رعايَةُ ميزانِ »الحسناتِ والسَّيِّئاتِ« عندَ أَئمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ:

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ والاهُ، أَمَّا بعدُ:

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لكلِّ خيرٍ - أَنَّ من أَعظمِ أَبوابِ العَدْلِ والإنصافِ في «منهجِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ»:

رعايَةَ ميزانِ الحسناتِ والسَّيِّئاتِ عندَ الحكمِ على الأَشخاصِ، والجماعاتِ، والمواقفِ، والآثارِ؛ فلا يطغى جانبُ الخطأِ حتَّى تُمحى الفضائِلُ، ولا تُضخَّمُ الحسناتُ حتَّى تُسترَ الانحرافاتُ؛ بلْ يُوزنُ النَّاسُ بميزانِ الشَّرْعِ والعَدْلِ والبصيرَةِ؛ فيُعرَفُ للمُحْسِنِ إحسانُهُ، ويُنكَرُ على المخطئِ خطؤُهُ؛ من غيرِ غُلُوٍّ في التَّبديعِ والتَّجريحِ، ولا تمييعٍ يُفضي إلى إهدارِ الحقِّ وتلبيسِ الباطِلِ.

وهذا الميزانُ الشَّرعيُّ؛ لا يعني إسقاطَ الإنكارِ، ولا تبريرَ الانحرافِ، ولا تسويَةَ أَهلِ السُّنَّةِ بأَهلِ البدعَةِ؛ وإنَّما يعني أَن يكونَ الحكمُ قائمًا على العلمِ والعَدْلِ والتَّثبُّتِ، لا على الهوى والغضبِ وردودِ الأَفعال؛ فكمْ من رجلٍ لهُ سابقَةٌ وفضَلٌ، ومعَ ذلكَ يُردُّ خطؤُهُ ولا يُتَّبعُ في زلَّتِهِ؛ وكم من مخالفٍ لا تُمحى حسناتُهُ كلُّها بخطأٍ وقعَ فيهُ، ما لم يكنْ خطؤُهُ ناقضًا للأَصْلِ، أَو غالبًا على حالِهِ، أَو داعيًا إليهِ ناصرًا لَهُ.

فالإنصافُ أَن تُحفَظَ المراتِبُ، وتُراعى المقاصِدُ، وتُفرَّقَ الأَحوالُ؛ بينَ زلَّةِ العالمِ ومنهجِ المبتدِعِ، وبينَ الخطأِ العارضِ والانحرافِ المؤَصَّلِ، وبينَ النُّصحِ الشَّرعيِّ والتَّشهيرِ الجائرِ.. وبذلكَ يستقيمُ ميزانُ أَهلِ العلمِ: حقٌّ بِلَا ظُلمٍ، ورحمَةٌ بِلَا مُداهنَةٍ، وعدلٌ بِلَا تمييعٍ، وإنكارٌ بِلَا بغيٍ.

وهذا الميزانُ ليسَ بابًا للتَّمييعِ، ولا ذريعَةً لتسويغِ الباطِلِ، ولا ستارًا لتركِ البيانِ؛ كما أَنَّهُ ليسَ سيفًا لإسقاطِ النَّاسِ، ولا طريقًا للتشهِّي في الجرحِ، ولا وسيلَةً لهدْمِ المقاماتِ العلميَّةِ والدَّعويَّةِ بمجرَّدِ زلَّةٍ أًو اجتهادٍ أًو خطأٍ محتملٍ.

•⁠ ⁠فأَئمَّةُ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ: يفرِّقونَ بينَ المقالَةِ وقائلِها، وبينَ الشَّخصِ وخطئِهِ، وبينَ المبتدِعِ الدَّاعي إلى بدعتِهِ، وبينَ العالمِ الذي وقعَ في خطأٍ أَو تأْويلٍ أَو زلَّةٍ معَ أَصلِ صلاحِهِ وسابقتِهِ في الدِّينِ.

ويعلمونَ أَنَّ الرَّجُلَ قدْ يجتمعُ فيهِ خيرٌ وشرٌّ، وسُنَّةٌ وبدعَةٌ، وصوابٌ وخطأٌ؛ فيُوالى بقدرِ ما معَهُ من الحقِّ، ويُخالَفُ بقدرِ ما وقعَ فيهِ من الباطِلِ.

وليسَ من منهجِ أَهلِ السُّنَّةِ؛ أَن تُلغى حسناتُ المرءِ كلُّها لأَجلِ سيئَةٍ، ولا أَن تُقبلَ سيئاتُهُ كلُّها لأَجلِ حسناتٍ؛ بلِ العَدْلُ أَن يقالَ للمُحسنِ: أَحسنتَ، وللمُخطئِ: أَخطأْتَ، وأَن يُحفَظَ لأَهلِ الفضْلِ فضلُهم، ولأَهلِ العلمِ منزلتُهم، معَ بيانِ ما أَخطؤوا فيهِ؛ من غيرِ غُلُوٍّ ولا جفاءٍ.

ومن فقهِ هذا البابِ؛ أَنَّ بيانَ الخطأِ لا يلزمُ منهُ إسقاطُ المخطئ، كما أَنَّ حفظَ حرمَةِ المخطئِ لا يلزمُ منهُ السُّكوتُ عن خطئِهِ؛ فقدْ يكونُ الرَّجُلُ من أَهلِ العلمِ والدِّيانَةِ والسَّابقَةِ، فيقعُ في مسأَلَةٍ زلَّتْ فيها قدمُهُ، أَو قصُرَ فيها نظرُهُ، أَو غلبَ عليهِ تأْويلٌ؛ فيُردُّ خطؤُهُ، ويُحفَظُ قدرُهُ، ولا يُجعَلُ خطؤُهُ مفتاحًا لهدْمِ سيرتِهِ كلِّها.

وكذلكَ لا يجوزُ أَن يُستعملَ ميزانُ الحسناتِ والسَّيِّئاتِ لإسكاتِ النَّقدِ الشَّرعي، أَو منعِ التَّحذيرِ من باطِلٍ ظاهِرٍ، أَو حمايَةِ صاحِبِ انحرافٍ مؤَثِّرٍ بحجَّةِ أَنَّ لهُ حسناتٍ؛ فإنَّ الحسناتِ لا تجعلُ الباطِلَ حقًّا، ولا تصيِّرُ البِدْعَةَ سُنَّة، ولا تجعلُ الضَّلالَ هُدى؛ ولكنَّها تمنعُ الظُّلمَ في الحكمِ، وتوجِبُ العَدْلَ في العبارَةِ، والإنصافَ في التَّقويمِ، ومراعاةَ المقاماتِ والمآلاتِ.

فالميزانُ الحقُّ؛ أَنْ يُردَّ الباطِلُ ولا يُظلَمَ صاحبُهُ، وأَن يُحفَظَ الفضْلُ ولا يُستَرَ الخطأُ، وأَنْ يُقامَ العَدْلُ بِلَا مُداهنَةٍ، والبيانُ بِلَا بغيٍ، والنَّصيحَةُ بِلَا تشفٍّ؛ فهذا هو سبيلُ أَهلِ العلمِ والإنصافِ، لا سبيلُ أَهْلِ الهوى والخصومَةِ.

•⁠ ⁠فالميزانُ الصَّحيحُ - عندَ أَئمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ - يقومُ على أُصولٍ جامعَةٍ:

أَوَّلُها: تقديمُ الحقِّ على أَقدارِ الأَشخاص؛ فالحقُّ أَحَبُّ إلينا منهم، والرِّجالُ يُعرَفونَ بالحقِّ، ولا يُعرَفُ الحقُّ بالرِّجالِ، ولا تُقدَّمُ مكانتُهم على سلطانِ الدَّليلِ، ولا تكونُ منزلتُهم حجابًا دونَ ردِّ الباطِلِ وبيانِ الصَّواب.

وثانيها: وجوبُ إقامَةِ العَدْلِ مع الموافِقِ والمخالِفِ؛ فلا يحملُنا الحبُّ على تبريرِ الخطأِ، ولا يدفعُنا البُغضُ إلى جحْدِ الفضْلِ؛ بلْ نزنُ النَّاسَ بميزانِ الشَّرْعِ والإنصافِ، لا بميزانِ الهوى والرِّضا والسَّخطِ.

وثالثُها: مراعاةُ اختلافِ الأَحوالِ والمقاماتِ عندَ الحكمِ على الأَشخاص؛ فليسَ صاحبُ السُّنَّةِ إذا زلَّ كصاحبِ الهوى الذي أَصَّلَ منهجَهُ على الباطِلِ، وليسَ المجتهدُ المتأَوِّلُ كالمعانِدِ المكابِرِ، ولا الزلَّةُ العارضَةُ كالانحرافِ المؤَصَّلِ المتكرِّرِ.

ورابعُها: التَّفريقُ بينَ مقامِ البيانِ ومقامِ التَّشهيرِ، وبينَ مقامِ الردِّ ومقامِ الانتقامِ، وبينَ مقامِ التَّحذيرِ ومقامِ التَّشفِّي؛ فأَهلُ السُّنَّةِ يردُّونَ الباطلَ ديانَةً لا هوًى، وينصحونَ للأُمَّةِ رحمَةً لا تشفِّيًا، ويُبيِّنونَ الحقَّ طلبًا لمرضاةِ الله، لا انتصارًا للنَّفسِ، ولا استعلاءً على الخلقِ.

وخامسُها: مراعاةُ اختلافِ المقاماتِ في بابِ الموازنَةِ؛ فليسَتْ الموازنَةُ في كلِّ حالٍ على صورَةٍ واحدَةٍ؛ إذْ قدْ يقتضي مقامُ التَّحذيرِ من بدعَةٍ أَو فتنَةٍ كشفَ موضعِ الخطرِ بوضوحٍ، لا سردَ الفضائِلِ سردًا يُلبِسُ على العامَّةِ ويُضعِفُ أَثرَ البيانِ.

وأَمَّا مقامُ التَّرجمَةِ والتَّقويمِ العامِّ؛ فالأَصلُ فيهِ ذكرُ الحسناتِ والسَّيِّئاتِ معًا؛ حتَّى لا يُظلَمَ الرَّجلُ، ولا تُطمَسَ حقيقتُهُ، ولا تُختزَلَ سيرتُهُ في خطأٍ عارضٍ أَو زلَّةٍ محتملَةٍ.

وخلاصَةُ ذلكَ: أَنَّ أَهلَ السُّنَّةِ لا يَعرِفونَ الحقَّ بالرِّجالِ، ولا يُهدِرونَ أَقدارَ الرِّجالِ إذا أَخطؤُوا؛ بلْ يردُّونَ الباطِلَ ولا يَظلمونَ صاحبَهُ، ويحفظونَ الفضْلَ ولا يَسترونَ الخطأَ، ويُقيمونَ العدلَ بِلا مُداهنَةٍ، والبيانَ بِلا بغيٍ، ويجعلونَ ذلكَ كلَّهُ تابعًا للمصلحَةِ الشَّرعيَّةِ، لا للهوى والخصومَةِ.

•⁠ ⁠ومن هنا؛ يظهرُ خطأُ طرفينِ متقابلينِ:

طرفٌ جعلَ الحسناتِ ستارًا تُغطَّى بهِ الأَخطاءَ؛ فإذا قيلَ لهُ: هذا باطِلٌ، قالَ: لصاحبِهِ جهودٌ وفضائِلٌ! فيجعَلُ الفضْلَ ذريعَةً إلى تبريرِ الزَّللِ، والحسناتِ حجابًا دونَ إنكارِ الباطِلِ! وهذا مسلكٌ مائِعٌ يُفضي إلى تمييعِ الحقِّ، وإضعافِ الغيرَةِ على السُّنَّةِ، وتطبيعِ النُّفوسِ معَ الانحرافِ، وتوسيعِ أَبوابِ التَّبريرِ.

وطرفٌ جعلَ السَّيِّئاتِ مِمحاةً لكلِّ حسنَةٍ؛ فإذا وقعَ الرَّجُلُ في خطأٍ أَسقطَ علمَهُ، ودفنَ فضائلَهُ، ومحا تاريخَهُ، وربَّما نسبَ إليهِ ما لم يقُلْهُ، وحمَّلهُ ما لم يعتقدْهُ! وهذا مسلكٌ جائرٌ يُفضي إلى الظُّلمِ، وقطيعَةِ أَهلِ الفضْلِ، وتربيَةِ النُّفوسِ على الشِّدَّةِ بِلا عدْلٍ، والإنكارِ بِلا إنصافٍ، والغيرَةِ بِلا بصيرَةٍ.

•⁠ ⁠والمنهجُ الرَّاشِدُ وسطٌ بينَهما:

يردُّ الخطأَ بِلا ظُلمٍ، ويحفظُ الفضْلَ بِلا تمييعٍ، ويُحذِّرُ من الباطِلِ بِلا فجورٍ، ويُنصِفُ المخالِفَ بِلا مُداهنَةٍ؛ فليسَ من العدْلِ أَن نسكتَ عن باطِلِ مَن نحبُّ، ولا أَن نهدمَ فضْلَ مَن نُبغِض؛ وليسَ من الورعِ أَن نتركَ البيانَ خوفًا من النَّاسِ، ولا أَن نُطلقَ الأَلسنَةَ في الأَعيانِ بغيرِ بيِّنَةٍ وتقوى.

وخلاصَةُ هذا البابِ:

أَنَّ أَهلَ السُّنَّةِ والجماعَةِ؛ أَعْدَلُ النَّاسِ في الحكمِ على النَّاسِ؛ يعرفونَ للحقِّ حقَّهُ، ولأَهلِ الفضْلِ فضلَهم، وللخطأِ خطرَهُ، وللأُمَّةِ حقَّها في البيانِ والنَّصيحَةُ؛ فلا يغلونَ في الرِّجالِ حتَّى يعصموهم، ولا يجفونَهم حتَّى يظلموهم؛ بلْ يردُّونَ الباطلَ ولا يبخسونَ الفضْلَ، ويحفظونَ المقاماتِ ولا يُسقطونَ البيانَ، ويزنونَ الأَقوالَ والأَشخاصَ بميزانِ العلمِ والعَدْلِ والورعِ والرَّحمَةِ والبصيرَةِ.

فاللَّهُمَّ! ارزقْنا عدلَ أَهلِ السُّنَّة، وبصيرَةَ أَهلِ العلمِ، ورحمَةَ أَهلِ الإيمانِ، واجعلْنا من القائمينَ بالقِسْطِ، النَّاصحينَ للخلْقِ، الحافظينَ للحقِّ، لا نغلُو فنظْلِمُ، ولا نُفرِّطُ فنُميِّعُ، ولا نتكلَّمُ إِلَّا بعلمٍ وعَدْلٍ وتقوَى. آمين.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»لا تدَعِ الفِتنَ تُغرِقُ قلبَكَ«:

Next
Next

»المُداهنَةُ الصَّامِتَةُ« حينَ يُخنَقُ الحقُّ باسمِ الحكمَةِ: