‮‬»التَّعصُّبُ‭ ‬للوسيلَةِ‭ ‬وتركُ‭ ‬الأَصلِ‮«‬

فلسطينُ‭ ‬قضيَّةُ‭ ‬أُمَّةٍ،‭ ‬والفصائِلُ‭ ‬تُنصَرُ‭ ‬في‭ ‬حقِّها‭ ‬وتُناصَحُ‭ ‬في‭ ‬خطَئِها

أَخيَ‭ ‬المسلمَ‭ ‬اللَّبيبَ‭ ‬المسْتَبْصر‭!‬

اعلمْ‭ ‬‭- ‬بصَّرني‭ ‬اللهُ‭ ‬وإيَّاكَ‭ ‬بميزانِ‭ ‬الحقِّ‭ ‬والعدل‭ -‬‭ ‬أَنَّ‭ ‬مِن‭ ‬أَخطرِ‭ ‬أَمراضِ‭ ‬العملِ‭ ‬الإسلاميِّ‭ ‬أَن‭ ‬تتحوَّلَ‭ ‬‮«‬الوسيلَةُ‭ ‬إلى‭ ‬غايَةٍ،‭ ‬والفصيلُ‭ ‬إلى‭ ‬أَصلٍ،‭ ‬والشَّخصُ‭ ‬إلى‭ ‬ميزانٍ‭ ‬للولاءِ‭ ‬والبراءِ‮»‬؛‭ ‬فيُنسى‭ ‬الدِّينُ‭ ‬الذي‭ ‬اجتمعنا‭ ‬عليهِ،‭ ‬وتضيقُ‭ ‬أُخوَّةُ‭ ‬الإيمانِ‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتَّسعَ‭ ‬إلَّا‭ ‬لمَن‭ ‬وافقَ‭ ‬جماعتَنا‭ ‬أَو‭ ‬مدحَ‭ ‬رموزَنا،‭ ‬ويُجعلُ‭ ‬نقدُ‭ ‬الاجتهادِ‭ ‬السِّياسيِّ‭ ‬خيانَةً،‭ ‬ومخالفَةُ‭ ‬القائِدِ‭ ‬عداءً‭ ‬للقضيَّةِ‭ ‬نفسِها‭.‬

والحقُّ‭ ‬أَنَّ‭ ‬‮«‬الدِّينَ‭ ‬أَصلٌ،‭ ‬والعدْلَ‭ ‬أَصلٌ،‭ ‬وأُخوَّةَ‭ ‬الإيمانِ‭ ‬أَصلٌ،‭ ‬أَمَّا‭ ‬الجماعاتُ‭ ‬والفصائِلُ‭ ‬والهيئاتُ‭ ‬والمؤَسَّساتُ‭ ‬فوسائِلُ‭ ‬بشريَّةٌ‮»‬‭: ‬تُحمَدُ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬ما‭ ‬تُقيمُ‭ ‬من‭ ‬الحقِّ،‭ ‬وتُناصَحُ‭ ‬بقدْرِ‭ ‬ما‭ ‬تقعُ‭ ‬فيهِ‭ ‬من‭ ‬الخطأِ،‭ ‬ولا‭ ‬تكتسِبُ‭ ‬العصمَةَ‭ ‬بتضحياتِها،‭ ‬ولا‭ ‬تسقِطُ‭ ‬فضائلُها‭ ‬بأَخطائِها‭.‬

‭ ‬واقعَةٌ‭ ‬تكشِفُ‭ ‬خللًا‭ ‬أَوسَعَ‭ ‬منها‭:‬

أَثارتْ‭ ‬واقعةُ‭ ‬إلغاءِ‭ ‬الأُمسيَّةِ‭ ‬الشِّعريَّةِ‭ ‬المقرَّرةِ‭ ‬للشَّاعرِ‭ ‬السُّوريِّ‭ ‬الوطنيِّ‭ ‬السُّنِّيِّ،‭ ‬المجاهدِ‭ ‬بكلمتِه‭ ‬‮«‬أَنس‭ ‬الدغيم‮»‬‭ ‬في‭ ‬‮«‬معرضِ‭ ‬اصطنبولَ‭ ‬الدوليِّ‭ ‬للكتابِ‭ ‬العربيِّ‮»‬‭ ‬جدلًا‭ ‬واسعًا‭..!‬

إذ‭ ‬كانتْ‭ ‬إدارةُ‭ ‬المعرضِ‭ ‬قد‭ ‬أَعلنتِ‭ ‬الأُمسيَّةَ‭ ‬رسميًّا،‭ ‬كما‭ ‬صرَّح‭ ‬الدكتورُ‭ ‬نواف‭ ‬هايل‭ ‬تكروري‭ ‬‮«‬رئيسُ‭ ‬هيئةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬فلسطين»؛‭ ‬بأَنَّهُ‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬وجَّه‭ ‬الدعوةَ‭ ‬إلى‭ ‬الشَّاعرِ‭ ‬للمشاركةِ‭ ‬في‭ ‬فعاليَّةِ‭ ‬الهيئةِ‭.‬

ثم‭ ‬عادتْ‭ ‬إدارةُ‭ ‬المعرضِ‭ ‬فاعتذرتْ‭ ‬عن‭ ‬الأُمسيَّةِ؛‭ ‬معلِّلةً‭ ‬إلغاءَها‭ - ‬بحسبِ‭ ‬بيانِها‭ - ‬بـ‭ ‬‮«‬أَسبابٍ‭ ‬صحيَّةٍ‭ ‬طارئةٍ‮»‬‭! ‬وهو‭ ‬تعليلٌ‭ ‬أَثارَ‭ ‬مِن‭ ‬الأَسئلَةِ‭ ‬أَكثرَ‭ ‬ممَّا‭ ‬قدَّمَ‭ ‬مِن‭ ‬الأَجوبَةِ‭.‬

ولم‭ ‬تقفِ‭ ‬الواقعةُ‭ ‬عندَ‭ ‬إلغاءِ‭ ‬الأُمسيَّةِ‭ ‬فحسبُ؛‭ ‬بل‭ ‬تجاوزتْ‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬منعٍ‭ ‬ميدانيٍّ‭ ‬علنيٍّ‭ ‬للشاعرِ‭ ‬مِن‭ ‬دخولِ‭ ‬المعرضِ‭ ‬والتجوُّلِ‭ ‬فيه‭ ‬بحريَّةٍ‭.‬

فقد‭ ‬تواترتْ‭ ‬لدينا‭ ‬شهاداتُ‭ ‬عددٍ‭ ‬مِن‭ ‬الحاضرينَ‭ ‬الذين‭ ‬شاهدوا‭ ‬الواقعةَ‭ ‬مباشرةً‭: ‬

أَنَّ‭ ‬الشاعرَ‭ ‬حينَ‭ ‬دخلَ‭ ‬المعرضَ؛‭ ‬تجمَّعَ‭ ‬حولَه‭ - ‬بعد‭ ‬وقتٍ‭ ‬يسيرٍ‭ - ‬عشراتٌ‭ ‬مِنَ‭ ‬الشبابِ،‭ ‬وردَّدوا‭ ‬هتافاتٍ‭ ‬معترضةً‭ ‬على‭ ‬حضورِه‭ ‬ومطالِبةً‭ ‬بمنعِه،‭ ‬وحاصروه‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬حالَ‭ ‬بينَهُ‭ ‬وبينَ‭ ‬إتمامِ‭ ‬دخولِهِ‭ ‬والتحرُّكِ‭ ‬في‭ ‬المعرضِ‭ ‬بصورةٍ‭ ‬طبيعيَّةٍ؛‭ ‬حتى‭ ‬اضطرَّ‭ ‬إلى‭ ‬مغادرةِ‭ ‬الموقعِ‭.‬

وقد‭ ‬وردتْنا‭ ‬أَخبارُ‭ ‬الواقعةِ‭ ‬أَوَّلَ‭ ‬الأَمرِ؛‭ ‬فلم‭ ‬نتعجَّلِ‭ ‬الجزمَ‭ ‬بها،‭ ‬عملًا‭ ‬بقولِ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى‭:‬

﴿يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬إِنْ‭ ‬جَاءَكُمْ‭ ‬فَاسِقٌ‭ ‬بِنَبَإٍ‭ ‬فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].

ثم‭ ‬تثبَّتنا‭ ‬منها‭ ‬بسماعِ‭ ‬شهاداتٍ‭ ‬متعدِّدةٍ‭ ‬متوافقةٍ‭ ‬ممَّن‭ ‬حضروا‭ ‬الواقعةَ‭ ‬وعاينوها؛‭ ‬فثبتَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬الأَمرَ‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬مجرَّدَ‭ ‬تعديلٍ‭ ‬في‭ ‬برنامجٍ‭ ‬ثقافيٍّ‭ ‬أَو‭ ‬إلغاءٍ‭ ‬لأُمسيَّةٍ‭ ‬شعريَّةٍ؛‭ ‬بل‭ ‬اقترنَ‭ ‬بإقصاءٍ‭ ‬جماعيٍّ،‭ ‬وضغطٍ‭ ‬ميدانيٍّ،‭ ‬ومنعٍ‭ ‬للشاعرِ‭ ‬مِن‭ ‬ممارسةِ‭ ‬حقِّهِ‭ ‬العامِّ‭ ‬في‭ ‬دخولِ‭ ‬المعرضِ‭.‬

والفرقُ‭ ‬كبيرٌ‭ ‬بينَ‭ ‬إلغاءِ‭ ‬فعاليَّةٍ‭ ‬بقرارٍ‭ ‬إداريٍّ‭ ‬يمكنُ‭ ‬مناقشةُ‭ ‬أَسبابِه،‭ ‬وبينَ‭ ‬محاصرةِ‭ ‬إنسانٍ‭ ‬داخلَ‭ ‬معرضٍ‭ ‬عامٍّ،‭ ‬والهتافِ‭ ‬ضدَّهُ،‭ ‬والتضييقِ‭ ‬عليهِ‭ ‬حتى‭ ‬يُضطرَّ‭ ‬إلى‭ ‬المغادرة‭.‬

فحقُّ‭ ‬الاعتراضِ‭ ‬لا‭ ‬يبيحُ‭ ‬الحصارَ،‭ ‬وحرِّيَّةُ‭ ‬النقدِ‭ ‬لا‭ ‬تُواجَهُ‭ ‬بالإكراهِ‭ ‬المعنويِّ،‭ ‬والخلافُ‭ ‬مع‭ ‬كلامِ‭ ‬شخصٍ‭ ‬لا‭ ‬يُسقطُ‭ ‬حقَّه‭ ‬في‭ ‬الأمنِ‭ ‬والكرامةِ‭ ‬وحرِّيَّةِ‭ ‬الحركةِ‭.‬

فإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كلامِه‭ ‬خطأٌ‭ ‬أَو‭ ‬تجاوزٌ؛‭ ‬رُدَّ‭ ‬عليه‭ ‬بالحُجَّةِ‭ ‬والبيانِ،‭ ‬لا‭ ‬بالحشودِ‭ ‬والهتافاتِ‭ ‬والإقصاءِ‭.‬

وتبيَّنَ‭ ‬مِن‭ ‬شعاراتِ‭ ‬المحتجِّينَ‭ ‬وكلامِ‭ ‬المعترضينَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬منشأَ‭ ‬الحملةِ‭ ‬هو‭ ‬نقدُ‭ ‬الشاعرِ‭ ‬السابقُ‭ ‬لبعضِ‭ ‬مواقفِ‭ ‬قادةٍ‭ ‬في‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬من‭ ‬النظامِ‭ ‬السوريِّ‭ ‬وإيرانَ‭ ‬وقاسمِ‭ ‬سليماني؛‭ ‬ثم‭ ‬جرى‭ ‬تصويرُ‭ ‬ذلك‭ ‬النقدِ‭ ‬على‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬هجومٌ‭ ‬على‭ ‬فلسطينَ‭ ‬وعداءٌ‭ ‬للمقاومةِ‭.‬

وهنا‭ ‬يكمنُ‭ ‬الخللُ‭ ‬المنهجيُّ‭ ‬الذي‭ ‬تتجاوزُ‭ ‬خطورتُه‭ ‬هذه‭ ‬الواقعةَ‭ ‬بعينِها‭: ‬الزعمُ‭ ‬بأنَّ‭ ‬مَن‭ ‬ينتقدُ‭ ‬موقفًا‭ ‬لبعضِ‭ ‬قادةِ‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬فقد‭ ‬هاجمَ‭ ‬فلسطينَ‭ ‬أو‭ ‬عادى‭ ‬المقاومةَ‭.‬

وهذا‭ ‬خلطٌ‭ ‬لا‭ ‬يستقيمُ‭ ‬شرعًا‭ ‬ولا‭ ‬عقلًا؛‭ ‬فالشاعرُ‭ ‬المذكورُ‭ ‬له‭ ‬شعرٌ‭ ‬منشورٌ‭ ‬في‭ ‬نصرةِ‭ ‬القدسِ‭ ‬وغزَّةَ،‭ ‬كما‭ ‬أنَّه‭ - ‬مع‭ ‬شدَّةِ‭ ‬نقدِه‭ ‬السابقِ‭ ‬ليحيى‭ ‬السنوارِ‭ ‬‭ ‬في‭ ‬موقفِه‭ ‬من‭ ‬النظامِ‭ ‬السوريِّ‭ - ‬أَثنى‭ ‬على‭ ‬ثباتِهِ‭ ‬عندَ‭ ‬مقتله،‭ ‬ودعا‭ ‬له‭ ‬بالرَّحمةِ‭ ‬والمغفرةِ؛‭ ‬فكيفَ‭ ‬يُختزلُ‭ ‬هذا‭ ‬كلُّه‭ ‬في‭ ‬تُهمةِ‭ ‬‮«‬مهاجمةِ‭ ‬فلسطين»؟‭!‬

إنَّ‭ ‬منعَه‭ ‬وإلغاءَ‭ ‬أُمسيَّتِه‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬هذا‭ ‬النقدِ؛‭ ‬تصرُّفٌ‭ ‬غيرُ‭ ‬عادلٍ،‭ ‬ومظهرٌ‭ ‬مِن‭ ‬مظاهرِ‭ ‬التعصُّبِ‭ ‬للفصيلِ‭ ‬على‭ ‬حسابِ‭ ‬أصلِ‭ ‬الدِّينِ‭ ‬والعدلِ‭ ‬والأخوَّةِ‭ ‬الإسلاميَّة‭.‬

أَمَّا‭ ‬إن‭ ‬كانتْ‭ ‬لدى‭ ‬الإدارةِ‭ ‬أَسبابٌ‭ ‬أُخرى‭ ‬أَو‭ ‬مخالفاتٌ‭ ‬لشروطٍ‭ ‬معلَنةٍ؛‭ ‬فالواجبُ‭ ‬بيانُها‭ ‬بصدقٍ‭ ‬ووضوحٍ،‭ ‬لا‭ ‬تركُ‭ ‬المجالِ‭ ‬للأَعذارِ‭ ‬المتناقضةِ‭ ‬والشائعاتِ‭ ‬والخصوماتِ‭.‬

فلسطينُ‭ ‬أَكبرُ‭ ‬من‭ ‬فصيلٍ،‭ ‬والفصيلُ‭ ‬لا‭ ‬يُختزَلُ‭ ‬في‭ ‬خطئِهِ‭:‬

‭* ‬‮«‬فلسطينُ‭ ‬أَرضٌ‭ ‬مباركةٌ‮»‬،‭ ‬وقضيَّةُ‭ ‬عدْلٍ،‭ ‬وحقُّ‭ ‬شعبٍ‭ ‬مظلومٍ،‭ ‬ومقدَّساتُ‭ ‬أُمَّةٍ؛‭ ‬وليستْ‭ ‬ملكًا‭ ‬لحزبٍ‭ ‬أَو‭ ‬فصيلٍ‭ ‬أَو‭ ‬قائدٍ‭. ‬

‭* ‬و«حماسُ‮»‬‭ ‬فصيلٌ‭ ‬من‭ ‬فصائلِ‭ ‬المقاومةِ‭:‬

‭- ‬لهُ‭ ‬بلاؤُهُ‭ ‬وتضحياتُهُ‭ ‬ومواقفُهُ‭ ‬المشهودَةُ‭ ‬في‭ ‬مقارعَةِ‭ ‬الاحتلالِ‭.‬

‭- ‬ولهُ‭ - ‬كسائرِ‭ ‬الاجتهاداتِ‭ ‬البشريَّةِ‭ - ‬أَخطاءٌ‭ ‬سياسيَّةٌ‭ ‬وشرعيَّةٌ‭ ‬قابلةٌ‭ ‬للنقدِ‭ ‬والمراجعةِ‭.‬

ومِن‭ ‬الظلمِ‭ ‬أَن‭ ‬يُقالَ‭: ‬إنَّ‭ ‬نقدَ‭ ‬حماسَ‭ ‬هو‭ ‬نقدٌ‭ ‬لفلسطينَ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬مِن‭ ‬الظلمِ‭ ‬أَن‭ ‬تُتَّخذَ‭ ‬أَخطاءُ‭ ‬حماسَ‭ ‬ذريعَةً‭ ‬للطعنِ‭ ‬في‭ ‬المقاومةِ‭ ‬كلِّها‭ ‬أَو‭ ‬التخلِّي‭ ‬عن‭ ‬أَهلِ‭ ‬غزَّةَ‭.‬

والميزانُ‭ ‬العادلُ‭: ‬هو‭ ‬أَن‭ ‬ننصرَ‭ ‬الفصيلَ‭ ‬في‭ ‬حقِّهِ،‭ ‬ونردَّهُ‭ ‬عن‭ ‬خطئهِ،‭ ‬ونحفظَ‭ ‬لهُ‭ ‬فضلَهُ،‭ ‬ولا‭ ‬نمنحَهُ‭ ‬عصمَةً‭ ‬ليستْ‭ ‬لهُ‭.‬

قال‭ ‬النَّبيُِّ‭) :# ‬‮‬انْصُرْ‭ ‬أَخاكَ‭ ‬ظالمًا‭ ‬أَو‭ ‬مظلومًا) ‬فقالوا‭: ‬يا‭ ‬رسولَ‭ ‬اللهِ‭!‬ ننصرُه‭ ‬مظلومًا؛‭ ‬فكيف‭ ‬ننصرُه‭ ‬ظالمًا؟‭ ‬قال‭:‬‮‬ (تأْخذُ‭ ‬فوقَ‭ ‬يديهِ) ‮‬رواه‭ ‬البخاري‭.‬

فالنَّصيحَةُ‭ ‬والتَّصحيحُ‭ ‬ومنعُ‭ ‬الخطأِ‭ ‬صورَةٌ‭ ‬من‭ ‬صورِ‭ ‬النُّصرَة،‭ ‬وليستْ‭ ‬خيانَةً‭ ‬ولا‭ ‬عداوةً‭.‬

دماءُ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬لا‭ ‬تتجزَّأ‭:‬

مِن‭ ‬أَقبحِ‭ ‬آثارِ‭ ‬التعصُّبِ‭ ‬أَن‭ ‬تُقسَّمَ‭ ‬دماءُ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬بحسبِ‭ ‬خرائطِ‭ ‬الأَحزابِ‭ ‬والمصالحِ‭:‬

فيغضبُ‭ ‬المرءُ‭ ‬لدمِ‭ ‬الفلسطينيِّ‭ - ‬وحقٌّ‭ ‬لهُ‭ ‬أَن‭ ‬يغضبَ‭ - ‬ثم‭ ‬يطلبُ‭ ‬مِن‭ ‬السوريِّ‭ ‬والعراقيِّ‭ ‬واليمني؛‭ ‬أَن‭ ‬ينسيا‭ ‬مَن‭ ‬أَعانَ‭ ‬على‭ ‬قتلِ‭ ‬أَهلِهما‭ ‬وتهجيرِهم؛‭ ‬أَو‭ ‬يغضبُ‭ ‬لدمِ‭ ‬السوريِّ،‭ ‬ثم‭ ‬يبردُ‭ ‬قلبُهُ‭ ‬عن‭ ‬أَطفالِ‭ ‬غزَّةَ‭ ‬وجراحِها‭.. ‬وكلا‭ ‬المسلكينِ‭ ‬جَوْرٌ‭ ‬في‭ ‬الإحساسِ‭ ‬واختلالٌ‭ ‬في‭ ‬الأُخوَّة‭.‬

إنَّ‭ ‬قاسمَ‭ ‬سليماني‭ ‬الهالك؛‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬شخصيَّةً‭ ‬بعيدَةً‭ ‬عن‭ ‬مأَساةِ‭ ‬الشامِ‭ ‬والعراق؛‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬قائدَ‭ ‬فيلقِ‭ ‬القدسِ،‭ ‬ومن‭ ‬أَبرزِ‭ ‬مهندسي‭ ‬النفوذِ‭ ‬العسكريِّ‭ ‬الإيرانيِّ‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وأَسهمَ‭ ‬في‭ ‬دعمِ‭ ‬نظامِ‭ ‬الأَسدِ‭ ‬وتنسيقِ‭ ‬الميليشياتِ‭ ‬المواليةِ‭ ‬لإيرانَ‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭.. ‬

ولذلك‭ ‬كان‭ ‬وصفُهُ‭ ‬بـ‭ ‬‮‬شهيدِ‭ ‬القدس‮‬‭ ‬ثناءً‭ ‬بالغَ‭ ‬الأَلمِ‭ ‬في‭ ‬نفوسِ‭ ‬قطاعاتٍ‭ ‬واسعةٍ‭ ‬من‭ ‬السوريِّين‭ ‬والعراقيِّين‭ ‬الذين‭ ‬اكتوَوا‭ ‬بأَفعالِ‭ ‬ذلك‭ ‬المشروعِ‭.‬

وليس‭ ‬مِن‭ ‬العدلِ‭ ‬أَن‭ ‬نطلبَ‭ ‬مِن‭ ‬هؤلاءِ‭ ‬أَن‭ ‬يصمتوا‭ ‬عن‭ ‬جراحِهم؛‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬لهم‭ ‬أَن‭ ‬يجعلوا‭ ‬جراحَهم‭ ‬سلَّمًا‭ ‬إلى‭ ‬خذلانِ‭ ‬فلسطينَ‭!!‬

فدمُ‭ ‬الطفلِ‭ ‬في‭ ‬غزَّةَ،‭ ‬ودمُ‭ ‬الطفلِ‭ ‬في‭ ‬حلبَ‭ ‬والغوطةِ‭ ‬والموصلِ؛‭ ‬كلُّه‭ ‬دمٌ‭ ‬مسلمٌ‭ ‬معصومٌ،‭ ‬والقاتلُ‭ ‬لا‭ ‬يصيرُ‭ ‬بريئًا‭ ‬لأَنَّهُ‭ ‬قدَّمَ‭ ‬سلاحًا‭ ‬لمقاومٍ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬خطأَ‭ ‬بعضِ‭ ‬قادةِ‭ ‬المقاومَةِ‭ ‬لا‭ ‬يجعلُ‭ ‬المحتلَّ‭ ‬صاحبَ‭ ‬حقٍّ‭.‬

قال‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى‭:‬﴿يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬كُونُوا‭ ‬قَوَّامِينَ‭ ‬بِالْقِسْطِ‭ ‬شُهَدَاءَ‭ ‬لِلَّهِ‭ ‬وَلَوْ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَنْفُسِكُمْ‭ ‬أَوِ‭ ‬الْوَالِدَيْنِ‭ ‬وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].

وقال‭ ‬تعالى‭: ‬﴿وَلَا‭ ‬يَجْرِمَنَّكُمْ‭ ‬شَنَآنُ‭ ‬قَوْمٍ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَلَّا‭ ‬تَعْدِلُوا‭ ‬اعْدِلُوا‭ ‬هُوَ‭ ‬أَقْرَبُ‭ ‬لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].

فالعدلُ‭ ‬لا‭ ‬يتجزَّأ،‭ ‬ولا‭ ‬يتغيَّرُ‭ ‬بتغيُّرِ‭ ‬المحبوبِ‭ ‬والمكروهِ‭.‬

‭ ‬النَّقدُ‭ ‬ليسَ‭ ‬خيانةً،‭ ‬والشَّتيمَةُ‭ ‬ليستَ‭ ‬نقدًا‭:‬

وكما‭ ‬نرفضُ‭ ‬تخوينَ‭ ‬الناقدِ‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬نقدِهِ؛‭ ‬فإنَّنا‭ ‬لا‭ ‬نقرُّ‭ ‬كلَّ‭ ‬عبارَةٍ‭ ‬تصدِرُ‭ ‬في‭ ‬سياقِ‭ ‬النَّقدِ‭.‬

‭- ‬فالنَّقدُ‭ ‬الشَّرعيُّ‭ ‬يقومُ‭ ‬على‭ ‬العلمِ‭ ‬والعدْلِ‭ ‬والبيانِ‭.‬

‭- ‬أَمَّا‭ ‬السَّبُّ‭ ‬والشتمُ‭ ‬والتشهيرُ‭ ‬وتعميمُ‭ ‬الأَحكامِ؛‭ ‬فليسَتْ‭ ‬مِن‭ ‬فقهِ‭ ‬النَّصيحَةِ‭.‬

ومَن‭ ‬أَخطأَ‭ ‬في‭ ‬لفظٍ‭ ‬أَو‭ ‬جارَ‭ ‬في‭ ‬وصفٍ،‭ ‬رُدَّ‭ ‬خطؤُه‭ ‬بقدرِهِ،‭ ‬ولم‭ ‬تُهدَرْ‭ ‬حقوقُه‭ ‬كلُّها،‭ ‬ولم‭ ‬يُتَّهمْ‭ ‬في‭ ‬دينِهِ‭ ‬وموقفِهِ‭ ‬من‭ ‬قضيَّةِ‭ ‬الأُمَّةِ‭.‬

وعليهِ؛‭ ‬فلسنا‭ ‬ملزمينَ‭ ‬بالدِّفاعِ‭ ‬عن‭ ‬كلِّ‭ ‬لفظٍ‭ ‬قالهُ‭ ‬‮«‬أَنس‭ ‬الدِّغيم‮»‬‭ ‬كما‭ ‬لسنا‭ ‬ملزمينَ‭ ‬بتصويبِ‭ ‬كلِّ‭ ‬موقفٍ‭ ‬لقادَةِ‭ ‬حماس‭.‬

نوافقُ‭ ‬كلَّ‭ ‬واحدٍ‭ ‬فيما‭ ‬أَصابَ،‭ ‬ونخالفُهُ‭ ‬فيما‭ ‬أَخطأ،‭ ‬ولا‭ ‬نبيعُ‭ ‬ميزانَ‭ ‬العدْلِ‭ ‬محبَّةً‭ ‬لهذا‭ ‬أَو‭ ‬غضبًا‭ ‬من‭ ‬ذاك‭.‬

قال‭ ‬النبيُّ‭) :#‬الدِّينُ‭ ‬النَّصيحَةُ)‮‬‭ ‬والنَّصيحَةُ‭ ‬لا‭ ‬تكونُ‭ ‬بتقديسِ‭ ‬الأَشخاصِ،‭ ‬ولا‭ ‬بإسقاطِهم؛‭ ‬بل‭ ‬بوضعِ‭ ‬الحسناتِ‭ ‬والسيِّئاتِ‭ ‬في‭ ‬مواضعِها،‭ ‬وحفظِ‭ ‬الحقوقِ،‭ ‬وقصدِ‭ ‬الإصلاحِ‭.‬

‭ ‬الولاءُ‭ ‬للهِ‭ ‬ورسولِهِ‭ ‬والمؤمنين،‭ ‬لا‭ ‬للأَسماءِ‭ ‬والتهَنظيماتِ‭:‬

الولاءُ‭ ‬والبراءُ‭ ‬عبادةٌ‭ ‬قلبيَّةٌ‭ ‬وشرعيَّةٌ‭ ‬مرجعُها‭ ‬الإيمانُ‭ ‬والحقُّ،‭ ‬وليسا‭ ‬أَداةً‭ ‬حزبيَّةً‭ ‬لمعاقبةِ‭ ‬المخالفينَ‭ ‬في‭ ‬الاجتهاداتِ‭ ‬السِّياسيَّة‭.‬

قال‭ ‬اللهُ‭ ‬تعالى‭: ‬﴿وَالْمُؤْمِنُونَ‭ ‬وَالْمُؤْمِنَاتُ‭ ‬بَعْضُهُمْ‭ ‬أَوْلِيَاءُ‭ ‬بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].

فالأُخوَّةُ‭ ‬الإيمانيَّةُ‭ ‬أَوسعُ‭ ‬مِن‭ ‬التَّنظيمِ،‭ ‬وأَبقى‭ ‬مِن‭ ‬التحالفِ‭ ‬السِّياسيِّ،‭ ‬وأَعلى‭ ‬مِن‭ ‬الانفعالِ‭ ‬العابرِ‭.‬

وقال‭ ‬شيخُ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّةَ ‬‭): ‬وليس‭ ‬لأَحدٍ‭ ‬أَن‭ ‬ينصبَ‭ ‬للأُمَّةِ‭ ‬شخصًا‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬طريقتِهِ،‭ ‬ويوالي‭ ‬ويعادي‭ ‬عليها‭ ‬غيرَ‭ ‬النبيِّ‭ # ‬ولا‭ ‬ينصبَ‭ ‬لهم‭ ‬كلامًا‭ ‬يوالي‭ ‬عليه‭ ‬ويعادي‭ ‬غيرَ‭ ‬كلامِ‭ ‬اللهِ‭ ‬ورسولِهِ‭ ‬وما‭ ‬اجتمعتْ‭ ‬عليه‭ ‬الأُمَّة). - مجموع الفتاوى: (٢٠-١٦٤).

فمَن‭ ‬جعلَ‭ ‬موافقةَ‭ ‬فصيلٍ‭ ‬أَو‭ ‬قائدٍ‭ ‬معيارَ‭ ‬الأُخوَّةِ،‭ ‬وجعلَ‭ ‬مخالفتَه‭ ‬سببًا‭ ‬للإقصاءِ‭ ‬والتخوينِ؛‭ ‬فقدْ‭ ‬نقلَ‭ ‬الولاءَ‭ ‬من‭ ‬أَصلِهِ‭ ‬الشَّرعيِّ‭ ‬إلى‭ ‬تعصُّبٍ‭ ‬تنظيميٍّ‭ ‬مذمومٍ‭.‬

وفي‭ ‬الحديثِ‭ ‬أَنَّ‭ ‬النَّبيَّ‭ # ‬لمَّا‭ ‬تنازعَ‭ ‬رجلٌ‭ ‬مِن‭ ‬المهاجرينَ‭ ‬ورجلٌ‭ ‬مِن‭ ‬الأَنصارِ؛‭ ‬فنادى‭ ‬كلٌّ‭ ‬بعصبيَّتِه،‭ ‬قال‭: ‬‮«‬دَعُوها‭ ‬فإنَّها‭ ‬مُنتنَةٌ‮»‬‭ ‬متفقٌ‭ ‬عليه‭.‬

‭ ‬المؤَسَّساتُ‭ ‬الثَّقافيَّةُ‭ ‬ليستْ‭ ‬ساحاتِ‭ ‬تصفيةٍ‭ ‬حزبيَّةٍ‭:‬

معرضُ‭ ‬الكتابِ‭ ‬فضاءٌ‭ ‬للمعرفةِ‭ ‬والحوارِ،‭ ‬وليس‭ ‬جهازًا‭ ‬للفرزِ‭ ‬الحزبيِّ‭ ‬أَو‭ ‬معاقبةِ‭ ‬أَصحابِ‭ ‬الرأي‭. ‬

ومن‭ ‬حقِّ‭ ‬أَيِّ‭ ‬مؤسَّسةٍ‭ ‬أَن‭ ‬تضعَ‭ ‬لفعالياتِها‭ ‬شروطًا‭ ‬مهنيَّةً‭ ‬واضحةً،‭ ‬وأَن‭ ‬تمنعَ‭ ‬السَّبَّ‭ ‬أَو‭ ‬التحريضَ‭ ‬أَو‭ ‬الفوضى؛‭ ‬لكن‭ ‬ليسَ‭ ‬مِن‭ ‬حقِّها‭ ‬أَن‭ ‬تدعوَ‭ ‬إنسانًا‭ ‬ثم‭ ‬تُقصيَهُ‭ ‬تحت‭ ‬ضغطِ‭ ‬حملةٍ‭ ‬لأَنَّهُ‭ ‬خالفَ‭ ‬فصيلًا‭ ‬سياسيًّا،‭ ‬أَو‭ ‬أَن‭ ‬تُلبسَ‭ ‬نقدَ‭ ‬القياداتِ‭ ‬ثوبَ‭ ‬العداءِ‭ ‬لفلسطين‭.‬

والواجبُ‭ ‬على‭ ‬المؤسَّساتِ‭ ‬العامَّةِ‭ ‬أَن‭ ‬تلتزمَ‭ ‬أَربعةَ‭ ‬أُمورٍ‭:‬

1-‭ ‬وضوحَ‭ ‬المعاييرِ؛‭ ‬قبل‭ ‬الدَّعوَةِ،‭ ‬لا‭ ‬تبديلَها‭ ‬بعد‭ ‬ضغطِ‭ ‬الجمهور‭.‬

2-‭ ‬سماعَ‭ ‬الطرفِ‭ ‬المنتقَدِ،‭ ‬وعدمَ‭ ‬محاكمتِه‭ ‬بمنشوراتٍ‭ ‬مبتورةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬خصومةٍ‭ ‬قديمةٍ‭.‬

3-‭ ‬التفريقَ‭ ‬بين‭ ‬نقدِ‭ ‬موقفٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬والطعنِ‭ ‬في‭ ‬قضيَّةٍ‭ ‬عادلةٍ‭.‬

4-‭ ‬الصدْقَ‭ ‬في‭ ‬بيانِ‭ ‬أَسبابِ‭ ‬القرارِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬التعلُّلَ‭ ‬بسببٍ‭ ‬غيرِ‭ ‬حقيقيٍّ‭ - ‬إن‭ ‬وقعَ‭ - ‬يضرُّ‭ ‬بسمعَةِ‭ ‬المؤسَّسةِ‭ ‬أَكثرَ‭ ‬من‭ ‬القرارِ‭ ‬نفسِهِ‭.‬

كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬خطأَ‭ ‬بعضِ‭ ‬القائمينَ‭ ‬على‭ ‬فعاليَّةٍ‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬يُنسبَ‭ ‬إلى‭ ‬الفلسطينيِّينَ‭ ‬جميعًا؛‭ ‬فالتعميمُ‭ ‬ظلمٌ‭ ‬آخرُ،‭ ‬والقضيَّةُ‭ ‬الفلسطينيَّةُ‭ ‬أَكبرُ‭ ‬من‭ ‬اجتهادِ‭ ‬إدارةٍ‭ ‬أَو‭ ‬غضبِ‭ ‬جماعةٍ‭ ‬من‭ ‬النَّاسِ‭.‬

‭ ‬ميزانُ‭ ‬الموقفِ‭ ‬الرَّاشدِ‭:‬

إنَّ‭ ‬الموقفَ‭ ‬الراشدَ‭ ‬مِن‭ ‬هذِهِ‭ ‬الواقعَةِ‭ ‬وأَمثالِها‭ ‬يقومُ‭ ‬على‭ ‬قواعدَ‭ ‬واضحَةٍ‭:‬

‭- ‬فلسطينُ‭ ‬قضيَّةُ‭ ‬حقٍّ،‭ ‬وليستْ‭ ‬ملكًا‭ ‬لفصيلٍ‭.‬

‭- ‬المقاومةُ‭ ‬تُنصَرُ‭ ‬في‭ ‬حقِّها،‭ ‬ولا‭ ‬تُمنَحُ‭ ‬العصمةَ‭ ‬في‭ ‬اجتهاداتِها‭.‬

‭- ‬نقدُ‭ ‬خطأٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬ليس‭ ‬عداءً‭ ‬للقضيَّةِ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬الشتيمةَ‭ ‬ليست‭ ‬نصيحةً‭.‬

‭- ‬فضلُ‭ ‬المجاهدِ‭ ‬لا‭ ‬يمحو‭ ‬خطأَه،‭ ‬وخطؤُه‭ ‬لا‭ ‬يمحو‭ ‬فضلَهُ‭.‬

دماءُ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬في‭ ‬فلسطينَ‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراقِ‭ ‬سواءٌ‭ ‬في‭ ‬الحرمةِ،‭ ‬ولا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬تُستعملَ‭ ‬مأساةٌ‭ ‬لمحوِ‭ ‬مأساةٍ‭ ‬أُخرى‭.‬

‭- ‬الولاءُ‭ ‬للحقِّ‭ ‬فوقَ‭ ‬الولاءِ‭ ‬للأَشخاصِ‭ ‬والجماعاتِ،‭ ‬والعدْلُ‭ ‬واجبٌ‭ ‬مع‭ ‬الموافقِ‭ ‬والمخالفِ‭.‬

‭- ‬الاجتماعُ‭ ‬المحمودُ‭ ‬هو‭ ‬الاجتماعُ‭ ‬على‭ ‬الوحيِ‭ ‬والعدلِ،‭ ‬لا‭ ‬الاجتماعُ‭ ‬على‭ ‬إسكاتِ‭ ‬الناصحينَ‭ ‬وحراسةِ‭ ‬الأَخطاء‭.‬

‭ ‬خاتمةُ‭:‬

لسنا‭ ‬نكتبُ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الكلماتِ‭ ‬خصومَةً‭ ‬مع‭ ‬فلسطينَ‭ ‬أَو‭ ‬حماسَ،‭ ‬ولا‭ ‬انتصارًا‭ ‬مطلقًا‭ ‬لأَنس‭ ‬الدِّغيم‭ ‬أَو‭ ‬غيرِهِ؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬ميزانٍ‭ ‬إن‭ ‬ضاعَ‭ ‬ضاعتْ‭ ‬معهُ‭ ‬أُخوَّةُ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬كلُّها‭.‬

نحبُّ‭ ‬أَهلَ‭ ‬غزَّةَ،‭ ‬وننصرُ‭ ‬مقاومتَهم‭ ‬المشروعةَ،‭ ‬ونحفظُ‭ ‬للمضحِّينَ‭ ‬فضلَهم،‭ ‬وننصحُ‭ ‬قياداتِهم‭ ‬إذا‭ ‬أَخطؤوا‭. ‬ونحبُّ‭ ‬أَهلَ‭ ‬سوريا‭ ‬والعراقِ،‭ ‬ونحفظُ‭ ‬دماءَهم‭ ‬وذاكرتَهم،‭ ‬ولا‭ ‬نطلبُ‭ ‬منهم‭ ‬أَن‭ ‬يمدحوا‭ ‬مَن‭ ‬أَعانَ‭ ‬على‭ ‬قتلِهم‭ ‬وتشريدِهم‭.‬

إنَّ‭ ‬الأُمَّةَ‭ ‬لا‭ ‬تُجمَعُ‭ ‬بإسكاتِ‭ ‬بعضِ‭ ‬جراحِها‭ ‬لحسابِ‭ ‬بعض،‭ ‬ولا‭ ‬بتقديسِ‭ ‬الوسائلِ،‭ ‬ولا‭ ‬بتحويلِ‭ ‬الفصائلِ‭ ‬إلى‭ ‬مرجعيَّاتٍ‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬نقدُها؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬تُجمَعُ‭ ‬على‭ ‬‮«‬توحيدِ‭ ‬اللهِ،‭ ‬واتِّباعِ‭ ‬رسولِهِ‭ # ‬والعدلِ‭ ‬بين‭ ‬عبادِه،‭ ‬والنصيحةِ‭ ‬للمسلمينَ،‭ ‬ورحمةِ‭ ‬المظلومينَ‭ ‬جميعًا‭.‬

فالقضيَّةُ‭ ‬حقٌّ،‭ ‬والفصيلُ‭ ‬وسيلةٌ،‭ ‬والرجالُ‭ ‬يُعرَفونَ‭ ‬بالحقِّ‭ ‬ولا‭ ‬يُعرَفُ‭ ‬الحقُّ‭ ‬بالرجالِ؛‭ ‬ومَن‭ ‬أَحبَّ‭ ‬للهِ‭ ‬حقًّا،‭ ‬لم‭ ‬يحملْه‭ ‬حبُّه‭ ‬على‭ ‬العصبيَّةِ،‭ ‬ولم‭ ‬يمنعْه‭ ‬خلافُه‭ ‬مِن‭ ‬العدل‭.‬

اللَّهُمَّ‭! ‬أَرِنا‭ ‬الحقَّ‭ ‬حقًّا‭ ‬وارزقنا‭ ‬اتِّباعَه،‭ ‬وأَرِنا‭ ‬الباطلَ‭ ‬باطلًا‭ ‬وارزقنا‭ ‬اجتنابَه،‭ ‬وطهِّرْ‭ ‬قلوبَنا‭ ‬مِنَ‭ ‬الهوى‭ ‬والعصبيَّةِ،‭ ‬وأَلِّفْ‭ ‬بينَ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬على‭ ‬الهدى‭ ‬والعدْلِ،‭ ‬وانصرِ‭ ‬المظلومينَ‭ ‬في‭ ‬فلسطينَ‭ ‬وسائرِ‭ ‬بلادِ‭ ‬المسلمينَ‭.‬

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عضو‭» ‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ«‮‬‭. ‬

ومؤسس‭ ‬‮ »مكتبة‭ ‬الغرباء‭ ‬الدعوية‮«‬

٥ ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٨/١٩م

Previous
Previous

فِقهُ الأَصالَةِ في قضيَّةِ »أَصالة«: ثباتُ المرجعيَّةِ وفِقهُ المرحلَةِ ورُشدُ التَّنزيلِ:

Next
Next

»ما كانَ للَّهِ لا يضيعُ«: