»متَى تقومُ ساعَتُكَ أَنْتَ؟«:

أخي المسلم اللَّبيب!

اعلمْ - جَعَلَني اللهُ وإيَّاكَ مِنَ اليَقِظينَ لِمَداخِلِ الشَّيطانِ، المُستَعِدِّينَ لِلِقاءِ الرَّحمنِ - أَنَّ حديثَ النَّاسِ يَكثُرُ عن موعدِ قيامِ السَّاعةِ الكُبرى: متى تكونُ؟ وما علاماتُها؟ وهذا عِلْمٌ استأَثرَ اللهُ تعالى بهِ، ولم يُكلَّفِ العبدُ بمعرفةِ وقتِها؛ ولكنَّ السُّؤَالَ الذي ينبغي أَن يهُزَّ قلبَهُ، ويوقظَهُ مِن غفلتِهِ، هو: »متى تقومُ ساعتُهُ هو؟ ومتى يأْتيهِ مَلَكُ الموتِ؟«!

فقدْ تقومُ السَّاعةُ الكُبرى بعدَ أَزمانٍ، أَمَّا ساعتُكَ أَنتَ فقدْ تكونُ أَقربَ إليكَ مِن طَرْفةِ عينٍ؛ فإذا جاءَ الموتُ انقطعَ العمَلُ، وطُوِيَتْ صحيفَةُ الاختيارِ، وانتهى زمنُ التَّدارُكِ، وانتقلَ العبدُ مِن دارِ الامتحانِ والعمَلِ إلى دارِ الحسابِ والجزاءِ.

ومَثَلُ المؤمنِ في استعدادِهِ للموتِ كمَثَلِ الجنديِّ المنضبطِ: إذا غادرَ موقعَهُ بغيرِ إذنٍ؛ بقيَ خائفًا مضطربًا، يَخشَى أَن يُفاجِئَهُ الاستدعاءُ وهو مُخالِفٌ مُقصِّرٌ؛ أَمَّا إذا كانَ قائمًا بواجبِهِ، مُلتزمًا بأَمرِهِ، مُستعِدًّا لما يُطلَبُ منهُ، لم يَخشَ وقتَ الاستدعاءِ، ولم يَضطربْ عندَ حضورِ الآمِرِ.

وكذلكَ المؤمنُ الصَّادقُ؛ يعيشُ مُستعِدًّا للقاءِ اللهِ تعالى، مُراقبًا لربِّهِ، مُبادِرًا إلى التَّوبَةِ وأَداءِ الحقوقِ؛ حتَّى إذا جاءَه مَلَكُ الموتِ في ليلٍ أَو نهارٍ، في سَفَرٍ أَو حَضَرٍ، لم يُفاجِئْهُ وهو مُصِرٌّ على معصيَةٍ، أَو قاطعٌ لرَحِمٍ، أَو آكلٌ لحقٍّ، أَو مُضيِّعٌ لصلاةٍ، أَو مُسوِّفٌ بتوبةٍ.

وليسَ معنى الاستعدادِ للموتِ أَن يَهجُرَ المسلمُ دُنياهُ، أَو يُهمِلَ عملَهُ وأَهلَهُ ومسؤوليَّاتِهِ؛ وإنَّما معناهُ أَن يجعلَ الدُّنيا في يدِهِ لا في قلبِهِ، وأَن يَعمرَها بطاعَةِ اللهِ، ويتزوَّدَ منها لآخرتِهِ، ويجعَلَ مالَهُ وجاهَهُ وعلمَهُ وعُمرَهُ وسائلَ تُقرِّبُهُ إلى اللهِ، لا حُجُبًا تَصرِفُهُ عنهُ.

فاحذَرِ الغفلةَ؛ فإنَّ الغافلَ لا يستيقظُ غالبًا إلَّا عندَ فواتِ الأَوانِ، ولا تُؤخِّرِ التَّوبةَ؛ فإنَّكَ لا تملِكُ مِن عُمرِكَ إلَّا ساعتَكَ التي أَنتَ فيها، ولا تدري: أَتُدرِكُ بعدَها ساعةً أُخرى أَم لا؟

وتذكَّرْ دائمًا: ليسَ المهمُّ أَن تعرفَ متى تنتهي الدُّنيا، وإنَّما المهمُّ أَن تكونَ مُستعِدًّا حينَ تنتهي دُنياكَ أَنتَ؛ فالعاقلُ لا يَنشغِلُ بموعدِ الرَّحيلِ عن إعدادِ الزَّادِ، ولا بالسُّؤالِ عن وقتِ الموتِ عن إصلاحِ ما بينَه وبينَ اللهِ.

فاللَّهُمَّ! لا تجعلِ الدُّنيا أ!كبرَ همِّنا، ولا مبلغَ علمِنا، ولا غايةَ رغبتِنا، واجعلْها عونًا لنا على طاعتِكَ، وارزقْنا يقظةً قبلَ الموتِ، وتوبةً قبلَ الفواتِ، واستعدادًا قبلَ الرَّحيلِ، وثباتًا عندَ المماتِ، وحُسنَ الخاتمةِ واللِّقاءِ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»عُلُوُّ اللهِ تعالى وتفويضُ الصِّفاتِ عندَ السَّلفِ«:

Next
Next

»الفرَحُ بزلَّاتِ المصلِحينَ من أَخلاقِ المفسدينَ«: