»عُلُوُّ اللهِ تعالى وتفويضُ الصِّفاتِ عندَ السَّلفِ«:
أخي المسلم اللَّبيب!
اعلمْ - علَّمنا اللهُ وإيَّاكَ هَدْيَ السَّلفِ الصَّالحِ - أَنَّ مذهبَهم في هذا البابِ:
هو إثباتُ ما أَثبتَهُ اللهُ لنفسِهِ، وما أَثبتَهُ لهُ رَسُولُهُ ﷺ على الوجْهِ اللائِقِ بجلالِهِ وكمالِهِ؛ من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ.
ومن ذلكَ: إثباتُهم للهِ تعالى جميعَ أَنواعِ العُلُوِّ اللائقَةِ بهِ: عُلُوَّ القَدْرِ والشَّأْنِ، وعُلُوَّ القَهْرِ والسُّلطانِ، وعُلُوَّ الذَّاتِ والفوقيَّةِ؛ فهو - سبحانَهُ - فوقَ جميعِ خلقِهِ وبائِنٌ منهم، مستَوٍ على عرشِهِ، استواءً يليقُ بعظمتِهِ، لا يُشبِهُ استواءَ المخلوقينَ أَلبَتَّةَ؛ كما دلَّتْ على ذلكَ آياتُ الكتابِ العزيزِ، وصحيحُ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ.
وقولُهُ تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ معناه: مَن في العُلُوِّ، أَو مَن على السَّماءِ؛ وليسَ المرادُ أَنَّ السَّماءَ المخلوقَةَ تُحيطُ باللهِ، أَو أَنَّهُ حالٌّ فيها؛ تعالى اللهُ عن ذلكَ علوًّا كبيرًا.
وأَمَّا اشتقاقُ لفظِ »السَّماءِ« منَ السُّموِّ والعلوِّ؛ فإنَّهُ يؤَكِّدُ دلالتَها على العُلُوِّ، ولا ينفيها.
وأَمَّا لفظُ »الجِهَةِ«؛ فهو لفظٌ مُجمَلٌ لم يَرِدْ إثباتُهُ ولا نفيُهُ في نُصُوصِ الوحْي؛ فلا يُحكَمُ عليهِ حتَّى يُعرَفَ مرادُ المتكلِّمِ بهِ:
- فإنْ أُريدَ بهِ مكانٌ مخلوقٌ يُحيطُ باللهِ ويَحويهِ؛ فهذا معنًى باطِلٌ منفيٌّ.
- وإن أُريدَ بهِ أَنَّ اللهَ فوقَ خلقِهِ، مستَوٍ على عرشِهِ؛ فهذا معنًى صحيحٌ دَلَّ عليهِ الكتابُ والسُّنَّةُ.
- والأَولى التزامُ الأَلفاظِ الشَّرعيَّةِ الواضحَةِ؛ كالعُلُوِّ، والفوقيَّةِ، والاستواءِ.
ولم يكنِ السَّلفُ »يُفوِّضون معانيَ الصِّفاتِ«؛ بلْ كانوا يَفهمونَ معانيَها التي دَلَّ عليها لسانُ العربِ، و»يُفوِّضونَ إلى اللهِ حقيقةَ كيفيَّاتها«؛ لأَنَّ المعنى معلومٌ، وأَمَّا الكيفُ فلا يعلمَهُ إلَّا اللهُ. ولهذا جاءَ عن الإمامِ مالكٍ - رحمهُ اللهُ - في الاستواءِ: (الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ بهِ واجِبٌ، والسُّؤَالُ عنهُ بدْعَةٌ).
فمذهَبُ السَّلفِ وَسطٌ بينَ أَهلِ التَّعطيلِ وأَهلِ التَّمثيلِ: يُثبتونَ صفاتِ اللهِ حقيقَةً على الوجْهِ اللائقِ بهِ، من غيرِ تحريفٍ لمعانيها، ولا تعطيلٍ لحقائقِها، ولا تكييفٍ لها، ولا تمثيلٍ بصفاتِ خلقِهِ؛ عملًا بقولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

