»المُداهنَةُ الصَّامِتَةُ« حينَ يُخنَقُ الحقُّ باسمِ الحكمَةِ:

أخي طالب العلم الصادق!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للحقِّ والثَّباتِ عليهِ - أَنَّ «الحكمةَ الشَّرعيَّةَ» ليستْ «ستارًا للمُداهنَةِ» ولا بابًا لتعطيلِ البيانِ، ولا حجَّةً لتأْجيلِ كلمَةِ الحقِّ حتى تموتَ القضايا في صدورِ أَصحابِها؛ بلِ الحكمةُ الحقَّةُ أَن يُوضَعَ الكلامُ في موضعِهِ، وأَن يُقالَ في وقتِهِ، وبقدرِهِ، وبالطريقَةِ التي تُحقِّقُ المصلحَةَ وتدفَعُ المفسدَةَ؛ من غيرِ تمييعٍ للحقِّ ولا خيانَةٍ للأَمانَةٍ.

فليسَ كلُّ سكوتٍ حكمةً، ولا كلُّ تأْخيرٍ بصيرَةً، ولا كلُّ تلطُّفٍ رِفقًا محمودًا؛ فقدْ يكونُ السُّكوتُ جُبنًا، والتَّأْخيرُ هُروبًا، والتَّلطُّفُ مُداهنَةً تُلبَسُ لباسَ العقلِ والاتِّزان!

ومن أَخطرِ ما يُبتلى بهِ أَهلُ العلمِ والدَّعوَةِ والمؤَسَّساتُ:

أَن تُزيَّنَ لهم »المُداهنَةُ الصَّامتَةُ« باسمِ الحكمَةِ، وأَن يُسمَّى تركُ البيانِ: انتظارًا للوقتِ المناسِبِ؛ معَ أَنَّ الوقتَ المناسِبَ عندَ أَصحابِ هذا المسلَكِ لا يأَتي أَبدًا!!!

إنَّ »المُداهنَةَ الصَّامتَةَ« هي »الموتُ الأَبيضُ للمبادئ«؛ فهي لا تَضِجُّ بـ »الكذْبِ الصَّريحِ« ولكنَّها »تَخنُقُ الحقَّ خنقًا هادئًا« ولا تُسقِطُ القضيَّةَ بضربَةٍ واحدَةٍ؛ بلْ تُميتُها بالتَّأْجيلِ، والتَّبريرِ، وتغليفِ الجُبنِ باسمِ الحكمَةِ.

وهي جريمَةٌ تُرتكَبُ بدمٍ باردٍ تحتَ ستارِ «التروِّي» و«حفظِ المصلحَةِ« و«انتظارِ الوقتِ المناسِبِ«؛ بينما حقيقتُها - في كثيرٍ من الأَحوالِ - ليسَتْ انتظارًا لنُضجِ الموقِفِ؛ بلِ انتظارًا لموتِ القضيَّةِ!!

وهنا يَظهرُ الفرقُ بين »الحكمَةِ الرَّاشِدَةِ« و»المداهنَةِ الخانقَةِ«:

- فالحكمَةُ؛ تؤَخِّرُ البيانَ إذا كانَ في تأْخيرِهِ مصلحَةٌ راجحَةٌ، أَمَّا المداهنَةُ فتؤخِّرُهُ حتى يَفقدَ أَثرَهُ.

- والحكمَةُ؛ تختارُ العبارَةَ التي تَبلُغُ بالحقِّ مأْمنَهُ، أَمَّا المداهنَةُ فتختارُ العبارَةَ التي تُفرِّغُ الحقَّ من قوَّتِهِ.

- والحكمَةُ؛ تراعي المآلاتِ لتحفَظَ الحقَّ، أَمَّا المداهنَةُ فتتذرَّعُ بالمآلاتِ لتدفِنَ الحقَّ.

- والحكمَةُ؛ قدْ تسكتُ مؤقَّتًا لتتكلَّمَ في موضعٍ أَنفعٍ، أَمَّا المداهنَةُ فتسكتُ دائمًا حتى يصيرَ السُّكوتُ مذهبًا، والعجزُ سياسَةً، والخوفُ عقلًا، وحفظُ الصُّورَةِ مقدَّمًا على حفظِ الأَمانَةِ.

** ولذلكَ كانَ من واجبِ صاحبِ العلمِ والدَّعوَةِ أَن يُفتِّشَ قلبَهُ قبلَ أَن يعتذِرَ بالحكمَةِ:

- هلْ سكَتَ؛ لأَنَّ الكلامَ يضرُّ الحقَّ فعلًا؟

- أَم سكتَ؛ لأَنَّ الكلامَ يضرُّ مكانتَهُ ومصلحتَهُ وعلاقتَهُ بالنَّاسِ؟

- وهل أَخَّرَ البيانَ؛ طلبًا للأَثرِ الأَكملِ؟! أَم أَخَّرَهُ فرارًا من تبعاتِ البيانِ؟

= فإنَّ بينَ الأَمرينِ فرقًا عظيمًا؛ لا يخفى على مَن صدَقَ معَ اللهِ تعالى، وإن خفيَ على النَّاسِ.

* فالحقُّ لا يُنصرُ بالطيشِ والاندفاعِ.. كما أَنَّهُ لا يُنصرُ بالجبنِ والمداهنَةِ؛ بلْ يُنصرُ بعلمٍ يضبطُهُ، وحكمَةٍ تُسدِّدُهُ، وشجاعَةٍ تحملُهُ، وتجردٍ يحرسُهُ من حظوظِ النَّفسِ ومكاسبِ المنصبِ.

ومَن جعلَ الحكمَةَ ذريعَةً لإسكاتِ الحقِّ الأَبلجِ؛ فقدْ خانَ الحكمَةَ قبلَ أَن يخونَ الحقَّ؛ إذ الحكمَةُ نورٌ يُبصِّرُ صاحبَهُ متى يتكلَّمُ ومتى يسكتُ، وكيفَ يصدعُ بالحقِّ في موضعِهِ، لا ظلامٌ تُوارَى فيهِ القضايا العادلَةُ حتى تموت.

فاحذرْ أَيُّها اللَّبيب - رحمكَ اللهُ -؛ من مداهنَةٍ صامتَةٍ تُميتُ المبادئَ بلا ضجيجٍ، ومن حكمَةٍ مزعومَةٍ لا تُنتِجُ إلَّا التَّنازُلَ والتَّأْجيلَ والتَّبريرَ؛ فإنَّ الحقَّ إذا حُوصِرَ بالصَّمتِ الطويلِ ذَبُلَ أَثرُهُ في النُّفوسِ، وإذا تعوَّدَ أَهلُهُ تأْجيلَ البيانِ ماتتْ فيهم غيرةُ البيانِ.

فالميزانُ العادلُ: لا تهوُّرَ يُفسدُ، ولا مداهنَةَ تُميت؛ لا صخبَ بِلا علمٍ، ولا سكوتَ بِلا عذرٍ؛ بلْ بيانٌ راشدٌ، وشجاعَةٌ منضبطَةٌ، وحكمَةٌ صادقَةٌ تحفظُ الحقَّ ولا تخنقُهُ، وتصونُ المصلحَةَ ولا تجعلُها قبرًا للمبادئ.

اللَّهُمَّ! لا تجعلْ حكمتَنا جُبنًا، ولا صمتَنا خِذلانًا، ولا بيانَنا تهوُّرًا، واجعلنا أَنصارًا للحقِّ بعلمٍ وعَدْلٍ وبصيرَةٍ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

رعايَةُ ميزانِ »الحسناتِ والسَّيِّئاتِ« عندَ أَئمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ:

Next
Next

»ثغْرُ النُّصحِ والمحاسبَةِ دونَ إِسْقاطِ القضيَّةِ«: