»بينَ دَعوى المبادئ وصدْقِ المعايشَةِ«:

أخي المسلم اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للبصيرَةِ والإنصافِ - أَنَّهُ ليسَ كلُّ مَن كتبَ عن الفضيلَةِ كانَ من أَهلِها، ولا كلُّ مَن تحدَّثَ عنِ المروءَةِ عاشَ حقيقتَها، ولا كلُّ مَن رفعَ شعارَ المبادئِ صدَقَ في حملِها.

فوسائلُ التَّواصلِ قدْ تُظهرُ للنَّاسِ صورًا مثاليَّةً براقَةً، وعباراتٍ رصينَةً مؤَثِّرَةً؛ ولكنَّ العبرَةَ ليسَتْ بحُسنِ المنشورِ، ولا بجمالِ العبارَةِ، ولا بكثرَةِ التَّفاعُلِ؛ إنَّما العبرَةُ بصدْقِ الحالِ، وثباتِ العمَلِ، وموافقَةِ السُّلوكِ للدعوى.

فقدْ يتكلَّمُ الجاهِلُ عنَ العلمِ، والمنافِقُ عنِ الإيمانِ، والكاذِبُ عنِ الصِّدْقِ، والظَّالمُ عنِ العَدْلِ، واللَّئيمُ عنِ المروءَةِ، والسَّيِّئُ عنِ الأَخلاقِ، والبَخيلُ عنِ الكرَمِ، والعاقُّ عن برِّ الوالدينِ، وآكلُ الحرامِ عن بركَةِ المالِ الحلالِ!

ولهذا؛ فلا تغترَّ بكلِّ ما يُقالُ؛ حتَّى تنظرَ:

هلْ صاحبُهُ يعيشُ ما يدعو إليهِ؟ وهلْ تشهدُ أَفعالُهُ لأَقوالِه؟ وهل يظهَرُ أَثرُ مبدئِهِ عندَ الخلافِ، والغضبِ، والمصلحَةِ، والمالِ، والمنصبِ؟

فالأَقوالُ يحسنُها كثيرونَ، ولكنَّ الصِّدْقَ تكشفُهُ المواقِفُ، والمبادِئَ تمتحنُها الشَّدائِدُ، والنَّاسَ لا يَزنُهم ما يكتبونَ فقطْ؛ بلْ ما يكونونَ عليهِ إذا خالفَتْ أَهواءُهم ما يرفعونَهُ من شعاراتِ.

قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.

ورحمَ اللهُ من قال:

لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأْتيَ مثلَهُ ... عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ

فاللَّهُمَّ! اجعَلْ أَقوالَنا شاهدَةً لأَعمالِنا، وأَعمالَنا مصدِّقَةً لدعوانا، ولا تجعلْنا ممَّن يُحسِنونَ الكلامَ ويُسيئونَ العمَلَ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»ثغْرُ النُّصحِ والمحاسبَةِ دونَ إِسْقاطِ القضيَّةِ«:

Next
Next

»عُلُوُّ اللهِ تعالى وتفويضُ الصِّفاتِ عندَ السَّلفِ«: