أخي المسلم اللَّبيب!
اعلمْ - رزقني اللهُ وإيَّاكَ الفقهَ في الدِّينِ، والبصيرَةَ بالواقعِ - أَنَّ القضيَّةَ ليسَتْ دفاعًا عن الغناءِ، ولا تزكيَةً لكلِّ ما اشتمَلَ عليهِ الحفْلُ؛ كما لا يصِحُّ أَن تُتَّخذَ ذريعَةً لتحويلِ واقعَةٍ جزئيَّةٍ إلى معركَةٍ فاصلَةٍ حولَ هُويَّة الدَّولَةِ ودِينِ المجتمَعِ، أَو أَن تُجعَلَ مقياسًا مُنْفردًا للحكْمِ على مسارِ دولَةٍ خارجَةٍ مِن حربٍ مدمِّرَةٍ.
عادَتِ الفنَّانةُ السُّوريَّةُ أَصالَة نصري إلى دمشق بعدَ غيابٍ طويلٍ، وقدْ عُرفَتْ بموقفها المؤيِّد لثورَةِ الشَّعبِ السُّوري ومناهضتها للنظامِ البائِدِ؛ فأَحيتْ حفلًا برعايَةِ وزارَةِ الثَّقافَةِ، وكرَّمها وزيرُها بدرعٍ تقديريٍّ.
ومِن الإنصاف التَّفريقُ بينَ «الموقفِ الوطنيِّ والعمَلِ الفنِّيِّ»؛ فتقديرُ موقفها ونصرتها لشعبها لا يستلزم تزكيَةَ جميع أَعمالها أَو إقرارَ ما تضمَّنَهُ الحفل شرعًا، كما أَنَّ الاعتراضَ الشَّرعيَّ على الحفلِ لا يسوِّغ إنكارَ موقفها الوطني أَو جحودَ ما قدَّمتهُ لشعبها.
وللعالِمِ والدَّاعيَّةِ أَن يبيِّنَ حكمَ ما اشتمَلَ عليهِ الحفلُ مِن غناءٍ ومعازفَ ومخالفاتٍ، وأَن يناقشَ الرِّعايَةَ الرَّسميَّةَ بميزان العلْمِ والعدْلِ؛ فـ «فقهُ المرحلَةِ لا يعني إسكاتَ النَّصيحَةِ، ولا إعفاءَ السُّلطَةِ مِن المراجعَةِ».
لكنَّ الخطأَ أَن تُختزَلَ الدَّولَةُ السُّوريَّةُ الفتيَّةُ في حفْلٍ، أَو يُجعَلَ هذا الحدَثُ وحدَهُ ميزانًا لإسلامِها ومسارِها، أَو تُثار بهِ خصوماتٌ تُضعْفُ اجتماعَ السُّوريينَ في مرحلَةٍ ما تزالُ دولتُهُم تَبْني أَمنَها ومؤَسَّساتِها واقتصادَها، وتواجِهُ أَخطارًا داخليَّةً وخارجيَّةً جسيمَةً.
ويزدادُ الأَمرُ وضوحًا إذا أَدركنا أَنَّ الدَّولَةَ الُّسوريَّةَ الجديدَةَ لا تعمَلُ في فراغٍ، ولا تملكُ أَن تتحرَّكَ بمعزلٍ عن محيطها؛ بلْ تعمَلُ داخلَ منظومًةٍ دوليَّةٍ معقَّدًةٍ، لها فيها حقوقٌ سياديَّةٌ، وعليها التزاماتٌ قانونيَّةٌ ودبلوماسيَّةٌ، وتؤثِّر في خياراتها علاقاتُ الدُّول، ومتطلَّباتُ الاعتراف والتَّعاون الدوليِّ، والارتباطُ بالنِّظامِ الماليِّ والتجاريِّ العالميِّ، والتوازناتُ الأَمنيَّةُ والإقليميَّةُ.
وهي - معَ ذلكَ - دولَةٌ خارجَةٌ مِن حربٍ طويلَةٍ، محدودَةُ الموارد والأَدواتِ، لم تكتمِلْ مؤَسَّساتُها، ولم تستقرَّ لها بعدُ جميعُ عناصرِ القوَّةِ والسِّيادَةِ الفاعلَةِ؛ فلا تستطيعُ أَن تنتقِلَ بالمجتمَعِ والدَّولَةِ دفعَةً واحدَةً مِن واقعٍ شديدِ التَّعقيدِ إلى الصُّورَةِ المنشودَةٍ؛ بلْ تحتاجُ إلى التَّدرُّجِ في الإصلاحِ، وترتيبِ الأَولويَّاتِ، وتوسيعِ الممكنِ، وبناءِ القدرَةِ الَّتي تمكِّنها منْ الوفاءِ بواجباتها وحمايَةِ هويَّتها وصيانَةِ حقوقِ جميعِ مواطنيها.
وفهمُ هذِهِ القيودِ ليسَ تزكيَةً لكلِّ ما تفرضِهُ المنظومَةُ الدَّوليَّةُ، ولا تبريرًا لكلِّ قرارٍ حكوميٍّ، ولا تحويلًا للضَّغْطِ السِّياسيِّ إلى دليلٍ شرعيٍّ؛ وإنَّما هو منْ صحَّةِ تصوُّرِ الواقعِ الَّذي ينزَّلُ عليهِ الحكمُ؛ فالمرجعيَّةُ لا تتغيَّرُ، والحلالُ لا يصيرُ حرامًا ولا الحرامُ حلالًا؛ ولكنَّ مقدارَ الواجبِ، وطريقةَ أَدائِهِ، وتوقيتَ الإصلاحِ، ووسائلَ التَّغييرِ، كلُّها تتأَثَّرُ بالقدرَةِ والاستطاعَةِ والمصلحَةِ والمآلِ.
فالشَّريعَةُ حاكمَةٌ على الواقِعِ، وليسَتْ تابعَةً لهُ؛ غيرَ أَنَّ تنزيلَ أَحكامِها على الوقائِعِ والأَعيانِ يحتاجُ - معَ معرفَةِ الدَّليلِ - إلى صِحَّةِ التَّصوُّرِ، وتحقيقِ المناطِ، وفقْهِ القدرَةِ والاستطاعَةِ، وترتيبِ الأَولويَّاتِ، والموازنَةِ بينَ المصالحِ والمفاسِدِ، والنَّظَرِ في المآلاتِ؛ فمعرفَةُ الحكمِ العامِّ شيءٌ، وتعيينُ طريقَةِ تطبيقِهِ وإنكارِهِ في واقعَةٍ مركَّبَةٍ شيءٌ آخَرُ.
وقدْ تركَ النَّبيُّ ﷺ إعادَةَ بناءِ الكعبَةِ على قواعِدِ إبراهيمَ - عليهِ السَّلامُ - وقالَ لعائشَةَ رضي الله عنها: «لَوْلا أَنَّ قومَكِ حديثُو عهْدٍ بجاهليَّةٍ» متفقٌ عليهِ؛ فترَكَ مصلحَةً راجحَةً في ذاتِها خشيَةَ فتنَةٍ ومفسدَةٍ أَعظمَ.
وفي صُلْحِ الحديبيَّةِ قبِلَ شُروطًا شقَّتْ على أَصحابهِ، وقبِلَ أَنْ يثبِتَ في الوثيقَةِ اسمُهُ «محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ» بدَلَ وصفِ «رسولُ اللهِ» معَ ثباتهِ على حقيقَةِ رسالتهِ؛ فلمْ يكنْ ذلكَ تنازلًا عنْ أَصلٍ منْ أُصُولِ الدِّينِ، ولا إقرارًا بباطلٍ، وإنَّما مرونَةٌ في الصِّياغَةِ والوسيلَةِ، وحفْظٌ للدِّماءِ، ونظرٌ في المآلاتِ، وتمهيدٌ لفتحٍ أَعظمَ.
وهذِهِ الوقائِعُ تؤَصِّلُ لمراعاةِ القدرَةِ والمآلاتِ، ولا تبيحُ تحويلَ المحرَّمِ إلى مباحٍ، أَو إسقاطَ الأَحكامِ باسمِ المرحلَةِ؛ فالحكمُ الشَّرعيُّ يبقى ثابتًا، والبيانُ الواجبُ لا يكتمُ؛ لكنَّ مراتِبَ الأَمرِ والنَّهيِ، ووسائِلَ التَّغييرِ، وتوقيتَها، تتقيَّدُ بالاستطاعَةِ، وتراعى فيها المصالحُ والمفاسِدُ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
فليسَ كلُّ تأْخيرٍ لبعضِ المصالحِ أَو وسائلِ الإصلاحِ تضييعًا للشَّريعَةِ، ولا كلُّ مرونَةٍ في الوسائلِ مداهنَةً في الدِّينِ؛ كما أَنَّهُ ليسَ كلُّ تصرُّفٍ سياسيٍّ صحيحًا لمجرَّدِ أَنَّ أَصحابَهُ سمَّوهُ «فقهَ مرحلَةٍ».
فالثَّوابتُ لا تباعُ، والمحكماتُ لا تتبدَّلُ، ولكنَّ تنزيلَ الأَحكامِ يحتاجُ علمًا وحكمةً واستطاعَةً.
والمجتمعُ السُّوريُّ ليسَ تيَّارًا واحدًا؛ بلْ فيهِ مدارسُ إسلاميَّةٌ متعدِّدَةٌ، وفيهِ الملتزمُ وغيرُ الملتزمِ، وفيهِ طوائفُ وقوميَّاتٌ وغيرُ مسلمينَ، والدَّولَةُ مسؤولَةٌ عنِ الجميعِ بالعدْلِ وصيانَةِ الحقوقِ. واحتواءُ المختلَفِ لا يعني إقرارَهُ على كلِّ ما يفعلُ، كما أَنَّ التَّعايشَ الوطنيَّ لا يعني تمييعَ هويَّةِ المجتمَعِ الإسلاميَّةِ؛ وإنَّما الواجِبُ دعوةُ النَّاسِ بالحكمةِ، وتقريبُهمْ بالرَّحمَةِ، وبناءُ المشتركِ الوطنيِّ المشروعِ الَّذي يحفظُ البلادَ ويصدُّ العدوانَ.
وقدْ علَّمتنا تجاربُ الغُلوِّ المسلَّحِ المعاصرِ - وتجربَةُ «داعشَ» شاهدٌ مريرٌ - أَنَّ استعجالَ الثَّمرَةِ، ورفعَ الشِّعاراتِ الكُبرى معَ الجهْلِ بالسُّننِ والقدرَةِ والمآلاتِ؛ قدْ يضيِّعُ الأَرضَ والنَّاسَ، ويشوِّهُ الدِّينَ الَّذي يزعمُ أَصحابُهُ نصرتهُ.
لكنْ منَ الظُّلمِ - أَيضًا - أَنْ يرمى بالغُلوِّ كلُّ منْ انتقدَ الحفلَ أَو أَنكرَ ما فيهِ؛ فليسَ كلُّ ناقدٍ غاليًا، كما أَنَّهُ ليسَ كلُّ منْ راعى المآلاتِ مميِّعًا. وكما أَنَّ الغُلوَّ يهدِّدُ وحدَةَ الدَّولَةِ واستقرارَها؛ فإنَّ تجاهلَ هويَّةِ المجتمَعِ واستفزازَ قيمِهِ الدِّينيَّةِ يضعفانِ الثِّقَةَ ويولِّدانِ الاحتقانَ.
فالواجِبُ نصحُ الحكومَةِ بالحكمَةِ، والإنكارُ بضوابطهِ، واجتنابُ التَّخوينِ والتَّكفيرِ والتَّحريضِ؛ معَ اقتراحِ سياسَةٍ ثقافيَّةٍ متوازنَةٍ تكرِّمُ العلماءَ والشُّهداءَ والأَطبَّاءَ والمعلِّمينَ وأَصحابَ التَّضحياتِ، وتحيي التُّراثَ النافِعَ والقيمَ الجامعَةَ.
وعلى الحكومَةِ، في المقابلِ؛ أَنْ تستمِعَ إلى النَّقدِ الصَّادقِ، وتراعيَ هويَّةَ المجتمَعِ ومشاعرَ أَغلبيَّتهِ وحقوقَ جميعِ مكوِّناتهِ، وأَنْ تفرِّقَ في رسائلها الرَّسميَّةِ بينَ تكريمِ الموقِفِ الوطنيِّ وتبنِّي المحتوى الفنِّيِّ؛ إذْ يمكنُ تقديرُ موقفٍ وطنيٍّ بصيغَةٍ لا تفهمُ منها تزكيَةُ كلِّ ما يصدرُ عنْ صاحبِهِ.
فالفقيهُ ليسَ منْ يعرفُ الحكمَ مجرَّدًا فحسْبُ؛ بلْ منْ يحسنُ تصوُّرَ الواقعَةِ، وتحقيقَ مناطِ الحكمِ فيها، واختيارَ الوسيلَةِ الَّتي تحقِّقُ مقصودَ الشَّرعِ ولا تفضي إلى شرٍّ أَعظمَ.
فلا تجعلوا خلافًا حولَ حفلٍ ينسيكمْ واجبَ بناءِ الوطنِ، ولا تجعلوا بناءَ الوطنِ ذريعَةً لإسكاتِ النَّقدِ الشَّرعيِّ؛ ولا تجعلوا الغيرَةَ الصَّادقَةَ مطيَّةً للفرقَةِ، ولا فقهَ المرحلَةِ ستارًا للتَّفريطِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
اللَّهُمَّ! احفَظْ سُوريَةَ وأَهلَها، واجمَعْ كلمتَهم على الحقِّ والعدْلِ، وارزقْ علماءَها وحكَّامَها علمًا بالشَّرعِ، وبصيرَةً بالواقعِ، وحكمَةً في تنزيلِ الأَحكامِ، وشجاعَةً في قبولِ النُّصْحِ؛ وجنِّبهم مسالكَ الغُلُوِّ والتَّفريطِ، واجْعَلْ بناءَ دولتهم على العدْلِ والرَّحمَةِ والهُدى والرُّشدِ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

