»جهلُ الطَّريقِ يُورِثُ الجُرأَةَ على أَهلِ العِلْمِ«:

أخي المسلم اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للتَّواضُعِ للحقِّ، ومعرفَةِ أَقدارِ أَهلِهِ - أَنَّ العالِمَ الرَّاسِخَ أَعرَفُ في الغالبِ بأَحوالِ الجهْلِ ومراحِلِ التَّعلُّمِ مِنَ الجاهلِ بحقيقَةِ العِلْمِ ومَراتِبِ أَهلِهِ؛ لأَنَّ العالِمَ قدْ سلَكَ مدارِجَ الطَّلبِ، وذاقَ مَرارَةَ الجهْلِ، وعانى مشقَّةَ التَّحصيلِ، وتنقَّلَ بينَ منازلِ الفَهْمِ والنَّظرِ والتَّمحيصِ؛ حتَّى عرَفَ سَعَةَ العِلْمِ، ودقَّةَ مسالكِهِ، وعِظَمَ المسافَةِ بينَ أَوَّلِ الطَّريقِ وبلوغِ الرُّسوخِ.

- أَمَّا الجاهِلُ - إذا لم يرزقْهُ اللهُ تواضُعًا وبصيرَةً - فقدْ يغتَرُّ بما حصَّلَهُ مِن معلوماتٍ متفرِّقَةٍ، ولا سيَّما في عصرِ الإنترنتِ وسُهولَةِ الوصُولِ إلى المعلومَةِ؛ فيظُنُّ الظَّنَّ عِلمًا، والانطباعَ فَهْمًا، والجُرأَةَ شجاعَةً، وكثرَةَ الكلامِ تحقيقًا، وسُرعَةَ الاطِّلاعِ رُسوخًا.

وربَّما تطاولَ على مَن سبَقَهُ في العِلمِ والعَمَلِ والتَّجربَةِ؛ بل قدْ يمتَدُّ تطاولُهُ إلى أَئمَّةٍ انعقدَتْ كلمَةُ الأُمَّةِ على فضلِهِم وإمامتِهِم؛ لا لقوَّةِ حُجَّتِهِ، ولا لِرُسوخِ قَدَمِهِ في العِلمِ، ولكنْ لأَنَّهُ لم يَخبُرِ الطَّريقَ، ولم يعرِفْ وعورتَهُ، ولم يُدرِكْ سَعَةَ ما يجهلُهُ، ولا عِظَمَ المسافَةِ بينَ جَمْعِ المعلوماتِ وبُلوغِ مَرْتَبَةِ التَّحقيقِ والرُّسوخِ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزُّمَر: ٩].

وليسَ المقصودُ بذلكَ احْتِقارَ الجاهِلِ، ولا إغلاقَ بابِ التَّعلُّمِ في وجهِهِ؛ فكلُّ عالِمٍ كانَ يومًا متعلِّمًا، وكلُّ بصيرٍ مرَّ بمرحلَةِ السُّؤَالِ والبحْثِ، والجهْلُ عارِضٌ يزولُ بالتَّعلُّمِ.

أَمَّا الآفَةُ الحقيقيَّةُ؛ فهيَ أَن يجتمَعَ الجهْلُ معَ الكِبْرِ، وأَن يتحوَّلَ نَقْصُ المعرفَةِ إلى جُرأَةٍ على أَهلِ الاخْتِصاصِ، ورَدٍّ للنَّصيحَةِ، واسْتِهانَةٍ بالتَّأْصيلِ والتَّحقيقِ.

فليسَ العيْبُ أَن يجهَلَ الإنسانُ فيسأَلَ ويتعلَّمَ؛ وإنَّما العيبُ أَن يجهَلَ ثم يتصدَّرَ، وأَن لا يعلَمَ ثم يُجادِلَ، وأَن يقرأَ صفحاتٍ معدودَةً ثم يزاحِمَ أَهلَ الرُّسوخِ، أَو يطعَنَ في مَن أَفنى عُمرَهُ في الطَّلبِ والتَّدقيقِ والمراجعَةِ.

وليسَ معنى توقيرِ العلماءِ عصمتَهم مِنَ الخطإِ، ولا منعَ مناقشَةِ أَقوالِهم بالدَّليلِ؛ فالحقُّ أَولى بالاتِّباعِ، وكلُّ أَحدٍ يُؤخَذُ مِن قولِهِ ويُترَكُ إلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ.

ولكنَّ النَّقدَ العلميَّ غيرُ التَّطاوُلِ، والمناقشَةَ بالدَّليلِ غيرُ الجُرأَةِ بغيرِ عِلمٍ، ومعرفَةُ الخطإِ لا تُسوِّغُ إسقاطَ الفضْلِ والمكانَةِ.

ومِن دلائلِ رُسوخِ العالِمِ أَن يعرِفَ قَدْرَ ما عَلِمَ، وقَدْرَ ما لم يعلَمْ؛ ومِن علاماتِ الجهْلِ المركَّبِ أَن يجهَلَ المرءُ، ويجهَلَ أَنَّهُ يجهَلُ، ثم يظنَّ نفسَهُ أَهلًا للفُتيا والحُكمِ والتَّصدُّرِ.

فمَن أَرادَ اللهُ بهِ خيرًا رزقَهُ تواضُعَ المتعلِّمِ، وأَدَبَ السُّؤَالِ، والصَّبْرَ على الطَّلبِ، ومعرفَةَ أَقدارِ العلماءِ؛ فإنَّ العِلْمَ لا يستقِرُّ في قلبٍ ممتلئٍ بالعُجْبِ، ولا ينتفِعُ بالنَّصيحَةِ مَن رأَى نفسَهُ فوقَ المراجعَةِ والتَّسديدِ.

فاللَّهُمَّ! ارزقْنا عِلمًا نافعًا، وفَهْمًا راسخًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا صادِقًا، وأَدبًا معَ الحقِّ وأَهلِهِ، ولا تجعَلْ جهلَنا حِجابًا عنِ الهُدى، ولا قليلَ ما نعلَمُ سببًا للغُرورِ والتَّصدُّرِ والجُرأَةِ بغيرِ عِلمٍ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»غربَةُ التَّسليمِ للوحْي في زمَنِ الاضْطِرابِ«:

Next
Next

»أَبناؤُنا لا يُربَّونَ بالتَّهديدِ الدَّائِم«: