• المرحلَةُ الثَّانيَةُ: أَدواتُ الفقيهِ وبناءُ مَلَكته:
- تكامُلُ علومِ الآلَِ وأَهليَّةُ المتصَدِّرِ؛ خطَرُ الفتوى بغيرِ تأْصيلٍ:
• سَبيكةٌ علميَّةٌ: الفَتوى الصَّحيحَةُ ثمرَةُ أَهليَّةٍ مُركَّبَةٍ: تصوُّرٌ صحيحٌ، ودليلٌ ثابتٌ، واستنباطٌ سليمٌ، وتنزيلٌ رشيدٌ، ونظرٌ في المآلِ؛ فإذا اختلَّ واحدٌ منها تسرَّبَ الخللُ إلى الحكمِ، أَو طريقِهِ، أَو محلِّهِ.
✍ أَخي طالبَ العلْمِ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقَكَ اللهُ للعلمِ الرَّاسخِ، والفَهمِ السَّديدِ، والوَرَعِ عن القولِ عليهِ بغيرِ علْمٍ - أَنَّ الفتوى ليسَتْ جوابًا سريعًا عن سؤَالٍ عارضٍ، ولا نقْلًا مجرَّدًا لحكمٍ محفوظٍ؛ بلْ هي بيانٌ لحُكمِ اللهِ في واقعَةٍ معيَّنَةٍ، ووصلٌ بينَ نصٍّ شرعيٍّ ثابتٍ وواقعٍ متغيِّرٍ؛ بواسطَةِ آلةٍ علميَّةٍ مكتملَةٍ، ومَلَكةٍ فقهيَّةٍ راسخَةٍ، وأَمانَةٍ تمنَعُ صاحبَها من التَّقدُّمِ بينَ يدَيِ اللهِ ورسولِهِ ﷺ.
ولهذا حرَّمَ اللهُ القولَ عليهِ بغيرِ علمٍ، فقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
وحذَّرَ النَّبيُّ ﷺ من زمَنٍ يتصدَّرُ فيهِ غيرُ المؤَهَّلينَ، فقال: »اتَّخذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا؛ فسُئِلوا فأَفتَوا بغيرِ علْمٍ، فضلُّوا وأَضلُّوا« متفقٌ عليه.
فالخطَرُ في الفتوَى بغيرِ علْمٍ لا يقِفُ عندَ خطإِ المتصدِّرِ في نفسِهِ؛ بلْ يمتَدُّ إلى تضليلِ مَن وثقَ بهِ، ونسبَةِ ما لم يشرعْهُ اللهُ إلى شريعتِهِ، وتحليلِ الحرامِ أَو تحريمِ الحلالِ، أَو وضعِ الحكمِ الصَّحيحِ في غيرِ محلِّهِ.
وليسَ كلُّ مَن حفِظَ نصًّا أَحسنَ فهمَ دلالتِهِ، ولا كلُّ مَن عرفَ حكمًا أَحسنَ تنزيلَهُ، ولا كلُّ مَن درسَ علمًا صارَ فقيهًا، ولا كلُّ فقيهٍ في بابٍ صارَ مفتيًا في سائرِ الأَبوابِ؛ فحفْظُ الفتوى لا يساوي أَهليَّةَ الإفتاءِ، ونقْلُ أَقوالِ العلماءِ غيرُ القدرَةِ على التَّرجيحِ بينها، ومعرفَةُ النَّتيجَةِ غيرُ امتلاكِ المنهجِ الموصِلِ إليها.
والفتوى الرَّشيدَةُ تمرُّ بمراحِلَ متكاملَةٍ: تبدَأُ بتصوُّرِ الواقعَةِ كما هي، ثمَّ التَّثبُّتِ منَ الدَّليلِ، ثمَّ فهْمِ وجْهِ دلالتِهِ، ثمَّ استنباطِ الحكمِ وفقَ القواعدِ المعتبرَةِ، ثمَّ تحقيقِ مناطِهِ وتنزيلِهِ على محلِّهِ، ثمَّ النَّظرِ في مآلِ تطبيقِهِ.
وقدْ يكونُ الخلَلُ في مرحلَةٍ واحدَةٍ كافيًا لإفسادِ الفتوى كلِّها؛ إذ الحكمُ على الشَّيءِ فرعٌ عن تصوُّرِهِ، وصِحَّةُ الدَّليلِ لا تستلزمُ صِحَّةَ فَهمِهِ، وصِحَّةُ الفَهمِ لا تستلزمُ صِحَّةَ تنزيلِهِ.
ومن هُنا كانَتْ حاجَةُ المتصدِّرِ إلى تكاملِ العلومِ؛ فالقرآنُ والسُّنَّةُ مادَّةُ الحكمِ، وعلومُ الحديثِ تحرسُ ثبوتَ الدَّليلِ، وعلومُ العربيَّةِ وأُصُولُ التَّفسيرِ تضبطُ دلالتَهُ، وأُصُولُ الفقهِ تحكمُ طريقَ الاستنباطِ، والقواعدُ الفقهيَّةُ تجمَعُ الجزئيَّاتِ، والفروقُ تمنَعُ التَّسويَةَ بينَ المختلفاتِ، وفقهُ الفروعِ يكشِفُ مداركَ العلماءِ ومناهجَهم، والمقاصِدُ تحفَظُ كُلِّيَّاتِ الشَّريعَةِ، وفقهُ الواقعِ يحقِّقُ المناطَ، والنَّظرُ في المآلاتِ يضبْطُ حُسنَ التَّنزيلِ.
فمَن قصُرَ في علومِ الحديثِ قدْ يحتجُّ بما لا يثبتُ، ومَن ضعُفَ في العربيَّةِ قدْ يحمِّلُ اللَّفظَ ما لا يحتمِلُ، ومَن جهلَ أُصُولَ الفقهِ اضطربَ استدلالُهُ، ومَن لم يمارسْ فروعَ الفقهِ لم يُحسنْ معرفَةَ النَّظائرِ والفروقِ، ومَن أَغفلَ المقاصدَ والمآلاتِ قدْ يصحِّحُ جزئيًّا ويُفسدُ كُلِّيًّا، ومَن جهلَ الواقعَ ربَّما وضعَ الحكمَ الصَّحيحَ في غيرِ موضعِهِ.
وفقهُ الواقعِ لا يعني تبديلَ أَحكامِ الشَّريعَةِ لتوافقَ الواقعَ؛ وإنَّما يعني معرفَةَ حقيقَةِ الواقعِ ليُنَزَّلَ حكمُ الشَّريعَةِ عليهِ تنزيلًا صحيحًا. كما أَنَّ اعتبارَ المآلِ لا يعني تعطيلَ النَّصِّ؛ بلْ يمنَعُ تنزيلَهُ على وجْهٍ يُناقضُ مقصودَهُ أَو يجلبُ مفسدَةً أَعظمَ في المواضعِ الاجتهاديَّةِ.
والتَّصدُّرُ ليسَ رتبَةً واحدَةً؛ فقدْ يتأَهَّلُ المرءُ لتعليمِ فنٍّ أَتقنَهُ، ولا يتأَهَّلُ للفتوى في النَّوازلِ، وقدْ يحسنُ الوعظَ والتَّذكيرَ، ولا يملكُ آلةَ التَّرجيحِ، وقدْ يجوزُ لهُ نقلُ فتوى عالمٍ موثوقٍ مع ضبطِ شروطِها، ولا يجوزُ لهُ تخريجُ النَّوازلِ عليها؛ فالأَهليَّةُ قدْ تكونُ عامَّةً، وقدْ تكونُ مقيَّدَةً ببابٍ أَو مسائلَ؛ ومن تمامِ أَهليَّةِ العالِمِ أَن يعرفَ حدودَها، وأَلَّا يتجاوزَ ما أَحكمَهُ.
ولا يعني تكاملُ العلومِ أَن يبلغَ المتصدِّرُ الغايَةَ في كلِّ فنٍّ؛ فهذا متعذِّرٌ على أَكثرِ النَّاسِ، ولكنَّهُ يعني أَن يستكمِلَ من كلِّ علمٍ القدرَ الذي تصحُّ بهِ أَهليَّتُهُ فيما يتصدَّى لهُ، وأَن يعرفَ مواضعَ نقصِهِ، ويرجعَ فيها إلى أَهلِ الاختصاصِ.
وفي النَّوازلِ الطِّبِّيَّةِ والماليَّةِ والسِّياسيَّةِ والتِّقنيَّةِ المركَّبةِ، لا يستغني الفقيهُ عن خبيرٍ ثقَةٍ يصوِّرُ لهُ حقيقَةَ الواقعَةِ، كما لا يستقِلُّ الخبيرُ بالحكمِ الشَّرعيِّ لمجرَّدِ معرفتِهِ بواقعِها؛ فالخبيرُ يصِفُ، والفقيهُ يكيِّفُ ويستنبِطُ، والاجتهادُ الجماعيُّ يجمَعُ وجوهَ النَّازلَةِ، ويكونُ أَبعدَ عن التفرُّدِ والزَّللِ.
ومِن أَخطَرِ آفاتِ السَّاحَةِ العلميَّةِ اليومَ أَن ينتقلَ بعضُهم منَ القراءَةِ إلى التَّصدُّرِ، ومن سماعِ المحاضراتِ إلى الفتوى، من غيرِ تلقٍّ منهجيٍّ، ولا تأْصيلٍ متدرِّجٍ، ولا ممارسَةٍ تحتَ نظَرِ العلماءِ؛ فيتكلَّمُ في كلِّ فنٍّ، ويجيبُ عن كلِّ نازلَةٍ، وكأَنَّ سرعَةَ الوصولِ إلى المنصَّةِ تختصرُ سنواتِ التَّعلُّمِ والتَّأْهُّلِ!
والمنصَّةُ تمنحُ صاحبَها صوتًا، ولا تمنحُهُ علمًا؛ وكثرَةُ المتابعينَ توسِّعُ أَثرَ الفتوى، ولا تُكمِلُ نقصَ الأَداةِ، ولا تُصحِّحُ خطأَ الاستدلالِ.
وطريقُ الأَهليَّةِ يبدَأُ بالتَّلقِّي عن أَهلِ العلْمِ، وإحكامِ علومِ الآلَةِ، وربطِ الأُصُولِ بالفروعِ، وكثرَةِ التَّخريجِ والتَّطبيقِ، وعرضِ الفَهمِ على العلماءِ الرَّاسخينَ، والتَّدرُّجِ في التَّعليمِ والفتوى، ومعرفَةِ مواضعِ الإجماعِ والخلافِ، وملازمَةِ الوَرَعِ والتَّواضعِ. فالأَهليَّةُ لا تثبتُ بالشَّهادَةِ أَو الشُّهرَةِ وحدَهما؛ بلْ بعلْمٍ راسخٍ، ومَلَكةٍ ظاهرَةٍ، وممارسَةٍ منضبطَةٍ، وشهادَةِ أَهلِ العلْمِ، ووَرَعٍ يردعُ عن القولِ بغيرِ بيِّنةٍ.
ومِن كمالِ الأَهليَّةِ أَن يقولَ العالِمُ: «لا أَدري» فيما لا يدري؛ فالتوقُّفُ عندَ نقصِ التَّصوُّرِ أَمانَةٌ لا عجزٌ، والرُّجوعُ إلى أَهلِ الاختصاصِ علْمٌ لا نقصٌ، ومعرفَةُ حدودِ النَّفسِ مِن أَوضحِ دلائلِ الرُّسوخِ.
• فالقاعدَةُ: الفتوى أَهليَّةٌ مُركَّبةٌ، لا جرأَةٌ عابرَةٌ؛ قوامُها تصوُّرٌ صحيحٌ، ودليلٌ ثابتٌ، وفَهمٌ أُصُوليٌّ، وفقهٌ بالفروعِ، وتحقيقٌ للمناطِ، واعتبارٌ للمآلِ، ووَرَعٌ يردُّ صاحبَهُ إلى «لا أَدري» حينَ لا يدري.
فليسَ مِن أَهليَّةِ المفتي أَن يجيبَ عن كلِّ ما يُسأَلُ عنهُ؛ بلْ أَهليَّتُهُ أَن يعرفَ متى يتكلَّمُ، وبماذا يتكلَّمُ، ومتى يتوقَّفُ، وإلى مَن يردُّ المسأَلَةَ؛ فإنَّ السُّكوتَ معَ الجهْلِ سلامَةٌ، والكلامَ بغيرِ علْمٍ جرأَةٌ على شَرعِ اللهِ.
اللَّهُمَّ! ارزقْنا علمًا راسخًا، وفهمًا سديدًا، ووَرَعًا صادقًا، وأَهِّلْنا للقولِ في دينِكَ بعلمٍ وبصيرَةٍ، ووفِّقْنا للتوقُّفِ عندَ الجهلِ، وجنِّبْنا أَن نقولَ عليكَ ما لا نعلَمُ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

