»غربَةُ التَّسليمِ للوحْي في زمَنِ الاضْطِرابِ«:

أخي المسلم اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للثَّباتِ على الحقِّ، وتعظيمِ الوحيِ، وحُسْنِ التَّسليمِ للهِ ورسولِه ﷺ - أَنَّ مِن أَعظمِ مظاهرِ غُرْبَةِ الدِّينِ في هذا الزَّمانِ:

أَن يبلُغَ الاضطرابُ ببعضِ المنتسبينَ إلى الإسلامِ حدًّا يحتاجُ معهُ الدَّاعيَةُ إلى إقناعِهم بأُصولِ دينِهم، وحِكمةِ شريعتِهم، وعدْلِ أَحكامِ ربِّهم؛ بعدَ أَن كانَ الأَصلُ أَن يُجادِلَ غيرَ المسلمينَ ليدخلوا في الإسلامِ، فإذا بهِ يُجادِلُ بعضَ المسلمينَ لئلَّا يخرجوا عن حقائقِ الإسلامِ وأُصولِه ومعانيهِ!

وليسَتِ الغُرْبَةُ أَن يَقِلَّ عددُ المسلمينَ فحسبُ؛ بلْ مِن أَشدِّ صورِها: أَن تضعُفَ هيبةُ الوحي في القلوبِ، وأَن تُعرَضَ أَحكامُ الشَّريعَةِ على أَذواقِ النَّاسِ، ومقاييسِ العصرِ، ومعاييرِ الثَّقافةِ الغالبَةِ؛ فإن وافقَتْها قُبِلَتْ، وإن خالفَتْها رُدَّتْ، أَو حُرِّفَتْ دلالاتُها، أَو تكلَّفَ بعضُهم الاعتذارَ عنها، أَو استحيا مِن إظهارِها والدَّعوةِ إليها.

وهذا قلبٌ لميزانِ العبوديَّةِ؛ فإنَّ المؤمنَ لا يجعلُ الوحيَ تابعًا لذوقِه، ولا الشَّريعَةَ خاضعةً لهواه، بل يجعلُ عقلَهُ وهواهُ وواقعَهُ محكومًا بنورِ الوحيِ وهدايتِهِ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّساء: ٦٥].

وقالَ سبحانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].

وقالَ النَّبيُّ ﷺ: »بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ« رواه مسلم.

غيرَ َأنَّ الغريبَ الصَّادقَ ليسَ صاحبَ غُلُوٍّ وتشدُّدٍ، ولا صاحبَ صخبٍ وفظاظةٍ، ولا مَن يستطيلُ على النَّاسِ باسمِ التمسُّكِ؛ وإنَّما هو مَن يُعظِّمُ الوحيَ، ويرحمُ الخَلْقَ، ويُبيِّنُ الحقَّ بعلمٍ وحِكمةٍ، ويجمعُ بينَ الثَّباتِ والرِّفقِ، وبينَ وضوحِ المبدأِ وحُسْنِ البلاغِ، وبينَ سلامةِ المنهجِ وحُسْنِ الخُلُقِ.فلا تَعجَبْ إذا رأَيتَ مَن ينتسبُ إلى الإسلامِ يستحيي مِن بعضِ أَحكامِه، أَو يعتذرُ عن شريعتِهِ، أَو يزنُ نصوصَ الوحيِ بموازينِ الحضارَةِ الغالبَةِ؛ فإنَّ هذِهِ مِن فِتَنِ الغُرْبَةِ، ومِن آثارِ الهزيمةِ النَّفسيَّةِ أَمامَ ضغطِ الواقعِ والثَّقافاتِ الوافدَةِ.

ولكنِ اثبُتْ أَنتَ على الحقِّ، وعظِّمْ أَمرَ اللهِ ورسولِهِ، وادعُ إلى ربِّكَ بعلمٍ ورحمَةٍ وبصيرَةٍ، ولا تجعَلْ ثباتَكَ غِلظةً، ولا رفقَكَ تمييعًا، ولا حِكمتَكَ تنازُلًا عن الثَّوابتِ؛ وقُلْ بقلبٍ مؤمنٍ ولسانٍ صادقٍ كما قالَ أَهلُ الإيمانِ: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.

فاللَّهُمَّ! ثبِّتْنا على الإسلامِ والسُّنَّةِ، وارزقْنا تعظيمَ الوحيِ، وصِدْقَ التَّسليمِ، وحُسْنَ الاتِّباعِ، واجعلْنا مِنَ الغُرَباءِ المصلحينَ؛ الَّذينَ يَثبُتونَ إذا اضطربَ النَّاسُ، ويُصلِحونَ إذا انتشرَ الفسادُ، ويُعظِّمونَ الوحيَ إذا ضَعُفَ التَّسليمُ، ويستمسكونَ بصراطِكَ المستقيمِ إذا كثُرتِ الفِتَنُ وتفرَّقتِ السُّبُلُ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»الفرَحُ بزلَّاتِ المصلِحينَ من أَخلاقِ المفسدينَ«:

Next
Next

»جهلُ الطَّريقِ يُورِثُ الجُرأَةَ على أَهلِ العِلْمِ«: