل بوضعِ الحسناتِ والسيِّئاتِ في مواضعِها، وحفظِ الحقوقِ، وقصدِ الإصلاحِ.
الولاءُ للهِ ورسولِهِ والمؤمنين، لا للأَسماءِ والتهَنظيماتِ:
الولاءُ والبراءُ عبادةٌ قلبيَّةٌ وشرعيَّةٌ مرجعُها الإيمانُ والحقُّ، وليسا أَداةً حزبيَّةً لمعاقبةِ المخالفينَ في الاجتهاداتِ السِّياسيَّة.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
فالأُخوَّةُ الإيمانيَّةُ أَوسعُ مِن التَّنظيمِ، وأَبقى مِن التحالفِ السِّياسيِّ، وأَعلى مِن الانفعالِ العابرِ.
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ): وليس لأَحدٍ أَن ينصبَ للأُمَّةِ شخصًا يدعو إلى طريقتِهِ، ويوالي ويعادي عليها غيرَ النبيِّ # ولا ينصبَ لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غيرَ كلامِ اللهِ ورسولِهِ وما اجتمعتْ عليه الأُمَّة). - مجموع الفتاوى: (٢٠-١٦٤).
فمَن جعلَ موافقةَ فصيلٍ أَو قائدٍ معيارَ الأُخوَّةِ، وجعلَ مخالفتَه سببًا للإقصاءِ والتخوينِ؛ فقدْ نقلَ الولاءَ من أَصلِهِ الشَّرعيِّ إلى تعصُّبٍ تنظيميٍّ مذمومٍ.
وفي الحديثِ أَنَّ النَّبيَّ # لمَّا تنازعَ رجلٌ مِن المهاجرينَ ورجلٌ مِن الأَنصارِ؛ فنادى كلٌّ بعصبيَّتِه، قال: «دَعُوها فإنَّها مُنتنَةٌ» متفقٌ عليه.
المؤَسَّساتُ الثَّقافيَّةُ ليستْ ساحاتِ تصفيةٍ حزبيَّةٍ:
معرضُ الكتابِ فضاءٌ للمعرفةِ والحوارِ، وليس جهازًا للفرزِ الحزبيِّ أَو معاقبةِ أَصحابِ الرأي.
ومن حقِّ أَيِّ مؤسَّسةٍ أَن تضعَ لفعالياتِها شروطًا مهنيَّةً واضحةً، وأَن تمنعَ السَّبَّ أَو التحريضَ أَو الفوضى؛ لكن ليسَ مِن حقِّها أَن تدعوَ إنسانًا ثم تُقصيَهُ تحت ضغطِ حملةٍ لأَنَّهُ خالفَ فصيلًا سياسيًّا، أَو أَن تُلبسَ نقدَ القياداتِ ثوبَ العداءِ لفلسطين.
والواجبُ على المؤسَّساتِ العامَّةِ أَن تلتزمَ أَربعةَ أُمورٍ:
1- وضوحَ المعاييرِ؛ قبل الدَّعوَةِ، لا تبديلَها بعد ضغطِ الجمهور.
2- سماعَ الطرفِ المنتقَدِ، وعدمَ محاكمتِه بمنشوراتٍ مبتورةٍ، أَو خصومةٍ قديمةٍ.
3- التفريقَ بين نقدِ موقفٍ سياسيٍّ والطعنِ في قضيَّةٍ عادلةٍ.
4- الصدْقَ في بيانِ أَسبابِ القرارِ؛ لأَنَّ التعلُّلَ بسببٍ غيرِ حقيقيٍّ - إن وقعَ - يضرُّ بسمعَةِ المؤسَّسةِ أَكثرَ من القرارِ نفسِهِ.
كما أَنَّ خطأَ بعضِ القائمينَ على فعاليَّةٍ لا يجوزُ أَن يُنسبَ إلى الفلسطينيِّينَ جميعًا؛ فالتعميمُ ظلمٌ آخرُ، والقضيَّةُ الفلسطينيَّةُ أَكبرُ من اجتهادِ إدارةٍ أَو غضبِ جماعةٍ من النَّاسِ.
ميزانُ الموقفِ الرَّاشدِ:
إنَّ الموقفَ الراشدَ مِن هذِهِ الواقعَةِ وأَمثالِها يقومُ على قواعدَ واضحَةٍ:
- فلسطينُ قضيَّةُ حقٍّ، وليستْ ملكًا لفصيلٍ.
- المقاومةُ تُنصَرُ في حقِّها، ولا تُمنَحُ العصمةَ في اجتهاداتِها.
- نقدُ خطأٍ سياسيٍّ ليس عداءً للقضيَّةِ، كما أَنَّ الشتيمةَ ليست نصيحةً.
- فضلُ المجاهدِ لا يمحو خطأَه، وخطؤُه لا يمحو فضلَهُ.
دماءُ المسلمينَ في فلسطينَ وسوريا والعراقِ سواءٌ في الحرمةِ، ولا يجوزُ أَن تُستعملَ مأساةٌ لمحوِ مأساةٍ أُخرى.
- الولاءُ للحقِّ فوقَ الولاءِ للأَشخاصِ والجماعاتِ، والعدْلُ واجبٌ مع الموافقِ والمخالفِ.
- الاجتماعُ المحمودُ هو الاجتماعُ على الوحيِ والعدلِ، لا الاجتماعُ على إسكاتِ الناصحينَ وحراسةِ الأَخطاء.
خاتمةُ:
لسنا نكتبُ هذِهِ الكلماتِ خصومَةً مع فلسطينَ أَو حماسَ، ولا انتصارًا مطلقًا لأَنس الدِّغيم أَو غيرِهِ؛ وإنَّما دفاعًا عن ميزانٍ إن ضاعَ ضاعتْ معهُ أُخوَّةُ الأُمَّةِ كلُّها.
نحبُّ أَهلَ غزَّةَ، وننصرُ مقاومتَهم المشروعةَ، ونحفظُ للمضحِّينَ فضلَهم، وننصحُ قياداتِهم إذا أَخطؤوا. ونحبُّ أَهلَ سوريا والعراقِ، ونحفظُ دماءَهم وذاكرتَهم، ولا نطلبُ منهم أَن يمدحوا مَن أَعانَ على قتلِهم وتشريدِهم.
إنَّ الأُمَّةَ لا تُجمَعُ بإسكاتِ بعضِ جراحِها لحسابِ بعض، ولا بتقديسِ الوسائلِ، ولا بتحويلِ الفصائلِ إلى مرجعيَّاتٍ لا يجوزُ نقدُها؛ وإنَّما تُجمَعُ على «توحيدِ اللهِ، واتِّباعِ رسولِهِ # والعدلِ بين عبادِه، والنصيحةِ للمسلمينَ، ورحمةِ المظلومينَ جميعًا.
فالقضيَّةُ حقٌّ، والفصيلُ وسيلةٌ، والرجالُ يُعرَفونَ بالحقِّ ولا يُعرَفُ الحقُّ بالرجالِ؛ ومَن أَحبَّ للهِ حقًّا، لم يحملْه حبُّه على العصبيَّةِ، ولم يمنعْه خلافُه مِن العدل.
اللَّهُمَّ! أَرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعَه، وأَرِنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابَه، وطهِّرْ قلوبَنا مِنَ الهوى والعصبيَّةِ، وأَلِّفْ بينَ المسلمينَ على الهدى والعدْلِ، وانصرِ المظلومينَ في فلسطينَ وسائرِ بلادِ المسلمينَ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
عضو» رابطةِ علماءِ المسلمين« و»الرابطةِ العالميةِ للفقهاءِ«.
ومؤسس »مكتبة الغرباء الدعوية«
٥ ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٨/١٩م

